...

مخزونات الاتحاد الأوروبي ممتلئة بمستوى هو الأسوأ منذ بدء الرصد عام 2011، والغاز أغلى بمرتين من العام الماضي، فيما أقصر طريق للخروج من المأزق يمر من جديد عبر الكرملين.

يوم الاثنين 14 سبتمبر 2026، تجاوز عقد أكتوبر الآجل في مركز الغاز الهولندي للمرة الأولى منذ نحو أربع سنوات مستوى ألف دولار لكل ألف متر مكعب، أي قرابة 84 يورو لكل ميغاواط ساعة. ولم يكن الغاز الأوروبي أغلى من ذلك إلا في ديسمبر 2022، حين كانت القارة تعيش خريفها الاول في حرب الغاز مع موسكو. يومها كان للازمة وجه واضح. اما اليوم فلا وجه لها. روسيا تؤمن نحو 12 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، مقابل قرابة 45 في المئة عشية غزو أوكرانيا، وخط «السيل الشمالي» يرقد في قاع بحر البلطيق بأنابيبه المثقوبة، فيما الزمت الدول السبع والعشرون نفسها قانونيا بالتخلي نهائيا عن الغاز الروسي في خريف 2027. لقد ربحت أوروبا حرب الغاز ضد الكرملين. وبعد أربع سنوات من هذا الانتصار تدخل موسم التدفئة بأكثر مخزوناتها فراغا منذ عقد ونصف.

لقد انتقلت رافعة الضغط. لم تعد في موسكو. انها الآن في مضيق يبلغ عرضه نحو 33 كيلومترا بين إيران وعمان، كان يمر عبره قبل الحرب ما بين 130 و140 سفينة يوميا، في حين كانت أوروبا لا تحصل عبره تقريبا على أي غاز. هذا المضيق، وليس صماما على الحدود الروسية، هو الذي سيحدد كم ستدفع شركة كيميائية ألمانية، واسرة إيطالية من لومبارديا، ومشغل بلدي لمحطات التدفئة في بولندا مقابل الدفء في يناير 2027.

رقم قياسي لا يتباهى به أحد في بروكسل

تنشر الارقام الرابطة الأوروبية للبنية التحتية للغاز، وهي رابطة لمشغلي منشآت الغاز الأوروبية، ومن الصعب مجادلة هذه البيانات لانها تأتي مباشرة من اصحاب مرافق التخزين. في 28 سبتمبر كانت مرافق التخزين الجوفية في الاتحاد الأوروبي ممتلئة بنسبة 71.16 في المئة. ومتوسط السنوات الخمس لهذا التاريخ اعلى بنحو 15.6 نقطة مئوية، فيما كان مستوى العام الماضي اعلى بنحو 11 نقطة. وبالنسبة إلى نهاية سبتمبر، فهذا هو اسوأ مؤشر في تاريخ الرصد كله. وتوجد في الخزانات قرابة 78 مليار متر مكعب من الغاز، أي اقل بنحو 13 مليار متر مكعب من العام السابق، واقل من أي خريف منذ عام 2013.

وقد اعادت الوكالات الحكومية الروسية احتساب قاعدة البيانات نفسها، فتوصلت إلى نسبة 71.5 في المئة وإلى 78.3 مليار متر مكعب. وموسكو لديها مصلحة مباشرة في تقديم الصورة الاكثر قتامة لمتاعب أوروبا، لكن بما ان حساباتها تتطابق مع حسابات بروكسل حتى اعشار النسب المئوية، فليس هناك مجال فعليا للمبالغة في سواد الصورة.

وللمقارنة، في مطلع أكتوبر 2022، في ذروة المواجهة مع «غازبروم»، كانت المخزونات الأوروبية ممتلئة بنحو 90 في المئة. يومها كان الاتحاد الأوروبي يشتري الغاز بأي سعر، وفي نهاية أغسطس 2022 قفزت الاسعار إلى مستوى قياسي بلغ 340 يورو لكل ميغاواط ساعة. انفقت اموال هائلة، لكن القارة دخلت الشتاء بمخزونات ممتلئة. هذا الخريف يسير في الاتجاه المعاكس تماما: تم توفير المال، وبقيت المخازن فارغة.

ولا تختلف التوقعات كثيرا بشأن الاول من نوفمبر، الموعد الرسمي لبدء موسم التدفئة. محللو اسواق المواد الاولية في الولايات المتحدة يتوقعون نسبة 74 في المئة. اما المستشارون البريطانيون فكانوا قد قدروا منذ يونيو نسبة 76 في المئة، ولم يزدد التفاؤل في القطاع منذ ذلك الحين. الفارق نقطتان فقط، لكن الاتجاه واحد. والهدف الذي خفضته المفوضية الأوروبية بنفسها من 90 إلى 80 في المئة لا يمكن بلوغه بوتيرة الضخ الحالية.

بدأ حفر الحفرة منذ الشتاء. فالشتاء البارد لعامي 2025 و2026 سحب من المخزونات نحو 60 مليار متر مكعب، وبحلول الاول من أبريل، مع بدء موسم الضخ، لم تكن ممتلئة إلا بنسبة 28 في المئة، أي بما يقارب 31 مليار متر مكعب، وهو ادنى مستوى منذ عام 2018. ثم تداخل عاملان آخران، وكلاهما جاء من الشرق الاوسط.

وكان سبتمبر هو الشهر الاكثر دلالة. فقد ضخت الشركات الأوروبية في المخزونات 7.8 مليارات متر مكعب، بزيادة 15 في المئة على العام السابق، وبأسرع وتيرة خلال أربع سنوات، وذلك في ظل اعلى الاسعار منذ نهاية 2022. لم ترغب في الشراء الرخيص صيفا. واضطرت إلى الشراء الغالي خريفا.

كيف تدفع أوروبا ثمن غاز لم تشتره

يمكن اختصار التسلسل الزمني في عدد قليل من التواريخ. في 28 فبراير 2026 بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ضد إيران. وفي 4 مارس اوقفت «قطر للطاقة» إنتاج الغاز الطبيعي المسال واعلنت القوة القاهرة، أي حقها في عدم تنفيذ العقود بسبب ظروف قهرية. وفي 18 مارس ضربت إسرائيل منشآت معالجة الغاز في حقل جنوب فارس، الذي يمثل نحو 70 في المئة من إنتاج الغاز الإيراني. وردت طهران بضربة استهدفت رأس لفان القطرية، اكبر مجمع لتسييل الغاز في العالم. ولاحقا قدر وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة» سعد شريدة الكعبي خسارة بلاده من قدرات التصدير بنحو 17 في المئة.

تؤمن قطر نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ويمر 93 في المئة من صادراتها عبر مضيق هرمز. ومنذ أبريل يفرض الاسطول الاميركي حصارا على الموانئ الإيرانية، فيما تبقي إيران المضيق تحت تهديد نيرانها. وفي منتصف يونيو، وبوساطة باكستان، وقعت الاطراف مذكرة لوقف إطلاق النار مدة ستين يوما ولفتح هرمز على مراحل، وفي 18 يونيو تحركت ناقلات الغاز القطرية نحو الخروج من الخليج للمرة الاولى منذ اشهر. لكن الاستراحة كانت قصيرة. ففي يوليو تعرضت ناقلة قطرية تدعى «الركيات» لهجوم في المضيق، وحملت الدوحة إيران المسؤولية، ثم اصيبت في مطلع أغسطس ناقلتان اضافيتان للغاز، وبالتزامن تقريبا هاجمت طائرة مسيرة ميناء دمياط المصري. وخلال نصف عام من الحرب انخفض تصدير الغاز القطري المسال بما يصل إلى 96 في المئة، فيما تجاوزت خسائر الدوحة من الإيرادات غير المحققة، بحسب التقديرات المتاحة، 24 مليار دولار.

تعلمت دول الخليج التحايل في تجارة النفط. فالناقلات تقوم بعبور سريع للمضيق، وغالبا مع اجهزة التعريف مطفأة، ثم تنقل الخام إلى سفن اخرى خارج المضيق. لكن هذه الحيلة لا تصلح مع الغاز. فالميثان المبرد إلى 162 درجة مئوية تحت الصفر لا يمكن ضخه من سفينة إلى اخرى في عرض البحر بالسهولة اليومية نفسها التي ينقل بها النفط. ولهذا اصبح الغاز القطري المسال محاصرا بصورة اشد من أي مصدر آخر للطاقة في المنطقة.

كانت أوروبا تشتري مباشرة من قطر كميات محدودة، إذ يأتي القسم الاكبر من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال منذ فترة طويلة من الولايات المتحدة. لكن هناك استثناءات مؤلمة. فشركة «إديسون» الإيطالية لم تستلم حتى نهاية يوليو 24 ناقلة قطرية، أي ما يعادل نحو 3 مليارات متر مكعب من الغاز، واعلنت في سبتمبر أن القوة القاهرة مددت حتى مطلع نوفمبر، ما يعني انها استمرت فعليا سبعة اشهر. كما تلقت باكستان وبنغلاديش اشعارات بإلغاء الامدادات حتى نهاية نوفمبر، وشملت القوة القاهرة مشترين في الهند وكوريا الجنوبية ايضا.

آلية الضربة التي اصابت أوروبا بسيطة وقاسية. المشترون الآسيويون الذين فقدوا الغاز القطري دخلوا السوق الفورية في المحيط الاطلسي وبدأوا يزايدون فوق العروض الأوروبية على الشحنات الاميركية نفسها. منذ زمن تحول سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي إلى حوض واحد بسعر واحد يحدده المشتري الاكثر ياسا. وهكذا دفعت أوروبا ثمن حرب لم يكن غازها نفسه طرفا مباشرا فيها.

ولا تمنح الدبلوماسية حتى الآن سببا للتفاؤل. ففي نهاية سبتمبر، على هامش الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، اقترحت طهران نظاما جديدا لوقف إطلاق النار لمدة ستين يوما وفتح المضيق تدريجيا مقابل رفع الحصار البحري الاميركي عن الموانئ الإيرانية. ولم يعلن عن اتفاق. وبالتوازي تبحث إيران وعمان قواعد الملاحة، لكن طهران تربطها بمساومة اوسع بكثير بشأن العقوبات والاصول المجمدة. لم تعد إيران بحاجة إلى إغلاق هرمز كي تتحكم فيه، فيكفيها أن تقرر أي سفينة تعبر وأي سفينة تبقى عند الرصيف.

هدنة خدعت المتعاملين

المفارقة أن الضرر الاكبر الذي اصاب مخزونات أوروبا لم تأت به الحرب، بل استراحة يونيو. فقد هدأت المذكرة السوق، وانخفض متوسط سعر العقد الاقرب استحقاقا في يونيو إلى 44.94 يورو لكل ميغاواط ساعة. وكان يبدو أن هذا هو الوقت المثالي للشراء. لكن المتعاملين فكروا بطريقة مختلفة.

اقتصاد تخزين الغاز يعتمد على الفارق بين سعر الصيف وسعر الشتاء: تشتري الشركة بسعر منخفض في يوليو، تضخ الغاز في المخزن ثم تبيعه في يناير. وفي صيف 2026 كانت العقود الشتوية اغلى بقليل فقط من عقود الصيف، فتحول التخزين إلى نشاط خاسر. وفي الوقت نفسه انخفضت الاسعار في المراكز الأوروبية إلى حد جعل المصدرين الاميركيين يفضلون إرسال شحناتهم إلى آسيا. السوق تصرفت بعقلانية كاملة. اما النتيجة فكانت غير عقلانية.

وبروكسل ساهمت في ذلك إلى حد ما. ففي مارس اوصت المفوضية الأوروبية دول الاتحاد بملء المخزونات إلى 80 في المئة، وفي اسوأ الاحوال إلى 75 في المئة، بدلا من المستوى المعتاد البالغ 90 في المئة، كي لا تؤدي المشتريات المحمومة إلى تفجير الاسعار. كما أن إصلاح لائحة تخزين الغاز، الساري منذ سبتمبر 2025، يسمح اصلا ببلوغ مستوى 90 في المئة في أي وقت بين الاول من أكتوبر والاول من ديسمبر، ويمنح هامش مرونة يبلغ عشر نقاط مئوية عند وقوع صعوبات. وفي يونيو أكد ممثل للمفوضية أن المخزونات اقل بنحو 10 في المئة من متوسطات ما قبل الازمة، لكن الطلب على الغاز في الاتحاد الأوروبي انخفض بنحو 17 في المئة، ولذلك لا يوجد تهديد فوري. وفي نهاية سبتمبر خلصت مجموعة تنسيق الغاز، التي انشأتها دول الاتحاد والمفوضية، إلى أن الامدادات مستقرة رغم انخفاض المخزونات. من الناحية الشكلية هذا صحيح. ومن الناحية السياسية، هو صيغة مريحة تسمح بتجنب القرارات غير الشعبية حتى وصول الصقيع الاول.

لقد حصلت أوروبا بالفعل على درس حول ما يحدث عندما يترك الاحتياطي التأميني للسوق. ففي عام 2017 اعلنت شركة «سنتريكا» البريطانية إغلاق مخزن «راف» قرب ساحل يوركشير، الذي كان يمثل نحو 70 في المئة من اجمالي قدرات تخزين الغاز في بريطانيا، لان الاحتفاظ به لم يعد مجديا تجاريا. وبعد اشهر قليلة فقط، في نهاية فبراير 2018، ضرب البلاد مرتفع قطبي شديد البرودة عرف باسم «الوحش القادم من الشرق»، وفي الاول من مارس اصدر مشغل شبكة نقل الغاز الوطنية تحذيرا رسميا من نقص الغاز، وقفزت الاسعار خلال اليوم الواحد عدة اضعاف. السوق التي لا تلزم باحتياطي توفر تكلفة التأمين فقط إلى اليوم الذي يصبح فيه التأمين ضروريا.

حسابات البرد: ثمانون مليارا في مواجهة ستة وستين

تستخدم أوروبا الغاز للتدفئة ولتوليد الكهرباء، ولذلك يقفز الطلب عليه شتاء، ولا سيما خلال موجات الصقيع القوية وفي فترات «السكون المظلم»، عندما تغطي السحب السماء، وتغيب الرياح، ولا تكاد الالواح الشمسية والتوربينات الهوائية تنتج شيئا. وفي مثل هذه الايام تسد محطات الكهرباء العاملة بالغاز فجوة الطاقة، ولا تستطيع أي واردات أن ترفع الامدادات خلال يوم واحد بالسرعة نفسها التي تفعلها المخزونات. وتتذكر أوروبا جيدا كيف يبدو ذلك: في 12 ديسمبر 2024، وفي ذروة إحدى فترات «السكون المظلم»، اقترب سعر الكهرباء لليوم التالي في ألمانيا خلال بعض الساعات من ألف يورو لكل ميغاواط ساعة.

ومن هنا تأتي الحسابات البسيطة. بحلول الاول من نوفمبر سيكون في المخزونات الأوروبية نحو 80 مليار متر مكعب. وفي الشتاءين المعتدلين لعامي 2022 و2023 و2023 و2024 سحب الاتحاد الأوروبي من المخزونات الجوفية ما بين 40 و45 مليار متر مكعب، وكان هذا الحجم كافيا مع هامش مريح. اما في الشتاء قبل الماضي فسحب 66 مليارا، وفي الشتاء الماضي قرابة 60 مليارا. وإذا تكرر حتى السيناريو الاخير فقط، فستكون الخزانات شبه فارغة بحلول نهاية مارس.

أوروبا لن تتجمد فعليا. هي غنية، ولديها شبكة واسعة من خطوط الربط، وعشرات المحطات لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، والقدرة على تجاوز أي عرض في السوق العالمية. وقبل وقت طويل من وصول مؤشرات بعض الدول إلى الصفر سيبدأ تشغيل آلية اخرى: سترتفع الاسعار بسرعة، ولا سيما إذا لم يفتح هرمز بالكامل. الخطر الرئيسي هذا الشتاء لا يسمى نقصا، بل فاتورة.

مخزونات أوروبا التي تبلغ سعتها قرابة 110 مليارات متر مكعب، إذا احتسبنا بريطانيا معها، تؤدي منذ زمن دور المستودع الافتراضي للعالم بأسره. وخارج الولايات المتحدة والصين لا يملك أحد قدرات مماثلة تستطيع امتصاص القفزة الشتوية الحادة في الطلب من دون انفجار سعري. وإذا فرغ المستودع الأوروبي، فستمر موجة الصدمة في العالم كله، وسيشعر بها اولا من لا يملك المال الكافي للدفع.

والربيع اشد خطرا. فإذا انخفضت المخزونات بحلول أبريل 2027 إلى مستوى حرج، فستحتاج أوروبا، وفقا لحسابات محللي القطاع، إلى نحو 30 مليار متر مكعب اضافي من الغاز بين مايو ونوفمبر للعودة إلى هدف 90 في المئة. ويبدو أن الحظ يقف إلى جانبها، إذ تدخل السوق موجة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الجديد. ففي أبريل 2026 شحن مشروع «جولدن باس» في تكساس اول شحنة، ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الثانية في النصف الثاني من العام، والثالثة في النصف الاول من 2027. كما يزداد الإنتاج في «بلاكومينز» بولاية لويزيانا، وفي مشروع كندا للغاز الطبيعي المسال، ومشروع «السلحفاة الكبرى أحميم» قبالة سواحل السنغال وموريتانيا. لكن المشكلة أن كامل الزيادة العالمية في العرض خلال نصف عام ستبلغ تقريبا الثلاثين مليار متر مكعب نفسها. وإذا اشترتها أوروبا كلها، فلن تؤدي الموجة الجديدة إلى خفض الاسعار، بل ستمنعها فقط من الارتفاع اكثر وتحافظ عليها عند مستوى مرتفع. صيف ثان متتال من الغاز الغالي سيكون اختبارا للصناعة الأوروبية اشد بكثير من شتاء صعب واحد.

مئة مليار يورو ثمن حرب الآخرين

مفوض الاتحاد الأوروبي للطاقة والإسكان دان يورغنسن، استنادا إلى تصريحاته العلنية، لا يعيش في وهم. ففي 21 أبريل في مدريد حذر قائلا: «ما دمنا نستورد وقودا احفوريا بأكثر من 370 مليار يورو سنويا، فنحن في غاية الهشاشة». وقبيل اجتماع وزراء الطاقة الأوروبيين في أكتوبر اصبحت تقديراته اكثر تشددا: «الشتاء في أوروبا سيكون صعبا جدا. لا يبقى إلا أن نأمل ألا يكون قاسيا». ثم جاءت عبارة تستحق أن تعلق في مكاتب جميع الهيئات التنظيمية الوطنية: «لكن الامل استراتيجية سيئة».

والاكثر إثارة للقلق في خطاب يورغنسن هو الرقم. فبحسب قوله تجاوزت النفقات الاضافية للاتحاد الأوروبي على واردات الوقود الاحفوري منذ بداية الحرب الإيرانية 100 مليار يورو، وذلك مقابل الكمية نفسها تماما من الطاقة. واعترف المفوض الأوروبي قائلا: «ازمة الطاقة في أوروبا لم تنته»، مضيفا أنه لا يمكن السماح بتحول المستوى الحالي للاسعار إلى قاعدة جديدة. وأوروبا تدفع اصلا مقابل الغاز قرابة ثلاثة اضعاف ما تدفعه الولايات المتحدة، كما تدفع اكثر من آسيا. وعند سعر يقارب 84 يورو لكل ميغاواط ساعة، يكلف الغاز الأوروبي الصناعة اكثر من 28 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فيما يدفع المنافس الاميركي في تكساس أو لويزيانا اقل من ذلك بعدة مرات مقابل الوقود نفسه.

وقد بدأت بروكسل بالفعل بدفع ثمن ذلك من مبادئها نفسها. ففي اجتماع للوزراء في دبلن اقترح يورغنسن تأجيل دخول القواعد الأوروبية الجديدة الخاصة بخفض انبعاثات الميثان حيز التنفيذ لمدة عام، بهدف تخفيف الضغط عن السوق. وقال للصحفيين: «لا شك في أن شتاء صعبا ينتظرنا». وللمرة الاولى تراجعت الاجندة المناخية، التي كانت حتى وقت قريب مقدسة بالنسبة إلى المفوضية، علنا أمام تكلفة التدفئة.

اما الرافعة الثانية، وهي خفض الاستهلاك، فسياسيا شديدة السمية. ففي رسالة إلى وزراء الطاقة وصف يورغنسن ما يحدث بأنه ازمة اسعار ناجمة عن ازمة إمدادات، ودعا الحكومات إلى التفكير في إجراءات لخفض الطلب على الغاز والكهرباء. لكن الدعوة جاءت متأخرة عدة اشهر. الساسة الأوروبيون يتحدثون بسهولة عن موثوقية الامدادات، ويتجنبون الحديث عن الاقتصاد في الاستهلاك، لان الاقتصاد يضرب نسب التأييد. وفي عام 2022 تطورت القصة بالطريقة نفسها: اتخذت القرارات بعدما كانت الاسعار قد بلغت ذروتها بالفعل.

من الرابح؟ اولا مصدرو الغاز الطبيعي المسال الاميركيون، الذين تحول الفارق بين سعر المادة الخام في الداخل والإيرادات في روتردام بالنسبة إليهم إلى منجم ذهب. والنرويج، المورد الرئيسي الثاني للاتحاد الأوروبي، تضخ الغاز عند حدود قدراتها القصوى وتحصل على ارباح استثنائية تذهب إلى اكبر صندوق سيادي في العالم. ويربح المتعاملون القادرون على تحويل مسار الناقلات بين المحيطين الاطلسي والهادئ. ويربح، على نحو يبدو مفارقا، «غازبروم» ايضا، كما سيتضح لاحقا.

اما الخاسرون فاكثر. الصناعة الأوروبية كثيفة استهلاك الطاقة، من الكيميائيات إلى الصلب، تفقد قدرتها التنافسية للعام الثالث على التوالي. وستتلقى الاسر ارتفاع الفواتير بعد تأخير عدة اشهر، حين تلحق التعريفات المنظمة بأسعار البورصة. اما الضربة الاقسى فستصيب المستوردين الفقراء في جنوب آسيا. ففي عام 2022 كانت باكستان وبنغلاديش اول من لجأ إلى انقطاعات الكهرباء المتعاقبة عندما تجاوزت أوروبا الغنية عروضهما في السوق الفورية. واليوم خسرتا في الوقت نفسه الغاز القطري بموجب العقود طويلة الاجل، وخسرتا ايضا القدرة على شراء بديل.

انبوب تكساس بدلا من الانبوب السيبيري

دفعت أوروبا ثمن التحرر من الاعتماد على روسيا باعتماد جديد لا يحبذون الحديث عنه في بروكسل. تتراوح حصة الولايات المتحدة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال، بحسب الحسابات المختلفة، بين 57 و63 في المئة، وتتجه في عام 2026 نحو الثلثين. وفي يوليو 2025، عند إبرام الاتفاق التجاري مع إدارة دونالد ترامب في تيرنبيري الاسكتلندية، تعهد الاتحاد الأوروبي بشراء موارد طاقة اميركية بقيمة 750 مليار دولار خلال ثلاث سنوات. يومها بدا الامر تنازلا سياسيا مقابل خفض الرسوم الجمركية. اما اليوم فيبدو المصدر الحقيقي الوحيد للغاز.

الغاز الاميركي اكثر موثوقية من الروسي، لان واشنطن لم تقطع حتى الآن الطاقة عن أوروبا. لكن عيبه في مكان آخر: يباع بسعر السوق، وسعر السوق في عام الحرب يعني السعر الذي يكون المشتري الاكثر خوفا في طوكيو أو سيول أو شنغهاي مستعدا لدفعه. كان الاعتماد على موسكو سياسيا. اما الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال فله شكل آخر، عبر السعر، وعندما يكون هرمز مغلقا تبدأ الفوارق بين نوعي الاعتماد بالتلاشي.

وفي هذه القصة مفارقة يصعب اختراعها عمدا. فمشروع «جولدن باس» الجديد في تكساس، الذي شحن اول دفعة في 22 أبريل 2026، مملوك بنسبة 70 في المئة لشركة «قطر للطاقة»، وبنسبة 30 في المئة لشركة «إكسون موبيل». وبينما تقف خطوط رأس لفان متضررة، يبيع رأس المال القطري الغاز لأوروبا من شواطئ خليج المكسيك. لقد تعلمت الدوحة كيف تربح حتى من القوة القاهرة التي اصابتها.

الممر القزويني الذي لا يتذكره الجميع إلا في النهاية

في المناقشات الأوروبية حول امن الشتاء نادرا ما يذكر المسار الذي لم يخذل أوروبا مرة واحدة خلال السنوات الخمس الماضية. يمتد ممر الغاز الجنوبي لمسافة تقارب 3500 كيلومتر، من الجرف البحري الاذربيجاني في بحر قزوين، عبر جورجيا وتركيا إلى جنوب إيطاليا. وبدأ الجزء الأوروبي منه، خط الغاز العابر للادرياتيك، العمل في 31 ديسمبر 2020. ووفقا لبيانات وزارة الطاقة الاذربيجانية حتى الاول من أكتوبر 2026، نقل الخط إلى أوروبا 61.4 مليار متر مكعب من الغاز، منها 6 مليارات إلى اليونان. وفي عام 2025 ارسلت اذربيجان إلى المشترين الأوروبيين 12.8 مليار متر مكعب.

هذا المسار لا يعتمد على هرمز، ولا يمر عبر خط الجبهة في أوكرانيا، ولا يخضع للعقوبات. وفي عام 2022، حين كان «غازبروم» يغلق في وجه أوروبا خطا بعد آخر، استمر الغاز الاذربيجاني في التدفق من دون انقطاع. وبعد أربع سنوات، حين علقت الناقلات القطرية في الخليج، بقي يتدفق بالانتظام نفسه. وقد حول رئيس اذربيجان إلهام علييف ذلك إلى استراتيجية متواصلة: الغاز الاذربيجاني تشتريه اليوم 16 دولة، منها 13 دولة أوروبية. ومنذ يناير 2026 بدأت الامدادات تصل عبر إيطاليا إلى ألمانيا والنمسا، كما ابرم عقد لعشر سنوات مع شركة «سيفي» الالمانية الحكومية، مع زيادة تدريجية في الاحجام إلى 15 تيراواط ساعة، أي ما يقارب 1.5 مليار متر مكعب سنويا. وبعد إنجاز الاعمال في محطة الضغط في كيبي باليونان، حصل خط الغاز العابر للادرياتيك ابتداء من الاول من يناير 2026 على 1.2 مليار متر مكعب اضافية من القدرة السنوية طويلة الاجل.

تتطلب الامانة الاعتراف بالحدود. بحر قزوين لن يحل محل قطر هذا الشتاء، ولم يعد أحد في باكو بذلك. فمذكرة التفاهم التي وقعتها اذربيجان والمفوضية الأوروبية في يوليو 2022 تنص على مضاعفة الامدادات إلى الاتحاد الأوروبي لتبلغ 20 مليار متر مكعب بحلول 2027، وفي ديسمبر 2023، في مدينة نيش الصربية، اكد رئيس اذربيجان إلهام علييف أن باكو ستفي بالتزامها. لكن المشترين الأوروبيين تعاقدوا خلال اختبار السوق لخط العابر للادرياتيك على 1.2 مليار متر مكعب اضافية فقط، بينما تتطلب المضاعفة نحو 10 مليارات. كما أن مشروع الضغط في حقل شاه دنيز، البالغة تكلفته 2.9 مليار دولار والمخصص لدعم الإنتاج، بدأت شركتا «سوكار» و«بي بي» اعمال بنائه فقط في الربع الثالث من 2026.

عنق الزجاجة ليس في باكو. ففي نوفمبر 2019 قرر بنك الاستثمار الأوروبي وقف تمويل مشاريع الوقود الاحفوري اعتبارا من نهاية 2021، واصبح توسيع البنية التحتية للغاز، بالنسبة إلى المال الأوروبي، امرا غير مرغوب فيه سياسيا. ظلت أوروبا سنوات تطالب اذربيجان بمزيد من الغاز، وفي الوقت نفسه ترفض الاستثمار في الانابيب التي يمكن أن يأتي الغاز عبرها. واليوم، حين تضطر إلى المزايدة امام المنافسين الآسيويين مقابل كل مليار متر مكعب اضافي، يبدو ذلك التعفف مكلفا بصورة خاصة.

إغراء الكرملين: لماذا سيكون الخلاص من الشرق اغلى من الغاز

كلما ارتفعت الاسعار، تعالت في أوروبا الاصوات التي تدعو إلى مراجعة قرار التخلي عن الغاز الروسي أو على الاقل تأجيله. الاحزاب اليمينية المتطرفة في عدد من دول الاتحاد الأوروبي تضغط علنا من أجل استئناف الامدادات، ومع انخفاض المخزونات يجد خطابها حول «الغاز الرخيص الذي ضاع بسبب تمسك غير ضروري بالمبادئ» اذانا صاغية. لكن من الناحية القانونية، فات القطار.

نشرت لائحة «إعادة تزويد الاتحاد الأوروبي بالطاقة» الخاصة بالغاز، ذات الرقم 261 لسنة 2026، في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي في 2 فبراير، ودخلت حيز التنفيذ في 3 فبراير 2026. وحظرت العقود قصيرة الاجل للغاز الطبيعي المسال الروسي اعتبارا من 25 أبريل 2026، والعقود قصيرة الاجل للغاز عبر الانابيب اعتبارا من 17 يونيو. ومنذ الاول من يناير 2027 تصبح العقود طويلة الاجل للغاز الطبيعي المسال الروسي محظورة ايضا، ما يقطع مشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال» التابع لشركة «نوفاتك» عن السوق الأوروبية. اما الغاز عبر الانابيب بموجب عقود طويلة الاجل فسيحظر اعتبارا من 30 سبتمبر 2027، مع السماح للدولة التي تعاني نقصا في ملء المخزونات بتأجيل الموعد حتى نهاية أكتوبر 2027. وقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي الوثيقة نهائيا في 26 يناير. وصوتت المجر وسلوفاكيا ضدها واعلنتا عزمهما الطعن فيها أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي. واعلن وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو في اليوم نفسه عزمه رفع دعوى، فيما ايده نظيره السلوفاكي يوراي بلانار.

ومع ذلك لم يختف الغاز الروسي. ففي عام 2025 زود «غازبروم» أوروبا بنحو 18 مليار متر مكعب، ومر الحجم كله عبر «السيل التركي»، وهو المسار الوحيد الباقي عبر الانابيب بعد توقف العبور عبر أوكرانيا في الاول من يناير 2025. وفي صيف 2026 ارتفع الضخ: فبحسب بيانات المشغلين الأوروبيين، مر عبر «السيل التركي» في يوليو نحو 1.74 مليار متر مكعب مقابل 1.26 مليار في يونيو، كما تجاوزت قيمة الغاز الروسي عبر الانابيب للمرة الاولى قيمة الغاز الطبيعي المسال الروسي ضمن هيكل واردات الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه لا يزال الغاز الروسي المسال يمثل نحو 14 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال، وهذه الحصة يجب استبدالها اعتبارا من الاول من يناير، وفي قلب الشتاء تحديدا.

اما العودة إلى الاحجام السابقة فمستحيلة من الناحية المادية البحتة. خطا «السيل الشمالي الاول» واحد خطوط «السيل الشمالي الثاني» دمرت بتفجيرات 26 سبتمبر 2022. وخط «يامال أوروبا» متوقف منذ 2022. والعبور الأوكراني اغلق. والخط الوحيد السليم في «السيل الشمالي الثاني» يحتاج إلى اعتماد ألماني، ورفع العقوبات، وإلى انتحار سياسي لاي حكومة في برلين تقرر القيام بذلك. وحتى إذا توافرت الإرادة السياسية في بروكسل وموسكو، فلن يبدأ الغاز بالتدفق بلمسة عصا سحرية.

لكن السؤال الرئيسي ليس حتى في الانابيب. هل يريد فلاديمير بوتين إنقاذ أوروبا؟ في عام 2022 ربط الامدادات بشروطه الخاصة: وبمرسوم صدر في 31 مارس طالب بالدفع بالروبل، وبعد ذلك بقيت بولندا وبلغاريا وفنلندا وعدد من المشترين الآخرين من دون الغاز الروسي. واوقف «السيل الشمالي» في نهاية أغسطس 2022 بذريعة إصلاح التوربين. واليوم يتصرف الكرملين كتاجر يعرف بالضبط قيمة بضاعته: ففي سبتمبر توقع الرئيس الروسي علنا أن يصل سعر الغاز في أوروبا إلى 1500 دولار لكل ألف متر مكعب. هذا ليس توقع محلل. بل اقرب إلى قائمة اسعار. ويمكن التنبؤ بسهولة بالرد الاكثر ترجيحا من موسكو على طلب أوروبي: اما الرفض مع اظهار الشماتة، أو المطالبة بتنازلات في قضية دعم أوكرانيا. وبالنسبة إلى أوروبا سيعني الخيار الثاني الاعتراف بأن أربع سنوات من الاستقلال الطاقوي لم تكن إلا فترة إيجار مؤقتة.

امتحان يناير: أربعة توقعات بتواريخ محددة

احتفظ لنفسي بحق تقديم توقعات محددة يمكن التحقق منها.

اولا. بحلول الاول من نوفمبر 2026 لن تبلغ مخزونات الاتحاد الأوروبي مستوى 80 في المئة الذي توصي به المفوضية. وستتراوح النسبة النهائية بين 73 و75 في المئة، وستشير بروكسل بهدوء إلى آلية المرونة.

ثانيا. إذا جاء يناير 2027 متوسط البرودة على الاقل، ولم يفتح هرمز بالكامل، فسيغلق عقد الغاز الأوروبي الاقرب استحقاقا مرة واحدة على الاقل قبل 15 فبراير 2027 فوق مستوى 100 يورو لكل ميغاواط ساعة.

ثالثا. بحلول الاول من أبريل 2027 ستنخفض نسبة امتلاء المخزونات الأوروبية إلى اقل من 25 في المئة، وستشتري أوروبا الغاز صيفا بأسعار تتجاوز 60 يورو لكل ميغاواط ساعة، ما سيجعل 2027 العام الثاني على التوالي لارتفاع تكلفة الطاقة.

رابعا. لن تلغي أي دولة في الاتحاد الأوروبي حتى نهاية الشتاء الحظر على الغاز الطبيعي المسال الروسي الذي يدخل حيز التنفيذ في الاول من يناير، لكن المجر وسلوفاكيا ستستخدمان انخفاض المخزونات حجة لتأجيل حظر الغاز الروسي عبر الانابيب حتى آخر موعد مسموح به في نهاية أكتوبر 2027.

انا مستعد لأن اخطئ في إحدى هذه النقاط إذا كان الشتاء دافئا مثل شتاء 2023. لكن التعويل على ذلك هو بالضبط الاستراتيجية السيئة التي حذر منها المفوض الأوروبي.

قبل أربع سنوات قررت أوروبا أن نقطة ضعفها الرئيسية لها عنوان في موسكو، واغلقت ذلك العنوان بعزم يستحق الاشادة. لكنها لم تلاحظ أن امن الطاقة لا يملك عنوانا واحدا، بل يملك فقط هامش امان يكفي أو لا يكفي. وفي أغسطس كانت تسع ناقلات غاز تقف عند ارصفة رأس لفان، محملة بالفعل بالغاز الطبيعي المسال القطري، وتنتظر تصريح المرور عبر المضيق. والغاز المسال داخل الناقلة يتبخر باستمرار، فاقدا كل يوم نحو عُشر واحد في المئة من الشحنة. وبينما يساوم الدبلوماسيون في نيويورك على مدة الهدنة، يتبخر الشتاء الأوروبي ببطء في سماء الخليج.