...

وفقاً لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغت الإيرادات الإجمالية لأكبر مئة شركة لإنتاج السلاح في العالم عام 2024 مستوى قياسياً وصل إلى 679 مليار دولار، بزيادة قدرها 5.9% عن العام السابق. هذا الرقم الصادم يثير تساؤلات عميقة: ما الذي يقف وراء هذا الارتفاع الحاد في المبيعات العسكرية؟ وما الذي يكشفه عن التحولات البنيوية في منظومة الأمن العالمي؟

طفرة غير مسبوقة تغذيها الحروب والتوترات الجيوسياسية

قفزت مبيعات الأسلحة والخدمات العسكرية في عام 2024 وسط موجة من الطلب المتزايد، مدفوعة بالحربين في أوكرانيا وغزة، وبحالة من التوتر الجيوسياسي المتصاعد على المستويين الإقليمي والدولي، إلى جانب تضخم الإنفاق العسكري العالمي. ولأول مرة منذ عام 2018، سجلت الشركات الخمس الكبرى في صناعة الدفاع نمواً متزامناً في مبيعاتها.

الولايات المتحدة وأوروبا قادتا هذا الارتفاع، في حين أظهرت جميع المناطق الأخرى زيادة في العائدات باستثناء آسيا وأوقيانوسيا، حيث عانت الصناعات العسكرية الصينية من تراجع الإنتاج بسبب اضطرابات داخلية.

هذا الارتفاع في الأرباح دفع العديد من شركات السلاح إلى توسيع خطوط الإنتاج، وافتتاح مصانع جديدة، وإنشاء فروع تابعة وعمليات استحواذ واسعة. لكن كما يشير الباحث في برنامج SIPRI لورينزو سكاراتساتو، “رغم أن الشركات ضاعفت قدراتها الإنتاجية، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات خطيرة قد تؤثر في الكلفة ومواعيد التسليم.”

الولايات المتحدة: ارتفاع الإيرادات رغم التأخيرات وتجاوزات الميزانية

بلغت مبيعات الشركات الأميركية من السلاح 334 مليار دولار عام 2024، بزيادة 3.8%. 30 من أصل 39 شركة أميركية ضمن القائمة رفعت مبيعاتها، بما في ذلك عمالقة الصناعة مثل لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وجنرال دايناميكس.

لكن برامج كبرى مثل المقاتلة F-35 والغواصة النووية كولومبيا والصاروخ الباليستي العابر للقارات سينتنيل ما زالت تعاني من التأخير وتضخم الكلفة، ما يثير قلقاً داخل البنتاغون حول مدى واقعية الجداول الزمنية والموازنات. الباحث شياو ليان من SIPRI حذر قائلاً: “هذه التأخيرات والزيادة في التكاليف ستؤثر حتماً على تخطيط واشنطن العسكري وقدرتها على ضبط الإنفاق الدفاعي.”

أوروبا تتسابق في إعادة التسلح وسط أزمات سلاسل الإمداد

من بين 26 شركة أوروبية مدرجة في القائمة (باستثناء روسيا)، سجلت 23 شركة زيادة في الإيرادات. وبلغ مجموع مبيعاتها 151 مليار دولار، بزيادة 13%. هذه الطفرة ناتجة عن تصاعد المخاوف من روسيا والحرب في أوكرانيا.
الشركة التشيكية Czechoslovak Group حققت أكبر نمو بنسبة 193% لتصل مبيعاتها إلى 3.6 مليارات دولار، معظمها من عقود توريد إلى أوكرانيا. أما الشركة الأوكرانية Ukrainian Defense Industry فرفعت مبيعاتها بنسبة 41%.

لكن الباحثة جاد غيبرتو ريكار حذرت من “تعقّد مسألة توفير المواد الخام، خصوصاً المعادن الحيوية، التي باتت تشكل نقطة ضعف في خطط إعادة التسلح الأوروبي.” فقد اضطرت شركات كبرى مثل إيرباص وسافران إلى البحث عن بدائل بعد توقف واردات التيتانيوم الروسي، بينما تخشى شركات مثل تاليس وراينميتال من ارتفاع كلفة إعادة تشكيل سلاسل التوريد بسبب القيود الصينية على تصدير المعادن الاستراتيجية.

