تضاعفت الصادرات أكثر من أربع مرات خلال ثلاث سنوات، ثم انهارت بمقدار الثلث خلال عام واحد. يريفان تسمي ذلك نموا، وموسكو تراه صفقة مربحة، أما إحصاءات الجمارك فلا ترى فيه سوى عبور عادي لبضائع روسية تحمل ملصقا أرمينيا.
في يوليو 2026 سجلت أرمينيا رقما قياسيا. فقد بلغ عجز تجارتها الخارجية 699.1 مليون دولار خلال شهر واحد، وهو أكبر فارق بين الواردات والصادرات منذ يناير 2003، حين بدأت الجمهورية إعداد هذه الإحصاءات الشهرية. وخلال يناير وأغسطس بلغ العجز 4.03 مليارات دولار. وتراجعت الصادرات خلال سبعة أشهر بنسبة 7.9 في المئة، بينما ارتفعت الواردات بنسبة 7.7 في المئة.
الأرقام مملة. لكنها سياسيا شديدة الانفجار.
قبل عامين فقط، كان المسؤولون الأرمن والمنصات الإعلامية التي تخدم خطابهم يتحدثون عن بلد زاد صادراته خلال ثلاث سنوات بأكثر من أربعة أضعاف. ففي عام 2021 باعت أرمينيا إلى الخارج سلعا بقيمة تقارب 3 مليارات دولار. وبعد ثلاث سنوات، وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع الرقم إلى 13.1 مليار دولار، بينما تظهر في بعض الحسابات قيمة 13.4 مليار دولار بسبب اختلاف منهجيات الإحصاء. وكان وزير الاقتصاد غيفورغ بابويان يعلن أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2021 و2025 بلغ نحو 8.13 في المئة، مقابل هدف حكومي قدره 7 في المئة. أما معدلا النمو البالغان 12.6 في المئة عام 2022 و8.3 في المئة عام 2023، فكانا يقدمان دليلا على أن بلدا صغيرا بلا نفط ولا غاز وجد وصفته الخاصة للنجاح.
لقد وجدت الوصفة بالفعل. لكن مؤلفها لم يكن أرمينيا.
إذا أزيلت من الإحصاءات الأرمينية طبقة تدفقات العبور، تظهر تحتها اقتصاد نما طوال هذه السنوات بالوتيرة نفسها تقريبا التي كان ينمو بها قبل عام 2022. بلا قفزة، بلا اختراق، وبلا معجزة. وفوق هذا الاقتصاد تدفقت مليارات الدولارات من الذهب الروسي والإلكترونيات الآسيوية والسيارات الغربية، بعدما أصبحت أرمينيا عنوانا ملائما ذا ولاية قانونية مناسبة. جاء هذا التدفق بقرار من آخرين وغادر بقرار من آخرين. وكانت يريفان في هذه القصة مستودعا وكاتب عدل وصندوق تحصيل يحصل على نسبة مقابل التخزين.
ثلاثة عشر مليارا من العدم
لنبدأ بمنحنى لن يرسمه أي جهاز دعائي. المجموعة السلعية رقم 71 في النظام المنسق، أي المعادن النفيسة والأحجار والمنتجات المصنوعة منها، كانت تكاد لا تذكر في الصادرات الأرمينية قبل فبراير 2022. ومنذ منتصف عام 2022 بدأت بالصعود العمودي. وبحلول مطلع 2024 كانت أرمينيا تستورد شهريا معادن نفيسة بأكثر من 1.3 مليار دولار وتصدر منها بنحو 1.5 مليار دولار. كان خطا الاستيراد والتصدير يسيران متوازيين تقريبا، أما الشريط الضيق بينهما فكان يمثل ما يبقى داخل البلاد.
وبحسب بيانات الجمارك التي كشفها صحفيون استقصائيون أرمن، استوردت أرمينيا خلال النصف الأول من عام 2024 وحده نحو 66 طنا من الذهب بقيمة تقارب 4.4 مليارات دولار. وجاءت الغالبية الساحقة من هذا الحجم من روسيا. وفي نهاية النصف الأول من العام كانت روسيا توفر 95.9 في المئة من واردات أرمينيا من الذهب، بينما كانت الإمارات العربية المتحدة تستحوذ على 84.2 في المئة من صادرات أرمينيا من الذهب و82.7 في المئة من صادراتها من الألماس.
