بينما تحرق الطائرات المسيّرة صوامع الحبوب في نوفوروسيسك، وتحصد السهول الكبرى في الولايات المتحدة أفقر محصول من القمح منذ قرن ونصف، يقترب مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة بهدوء من أعلى مستوى له في ثلاث سنوات. غير أن المستفيدين من هذا التزامن بين الأزمات ليسوا الجياع على الإطلاق.
في ليلة الثاني عشر من أغسطس، هاجمت طائرات مسيّرة أوكرانية وزوارق بحرية غير مأهولة القاعدة البحرية في نوفوروسيسك، آخر مركز ارتكاز كبير لأسطول البحر الأسود الروسي بعد سلسلة الهجمات على القرم. وأعلن فولوديمير زيلينسكي إصابة فرقاطتين وسفينة إنزال كبيرة وطراد خفيف وعدد آخر من السفن.
وبالتزامن مع القاعدة العسكرية، تعرضت ثلاثة من أكبر مرافق تصدير الحبوب في جنوب روسيا للهجوم. ففي صومعة مجمع نوفوروسيسك للحبوب، التابعة لشركة الحبوب المتحدة، انهار ممر التحميل وتضررت عدة صوامع. أما محطة مجموعة ديميترا ففقدت ممر التحميل وساحة تفريغ الشاحنات، كما لحقت أضرار بمحطة كا إس كا. وقتل ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، وأصيب نحو أربعة وعشرين آخرين. وأعلن حاكم إقليم كراسنودار فينيامين كوندراتييف حالة الطوارئ في المدينة.
يمر عبر محطات نوفوروسيسك ما يصل إلى ثلث إجمالي صادرات الحبوب الروسية، ولذلك كان أثر الضربة اقتصاديا في جوهره أكثر منه عسكريا. ووفقا لوزارة الزراعة الأوكرانية، انهارت شحنات الحبوب الروسية خلال الأسبوعين الأولين من أغسطس بنسبة 76 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما لم تتجاوز صادرات القمح في يوليو 1.5 مليون طن، أي أقل بنحو الثلث من مستواها قبل عام، ونحو نصف المتوسط المسجل خلال السنوات الخمس الماضية.
وهناك تفصيل بالغ الدلالة. قبل ذلك بثلاثة أسابيع، ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، وافق الجانب الأوكراني، بطلب من نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، على الامتناع عن استهداف البنية التحتية لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين والناقلات غير الخاضعة للعقوبات التي تنقل النفط الكازاخستاني من نوفوروسيسك نفسها. وبذلك حصل الشريكان في ملكية الاتحاد، شيفرون وإكسون موبيل، فعليا على حصانة لشحناتهما. أما محطات الحبوب فلم تحصل على مثل هذه الحصانة.
والفارق أبلغ من أي إعلان سياسي. ففي سلم أولويات الأطراف المتحاربة والقوى التي تقف خلفها، لا يزال النفط أعلى منزلة من الخبز.
الحرب الغذائية في البحر الأسود ليست جديدة، لكن جولتها الحالية تتزامن مع مرحلة أشد خطورة بكثير من الدورة العالمية مقارنة بالحصار الذي شهده عام 2022. آنذاك دخل العالم الأزمة وهو يمتلك مخزونات انتقالية قياسية من الحبوب. أما اليوم فيدخلها بمخزونات استنزفتها في وقت واحد عدة صدمات مستقلة: الجفاف الأمريكي، والحرب الإيرانية، وظاهرة النينيو التي تلوح في الأفق.
وأفرز الهجوم على نوفوروسيسك معركة أخرى مستقلة، هي المعركة الإعلامية. فقد اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا كييف بالسعي إلى إثارة الفوضى في سوق الغذاء العالمية بما يخدم مصالح عدد من الدول الغربية، وقالت إن مثل هذه الأعمال تفاقم نقص الحبوب والأسمدة وترفع الكلفة على دول الجنوب والشرق العالميين.