روسيا: نمو رغم العقوبات ونقص الكفاءات

رغم العقوبات الدولية، ارتفعت مبيعات شركتي روستيخ والمؤسسة الموحدة لبناء السفن بنسبة 23% لتصل إلى 31.2 مليار دولار. الطلب الداخلي عوض عن تراجع الصادرات.
غير أن الصناعات الروسية تواجه تحديات حقيقية تتمثل في نقص الأيدي العاملة الماهرة وصعوبات الابتكار. ومع ذلك، يرى الباحث دييغو لوبيز دا سيلفا أن “الصناعة الدفاعية الروسية أظهرت في حرب أوكرانيا قدرة على الصمود كانت موضع استخفاف في السابق.”

آسيا وأوقيانوسيا: التراجع الصيني يلقي بظلاله على المنطقة

كانت آسيا وأوقيانوسيا المنطقة الوحيدة التي شهدت انخفاضاً، إذ تراجعت المبيعات بنسبة 1.2% إلى 130 مليار دولار. السبب الرئيس هو تراجع إيرادات الشركات الصينية بنسبة 10%، وأبرزها NORINCO التي انخفضت مبيعاتها 31%.
ويعزو مدير برنامج SIPRI نان تيان ذلك إلى “فضائح الفساد التي هزت قطاع المشتريات العسكرية في الصين وأدت إلى إلغاء عقود كبرى، ما زاد الغموض حول وتيرة تحديث جيشها.”

في المقابل، شهدت اليابان وكوريا الجنوبية قفزات كبيرة: ارتفعت مبيعات الشركات اليابانية بنسبة 40% إلى 13.3 مليار دولار، والكورية الجنوبية بنسبة 31% إلى 14.1 مليار دولار. وسجلت Hanwha Group الكورية الجنوبية نمواً لافتاً بنسبة 42%، أكثر من نصفه من الصادرات.

الشرق الأوسط: حضور قياسي في قائمة الكبار

للمرة الأولى، تضم قائمة أكبر 100 شركة تسع شركات من الشرق الأوسط، بإجمالي مبيعات بلغ 31 مليار دولار، بزيادة 14%.
الشركات الإسرائيلية الثلاث المدرجة رفعت مبيعاتها بنسبة 16% لتصل إلى 16.2 مليار دولار، رغم الانتقادات الدولية الحادة لسياسات تل أبيب في غزة. وتؤكد الباحثة زبيدة كريم أن “الطلب على السلاح الإسرائيلي لم يتأثر بالجدل السياسي، بل شهد مزيداً من العقود الجديدة.”

في تركيا، دخلت خمس شركات القائمة، بمبيعات بلغت 10.1 مليارات دولار (+11%)، بعد انضمام شركة MKE لأول مرة. أما مجموعة EDGE الإماراتية فأعلنت عن مبيعات بقيمة 4.7 مليارات دولار.
وفي الهند، ارتفعت مبيعات الشركات الثلاث المدرجة بنسبة 8.2% إلى 7.5 مليارات دولار بفضل زيادة الطلب المحلي.

خلاصة: منطق السلاح يطغى على منطق الأمن

قد يبدو للوهلة الأولى أن “الأرباح الفلكية لشركات السلاح” مجرد نتيجة طبيعية للفوضى والحروب. لكن الواقع أعمق بكثير. فقد حذر الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قبل عقود من “الخطر الكامن في تمدد نفوذ المجمع الصناعي العسكري على القرار السياسي.”

اليوم، يعيد التاريخ نفسه. فالطفرة الحالية في أرباح شركات الدفاع تهدد بأن تتحول المصالح العسكرية إلى المحرك الخفي للسياسات الوطنية والدولية. والأخطر أن هذا السباق نحو التسلح لا يجعل العالم أكثر أمناً، بل يدفعه أبعد عن أهداف التنمية والاستقرار.

السؤال الجوهري لم يعد: لماذا تستمر الحروب؟ بل كيف أصبحت الحروب نفسها جزءاً من نظام اقتصادي عالمي يُكافئ الصراع ويُضخّم أرباح من يغذّيه؟

ديناميكيات سوق السلاح العالمي

الحقائق تتحدث بوضوح: بلغت النفقات العسكرية العالمية في عام 2024 نحو 2.718 تريليون دولار، بزيادة قدرها 9.4 في المئة عن عام 2023، وهي أعلى نسبة نمو منذ عقد كامل. وارتفعت حصة الناتج المحلي الإجمالي العالمي المخصصة للدفاع إلى 2.5 في المئة. لم يشهد أي إقليم في العالم تراجعاً في ميزانياته العسكرية، بل العكس تماماً — الارتفاع أصبح سمة عامة.