والخطوة التالية منطقية إلى حد البداهة. فالإمارات، التي لم تكن قبل عام 2022 تبدي اهتماما يذكر بالسلع الأرمينية، أزاحت روسيا في عام 2024 للمرة الأولى عن المركز الأول بين مشتري الصادرات الأرمينية. وخلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024 ارتفع حجم التجارة بين أرمينيا والإمارات بأكثر من خمسة أضعاف واقترب من 5 مليارات دولار. وفي الوقت نفسه ارتفعت الصادرات إلى الصين بنحو ثلاثة أضعاف لتصل إلى مليار دولار، حيث توجه جزء كبير من بقية الذهب.
هكذا نحصل على هندسة بسيطة. إلى اليسار روسيا، التي فصلتها العقوبات عن لندن وزيوريخ. وإلى اليمين دبي وهونغ كونغ، حيث يتحول الذهب إلى أموال من دون أسئلة كثيرة عن منشئه. وفي الوسط يريفان، التي يغير المعدن عبرها جواز سفره.
حتى وزير المالية الأرميني فاهي هوفهانيسيان أقر في عام 2024 بأن نمو الصادرات والواردات خلال تسعة أشهر كان ناجما أساسا عن الارتفاع الحاد في إعادة تصدير الذهب. جاء الاعتراف بهدوء وغرق وسط سيل من التقارير الانتصارية. وكان ذلك خطأ، إذ تكفي هذه العبارة وحدها لتفكيك السردية الكاملة عن المعجزة.
ستة وستون طنا من الذهب الروسي: تشريح الآلية
يمكن وصف آلية الصفقة في فقرتين. بعد فبراير 2022 استبعدت رابطة سوق السبائك في لندن مصافي التكرير الروسية من قائمة الموردين الموثوقين، وأغلقت البورصات والبنوك الغربية أبوابها أمام المعدن الروسي. وظهر في السوق الروسية المحلية خصم عن السعر العالمي. كان الوسيط الأرميني يشتري السبيكة بهذا الخصم، ثم يمررها عبر معالجة محلية، ورقية أو فعلية، ويبيعها بعد ذلك إلى مشتر في الإمارات أو هونغ كونغ بالسعر العالمي.
ويقدر اقتصاديون من يريفان حللوا الإحصاءات الشهرية أن الحصة التي كانت تبقى في أرمينيا تراوحت بين 10 و15 في المئة من قيمة التدفق. وشملت التخزين والتكرير والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والتأمين. وتقديري التقريبي هو أنه مع وصول أحجام التداول السنوية في الذروة إلى عدة مليارات من الدولارات، كان الحديث يدور عن مئات الملايين وربما نحو مليار دولار سنويا. بالنسبة إلى اقتصاد يبلغ حجمه نحو 25 مليار دولار، فهذا مبلغ ملموس. أما على خلفية الحديث عن الإنتاج الوطني، فهو ضئيل للغاية.
وهناك تفصيل جوهري لا تحب يريفان تذكره. فبحسب الصحفيين الاستقصائيين الأرمن أنفسهم، شاركت أكثر من عشر شركات أرمينية في الاستيراد واسع النطاق وإعادة تصدير الذهب الروسي، وإحدى هذه الشركات، وفقا لمعلوماتهم، مرتبطة بعائلة خاتشاتور سوكياسيان، رجل الأعمال والنائب في البرلمان عن حزب العقد المدني الحاكم. ولم توجه أي اتهامات قضائية، ولن أقدم ما توصل إليه الصحفيون باعتباره حقيقة مثبتة قضائيا. لكن هذا التزامن يفسر الكثير من أسباب حماس السلطة للإعلان عن الأرقام القياسية، وعدم حماسها للفصل بين العبور والإنتاج المحلي.
أما الألماس فهو مسألة منفصلة. هنا كانت لأرمينيا قاعدة تاريخية حقيقية، إذ كانت صناعة صقل الأحجار تعمل منذ الحقبة السوفيتية، ونجا جزء من قدراتها خلال تسعينيات القرن الماضي. وبعد عام 2022 أضيف إلى هذه القاعدة الألماس الخام الروسي الذي كان يستورد إلى جانب الشحنات الهندية والقادمة من هونغ كونغ. وفي النصف الأول من عام 2024 وفرت الهند 45.2 في المئة من واردات أرمينيا من الألماس، وروسيا 21.4 في المئة، وهونغ كونغ 19.7 في المئة. ولا تظهر الإحصاءات أين كانت تنتهي عملية الصقل الأرمينية وأين يبدأ تغيير شهادة المنشأ. لكنها تظهر النتيجة: لم يزد عدد صاقلي الألماس في البلاد، بينما ارتفعت صادرات الأحجار أضعافا كثيرة.