وفي المقابل، تتهم أوكرانيا موسكو باستهداف الأمن الغذائي العالمي، وهي العبارات نفسها التي استخدمها زيلينسكي لوصف الضربات الروسية السابقة على البنية التحتية للموانئ في أوديسا. ويتفق الطرفان، رغم كل شيء، على حقيقة واحدة: الغذاء تحول إلى حجة دعائية مريحة يمكن توظيفها أمام جماهير الدول المستوردة، حتى عندما تكون الأهداف العسكرية الفعلية، مثل القواعد البحرية والبنية التحتية النفطية والدفاعية، مرتبطة بالمحاصيل ارتباطا غير مباشر فقط.
وفي الوقت نفسه، يكشف اتفاق تحصين البنية التحتية النفطية لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين، الذي أبرم بإصرار من واشنطن، التسلسل الحقيقي للأولويات بوضوح يفوق كثيرا كل ما تقوله البيانات الرسمية.
ومن المهم التذكير بأن الآلية التي كانت، على نحو غير كامل، تحمي ممر الحبوب في البحر الأسود من الشلل التام لم تعد موجودة. فقد أتاحت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي تم التوصل إليها بوساطة تركيا والأمم المتحدة في صيف 2022، تصدير أكثر من 32 مليون طن من المواد الغذائية من الأراضي الأوكرانية، قبل أن تنسحب روسيا من الاتفاق في يوليو 2023، مشيرة إلى عدم حل المشكلات المتعلقة بصادراتها من الحبوب والأسمدة.
ولم تؤد محاولات أنقرة إحياء الصيغة إلى نتائج ملموسة. وبعد ثلاث سنوات، يجد العالم نفسه أمام جولة جديدة من الصراع نفسه، ولكن من دون أي صمامات أمان مؤسسية قادرة على تخفيف الصدمة.
الدانوب لا ينزف ماء فقط
بينما كانت نوفوروسيسك تزيل أنقاضها، كان الجانب الأوكراني يتكبد خسائره الخاصة على الضفة الأخرى من البحر الأسود. فقد أصبحت الضربات الروسية على البنية التحتية للموانئ في منطقة أوديسا، ولا سيما إسماعيل وريني وكيليا، شبه روتينية خلال أغسطس.
في السادس من أغسطس، سجل هجوم بسرب من طائرات غيران المسيّرة على أرتيز ومجموعة موانئ الدانوب. وفي الثالث عشر من أغسطس، أدى هجوم جديد على إسماعيل إلى انقطاع الكهرباء في جزء من المدينة. وبين السادس عشر والسابع عشر من الشهر نفسه، تعرضت سفينة مدنية ترفع علم توغو للقصف، وأصيب أربعة أشخاص.
وحذر وزير السياسة الزراعية الأوكراني تاراس فيسوتسكي من أن استمرار هذه الديناميكية قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المئة.
لكن مشكلة الدانوب لا تقتصر على الضربات العسكرية. فالنهر، الذي تحول إلى ممر تصدير احتياطي لكييف بعد تعطل طرق البحر الأسود، انخفض منسوبه في صيف 2026 إلى مستويات قياسية بسبب الجفاف الأوروبي، إلى درجة أن مجراه كشف عن رفات جنود ألمان تعود إلى الحرب العالمية الثانية.
وبعبارة أخرى، فإن البديل الوحيد للطريق البحري المعرض للنيران ينكمش ماديا من تلقاء نفسه، بصرف النظر عمن يطلق الصواريخ وإلى أين يوجهها. وفي الوقت نفسه، يتوقع أن يكون محصول أوكرانيا نفسها جيدا نسبيا، في حدود 60 مليون طن من الحبوب، أي قريبا من مستوى عام 2025، لكن إخراج ما تم حصاده إلى الأسواق الخارجية يصبح أكثر صعوبة باستمرار.
أمريكا التي نسيت كيف تحصد القمح
أكثر أخبار الصيف إثارة للقلق لم يأت من ساحات القتال، بل من تقارير وزارة الزراعة الأمريكية. ففي تقرير العرض والطلب الزراعي العالمي الصادر في يوليو، خفضت الوزارة توقعاتها لإنتاج القمح في الموسم التسويقي 2026 و2027 إلى 1.536 مليار بوشل، وهو أدنى مستوى منذ موسم 1970 و1971.