الارتفاع الأوضح كان في أوروبا، مدفوعاً بالحرب في أوكرانيا، وفي الشرق الأوسط حيث أشعلت الحرب في غزة التوترات الإقليمية وأدت إلى قفزة في الإنفاق الدفاعي. وهكذا تجاوزت الاستثمارات الحكومية في الدفاع عتبة التريليونات، في وقت تشهد فيه البرامج الاجتماعية والاقتصادية في دول الجنوب ركوداً واضحاً.

في موازاة ذلك، واصل قطاع الصناعات العسكرية نموه السريع. فقد بلغت الإيرادات الإجمالية لأكبر الشركات المنتجة للسلاح في العالم 679 مليار دولار — وهو رقم غير مسبوق تاريخياً. وعلى مدى العقد الأخير ارتفعت مداخيل “الكبار المئة” بنسبة 26 في المئة. الشركات الأميركية استحوذت وحدها على نحو نصف السوق بإيرادات بلغت 334 مليار دولار (+3.8%)، بينما رفعت الشركات الأوروبية مبيعاتها إلى 151 مليار دولار (+13%).

أما في آسيا، فالصورة أكثر تبايناً. فقد تراجع أداء الشركات الصينية بسبب صعوبات في عقود التوريد وفضائح فساد، فيما حققت كوريا الجنوبية واليابان قفزات قوية بلغت 31 و40 في المئة على التوالي، مدفوعة بتوسع صادرات الأنظمة الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي الشرق الأوسط، قفزت الإيرادات إلى 31 مليار دولار، بفضل تصاعد الطلب على خلفية الحرب في غزة. إسرائيل سجلت ارتفاعاً بنسبة 16 في المئة (لتبلغ 16.2 مليار دولار)، وتركيا بنسبة 11 في المئة (لتصل إلى 10.1 مليارات دولار).
أما المفاجأة فكانت دخول شركة سبيس إكس لأول مرة إلى قائمة “SIPRI” بعد أن بلغت عائداتها العسكرية 1.8 مليار دولار بفضل العقود الفضائية الدفاعية.

هذه الأرقام تكشف بوضوح أن العالم يعيش في قلب “طفرة تسلح” هائلة. طفرة لا تأتي من فراغ، بل تعكس مباشرة تصاعد الإنفاق العسكري الحكومي على نطاق عالمي. “عائد السلام” الذي وعدت به التسعينيات تلاشى. اليوم أصبح التوسع في ميزانيات الدفاع هو القاعدة لا الاستثناء.

محركات الطلب الجيوسياسي على السلاح

الارتفاع في مبيعات السلاح يرتبط مباشرة بتصاعد التوترات والحروب الواسعة. الحرب الروسية الأوكرانية دفعت دول الناتو إلى زيادة غير مسبوقة في ميزانياتها الدفاعية وعقودها لشراء الطائرات الحربية والدبابات والصواريخ والمدفعية. أوروبا باتت تسجل نمواً مزدوج الرقم في مشترياتها العسكرية.

في آسيا، يتجسد المشهد في سباق تسلح إقليمي: الصين ترفع مشترياتها من الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي في ظل التوتر حول تايوان، فيما ترد اليابان وكوريا الجنوبية بزيادة موازناتهما العسكرية لمواجهة تهديدات كوريا الشمالية والتصعيد الإقليمي.

أما الشرق الأوسط، فالحرب في غزة أطلقت موجة جديدة من الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والذخائر، مما أنعش أرباح الصناعات العسكرية في إسرائيل وتركيا. ويتعزز “تأثير الدومينو”: كل زيادة في تسليح دولة تدفع جيرانها إلى أن يحذوا حذوها.

هذا النمط يعيد إنتاج “فخ الأمن” الكلاسيكي: كل طرف يزيد تسليحه خوفاً من الآخر، فيدور الجميع في حلقة لا تنتهي من الإنفاق العسكري. لكن الجديد اليوم هو أن الخوف تزاوج مع الربح — فالصناعة العسكرية أصبحت نشاطاً اقتصادياً عالي العائد، ما غيّر طبيعة القرار السياسي ذاته. بعض الحكومات باتت تزيد إنفاقها الدفاعي لا فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً لإنعاش اقتصادها الداخلي.

