عاد الأرخبيل الاصطناعي قبالة سواحل دبي ليصبح مرآة للإمارة. قبل عشرين عاما كان يعكس طموحها، وفي عام 2009 عكس انهيارها المالي. أما اليوم، فيكشف شيئا آخر: من بين ألفي مطور عقاري، من سيتمكن من الصمود أمام الحرب، ومن سيدفع ثمن الوعود التي أطلقها الآخرون.
نصف ساعة بالقارب من واجهة دبي البحرية، فتجد نفسك على الريفييرا الفرنسية. فندق وردي، مظلات حمراء منقطة بالأبيض، مراس لليخوت، وشارع تهطل فيه أمطار اصطناعية وفق جدول محدد، فيما توزع على الضيوف مظلات زاهية الألوان. في قلب الخليج، داخل بلد يعد فيه المطر الحقيقي حدثا استثنائيا، تتولى المضخات مسؤولية الطقس. أما الكهرباء اللازمة لكل ذلك فتنتجها مولدات الديزل، لأن المجمع غير متصل بشبكة المدينة. وفي ربيع عام 2026، حين تحول مضيق هرمز إلى منطقة عمليات قتالية، أصبحت كلفة كل لتر من وقود الديزل لهذه المولدات مسألة بقاء بالنسبة إلى المشروع.
الحديث هنا عن منتجع قلب أوروبا، الذي تبلغ قيمته ستة مليارات دولار، والمقام على أرخبيل العالم المصمم على هيئة خريطة للكرة الأرضية. ووفقا لأشخاص مطلعين على الوضع، خفض المطور عدد العاملين، وأرسل جزءا من الموظفين في إجازات غير مدفوعة، وهو الآن يواجه دعاوى قضائية من مستثمرين وموظفين سابقين. قد يبدو هذا، في حد ذاته، خبرا طريفا من صفحات المجتمع، لكنه في الواقع يوضح كيف تعمل الحرب التي بدأت في 28 فبراير داخل سوق العقارات في دبي: فهي تفرز اللاعبين بلا رحمة إلى من يملكون المال فعلا، ومن لم يكن لديهم سوى الصور التصورية للمشروعات.
28 فبراير: اليوم الذي انتزع من دبي بوليصة التأمين
على مدى أكثر من عشرين عاما، قامت معادلة دبي على افتراض غير معلن واحد: يمكن النظر إلى الإمارة باعتبارها جزيرة أمان في منطقة مضطربة. حروب العراق، والربيع العربي، والحملة اليمنية، ودورات العقوبات المرتبطة بإيران، كلها مرت من حولها، وكثيرا ما صبت في مصلحتها، إذ كانت رؤوس الأموال تهرب من بؤر التوتر إليها تحديدا.
لكن صباح 28 فبراير 2026 أسقط هذا الافتراض. فبعد الضربات الأميركية الإسرائيلية المنسقة ضد إيران، التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبارها عملية موجهة ضد البرنامج النووي والنظام نفسه، ردت طهران في مختلف أنحاء الخليج. وأدت وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي إلى إزالة القدر من ضبط النفس الذي كان العالم قد رآه في الرد الإيراني خلال يونيو 2025. واستهدفت الضربات الدول التي تستضيف قواعد أميركية. وهكذا وجدت الإمارات العربية المتحدة، رغم عدم مشاركتها في الغارات على إيران، نفسها ضمن قائمة الأهداف بسبب قاعدة الظفرة قرب أبوظبي وتحالفها مع واشنطن.
أرقام وزارة الدفاع الإماراتية لافتة. فحتى 4 مارس أطلق باتجاه الإمارات 189 صاروخا باليستيا و941 طائرة مسيرة وثلاثة صواريخ مجنحة. واعترضت الغالبية الساحقة منها. وقضى ثلاثة أشخاص، وهم عمال مهاجرون من باكستان ونيبال وبنغلادش. وبحسب البيانات الرسمية، كان بين المصابين بالشظايا والحطام مواطنون من نحو خمس عشرة دولة، بينهم أذربيجانيون. وسقطت أجزاء من الحطام في منطقة نخلة جميرا وبالقرب من فندق برج العرب، وتصاعد الدخان فوق ميناء جبل علي، كما تضرر المطار الدولي. وفي ليلة 31 مارس أصابت طائرة مسيرة ناقلة كويتية كانت راسية قبالة ساحل دبي.
كان الضرر المادي المباشر الذي لحق بالعقارات ضئيلا للغاية. لكن الضربة الحقيقية أصابت أصلا آخر: التصور القائم على أن دبي مكان لا تصل إليه الصواريخ. وقد فهمت السلطات ذلك أفضل من الجميع، ولذلك تمثل رد الفعل الأول في السيطرة على الصورة. أعلنت النيابة العامة في الإمارات أن نشر صور ومقاطع الضربات غير قانوني، فيما حذرت شرطة دبي من أن نشر معلومات تتعارض مع البيانات الرسمية قد يؤدي إلى عقوبة بالسجن تبدأ من عامين وغرامة تبدأ من مئتي ألف درهم، أي ما يقارب 55 ألف دولار. والمنطق واضح: في اقتصاد يكون فيه المنتج الرئيسي هو الثقة، قد تكلف صورة منتشرة على نطاق واسع لناطحة سحاب تحترق أكثر من كلفة الحريق نفسه.
أوقف وقف إطلاق النار الساري منذ 8 أبريل القصف المكثف، لكنه لم يعد العالم القديم. فما زالت الحوادث تقع من حين إلى آخر، ولا تزال الملاحة عبر هرمز متوترة، فيما ارتفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية في الإمارة بصورة ملحوظة. وعلى هذه الخلفية تحديدا ينبغي قراءة قصة أرخبيل واحد.
عشرون عاما من الرمال: من واجهة للإمارة إلى نصب تذكاري لغرورها
أعلن مشروع العالم عام 2003. وقامت شركة نخيل الحكومية، التابعة لمجموعة دبي العالمية، بردم نحو ثلاثمئة جزيرة على بعد أربعة كيلومترات من الساحل، ورتبتها لتشكل ملامح قارات العالم. كانت الفكرة عبقرية من الناحية التسويقية: اشتر لنفسك أيرلندا أو غرينلاند. بيعت الجزر لمشاهير وصناديق استثمار، وتحول الأرخبيل نفسه إلى رمز لدبي التي لم تكن تبني استجابة لطلب موجود، بل انطلاقا من قناعة بأن الطلب يمكن خلقه.
ثم جاء عام 2008. وفي نوفمبر 2009 طلبت دبي العالمية من الدائنين تجميد سداد ديون تبلغ نحو 26 مليار دولار، وناقشت الأسواق العالمية بجدية، ولعدة أيام، احتمال تعثر الإمارة عن السداد. وجاء الإنقاذ من أبوظبي، التي قدمت في ديسمبر من العام نفسه عشرة مليارات دولار. وكان ثمن الإنقاذ واضحا حتى في الرمزية: فالبرج الأعلى في العالم، الذي افتتح في 4 يناير 2010، لم يحمل اسم برج دبي كما كان مقررا، بل سمي برج خليفة تكريما لرئيس الإمارات وحاكم أبوظبي الشيخ خليفة بن زايد. وخلال تلك الدورة، هبطت أسعار المساكن في دبي، وفقا لتقديرات مختلفة، إلى النصف. أما جزر العالم فجمدت لسنوات، ولم يكن يجوبها سوى شائعات البناء وبعض السياح على متن الطائرات المائية.
تحول الأرخبيل إلى درس عملي في المبالغة في تقدير القدرات الذاتية. أما بقية دبي فمضت قدما، وأعادت البناء، وتجاوزت هبوط أسعار النفط في 2014، والانخفاض المطول للأسعار حتى 2019، ثم الجائحة، قبل أن تدخل موجة ازدهار جديدة. لكن خريطة العالم الرملية بقيت واجهة غير مكتملة. وأصبح مشروع قلب أوروبا، الذي يقوده المطور النمساوي يوزف كلايندينست، أبرز محاولة لإحياء هذه الخريطة: جزر باسم ألمانيا والسويد، وريفييرا فرنسية، وفيلات عائمة تضم غرف نوم تحت الماء.
لن أسخر من هذه الفكرة. فقد عرفت دبي من قبل مشروعات تعرضت للسخرية ثم تحولت لاحقا إلى علامات مميزة للمدينة. لكن قلب أوروبا يعاني نقطة ضعف لم تخلقها الحرب، بل كشفتها فقط: المشروع يعتمد بالكامل على تدفق الأموال والبشر من الخارج.
منتجع للسكان المحليين: كيف يعيش مشروع بقيمة ستة مليارات على القسائم
كانت فكرة المنتجع تقوم على توزيع النزلاء بالتساوي تقريبا بين الأجانب والمقيمين. لكن بعد 28 فبراير اختفى الأجانب، فتحول قلب أوروبا، مثل مئات الفنادق في البر الرئيسي، إلى استهداف الإقامة المحلية، أي قضاء العطلات من قبل سكان الإمارات أنفسهم. ويعرض على النزلاء قسائم للطعام والشراب بقيمة تساوي سعر الغرفة. بعبارة أبسط، يكاد المبيت يقدم مجانا، شرط أن يأتي الضيف وينفق أمواله في المطعم.
يقدم كلايندينست أرقامه الخاصة لنسب الإشغال: 27 في المئة في مارس، و36 في المئة في أبريل، و56 في المئة في مايو. وهو يتوقع الوصول إلى 80 في المئة خلال الأسابيع المقبلة، ويعد بافتتاح خمسة فنادق بحلول عام 2027، فيما تستمر الأعمال في بعض المواقع حتى أثناء الليل. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالارتفاع من قاعدة منخفضة في ذروة الأزمة ليس هو نفسه وجود نشاط تجاري مستدام. وإذا كانت نسب الإشغال تعتمد على تخفيضات تجعل الغرفة مجانية عمليا، فإن الإيرادات تنمو بوتيرة أبطأ بكثير من نمو الإشغال.
وللمقارنة، من المفيد النظر إلى المدينة كلها. ففي عام 2025 استقبلت دبي 19.59 مليون سائح أجنبي، وكانت تضم 154264 غرفة فندقية موزعة على 827 فندقا، فيما تجاوز متوسط الإشغال 80 في المئة. لكن في مارس 2026، ووفقا لتحليلات القطاع، انهارت نسبة الإشغال إلى نحو 33.1 في المئة، أي أقل بنسبة 54.4 في المئة مقارنة بالعام السابق. وفي ذروة الذعر، توقعت إحدى وحدات التحليل الكبرى أن تهبط نسب الإشغال خلال الربع الثاني إلى 10 في المئة، ووصفت ما يجري بأنه توقف فعلي لجزء كبير من القطاع. كان هذا التوقع شديد التشاؤم، لكن الاتجاه العام كان صحيحا: بنهاية الأشهر السبعة الأولى من العام أصبحت نسب الإشغال في دبي أقل بنسبة 29 في المئة عن العام السابق، وهو أداء أسوأ من جيرانها في الخليج. أما مطار دبي الدولي فاستقبل خلال الربع الأول 18.6 مليون مسافر مقابل 23.4 مليون قبل عام، فيما هبطت الحركة في مارس بنسبة 66 في المئة.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو المنتجع القائم على جزيرة لا يمكن الوصول إليها إلا بحرا، والذي ينتج الكهرباء بنفسه، أكثر هشاشة من أي فندق على البر الرئيسي. ارتفع سعر الديزل، كما ارتفعت كلفة نقل مواد البناء بحرا، وفي الوقت نفسه تراجع عدد السياح. إنها حلقة مغلقة.
كما بدأت وعود المشروع نفسها تتقلص. فالمنتجع الفينيسي داخل قلب أوروبا لا يزال موجودا على الورق فقط. أما الفكرة الأكثر ترويجا، وهي فرس البحر العائم، فقد صممت أساسا كمنزل عائم جزئيا تحت الماء، مثبت في قاع البحر. وبعد تغييرات قانونية، اضطرت الشركة إلى إعادة تصميم النماذج الأولية، ويجري حاليا بناء 72 وحدة من هذا النوع. ويقول كلايندينست إن خياره كان دائما إنجاز المشروع بإتقان بدلا من إنجازه بسرعة، ويقر بأن التأخيرات أثارت استياء مفهوما لدى بعض الشركاء. ويرفض الشكوك بشأن جدوى المشروع، مؤكدا أنه مشروع سياحي طويل الأجل، وليس مخططا عقاريا تقليديا، وأن كثيرا من عناصر الجذب كانت تتطلب تقنيات وتصاريح لم تكن موجودة عند انطلاق المشروع.
هذه حجة معقولة، لولا الدعاوى القضائية. فوفقا لمصادر ووثائق قضائية اطلع عليها صحفيون، يطعن مستثمرون في مواعيد تسليم العقارات وفي العوائد المضمونة التي وعدوا بها. كما يطالب موظفون سابقون برواتب لم تدفع. ويرد كلايندينست بأن الشركة تفي بالتزاماتها، وأن أي مطالبات يمكن تسويتها مباشرة.
عبارة "العائد المضمون" هي المفتاح هنا. فالضمان الذي يمنحه المطور، وليس المصرف، يساوي بالضبط ما يساويه التدفق النقدي للمطور نفسه. ما دام السياح يتدفقون، تعمل مثل هذه المخططات. وحين يجف التدفق، يتحول الضمان إلى دين لا توجد أموال لخدمته.
وكان وضع الجيران في الأرخبيل أسوأ. فقد أغلق منتجع أنانتارا جزر العالم، المصمم على الطراز المالديفي والذي أنشأته جهة مرتبطة بالرئيس السابق لموانئ دبي العالمية سلطان أحمد بن سليم، أبوابه في 10 أبريل من دون تحديد موعد للعودة. وعزت الشركة المشغلة القرار إلى مجموعة من العوامل الخارجية. الصياغة دبلوماسية، لكن المعنى واضح. وفي الربيع دخلت منشآت بارزة أخرى في دبي أعمال تجديد في الوقت نفسه، بينها برج العرب وفندق أرماني. رسميا، لم يتحدث أحد عن الحرب. لكن حين تتذكر فنادق فاخرة، في اللحظة نفسها، خططا قديمة للتحديث، يفهم السوق ما يعنيه ذلك.
اختفى نصف الصفقات، بينما تصمد الأسعار. حتى الآن
تتعامل دبي البرية مع الحرب بصورة مختلفة عن الجزر، وهنا تختلف الأرقام كثيرا بحسب المكان الذي تنظر إليه.
أولا، حجم الطفرة التي اضطرت إلى التوقف. بين عامي 2020 و2025 ارتفعت القيمة الإجمالية للصفقات العقارية في دبي بنسبة 866 في المئة، فيما تضاعف سعر القدم المربعة تقريبا. وفي يناير 2026 سجلت الإمارة 17457 صفقة بقيمة 72.5 مليار درهم، بزيادة 22.7 في المئة على أساس سنوي. وفي يناير وفبراير معا بلغ عدد الصفقات 34452 بقيمة 133.3 مليار درهم. دخل السوق الحرب وهو يتحرك بأقصى سرعة.
ثم جاءت الصدمة. وفقا لتقديرات أحد أكبر البنوك الاستثمارية الأميركية، تراجع حجم الصفقات العقارية في الإمارات خلال الأيام الاثني عشر الأولى من مارس بنسبة 37 في المئة على أساس سنوي وبنسبة 49 في المئة مقارنة بالشهر السابق. وبحلول 9 مارس كان مؤشر شركات التطوير العقاري في سوق دبي المالي قد فقد نحو 21 في المئة، متراجعا من قرابة 16700 نقطة إلى نحو 13353 نقطة. أما صفقات السوق الأولية، التي شكلت 69 في المئة من إجمالي المبيعات في 2025، فانخفضت في مارس بنسبة 21 في المئة مقارنة بالشهر السابق إلى 9368 صفقة. وكانت إعادة بيع المساكن قيد الإنشاء النقطة الأكثر إيلاما، إذ تباع هذه الوحدات، وفقا لمراقبين في السوق، بأسعار تقل بين 10 و15 في المئة عن السعر الأصلي. وبحلول نهاية مايو، خفض بائعو العقارات الفاخرة أسعارهم المطلوبة بإجمالي 2.36 مليار درهم عبر 3292 عقارا، وفقا لإحدى خدمات المراقبة.
وفي مايو، كان عدد صفقات المساكن، بحسب شركة استشارات محلية، يساوي تقريبا نصف عددها في العام السابق. لم يرغب البائعون في التخلي عن عقاراتهم بخصومات كبيرة، ولم يرغب المشترون في دفع أسعار ما قبل الحرب. وفي يونيو انتعشت المبيعات، وتباطأت وتيرة انخفاض الأسعار، لكن منذ بداية الحرب فقد سوق الإسكان، وفقا لهذا التقدير، نحو 10 في المئة من قيمته.
وهنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة. تظهر بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي للربع الثاني أكثر من 38 ألف صفقة سكنية، أي أقل بنحو الثلث من المستوى القياسي قبل عام، مع تراجع قيمتها الإجمالية بنحو 40 في المئة إلى 110.4 مليار درهم، أي نحو 30 مليار دولار. ومع ذلك، ارتفع متوسط سعر القدم المربعة، بحسب البيانات نفسها، بنسبة 6.5 في المئة. يبدو التقديران متناقضين، لكن ذلك ظاهري فقط. فقد تحولت بنية الصفقات نحو المساكن الجاهزة الأعلى سعرا، بينما اختفت تقريبا عمليات إعادة البيع المضاربية الرخيصة. يعكس مؤشر الأسعار الخصومات على عقارات بعينها، فيما يعكس متوسط سعر القدم تغير تركيبة المشتريات. والخلاصة الصادقة هي أن السوق لم ينهَر، بل تجمد ويعيد تقييم نفسه.
تقوم الحجة الرئيسية لدى المتفائلين على تركيبة المشترين. ويشير أحد مسؤولي الأبحاث في شركة استشارات دولية كبرى في الشرق الأوسط إلى أن المضاربة القائمة على الشراء بهدف إعادة البيع السريع أقل انتشارا بكثير في هذه الدورة مقارنة بعام 2008. قلة المضاربين تعني قلة المبيعات الاضطرارية. لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن الحرب أضعفت بشدة ثقة السكان، وغالبيتهم من الوافدين، ويتوقع مزيدا من التباطؤ خلال أشهر الصيف الهادئة تقليديا.
وثمة خلفية مقلقة لهذه الصورة، حذر منها خبراء حتى قبل الحرب. ففي عام 2025 توقعت إحدى وكالات التصنيف الرائدة تصحيحا في الأسعار يصل إلى 15 في المئة بين منتصف 2025 ونهاية 2026. السبب هو المعروض: بين عامي 2023 و2026 كان من المفترض أن يدخل السوق نحو 250 ألف وحدة سكنية، منها قرابة 120 ألف وحدة في عام 2026 وحده. وهكذا جاءت الحرب فوق دورة كانت تتجه، حتى من دونها، نحو نقطة تحول. كما خفض بنك أميركي كبير توقعاته لنمو سكان دبي إلى 1 في المئة خلال عام 2026.
ألفا مطور يتقاسمون طوق نجاة واحدا
مرت أكثر التفاصيل دلالة في هذه القصة من دون اهتمام كبير. فبعد وقت قصير من بدء الحرب، بدأ المنظم، بحسب أشخاص مطلعين على الوضع، الاستعداد لعملية توحيد السوق، ووجه تحذيرا غير رسمي إلى المجموعات الكبرى من احتمال اضطرارها إلى الاستحواذ على منافسين أصغر بدأت سيولتهم تنفد.
وبحسب دائرة الأراضي والأملاك، يعمل في سوق دبي أكثر من ألفي مطور عقاري. وبالنسبة إلى مدينة يبلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين نسمة، فهذا رقم مفرط. دخل معظم هؤلاء السوق خلال السنوات الخمس الماضية، حين بدا التطوير العقاري آلة لطباعة النقود: تبيع الشقق في مرحلة الحفر، وتبني بأموال المشترين، وتحصل على هامش الربح. تعمل هذه المعادلة ما دام تدفق المشترين الجدد مستمرا. وعندما يجف هذا التدفق، تبقى على المطور التزامات البناء ومواعيد السداد، فيما يبدأ المشترون أنفسهم في التوقف عن الدفع.
ويتحدث زياد الشعار، الرئيس التنفيذي لشركة دار غلوبال، الذراع الدولية لشركة دار الأركان السعودية المعروفة بشراكتها مع مؤسسة ترامب، عن ذلك بصراحة. ويقول إن المتضررين سيكونون الوافدين الجدد الذين دخلوا قطاع التطوير العقاري بعدما رأوا الطفرة واعتقدوا أنه عمل سهل. فالأسواق التي تعتمد بشدة على المشترين الأجانب تتضرر أكثر من غيرها، وعدم اليقين يدفع المستثمرين إلى تعليق قراراتهم.
وقد وصلت عمليات التسريح بالفعل إلى أسماء كبيرة. فبحسب مصادر، خفضت كل من شركتي شوبا وعزيزي مئات الوظائف. كما أصدرت بعض الشركات سندات قبل الحرب، وهذه الأوراق تتعرض حاليا لضغوط. ويرى محام بارز في قطاع العقارات أن الجمع بين التخمة في السوق والصدمة العسكرية سيسرع عملية التوحيد. ويتوقع محام في شركة محلية كبيرة متخصصة في الإنشاءات انتقال الاهتمام نحو المشروعات الأكثر تقليدية، لأن مشاكل المشروعات غير المألوفة قابلة للحل، لكن حلها سيكون مكلفا.
من المستفيد من التوحيد؟ أولا كبار المطورين المرتبطين بالدولة أو بالعائلات الحاكمة، إذ يمكن أن يحصلوا على الأراضي والمشروعات غير المكتملة وقواعد عملاء المنافسين بأسعار زهيدة. كما تستفيد الدولة، لأنها تحصل على سوق أسهل في الإدارة. أما الخاسرون فهم مشترو العقارات من المطورين الصغار، الذين قد يتسلمون وحداتهم متأخرة في أفضل الأحوال، وقد يضطرون إلى التقاضي في أسوأها. وبعد الأزمة السابقة، اضطرت دبي إلى إنشاء آليات خاصة لتصفية المشروعات الملغاة، وانتظر كثير من المشترين سنوات قبل الوصول إلى حلول.
أرى أن هذا التوحيد حتمي، والغريب أنه قد يكون مفيدا للإمارة. فالسوق التي تتنافس فيها ألفا شركة على تقديم أعلى عائد مضمون أخطر من سوق تضم عشرين لاعبا كبيرا يدعمون وعودهم برؤوس أموال حقيقية. الدولة تفهم ذلك. والسؤال هو الثمن الذي سيدفعه المستثمرون الأفراد.
ساجواني لم يعد خائفا: لماذا يطلق العمالقة مشروعاتهم تحت الصواريخ
في الطرف الآخر من السوق تسود ثقة استعراضية، وهذه بدورها سياسة.
في يونيو كشفت إعمار، الشركة التي شيدت برج خليفة بارتفاع 828 مترا، عن خطة لمنطقة حضرية جديدة بقيمة 55 مليار دولار تستوعب 150 ألف نسمة. وقبل ذلك بشهر أعلنت شركة بروكفيلد الكندية إنشاء مشروع مشترك جديد للاستثمار في عقارات دبي. وتبني دار غلوبال برجا من 80 طابقا يحمل علامة ترامب، ويضم مسبحا على السطح تصفه الشركة بأنه أعلى مسبح مفتوح في العالم. ومن المقرر إنجاز المشروع خلال خمسة أعوام، وقد بيع منه، وفقا للشعار، ما بين 80 و90 في المئة. ويضيف أن الشركة تواصل البحث عن فرص جديدة.
أما الصوت الأكثر إثارة للاهتمام فهو صوت حسين ساجواني، مؤسس داماك العقارية وشريك تجاري آخر لترامب. ففي عام 2019 كان هو نفسه من حذر علنا من كارثة مقبلة في سوق المساكن بسبب فائض المعروض. أما اليوم، فنبرته مختلفة. فهو يصف الوضع بالقول إن الشركة تملك ما يكفي من السيولة، وإن المدفوعات تصل بانتظام، وإن إطلاق المشروعات مستمر، والثقة بالسوق مرتفعة. وعن مشروع أمالي، حيث يبني أبناؤه فيلات فاخرة، يقول إن أيا من المشترين لم ينسحب من الصفقة، وإن عددا إضافيا من الوحدات بيع خلال الشهرين الأخيرين.
حتى الأرخبيل الذي عانى طويلا لا تبدو صورته قاتمة بالكامل. فقد باع مشروع جزر زوها التابع لشركة زايا جميع فيلاته الثلاثين قبل الحرب، ووصل سعر بعض الوحدات إلى 24 مليون دولار.
لماذا يضغط العمالقة على دواسة السرعة؟ لأن الذعر فرصة لمن يملك السيولة. إطلاق مشروع بقيمة 55 مليار دولار في ذروة الحرب رسالة إلى السوق والدائنين مفادها أن دبي الكبرى لن تختفي. ثم إن شريحة فاحشي الثراء تتفاعل مع الحرب بطريقة تختلف عن الطبقة المتوسطة. فبالنسبة إلى من يملك مئات الملايين من الدولارات، لا يتمثل السؤال في ما إذا كانت طائرة مسيرة ستصل إلى نخلة جميرا، بل في المكان الذي يمكن فيه حماية أمواله بصورة أفضل من الضرائب والاضطرابات السياسية في بلده. ووفقا لهذا المعيار، لا تزال منافسة دبي محدودة.
لكن لا بد هنا من ملاحظة صريحة. تصريحات المطورين الواثقة جزء من أعمالهم. ساجواني، حين يتحدث عن ثقة السوق، يبيع الثقة نفسها. والشعار، حين يتحدث عن بيع 80 أو 90 في المئة من الوحدات، يقدم روايته للمستثمرين. هذه التصريحات وحدها ليست دليلا. الدليل سيأتي لاحقا، حين يحين موعد دفعات الأقساط ويتبين عدد المشترين الذين أكملوا التزاماتهم فعلا حتى النهاية.
من يدفع ثمن الواجهة
خلف أرقام السوق يقف اقتصاد سياسي نادرا ما يناقش علنا.
أول الخاسرين هو مفهوم حياد الإمارات نفسه. فعلى مدى سنوات بنت أبوظبي ودبي علاقاتهما مع طهران بالتوازي مع تحالفهما مع واشنطن: رؤوس الأموال الإيرانية، والتجارة الإيرانية، وإعادة التصدير عبر جبل علي، كلها تعايشت مع القواعد الأميركية. لكن الحرب أظهرت أن الجلوس على كرسيين ممكن فقط إلى أن تنفجر قنبلة تحت أحدهما. وبالنسبة إلى إيران، كانت الإمارات هدفا مناسبا: ضربها يعني ضرب العصب الاقتصادي للمنطقة المرتبط بأميركا، مع مخاطر عسكرية محدودة نسبيا.
البنوك هي ثاني من يدفع الثمن. فبحسب تقديرات وكالة تصنيف، مثلت القروض العقارية للشركات في نهاية 2025 نحو 13 في المئة من إجمالي محفظة القروض لدى بنوك الإمارات، ولم تتغير هذه النسبة تقريبا في الربع الأول من 2026. وحتى الآن، لا يشكل ذلك تهديدا للنظام، لأن البنوك تمتلك احتياطيات رأسمالية قوية. لكن إذا جرت عملية توحيد السوق عبر حالات إفلاس بدلا من الاستحواذات، فسوف تنتقل بعض المشاكل إلى ميزانيات البنوك.
أما الأكثر ضعفا في هذه السلسلة فهم العمال المهاجرون. فهم الذين قتلوا تحت الحطام في الأيام الأولى للحرب، وهم أول من يرسل إلى إجازات غير مدفوعة حين تفرغ الفنادق. وغالبية هؤلاء جاءوا بعد الاقتراض لدفع تكاليف التأشيرة والسفر، ولذلك لا تعني خسارة الوظيفة بالنسبة إليهم توقفا مؤقتا، بل انهيارا كاملا.
والمفارقة أن الجيران يستفيدون. فبحسب بيانات القطاع، لم تفقد السعودية خلال سبعة أشهر سوى 2.8 في المئة من نسب الإشغال الفندقي، مقابل 29 في المئة في دبي. أما الرياض، التي تحاول منذ سنوات جذب المقار الإقليمية والسياح بعيدا عن دبي، فقد حصلت على حجة لم يكن بوسعها حتى أن تحلم بها. كما تستفيد مراكز منافسة خارج الخليج، إذ ينتقل إليها مؤقتا جزء من حركة العبور ورؤوس الأموال.
وفي هذه القصة درس لباكو أيضا، وأفضل صياغته من دون شماتة. تبني أذربيجان استراتيجيتها الاقتصادية منذ سنوات على العبور والطاقة، وتزداد جاذبية مسار بحر قزوين في كل مرة يتعرض فيها هرمز للخطر. لكن الدرس الأهم الذي تقدمه دبي لا يتعلق بالمسارات، بل بالثقة: الأمن الذي بيع لعشرين عاما باعتباره سلعة يمكن أن يفقد قيمته خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة. الاستقرار لا يشترى ولا يردم بالرمال، بل يجب الحفاظ عليه يوما بعد يوم.
سيناريو عام 2027: توحيد السوق لا انهياره
انتهت كل موجات الذعر التي مرت بها دبي خلال العقدين الأخيرين بالطريقة نفسها: الأزمة تلتهم الضعفاء، فيما يخرج الأقوياء منها أقوى. في 2009 جاء الإنقاذ من أبوظبي. وبعد جائحة 2020 جاءت طفرة لم يتوقعها أحد. والمقارنة مع إسبانيا في 2008 كاشفة. فقد خلفت فقاعة البناء هناك مدن أشباح، مثل المجمع السكني في سيسينيا قرب مدريد، حيث بني جزء فقط من أكثر من ثلاثة عشر ألف شقة كان مخططا لها، ولم يتمكن المطورون من بيعها لسنوات. الفارق أن إسبانيا لم يكن لديها صندوق سيادي مستعد لشراء ديون المطورين. أما دبي فلديها أبوظبي، وهذه المظلة، بخلاف المظلة العسكرية، لم تسحب حتى الآن.
السيناريو الأساسي، في تقديري، يبدو على النحو الآتي. إذا استمر وقف إطلاق النار ولم يغلق هرمز مجددا، فلن يعود سوق المساكن إلى مستويات الصفقات السابقة للحرب قبل النصف الثاني من عام 2027، ويرجح أن تصحح الأسعار نفسها خلال هذه الفترة ببضع نقاط مئوية إضافية، من دون انهيار. كما سينخفض عدد المطورين النشطين بصورة ملحوظة بحلول نهاية 2027، وستصبح صفقات الاستحواذ الموضوع الرئيسي لأخبار القطاع ابتداء من الربع الأول من ذلك العام. أما التدفق السياحي، فبحسب تقديري، لن يعود إلى مستوى 2025 قبل موسم الشتاء 2027 و2028.
أما السيناريو المتشائم فيرتبط باستئناف القصف. فالجولة الثانية من الحرب لن تضرب المعنويات فقط، بل ستصيب الانضباط في السداد مباشرة. وسيبدأ مشترو الوحدات قيد الإنشاء في التوقف الجماعي عن دفع الأقساط، وعندها ستتحول مشاكل المطورين الصغار إلى مشاكل للبنوك. وفي هذه الحالة لن يجري توحيد السوق عبر استحواذات طوعية، بل عبر عمليات إنقاذ قسرية شبيهة بما جرى في 2009.
وبالنسبة إلى مشروعات مثل قلب أوروبا، فالاختيار أكثر قسوة. بقاء هذه المنتجعات يعتمد أقل على أسعار المساكن، وأكثر على عودة الأجانب وكلفة الوقود. فإذا تمكن كلايندينست فعلا من افتتاح خمسة فنادق بحلول عام 2027، والحفاظ على نسب إشغال من دون قسائم تجعل الإقامة شبه مجانية، فسيحصل المشروع على فرصة. أما في سيناريو آخر، حيث تتزايد الدعاوى ويستمر غياب السياح، فقد يتحول الأرخبيل للمرة الثانية إلى ما كان عليه بعد عام 2008: نصب تذكاري لطموحات سبقت الاقتصاد.
ويبقى سؤال واحد بلا جواب. كم من ضمانات العائد التي أصدرها المطورون الصغار خلال السنوات الخمس الماضية سيتحول إلى أوراق بلا قيمة؟ لا أحد في دبي مستعد اليوم لحساب ذلك علنا.
المطر حسب الجدول
تؤكد دائرة الأراضي والأملاك في دبي أنها تدعم السوق من خلال تنظيم استباقي ومراقبة مستمرة، وأن آفاق القطاع لا تزال واعدة للغاية. وقد يكون ذلك صحيحا بالفعل بالنسبة إلى دبي الكبرى. فإعمار تطلق مدينة داخل المدينة، وأبناء ساجواني يبيعون الفيلات.
أما الآخرون فالوضع بالنسبة إليهم أكثر صعوبة. الحرب لم تخلق مشاكل دبي، بل اختصرت فقط المدة التي احتاجتها هذه المشاكل كي تصبح ظاهرة. ألفا مطور، وارتفاع قيمة الصفقات خلال خمسة أعوام إلى ما يقارب تسعة أضعاف، وعوائد مضمونة تقدمها شركات من دون احتياطيات كافية، وتدفق سياحي ظل قائما على الثقة بالأمن، كلها عوامل تراكمت لسنوات. الصواريخ الإيرانية لم تفعل سوى تسريع موعد الحساب.
وعلى الريفييرا الفرنسية وسط الخليج، لا يزال المطر الاصطناعي يهطل حسب الجدول. يقف الضيوف تحت المظلات الصفراء ويلتقطون الصور. وفي مكان قريب تطن مولدات الديزل، وكل قطرة من ذلك المطر دفعت كلفتها من وقود عبر أخطر مضيق في العالم. وما دام الديزل متوفرا، سيستمر المطر في الهطول في موعده.