وانخفضت المساحة المحصودة إلى 32 مليون فدان، وهو أدنى مستوى منذ قرن ونصف، وتحديدا منذ عام 1877. وتراجعت المساحات المزروعة إجمالا بنسبة 6 في المئة مقارنة بالعام السابق، إلى 42.7 مليون فدان، فيما هبط محصول القمح الشتوي بنسبة 27 في المئة دفعة واحدة إلى 990 مليون بوشل، وهو أدنى مستوى منذ موسم 1965 و1966. أما إنتاج القمح الشتوي الأحمر الصلب، وهو الصنف الأساسي في السهول الأمريكية، فقد تراجع إلى مستويات موسم 1957 و1958.
والسبب ليس ظاهرة استثنائية عابرة، بل موجة حر ذات طابع بنيوي. ووفقا للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، كانت الفترة الممتدة من مايو 2025 إلى أبريل 2026 أحر فترة متصلة من اثني عشر شهرا في تاريخ الرصد داخل الولايات المتحدة.
وأجهز الجفاف في السهول الكبرى على محاصيل كانت ضعيفة أصلا. فبحلول منتصف الصيف لم تتجاوز نسبة القمح الشتوي المصنف في حالة جيدة أو ممتازة 28 في المئة، وهي أسوأ نتيجة خلال أربع سنوات في هذه المرحلة من الموسم. كما تراجعت المخزونات الانتقالية العالمية من القمح إلى 272.84 مليون طن، أي دون متوسط توقعات المحللين.
ومن الصعب المبالغة في رمزية ما يحدث. فقد كانت الولايات المتحدة طوال قرون مرادفا للوفرة الغذائية وركيزة للأمن الغذائي العالمي، دولة كانت فوائض محاصيلها تنقذ، في السنوات الحرجة، مناطق تعاني الجوع من الهند إلى القرن الأفريقي.
أما اليوم، فتحصد أمريكا من القمح أقل مما كانت تحصده في زمن كان فيه عدد سكان العالم يعادل ثلث عددهم الحالي.
ويصوغ جوزيف غلاوبر، خبير أسواق السلع في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، التشخيص بدقة: لا يوجد حتى الآن نقص فعلي في الحبوب على مستوى العالم، بل توجد مشكلة في القدرة على الحصول عليها.
ومع ذلك، تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن يبلغ سعر القمح عند المزارع نحو 6.5 دولارات للبوشل، فيما قفزت أسعار القمح الأحمر الصلب خلال الأشهر السبعة الأولى من العام بنحو الربع.
وتكمن المفارقة في أن ارتفاع الأسعار لا يعني تلقائيا تحسن أوضاع المزارعين الأمريكيين أنفسهم. فمنذ سنوات يسجل خبراء القطاع، ومن بينهم متخصصون في استنباط أصناف القمح بجامعة ولاية ميشيغان، معدلات ربحية سلبية بصورة مستمرة في مزارع السهول الكبرى.
فأسعار القمح كانت تقليديا أقل جاذبية من أسعار الذرة وفول الصويا، الأمر الذي دفع المنتجين طوال سنوات إلى تقليص المساحات المخصصة للقمح لمصلحة محاصيل تحقق هوامش ربح أعلى.
كما أن تقليص التمويل الاتحادي للبرامج البحثية في جامعات منح الأراضي يزيد الوضع سوءا، لأنه يقلل فرص تطوير أصناف مقاومة للجفاف تستطيع تغيير هذا المسار.
وبعبارة أخرى، فإن القفزة الحالية في الأسعار ليست انتصارا للمزارع، بل عرض من أعراض التدهور البنيوي لقطاع بأكمله، فيما يعوض السوق هذا التدهور على حساب جميع الأطراف الأخرى في سلسلة الإمداد.