الاقتصاد السياسي ومخاطر «الرأسمالية العسكرية»

هذا التوسع الهائل في الإنفاق الدفاعي يستنزف موارد التنمية. الأمين العام للأمم المتحدة حذّر من أن نمو النفقات العسكرية يتزامن مع تراجع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة وتدهور الوضع البيئي. الأموال التي كان يمكن أن تذهب للصحة والتعليم والبنية التحتية، تُوجَّه اليوم إلى السلاح.

وفي الدول النامية، تقلصت المساعدات الدولية بشكل ملحوظ. وإذا استمر الاتجاه الحالي، فقد تصل النفقات العسكرية العالمية بحلول 2035 إلى 6.6 تريليونات دولار، ما يهدد بأزمات مالية متتابعة.

الخطر الأكبر يكمن في تعاظم نفوذ شركات السلاح. الأرباح الفائقة جعلتها لاعباً سياسياً رئيسياً، بحيث ينشأ تداخل خطير بين المصلحة الصناعية والحساب السياسي: المصنع يحتاج استمرار الشعور بالتهديد، والسياسي يسعى للحفاظ على الوظائف والعقود في دائرته.
تحذير الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عام 1961 من “التأثير غير المبرر للمجمّع الصناعي العسكري” يبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى. فقد أصبحت “الصناعة العسكرية الدائمة” حقيقة قائمة، ونفوذها بلغ مستويات غير مسبوقة.

ورغم وجود آليات رسمية لمراقبة تجارة السلاح، إلا أن فعاليتها محدودة، فيما تواصل الصفقات العسكرية النمو بمعزل عن الدعوات الدولية إلى ضبط النفس.

النتائج الإقليمية والتاريخ يعيد نفسه

تأثير تدفق الأموال الدفاعية يختلف بحسب طبيعة النظام السياسي. ففي الديمقراطيات، يؤدي تضخم الإنفاق العسكري إلى ضغط على الميزانيات العامة، فيضطر البرلمانيون إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي. في الولايات المتحدة، يستمر ما يُعرف بـ “دورة الهدر”، إذ تتجاوز مشاريع كبرى مثل F-35 والغواصات النووية من فئة كولومبيا ميزانياتها بشكل متكرر، لكن الجمود البيروقراطي يبقيها ممولة.

أما أوروبا، فقد تخلت عن تقاليد الانضباط المالي الصارم، ورفعت إنفاقها الدفاعي فوق 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ عقود، موجهة المليارات نحو شراء مقاتلات F-35 ودبابات ليوبارد ومنظومات دفاع جوي جديدة. إلا أن هذه السياسات تخلق معضلة مزدوجة: فهي تعزز الردع العسكري لكنها تضعف الجبهة الاجتماعية، مما قد يفتح الباب لاضطرابات سياسية داخلية في المدى المتوسط.

في الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية، المشهد مختلف. فروسيا، رغم العقوبات، ضاعفت إنتاجها العسكري عبر الاعتماد على الطلب الداخلي، ورفعت إيراداتها الدفاعية إلى مستويات تقارب تلك التي حققتها في أوائل العقد الماضي. الإنتاج العسكري ازداد بأكثر من أربعة أضعاف منذ عام 2022، خصوصاً في الذخائر الثقيلة. ومع ذلك، تبقى الصناعة الدفاعية الروسية غارقة في السرية، ما يجعل تقدير حجمها الحقيقي مهمة شبه مستحيلة. روسيا تسير نحو نموذج “العسكرة الاكتفائية”: التعويض عن فقدان الواردات عبر الطلب الداخلي والتوسع في التصدير، في مشهد يذكّر بأيام الاتحاد السوفييتي أواخر الحرب الباردة.

وفي آسيا، تتخذ المعادلة طابعاً مختلفاً. فبينما يواصل بكين الإنفاق الضخم على تحديث جيشه رغم حملات مكافحة الفساد، تتعامل دول الجوار مع ذلك كإشارة إنذار. الهند وباكستان تصعّدان سباق التسلح بينهما، واليابان وكوريا الجنوبية توسعان برامجهما الدفاعية وسط بيئة إقليمية مشحونة. وهكذا أصبحت آسيا واحدة من أسرع مناطق العالم عسكرة.

أزمة في هندسة الأمن الدولي

تنامي صادرات السلاح يعمّق “سباق التسلح الأعمى”: كلما تسلّحت دولة أكثر، ردّت جاراتها بالمثل. النتيجة — توسع بؤر التوتر وارتفاع احتمال الانفجار في مناطق النزاع. والأخطر أن القوة الاقتصادية للشركات الدفاعية تمنحها نفوذاً مباشراً على السياسة الخارجية للدول، إذ تلعب أحياناً دور “الوسيط الخفي” في رسم العقود والمواقف.