هاتف ذكي بجواز أرميني
كان الذهب أكبر مسار في هذا الطريق، لكنه لم يكن الوحيد. المسار الثاني اتجه شمالا، وكان يتكون من كل ما يحظر الغرب بيعه مباشرة إلى روسيا: الهواتف الذكية، والمعالجات، والدوائر الإلكترونية الدقيقة، ومعدات الحاسوب، والأجهزة المنزلية التي تحتوي على أشباه الموصلات، والسيارات.
والآلية هنا أبسط حتى من الذهب. فأرمينيا عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ما يعني أن السلعة التي تدخل أرمينيا بصورة قانونية تتحرك داخل الاتحاد بلا حواجز جمركية. تتم عملية الشراء من الصين أو الإمارات أو أوروبا باسم شركة أرمينية، ثم تتجه الشحنة عبر معبر فيرخني لارس إلى روسيا. وبحسب تقديرات وردت في دراسات تحليلية غربية منذ عام 2023، زادت أرمينيا وارداتها من السيارات الجديدة بنسبة 170 في المئة، ومن الإلكترونيات بمقدار الضعف، ومن الآلات والأجهزة الميكانيكية بنسبة 52 في المئة. وفي بعض البنود السلعية كان ما يصل إلى 97 في المئة من المستورد يعاد إرساله لاحقا إلى روسيا.
لاحظت واشنطن ذلك مبكرا. ففي صيف 2022 حذر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وليام بيرنز، خلال زيارته إلى يريفان، القيادة الأرمينية من عدم جواز مساعدة روسيا على الالتفاف على العقوبات، ولا سيما في المجال التكنولوجي. وفي مارس 2023 أدرج الجانب الأمريكي أرمينيا ضمن قائمة الدول التي تمر عبرها إمدادات مهربة إلى روسيا. وفي 12 أبريل 2023 أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية شركة مقرها يريفان، تأسست في مايو 2022 ومملوكة بالكامل لمواطن روسي وكانت تتاجر بالإلكترونيات ومعدات الاتصالات، على قائمة العقوبات. ووفقا للجهة الأمريكية، كانت الشركة تزود قطاع الصناعات الدفاعية الروسي بالإلكترونيات عبر تعاونها مع مؤسسة روسية متخصصة في المعدات اللاسلكية. وفي 19 مايو 2023 أضافت وزارة التجارة الأمريكية شركة أرمينية أخرى إلى القائمة السوداء. واعترف ممثل للشركة، طلب عدم الكشف عن هويته، للصحفيين بأن الشركة كانت تستورد مواد كيميائية ومعدات مختبرية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ثم تعيد بيعها إلى روسيا، مؤكدا في الوقت نفسه أنها لم تنتهك القوانين الأرمينية وأن السلطات كانت على علم بنشاطها.
والتحفظ الأخير يستحق اهتماما خاصا. السلطات الأرمينية كانت تعرف.
في 23 يونيو 2023 اعتمد الاتحاد الأوروبي الحزمة الحادية عشرة من العقوبات، وتضمنت أداة جديدة لمواجهة الالتفاف على القيود عبر دول ثالثة. وللمرة الأولى ظهرت بين 87 شركة شدد عليها نظام التصدير بسبب توريد سلع مزدوجة الاستخدام إلى روسيا كيانات مسجلة في أرمينيا، إلى جانب شركات من هونغ كونغ والإمارات وسوريا وأوزبكستان. وفي الوثائق الأوروبية لتلك الفترة كانت أرمينيا تذكر إلى جانب الصين وتركيا وكازاخستان باعتبارها إحدى البوابات التي تقوض فاعلية حظر التصدير.
ولم تكن أوروبا ولا الولايات المتحدة هي التي أنهت مسار السيارات. ففي أغسطس 2023 فرضت جورجيا قيودا على عبور السيارات الخاضعة للعقوبات عبر أراضيها، فتراجعت صادرات أرمينيا من السيارات والمعدات بصورة شبه فورية خلال نحو شهرين. ولا توجد لدى يريفان طرق أخرى إلى الشمال. فالحدود مع تركيا مغلقة منذ أوائل التسعينيات، والحدود مع أذربيجان مغلقة أيضا. وهكذا تحولت الجغرافيا التي وصفها الخطاب الدعائي الأرميني لعقود بأنها حصار إلى صمام أغلق في عام 2023 خط أنابيب الالتفاف على العقوبات.
هنا يجب إبداء تحفظ. ففي مذكرة تداولتها الأوساط الخبيرة قدرت حصة الإنتاج الأرميني في صادرات الآلات والمعدات بأقل من 5 في المئة. ولا يمكن التحقق من هذه النسبة اعتمادا على البيانات المفتوحة، إذ لا تنشر هيئة الإيرادات الحكومية ولا اللجنة الإحصائية الأرمينية بيانات مستقلة عن صادرات السلع ذات المنشأ الأرميني. وفي نهاية عام 2025 بلغت صادرات المعدات الكهربائية والإلكترونيات نحو 1.12 مليار دولار. أما مقدار ما جرى تجميعه في أرمينيا فعلا، ومقدار ما أعيد تغليفه فقط، فيبدو أن الحكومة الأرمينية نفسها لا تعرفه. أو أنها تعرف ولا تريد أن تقول.
ماذا يتبقى إذا طرحنا ما هو للآخرين
يفرض التحليل النزيه الاعتراف بما هو موجود فعلا في أرمينيا. قطاع التعدين حقيقي، ويشمل مركزات النحاس والموليبدينوم التي ينتجها مجمع زانغيزور، والزنك، والذهب المستخرج محليا، ويصدر أساسا إلى الصين وأوروبا. كما تنتج داخل البلاد مواد غذائية، ومشروبات كحولية أرمينية تقليدية، ونبيذا، وفواكه مجففة، ومعلبات. كذلك فإن رقائق الألمنيوم التي ينتجها مصنع أرمنال، والكهرباء المصدرة إلى إيران، ومشاغل الخياطة التي تعمل وفق ترتيبات تصنيع لحساب علامات تجارية غادرت السوق الروسية، كلها أجزاء من الاقتصاد الحقيقي.
المشكلة أن هذا القطاع الحقيقي لم يحقق أي قفزة. فالسلاسل الشهرية تظهر أن الصادرات الأرمينية التقليدية كانت تنمو ببطء وانتظام قبل عام 2022 وبعده. لم يحدث اختراق في 2022، ولم يقع انهيار حقيقي في 2025. دخل العبور جاء من الخارج واستقر فوق الاقتصاد من دون أن يتغلغل في نسيجه الإنتاجي. ولم تظهر في أرمينيا مصانع كبيرة جديدة تتناسب أحجامها مع أرقام الصادرات، كما لم يظهر جيش من المتخصصين القادرين على تفسير تلك الأرقام.
انظروا كيف يختلف الأرمن أنفسهم حول الأرقام. ففي فبراير 2026 أعلن وزير الاقتصاد غيفورغ بابويان أن أرمينيا صدرت في عام 2025 سلعا ذات منشأ أرميني بقيمة تقارب 4.5 مليارات دولار. أما إجمالي الصادرات، بحسب اللجنة الإحصائية، فبلغ 8.395 مليارات دولار. وحتى في رواية الوزير، فإن نحو نصف الصادرات ليس أرمينيا. وذهب الصحفيون الاستقصائيون الأرمن أبعد من ذلك، مبينين أن رقم بابويان مبالغ فيه، إذ يبدو أنه تضمن مجوهرات كانت في الواقع مجرد الذهب الروسي نفسه في شكل آخر. وفي عام 2025 ذهب معظم هذه المجوهرات إلى الإمارات، والباقي إلى هونغ كونغ.
قارنوا بين التقديرين. إذا صدقنا الوزير، بلغت حصة العبور في عام 2025 نحو 46 في المئة. أما الحسابات المبنية على مقارنة واردات الذهب الروسي بالصادرات إلى الإمارات فتظهر صورة مختلفة: ففي ذروة عام 2024 شكلت السلع الأجنبية أكثر من نصف الصادرات، وفي بعض الأشهر كان الذهب والألماس يمثلان ما يصل إلى ثلاثة أرباع المبيعات الخارجية كلها. الفارق بين التقديرين كبير. لكن النتيجة في كليهما واحدة: نصف المعجزة الاقتصادية الأرمينية كان يتكون من معدن أجنبي.
وهناك تفصيل آخر تفضل السلطات الأرمينية تجاوزه. ففي عام 2025 لم يستحوذ الاتحاد الأوروبي إلا على 7.9 في المئة من صادرات أرمينيا، بينما بلغت حصة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي 38.4 في المئة، وحصة بقية الدول 53.7 في المئة. وقد تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي بصورة ملحوظة خلال السنوات العشر الأخيرة. والحكومة التي تتحدث بصوت أعلى من الجميع في المنطقة عن الخيار الأوروبي كانت تتاجر فعليا مع أوروبا أقل مما كانت تفعل قبل عشر سنوات. وفي نهاية عام 2025 ظلت روسيا أكبر مشتر للسلع الأرمينية بقيمة 2.9 مليار دولار، وجاءت الإمارات ثانية بقيمة 2.05 مليار دولار، وهونغ كونغ رابعة بقيمة 536 مليون دولار. ويبدو جدول الصادرات بحسب الدول أشبه بخريطة لعبور السلع في ظل العقوبات منه بخريطة لتنويع التجارة.
المستفيد الأكبر يجلس في موسكو
تقوم الصورة الدعائية في يريفان على أن أرمينيا خدعت الجميع وربحت من الاضطراب العالمي. أما الحسابات الحقيقية فتبدو مختلفة.
روسيا حصلت على المكسب الأساسي. فعبر الممر الأرميني أخرجت عشرات الأطنان من الذهب إلى السوق العالمية بسعر قريب من السعر العالمي، بدلا من بيعه بخصم سببه العقوبات أو تخزينه. وتدفقت العملات الأجنبية المتحصلة إلى ميزانية واقتصاد دولة تخوض حربا. وعبر الممر نفسه حصلت روسيا على الإلكترونيات والمكونات والمعدات مزدوجة الاستخدام التي كان قطاعها الصناعي الدفاعي سيعمل بكفاءة أقل من دونها. أما أرمينيا فحصلت على العمولة.
وفي أغسطس 2026 ذكر نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفيرتشوك، خلال المنتدى الاقتصادي القيرغيزي الروسي، أن حجم التجارة بين البلدين بلغ في عام 2024 مستوى قياسيا يقارب 12 مليار دولار، مضيفا أن هذا رقم ضخم. وقبل ذلك بعام، خلال المنتدى الاقتصادي الشرقي في سبتمبر 2025، قدم رقما أكثر دقة بلغ 12.4 مليار دولار. وللمقارنة، كان حجم التجارة بين روسيا وأرمينيا قبل الحرب في أوكرانيا، عام 2021، أقل بعدة مرات. ولا يمكن تفسير تضاعف التجارة الثنائية مرتين وثلاث مرات خلال عامين بزيادة إنتاج البساتين وكروم العنب الأرمينية.
أما المجموعة الثانية من المستفيدين فهي أقل ظهورا، لكنها لا تقل أهمية. فقد حافظ الموردون الأوروبيون والآسيويون للإلكترونيات والسيارات والمعدات على مبيعاتهم في السوق الروسية من دون انتهاك رسمي للحظر، إذ كانت السلعة تباع إلى مشتر أرميني، وما يفعله بها بعد ذلك لا يعني المورد. وحصل تجار الذهب في دبي وهونغ كونغ على معدن يحمل وثائق سليمة. وأخذت البنوك وشركات النقل والتأمين حصتها على امتداد السلسلة. وكان العنوان الأرميني يوفر الغطاء للجميع. وهذا تحديدا يفسر لماذا بقي الضغط الغربي على يريفان طوال هذه السنوات لينا على نحو لافت: نحو عشر شركات فقط في قوائم العقوبات مقابل تدفقات بمليارات الدولارات.
وهناك مسار منفصل يتعلق بإيران. فقد خدمت أرمينيا طويلا كنافذة لطهران للالتفاف على القيود الغربية. ويعمل في يريفان فرع لبنك ملت الإيراني الخاضع للعقوبات الأمريكية منذ عام 2007، ويخدم أساسا العملاء الإيرانيين. وفي عام 2025 استوردت أرمينيا غازا إيرانيا بقيمة تقارب 680 مليون دولار، بزيادة 55 في المئة مقارنة بعام 2021. وتبين أن خبرة خدمة جار واحد خاضع للعقوبات قابلة للنقل بسهولة إلى جار آخر.