المضيق الذي يمسك العالم من عنقه
إذا كانت حرب البحر الأسود تفسر الضربات التي تتعرض لها منظومة نقل الحبوب، فإن تراجع المحاصيل الأمريكية والأسترالية يرتبط إلى حد بعيد بصراع مختلف تماما، هو الحرب بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير 2026.
وقد يبدو أن هذه الحرب لا صلة مباشرة لها بحقول القمح في كانساس. لكنها، بصورة غير مباشرة، ترتبط بها ارتباطا وثيقا للغاية.
يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث التجارة البحرية العالمية في الأسمدة، وتصل النسبة، وفقا لبعض تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، إلى ثلثي التجارة العالمية في اليوريا، وهي من أهم الأسمدة النيتروجينية.
وتوفر إيران وقطر والسعودية والبحرين مجتمعة ما يصل إلى 30 في المئة من الصادرات العالمية لليوريا، ونحو نصف صادرات الأمونيا.
ومع اندلاع الحرب، أصيب المضيق فعليا بالشلل. ووصفت وكالة الطاقة الدولية ما يحدث بأنه أكبر اضطراب في إمدادات سوق النفط العالمية في التاريخ، فيما قفز سعر خام برنت بنسبة تراوحت بين 10 و13 في المئة ليصل إلى ما بين 80 و82 دولارا للبرميل.
ولا تزال واشنطن تفرض حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية حتى بعد تمديد وقف إطلاق النار.
وكانت الأسمدة من الضحايا الجانبيين لحرب الطاقة. فقد قفز سعر اليوريا في مصر وفق شروط التسليم على ظهر السفينة، وهي سوق مرجعية مهمة للأسمدة النيتروجينية، من 400 إلى 490 دولارا للطن قبل الحرب إلى نحو 700 إلى 850 دولارا للطن بحلول أبريل، قبل أن يتراجع جزئيا بحلول يونيو.
وفي ولاية إلينوي ارتفع سعر الأمونيا اللامائية من متوسط بلغ 828 دولارا للطن خلال الفترة من سبتمبر 2025 إلى فبراير 2026 إلى 1123 دولارا للطن بحلول السابع عشر من أبريل.
فالأسمدة، في جوهرها، غاز طبيعي مجمد في صورة منتج زراعي. وتشكل الطاقة نحو 70 في المئة من تكلفة إنتاجها، فيما ظل الشرق الأوسط، بفضل غازه الرخيص، لعقود العمود الفقري لسوق الأسمدة النيتروجينية العالمية.
وعندما ينكسر هذا العمود الفقري في قلب موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، تكون استجابة المزارعين متوقعة: تقليص المساحات المزروعة وخفض معدلات استخدام الأسمدة.
وقد زرعت أستراليا، وهي من كبار مصدري القمح في العالم، مساحة أقل هذا الموسم تحديدا بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة، وهو ارتفاع كان بدوره أحد تداعيات الحرب الإيرانية.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة. فالصراع في الشرق الأوسط يرفع تكلفة الأسمدة، وارتفاع تكلفة الأسمدة يخفض المحاصيل في ثلاث قارات في الوقت نفسه، وتراجع المحاصيل يتزامن مع حرب قائمة بالفعل في البحر الأسود، فتدفع هذه العمليات مجتمعة سعر الغذاء الأساسي للبشرية إلى الأعلى.
بنغلاديش تسدد فاتورة غيرها
هناك دائرة رابعة من الضغوط، وهذه المرة ليست عسكرية بل تجارية ودبلوماسية، وقد بناها شخصيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ففي إطار سلسلة من اتفاقيات التجارة المتبادلة التي استخدمتها الإدارة بديلا عن الرسوم الجمركية التي قضت المحكمة العليا بعدم دستوريتها، ألزمت واشنطن عددا من الاقتصادات النامية بشراء كميات ثابتة من الحبوب الأمريكية بصرف النظر عن أوضاع السوق العالمية.
وتقدم بنغلاديش مثالا كاشفا. فقد وقعت الحكومة الانتقالية برئاسة المستشار محمد يونس اتفاقا للتجارة المتبادلة مع الولايات المتحدة في التاسع من فبراير 2026، قبل الانتخابات العامة بثلاثة أيام، ومن دون رقابة برلمانية تذكر.
وفي مقابل خفض الرسوم الجمركية من 37 إلى 19 في المئة، تعهدت دكا بشراء منتجات زراعية أمريكية بقيمة 3.5 مليارات دولار، من بينها ما لا يقل عن 700 ألف طن من القمح سنويا لمدة خمس سنوات، وفول صويا بقيمة 1.25 مليار دولار، إضافة إلى الوقود وطائرات ومنتجات جوية من شركة بوينغ.
ووصف مصطفى رحمن، الخبير الاقتصادي في مركز الحوار السياسي، الوثيقة النهائية بأنها اتفاق فرض من خلال الاستخدام الكامل للتجارة أداة للضغط.
أما الجانب الأمريكي فينظر إلى النتيجة من الزاوية المعاكسة تماما. فقد رحب مايك سباير، رئيس رابطة مصدري القمح الأمريكيين ومديرها التنفيذي، بالصفقة علنا ووصفها بأنها انتصار للزراعة الأمريكية.
ومنطق هذه المنظومة بسيط وقاس في آن واحد. فالدول التي توقع مثل هذه الالتزامات تفقد حق اختيار البائع، وتجد نفسها مضطرة إلى دفع السعر الذي سيبلغه القمح الأمريكي لحظة التسليم، حتى لو ظهر في الوقت نفسه قمح أرخص في الأسواق من منطقة البحر الأسود أو الأرجنتين.
وفي عام يشهد أدنى محصول أمريكي منذ عقود، يعني ذلك أن الدول الفقيرة المستوردة تمول فعليا عجز السهول الكبرى من ميزانياتها الغذائية الخاصة.
قبل عام ونصف فقط، كان مثل هذا المنطق سيبدو مبالغة ساخرة. أما في عام 2026، فهو نص حرفي لاتفاق بين دولتين.
النينيو يستعد للطعن من الخلف
يضاف إلى كل ما سبق عامل مناخي لا يخضع لإرادة الكرملين أو كييف أو طهران أو واشنطن.
ووفقا لبيانات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة المنشورة في الخامس من أغسطس، تبلغ احتمالات تشكل واحدة من أقوى ظواهر النينيو في تاريخ الرصد نحو 81 في المئة. فقد بلغت حرارة سطح المحيط بالفعل أعلى مستوياتها منذ عام 1982، وقد تصبح الظاهرة الأقوى منذ عام 1950.
ويتوقع أن تبلغ ذروتها بين سبتمبر وديسمبر 2026، غير أن آثارها على المحاصيل ستظل محسوسة طوال عام 2027 أيضا.
وتبدو تقديرات برنامج الأغذية العالمي بشأن الدول الخمس والأربعين الأكثر عرضة للخطر مقلقة للغاية. فقد يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد من 225 مليونا حاليا إلى 274 مليونا، أي بزيادة 49 مليون شخص أو ما نسبته 22 في المئة.
ومن المتوقع أن تكون أمريكا الوسطى الأكثر تضررا، إذ قد يقفز عدد المحتاجين فيها بنسبة 83 في المئة، تليها منطقة أفريقيا الجنوبية، حيث تقدر الزيادة بنحو 75 في المئة.
وللمقارنة، أثرت ظاهرة النينيو في عامي 2015 و2016، وهي واحدة من أقوى الظواهر المسجلة في التاريخ، على ما بين 60 و100 مليون شخص. أما الظاهرة الحالية فتهدد بتجاوز ذلك الرقم بنحو ثلاثة أضعاف.
إن تزامن هذه الصدمات المستقلة بطبيعتها، العسكرية والتجارية والمناخية، هو تحديدا ما يجعل عام 2026 استثنائيا.
وتصوغ مونيكا توتوفا، الخبيرة الاقتصادية في منظمة الأغذية والزراعة، مصدر القلق بحذر ولكن من دون أي غموض: عدة مصادر لعدم اليقين بدأت تعزز بعضها بعضا.
وفي يوليو، بلغ مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة 131.1 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023، بعدما ارتفع بنسبة 0.6 في المئة خلال شهر واحد. وارتفع المؤشر الفرعي للحبوب بنسبة 3.4 في المئة، وزاد سعر القمح بنسبة 5.8 في المئة خلال شهر واحد وبنحو 10 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ مؤشر الزيوت النباتية أعلى مستوى له منذ يونيو 2022.
الخبز بوصفه صاعق السياسة
يمنحنا التاريخ أسبابا كافية للتعامل بجدية مع المرحلة الحالية. فقد أدت أزمة الغذاء العالمية في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨، التي نجمت عن تضافر موجات الجفاف وارتفاع الطلب على الوقود الحيوي والقيود المفروضة على الصادرات، إلى احتجاجات في الشوارع في ما لا يقل عن ثلاثين دولة، من هايتي إلى مصر.
ويعد الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء خلال عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ أحد العوامل التي أطلقت شرارة الربيع العربي. فقد تزامن آنذاك الارتفاع الكبير في أسعار الخبز مع تراكم السخط الاجتماعي المزمن في تونس ومصر، وساهم في تسريع سقوط أنظمة سلطوية حكمت لعقود.
وتجمع بين الأزمتين آلية واحدة: نادرا ما يكون سعر رغيف الخبز السبب الوحيد لانفجار سياسي، لكنه يتحول في أغلب الأحيان إلى عامل محفز يسرع انفجار الاستياء المتراكم.
وتختلف خريطة المخاطر الحالية عن الأزمات السابقة في حجم العوامل المتداخلة. ففي عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ كان المحرك الرئيسي هو الطلب. أما في عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ فكان الدور الأكبر لقيود التصدير التي فرضتها بعض الدول، مثل روسيا بعد جفاف عام ٢٠١٠.
أما اليوم، فتعمل في الوقت نفسه دوائر ضغط عسكرية وطاقوية وتجارية وجمركية ومناخية، ولا يمكن لأي حكومة منفردة أو منظمة دولية واحدة أن تعالج أيا منها بمفردها.
من المستفيد من هذه العاصفة
يقف خلف كل قفزة في أسعار سلعة أساسية شكل من أشكال إعادة توزيع الدخل، وسوق الغذاء في عام ٢٠٢٦ ليست استثناء.
يستفيد المصدرون الذين يمتلكون فائضا ماديا من الحبوب وشبكات لوجستية عاملة. ومن بينهم كندا، التي لم يتضرر محصولها من الجفاف الأمريكي بالقدر نفسه، وكبار تجار الحبوب العالميين مثل كارغيل وبانج ولويس دريفوس، الذين يقوم نموذج أعمالهم تقليديا ليس على حجم المبيعات وحده، بل على تقلبات الأسعار والفروق بين الأسواق الإقليمية.
وتستفيد روسيا أيضا. فرغم انخفاض صادراتها الفعلية من حيث الكميات، فإن إيراداتها من التصدير لا تتراجع بالوتيرة نفسها في ظل الأسعار الحالية.
وكلما ارتفعت التقلبات وازدادت شبكات النقل تفتتا، زادت هوامش أرباح الوسيط القادر على إعادة توجيه الشحنات وتجاوز نقاط الاختناق. وهذا تحديدا ما يجعل كبار التجار مستفيدين بنيويين من أي أزمة من هذا النوع، بصرف النظر عن الدولة التي تعرض محصولها في النهاية لأكبر الخسائر.
كما استفاد منتجو الأسمدة خارج مناطق النزاع. فقد حصلت مصانع اليوريا في أمريكا الشمالية والصين، بحسب توصيف محللي القطاع، على دفعة قوية لهوامش الأرباح نتيجة خروج جزء من الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط من السوق.
أما الخاسرون فهم، كما يمكن توقعه، الدول الفقيرة المعتمدة على الاستيراد، التي لا تمتلك أدوات للضغط على الأطراف المتحاربة ولا احتياطيات من النقد الأجنبي تسمح لها بتحمل أسعار مرتفعة لفترة طويلة.