هكذا يتشكل ما يمكن تسميته بـ “أزمة السيطرة”: تتضارب المصالح المالية للمجمّع الصناعي العسكري مع محاولات ضبط الأزمات دبلوماسياً. فالسباق نحو التسلح يزيد القوة، لكنه يقلّص هامش المناورة السياسية ويجعل العالم أكثر صلابة... وأقل استعداداً للتسوية.

سيناريوهات المستقبل المحتمل

لتقدير التداعيات الاستراتيجية للطفرة العسكرية الراهنة، يمكن النظر في أربعة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح العقد المقبل.

السيناريو الأول: استمرار التصعيد

إذا طال أمد الحرب في أوكرانيا واستمر النزاع في الشرق الأوسط أو توسّع، فسيحصل المجمع الصناعي العسكري العالمي على دفعة جديدة. ميزانيات الدفاع ستواصل الارتفاع، وستنطلق جولات جديدة من التسلّح والتحديث.
أوروبا قد تنقسم فعلياً إلى مناطق دفاعية متباينة: محور أميركي ـ أطلسي في الغرب، وشرق أوروبي مسلح بكثافة، وروسيا التي تعيد توطيد علاقاتها العسكرية مع بعض جمهوريات آسيا الوسطى.
هذه الخارطة الجديدة ستؤدي إلى تسارع سباق التسلح وارتفاع احتمالات الحوادث العسكرية، بما في ذلك الاشتباكات الجوية أو البحرية غير المقصودة. كما سيزداد الاعتماد على تحويل التقنيات المدنية إلى استخدامات عسكرية، وسيتوسع نفوذ الشركات الخاصة في عقود الدفاع. النتيجة: أرباح قياسية للصناعات الحربية، ضغط أكبر على دافعي الضرائب، وتراجع أولويات التنمية والخدمات العامة إلى المرتبة الثانية.

السيناريو الثاني: الانفراج أو “التهدئة المنظمة”

في حال نجحت جهود الوساطة الدولية في تثبيت تسوية دائمة — مثل اتفاق مستقر بين إسرائيل وفلسطين أو وقف شامل للحرب في أوكرانيا — فإن الطلب على السلاح سينخفض بصورة حادة. عندها ستواجه الصناعات العسكرية فائضاً في القدرات الإنتاجية وتبدأ في تقليص العمالة.
سيتحوّل الزخم السياسي نحو القضايا الاجتماعية والتنموية، وسيرتفع الضغط الشعبي لخفض الإنفاق العسكري. هذا المناخ قد يتيح عودة مبادرات الحد من التسلح وإحياء الاتفاقيات التي تآكلت خلال العقد الماضي.
لكنّ هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية حقيقية، إذ إن “اقتصاد الحروب” خلق تحالف مصالح واسعاً داخل الحكومات والشركات يسعى للحفاظ على الوضع القائم.

السيناريو الثالث: الثورة التكنولوجية العسكرية

إذا تحوّل السوق جذرياً نحو الابتكارات — من الطائرات المسيّرة واسعة النطاق إلى الأنظمة الذاتية الهجومية والأسلحة الفرط صوتية — فسيُجبر القطاع الدفاعي على إعادة هيكلة نفسه بالكامل.
سيصبح الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمواد المتقدمة، وعلوم الفضاء محاور القوة الجديدة. الشركات التقليدية ستخسر جزءاً من السوق لصالح شركات التقنية العالية والناشئة، لكن ربحية القطاع ستبقى مرتفعة بسبب الطلب المتزايد على الحلول المبتكرة. وسينشأ جيل جديد من “قوى التكنولوجيا العسكرية” التي تمزج بين البرمجيات والسلاح في بنية واحدة.

السيناريو الرابع: أزمة الثقة العالمية

السيناريو الأكثر تشاؤماً يتمثل في انهيار منظومة الثقة بالمؤسسات الدولية. إذا اشتدت الصراعات وتحوّلت السياسة العالمية إلى مواجهة مفتوحة بلا ضوابط، فإن تجارة السلاح ستصبح فوضوية، وستتعطل هيئات الرقابة ونزع السلاح.
الدول ستسعى لتخزين الأسلحة “للمستقبل”، ما سيؤدي إلى عسكرة شاملة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والبيئية، وانهيار ما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد.