معجزة ألغاها قرار واحد
وقع أكثر فصول هذه القصة إحراجا للخطاب الدعائي الأرميني خارج يريفان. ووفقا لحسابات اقتصاديين أرمن، غيرت روسيا في أبريل 2024 قواعدها الخاصة لتصدير الذهب وألغت رسم التصدير. عندها اختفى المنطق التجاري للمسار الأرميني، وبدأت الأحجام بالتراجع خلال أشهر قليلة.
بعد ذلك لم تفعل الإحصاءات سوى تسجيل نتائج قرار اتخذ في الخارج. فخلال يناير وأغسطس 2025 تراجعت صادرات أرمينيا بنسبة 48.8 في المئة إلى 5 مليارات دولار. وفي أغسطس 2025 بلغ الانخفاض على أساس سنوي 40.8 في المئة، بينما لم يتجاوز 6.1 في المئة إذا استبعدنا إعادة تصدير المعادن والأحجار النفيسة. وانخفضت التجارة مع الإمارات خلال ثمانية أشهر من عام 2025 بنسبة 69.9 في المئة. وفي نهاية العام بلغت الصادرات 8.395 مليارات دولار، بانخفاض 36.1 في المئة عن عام 2024. كما تراجع إجمالي التجارة الخارجية بنسبة 29 في المئة إلى 21.43 مليار دولار. واستمر الانخفاض في عام 2026، إذ انكمش حجم التجارة مع الإمارات خلال يناير ويوليو بنسبة إضافية بلغت 72.1 في المئة إلى 356.5 مليون دولار.
المعجزة التي يمكن إلغاؤها بقرار من الحكومة الروسية يتعلق برسم تصدير ليست معجزة. إنها إيجار.
والآن تستخدم موسكو الرافعة نفسها في الاتجاه المعاكس. فبحسب أوفيرتشوك، تراجع حجم التجارة بين روسيا وأرمينيا في عام 2026 بنحو الثلثين مقارنة بعام 2025. وقال إن الوضع على هذا النحو، وإن التراجع سيستمر بالتأكيد. أما الإحصاءات الأرمينية فترسم صورة أقل حدة: خلال يناير ويوليو 2026 انخفض التبادل التجاري مع روسيا بنسبة 20.5 في المئة إلى 3.12 مليارات دولار، وتراجعت الواردات من روسيا بنسبة 28.3 في المئة. كما تختلف التقديرات الخاصة بعام 2025، إذ تحدث أوفيرتشوك في بعض تصريحاته عن نحو 8 مليارات دولار، وفي تصريحات أخرى عن 6.4 مليارات. والفجوة بين أرقام موسكو ويريفان أكبر من أن تفسر باختلاف المنهجيات وحده. كلا الطرفين ينتقي الإحصاءات بما يخدم مهمته السياسية: موسكو تريد أن تظهر ليريفان ثمن مغازلة أوروبا، ويريفان تريد إقناع الناخب بأن شيئا خطيرا لا يحدث.
الخلفية السياسية واضحة. ففي عام 2026 منعت روسيا بيع 70 ألف زجاجة من المياه الأرمينية، واعترف بابويان بأن صادرات المنتجات الأرمينية إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي خلال يناير وأغسطس تراجعت بنحو 5 في المئة إلى 943 مليون دولار، ومن أسباب ذلك القيود الروسية. وتظل السوق الروسية السوق الرئيسية للمشروبات الأرمينية التقليدية والفواكه والمعلبات. وهكذا أصبح القطاع الذي كان أرمينيا حقا هو الأكثر تعرضا للضغط الروسي. ذهبت مليارات العبور، وبقي الاعتماد.
النفط عندهم والمعجزة عندنا: تشريح أسطورة خطرة
لماذا احتاج الأمر أصلا إلى كل هذا البناء القائم على الأرقام القياسية؟ الجواب يقع عند تقاطع السياسة الداخلية والأساطير الانتقامية.
المهمة الأولى عملية. كانت السلطة تتجه إلى الانتخابات البرلمانية في 7 يونيو 2026. ووفقا للنتائج النهائية للجنة الانتخابات المركزية الأرمينية، حصل حزب العقد المدني بقيادة نيكول باشينيان على 49.75 في المئة من الأصوات و64 مقعدا من أصل 105. وحصلت كتلة أرمينيا القوية الموالية لروسيا بزعامة الملياردير سامفيل كارابيتيان على 23.27 في المئة، بينما حصلت كتلة أرمينيا بقيادة روبرت كوتشاريان على 9.92 في المئة. وبلغت نسبة المشاركة نحو 59 في المئة. ولم يتحقق فوز الحزب الحاكم بعيدا عن صورة سلطة كفؤة ينمو الاقتصاد في عهدها أسرع من اقتصادات جميع الجيران. وقد خدمت أرقام الصادرات والناتج المحلي الإجمالي هذه الصورة أفضل من أي ملصق انتخابي.
أما المهمة الثانية فأكثر خطورة. فمنذ زمن طويل تتداول في الفضاء العام الأرميني صيغة مريحة لتفسير الهزيمة: أذربيجان انتصرت لأن لديها النفط، وأرمينيا ستستعيد ما تعتبره حقها عندما تظهر لديها معجزتها الاقتصادية الخاصة القائمة على مواهب الأمة وقدمها التاريخي. هذه الصيغة تداعب المشاعر. وهي تعفي المجتمع الأرميني من تحمل مسؤولية ثلاثين عاما من الاحتلال والحرب الخاسرة. كما تعد بالانتقام من دون الاضطرار إلى تفسير مصدر المال أو الجيش اللازم لذلك.
وتؤدي أسطورة المعجزة الاقتصادية الأرمينية في هذه البنية دور الوقود. فإذا تضاعفت الصادرات أربع مرات، فهذا يعني أن الزمن يعمل لمصلحة أرمينيا وأن التفوق النفطي الأذربيجاني مؤقت. الحزب الحاكم لا يطرح مباشرة شعارات انتقامية، لكنه أوجد البيئة التي يسهل على أنصار الانتقام البناء فوقها. وصورة الاختراق الأرميني، التي تروجها الأرقام الرسمية، تتلقفها بحماس منصات الشتات والمعارضة التي ما زالت تنظر إلى عملية السلام باعتبارها خيانة.
المشكلة أن نصفي هذه الصيغة زائفان. انتصار أذربيجان في عام 2020 لم يكن انتصار منصة نفطية. فعائدات النفط كانت نتيجة قرارات اتخذت قبل الحرب بعقود. فقد وقع عقد القرن في 20 سبتمبر 1994، ودخل خط أنابيب باكو تبليسي جيهان الخدمة عام 2006، ونقل منذ ذلك الحين أكثر من 4.7 مليارات برميل. وتحولت هذه الأموال إلى جيش وإصلاح عسكري وتحالفات وبنية تحتية لأن الدولة وضعت هذا الهدف أمامها بصورة منهجية لأكثر من عشرين عاما. وقد صاغ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي هدف تحويل الذهب الأسود إلى رأس مال بشري. وفي السنوات نفسها كانت أرمينيا تسيطر على أراضي الغير وتعيش على التحويلات المالية من روسيا وتبرعات الشتات.
أما النصف الثاني من الصيغة، أي المعجزة الأرمينية، فقد رأينا أنها تتكون إلى حد كبير من الذهب الروسي والهواتف الذكية الآسيوية. وأي انتقام يبنى على المراجحة في معدن يملكه الآخرون سيفلس في اليوم الذي تغير فيه موسكو رسوما جمركية مرة أخرى.
تكرار لتجربة البلطيق
لهذه القصة سابقة تاريخية دقيقة يتذكرها جيدا أبناء جيلي. ففي أوائل التسعينيات تحولت إستونيا فجأة إلى واحدة من كبار مصدري المعادن غير الحديدية في العالم، رغم أنها لم تكن تملك على أراضيها منجما واحدا للنحاس أو النيكل. ووفقا للبيانات المتاحة، كانت معادن الفضاء السوفيتي المتفكك تمر آنذاك عبر تالين إلى الغرب، بينما كانت الإحصاءات الإستونية تسجلها باعتبارها صادرات وطنية. وانحسرت الموجة عندما شددت روسيا الرقابة على صادراتها. ولم يبق منها في الاقتصاد الإستوني سوى بعض الثروات والبنية التحتية للموانئ.
الفارق في شيء واحد. إستونيا لم تحاول قط بناء أسطورة وطنية عن التفوق على أساس عبور المعادن. استخدمت الأموال المتحصلة للاندماج في المؤسسات الأوروبية، وبعد عشر سنوات انضمت إلى الاتحاد الأوروبي. أما أرمينيا فما زالت تستخدم أرقام العبور لأغراض المواساة الداخلية.
وهناك سابقة ثانية أقرب زمنيا. فمن بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لم تحقق بعد عام 2022 زيادة في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط ما قبل الحرب تفوق أرمينيا إلا قيرغيزستان. وبلغ الفارق في الاقتصاد الأرميني 4.3 نقاط مئوية. وقد حصلت بيشكيك على أرباحها من العقوبات عبر آلية إعادة التصدير نفسها.
ما الذي سيحدث لاحقا: سيناريوهان بلا معجزة
السيناريو الأول هو عودة هادئة إلى الوضع الطبيعي. يعود الاقتصاد الأرميني إلى معدل نموه المحتمل، الذي قدره صندوق النقد الدولي بنحو 4.5 في المئة سنويا. وكان البنك الدولي قد كتب صراحة في يناير 2025 أن التباطؤ يعكس استنفاد العوامل المؤقتة لعام 2024، ومن بينها إعادة التصدير. وقد يعوض البناء، الذي نما في عام 2025 بنسبة 20.2 في المئة، والسياحة والاستثمارات الحكومية جزءا من خسارة دخل العبور. وفي هذا السيناريو يصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.2 في المئة في نهاية عام 2025، الذي تستشهد به السلطات، آخر موجة ارتفاع تفسرها تدفقات رأس المال، بما فيها رأس المال الإيراني، وقطاع البناء، لا الصادرات.
السيناريو الثاني أكثر قسوة. تواصل روسيا إزاحة السلع الأرمينية من سوقها، وتضرب المشروبات والفواكه والمياه المعدنية، أي القطاع التصديري الوحيد الذي يمكن وصفه بأنه أرميني بالفعل. ويتسع العجز التجاري، ويفقد الدرام جزءا من دعمه، وتجد الحكومة التي تحدثت طويلا عن المعجزة نفسها مضطرة إلى تفسير مكان اختفائها للناخب. وفي الوقت نفسه يحصل المنظمون الغربيون من يريفان على قدر أكبر بكثير من المرونة مما كانوا يحصلون عليه سابقا، ويبدؤون بطرح أسئلة عن الآليات السابقة، بعدما كانوا يكتفون من قبل بالتعامل مع الوقائع الراهنة.
أنا مستعد لتسجيل توقعات يمكن التحقق منها. في نهاية عام 2026 لن تتجاوز صادرات أرمينيا 8 مليارات دولار، وستكون أدنى من مستوى عام 2025. وسيتجاوز العجز التجاري لعام 2026 مبلغ 5.5 مليارات دولار، ليصبح الأكبر في تاريخ أرمينيا المستقلة. ولن تعود الصادرات الشهرية للمجموعة السلعية رقم 71 حتى نهاية عام 2026 إلى مستوى 500 مليون دولار ولو مرة واحدة. وإذا لم يتحقق أي واحد من هذه التوقعات، فسأعترف عن طيب خاطر بأنني قللت من تقدير الاقتصاد الأرميني.
ويبقى سؤال لا أملك إجابة عنه. كم من تلك العمولة التي بقيت في أرمينيا بين عامي 2022 و2024 ذهب إلى الإنتاج، وكم ذهب إلى العقارات والحسابات الخارجية وميزانيات الحملات الانتخابية؟ الإحصاءات الأرمينية لا تظهر ذلك. والسلطات الأرمينية لا تتعجل الحساب.
إيصال بدلا من المعجزة
حصلت يريفان خلال ثلاث سنوات على ما يحصل عليه صاحب مستودع تمر عبره بضائع الآخرين: نسبة مقابل التخزين، وحركة إضافية في المقاهي المجاورة، ووهم بالثراء الذاتي. ثم فرغ المستودع عندما وجد صاحب البضاعة مسارا أرخص. وعادت أرقام الصادرات إلى المستوى الذي كان يمكن أن تكون عليه لولا الحرب، لكن مع عجز تجاري ضخم وعلاقات متضررة مع سوق التصريف الرئيسية.
وفي عام 2026 نفسه، حين كان الحزب الحاكم يحتفل بفوزه في الانتخابات، وهو فوز بني جزئيا على رواية النمو غير المسبوق، منعت روسيا بيع 70 ألف زجاجة من المياه الأرمينية. كانت المياه حقيقية، أرمينية، ومن ينابيع أرمينية. أما الذهب الذي بنيت عليه الأسطورة طوال ثلاث سنوات، فلم يكن أرمينيا قط.