وتحاول مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، رفع أسعار شراء المحصول من مزارعيها المحليين، لكنها تصطدم بنقص مادي في المياه. فالوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الحبوب بالنسبة إلى دولة تقع على ضفاف نيل آخذ في التراجع يظل هدفا بعيد المنال مهما بلغ سخاء الدعم الحكومي.
أما بنغلاديش، كما سبقت الإشارة، فقد حرمت عمليا من إمكانية خفض تكاليفها عبر اختيار مورد أرخص، لأن اتفاقها مع واشنطن يثبت كميات المشتريات بغض النظر عن السعر.
وقد نصبت فخاخ مماثلة لعشرات الدول الأخرى التي وقعت اتفاقات تجارة متبادلة مع الولايات المتحدة، من غواتيمالا إلى السلفادور.
وهناك فئة أخرى من الخاسرين تتمثل في دول الفضاء السوفيتي السابق التي تعتمد تاريخيا على الحبوب الروسية والكازاخستانية.
فكازاخستان، وهي مصدر كبير للحبوب، فرضت اعتبارا من السابع والعشرين من يوليو حظرا لمدة ستة أشهر على استيراد القمح بهدف حماية السوق المحلية، وفي الوقت نفسه رفعت مشترياتها من الحبوب الروسية بمقدار ستة أضعاف ونصف خلال الأشهر العشرة من الموسم الجاري لتصل إلى ١.٧٩ مليون طن، كما زادت صادراتها من الحبوب والدقيق بنسبة ١٣ في المئة إلى ١٢.٢ مليون طن.
أما أذربيجان، التي تستهلك نحو ١.٨ مليون طن من قمح الغذاء سنويا، فيما لا يغطي إنتاجها المحلي سوى نحو ٢٠ في المئة من احتياجاتها، فقد اعتادت تاريخيا تأمين أكثر من ٩٠ في المئة من وارداتها من روسيا وكازاخستان.
وتضع وزارة الزراعة الأذربيجانية هدفا برفع حصة الإنتاج المحلي إلى نصف الطلب الداخلي، لكن تنفيذ هذا البرنامج يحتاج إلى سنوات، بينما تتفاقم الاضطرابات في البحر الأسود والشرق الأوسط بالفعل الآن.
وفي أغسطس، أرسلت روسيا عبر الأراضي الأذربيجانية أكثر من ٣٦ ألف طن من الحبوب إلى أرمينيا. ويظهر هذا المثال أن ممرات الحبوب في جنوب القوقاز تواصل العمل حتى في ظل التصعيد العسكري في حوض البحر الأسود الأكبر بكثير، لكنه يوضح في الوقت نفسه مدى ارتباط الأمن الغذائي الإقليمي بشبكات نقل تخضع بدرجة كبيرة لسيطرة أطراف خارجية.
بنية صممت لعصر آخر
يصوغ البروفيسور إيفان فريزر من جامعة غويلف، المتخصص في دراسة النظام الغذائي العالمي، التشخيص بلا مواربة. فالنموذج الحالي يقوم على ثلاثة افتراضات فقط: تجارة بلا انقطاع، وطاقة رخيصة، ومناخ مستقر. ولا يتحقق اليوم أي واحد من هذه الافتراضات.
ولا يكاد يكون هناك ما يمكن إضافته إلى هذا التشخيص سوى حجم الهشاشة نفسها.
فعدد محدود جدا من الدول والمناطق المصدرة، مثل روسيا وكندا والولايات المتحدة وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، يوفر الحصة الأكبر من تجارة القمح العالمية، بينما يشكل زبائنها في معظمهم دولا فقيرة فقدت طوال عقود جزءا كبيرا من زراعتها المحلية لمصلحة الاعتماد على الاستيراد.
إن تركيز العرض في طرف، وتركيز الهشاشة في الطرف الآخر، يمثلان بنية صممت لعصر النفط الرخيص والطقس القابل للتوقع. وعام ٢٠٢٦ لم يعد قادرا على توفير أي منهما.
ولا يزال في الصوامع العالمية والاحتياطيات الحكومية ما يكفي من الحبوب لتجنب حالة الذعر التي شهدها عام ٢٠٢٢. لكن هامش الأمان يتآكل بوتيرة أسرع من قدرة وزارات الزراعة على الاستجابة.
وقد خفضت رابطة كوسيرال الأوروبية لتجارة الحبوب في نشرتها الصادرة في يوليو توقعاتها لمحصول الحبوب في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى ٢٨٦.٦ مليون طن، مقارنة بنحو ٣١٠ ملايين طن في العام السابق، أي بانخفاض يقارب ٨ في المئة في منطقة تعد من أكبر منتجي القمح في العالم.
وتفقد فرنسا، قائدة السوق الأوروبية، جزءا من إنتاجيتها بسبب الحرارة القياسية، رغم أن حرائق الصيف هذا الموسم لم تطل حزام القمح الرئيسي فيها. أما ألمانيا فتسجل انخفاضا في المحاصيل في عدة أصناف زراعية في الوقت نفسه.
كم سيبلغ سعر الرغيف في ديسمبر: ثلاثة سيناريوهات
يعتمد المسار المقبل على ما إذا كانت الصدمات المذكورة ستتزامن وتتعزز معا، أم أنها ستبدأ في التراجع كل على حدة.
إذا استمر التصعيد في البحر الأسود بالوتيرة الحالية، وبلغت ظاهرة النينيو بالفعل ذروتها خلال الفترة المتوقعة بين سبتمبر وديسمبر، فمن المرجح بدرجة كبيرة أن يتجاوز مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة مستوى ١٣٥ نقطة قبل نهاية عام ٢٠٢٦.
وعندها لن يعود الحديث عن تكرار صدمة الغذاء التي شهدها عاما ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ مجرد افتراض نظري.
أما السيناريو الثاني، الأكثر تفاؤلا، فيفترض حدوث انفراج دبلوماسي في البحر الأسود على غرار مبادرة الحبوب لعام ٢٠٢٢، وفتح مضيق هرمز تدريجيا مع تراجع حدة الحرب الإيرانية الإسرائيلية.
وفي هذه الحالة، يرجح أن تبلغ الأسعار ذروتها في الخريف، ثم تبدأ بالتصحيح نزولا مع وصول المحصولين الكندي والأسترالي للموسم التالي إلى السوق.
أما السيناريو الثالث، الوسطي، فيتمثل في ركود طويل عند المستويات المرتفعة الحالية، من دون انهيار حاد ومن دون تحسن سريع. وهذا هو الاحتمال الأكثر ترجيحا إذا استمرت حالة عدم اليقين الحالية في جميع الاتجاهات في آن واحد.
وأيا كان السيناريو الذي سيتحقق، فإن الكلفة السياسية لأزمة تضرب الخبز تكون تقليديا أعلى من كلفتها الاقتصادية.
فلم يمر أي نظام سياسي، من القاهرة إلى دكا، بفترة طويلة من ارتفاع أسعار الخبز من دون عواقب. كما أن التزامن الحالي بين العوامل العسكرية والمناخية والجمركية يجعل من المستحيل تقريبا على دولة واحدة أن تخفف آثار الأزمة بقدراتها الخاصة.
لقد تحول حقل القمح منذ زمن إلى ساحة صراع، ليس فقط بالمعنى الحرفي الذي فرضته الحرب على الأراضي الأوكرانية، بل أيضا بالمعنى المجازي، بوصفه ميدانا تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى والكتل التجارية والنظام المناخي للكوكب، الذي لا يبالي بأي منها.
وستكون مخابز القاهرة ودكا وأديس أبابا من بين آخر من يعرف نتيجة هذه المواجهة، حين يرونها في سعر رغيف الخبز على الرفوف.
وعندها سيكون القرار قد اتخذ بالفعل من دون مشاركتهم، في واشنطن وموسكو وكييف وطهران.