كل سيناريو من هذه السيناريوهات يقود إلى مسار سياسي مختلف. فتصاعد الإنفاق العسكري يقوّي عادة التيارات المتشددة في السياسة الخارجية ويضيّق هامش العمل الاجتماعي. في المقابل، فإن خفض الطلب على السلاح يفتح الباب أمام الاستقرار والتنمية. على المستوى العالمي، سيحدد الخيار بين التصعيد والانفراج ما إذا كان العالم سيتجه نحو “حرب باردة جديدة” أو نحو نظام أمني متعدد الأطراف أكثر توازناً.

الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية

الطفرة القياسية في أرباح صناعة السلاح عام 2024 ليست حدثاً عابراً، بل مؤشراً على دخول النظام الأمني العالمي مرحلة جديدة، حيث تتحول “الصناعة العسكرية” إلى فاعل سياسي واقتصادي مستقل قادر على توجيه قرارات الدول. خطورة هذا التحول تستدعي إجراءات ملموسة.

1. الشفافية والرقابة على الإنفاق العسكري
ينبغي للحكومات تعزيز آليات المراجعة البرلمانية والمساءلة المالية في ميزانيات الدفاع. من الضروري عقد نقاشات دولية دورية حول تأثير الإنفاق العسكري على التنمية، وإشراك هيئات مدنية مستقلة في تدقيق العقود الدفاعية. هذه الخطوات تقلل من مخاطر الفساد وتضخّم التكاليف وتمنع البيروقراطية من التمدد.

2. التنمية المستدامة بديلاً عن العسكرة
يجب أن يتحول مفهوم الأمن من سباق التسلح إلى بناء التنمية البشرية. يمكن للتحالفات الدولية إدماج أهداف نزع السلاح في برامج المساعدات. كما يُقترح وضع “حد أمني للميزانية” بحيث لا تتجاوز النفقات العسكرية نسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي — مثلاً 3% — بما يوازن بين احتياجات الدفاع والعدالة الاجتماعية.

3. ضبط تجارة السلاح وإحياء مبادرات نزع السلاح
ينبغي توسيع عضوية الاتفاقيات القائمة وتشديد معاييرها، مع إنشاء “مناطق خالية من أنواع محددة من الأسلحة”. نجاح هذه الخطوات يعتمد على دعم المحاكم الدولية والربط بين المساعدات المالية وسلوك الدول في تصدير السلاح.

4. تعزيز الدبلوماسية وآليات التسوية السلمية
السلام الحقيقي لا تصنعه الترسانات بل الإرادة السياسية. المطلوب تنشيط قنوات الوساطة والمفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف، وإنعاش مؤسسات شبيهة بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا للقيام بدور الإنذار المبكر وحفظ التوازن الإقليمي.

5. المسؤولية الأخلاقية للشركات الدفاعية
على شركات السلاح تبنّي معايير الشفافية والمساءلة، ونشر بيانات واضحة حول العقود والإنتاج، واعتماد آليات تدقيق بيئي ومالي. كما يجب دعم مشاريع التحويل الصناعي من الإنتاج العسكري إلى المدني كخيار استراتيجي لا تجميلي.

6. بناء اقتصاد بديل
على الدول الكبرى المصدّرة للسلاح العمل على تنويع اقتصادها عبر الاستثمار في التعليم والعلوم والطاقة المتجددة والتكنولوجيا. ويمكن للمؤسسات المالية الدولية أن تشجع الدول التي تُظهر تقدماً في خفض العسكرة بمنحها امتيازات ائتمانية وتمويلية.

الخلاصة

الارتفاع الهائل في أرباح الصناعات العسكرية يعكس خللاً هيكلياً عميقاً: فالعالم بات يخضع لمنطق الصراع لا لمنطق التنمية، بينما تحولت الحروب إلى مصدر للربح.
التحليل الحقيقي يجب أن يتجه إلى جذور الأزمة — إصلاح منظومة الأمن العالمي وإعادة تعريف أولويات الميزانيات العامة وتطوير أدوات الرقابة.
فقط إذا تمكنت المؤسسات الدولية من كبح “اقتصاد الحرب” وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية، يمكن للعالم أن يخرج من الدائرة المفرغة. أما إذا استمرت المعادلة الراهنة، فسيظل “الاغتناء من الحرب” عنوان المرحلة... وستتعمق الانقسامات وتتعاظم المخاطر الجيوسياسية عاماً بعد عام.

الوسوم: