...

قفز عائد سندات الخزانة لأجل ثلاثين عاما إلى مستوى لم يشهد منذ عام 2007، واضطرت وزارة الخزانة بصورة عاجلة إلى مضاعفة عمليات إعادة شراء سنداتها، لكن خلف تحركات الأسعار في الأسواق تقف قصة أكثر إثارة للقلق بكثير، تتداخل فيها طفرة الذكاء الاصطناعي، والحرب مع إيران، وتغيير القيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

سوق سندات الخزانة الأميركية لا تعيش حالة ذعر. إنها، بهدوء ومنهجية، تقدم يوما بعد يوم فاتورة عقدين من اللامسؤولية المالية، فيما يرتفع الرقم الوارد في هذه الفاتورة بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد الأميركي على تحمله.

في 18 أغسطس ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل ثلاثين عاما إلى 5.33 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2007، أي ذلك الصيف الذي لم يكن العالم قد تعرف فيه بعد إلى مفهوم الرهون العقارية عالية المخاطر، ولم يكن يتوقع أن تنهار مؤسسة ليمان براذرز بعد عام واحد.

وقبل ذلك بخمسة أيام، طرحت وزارة الخزانة في مزاد إصدارا جديدا من السندات نفسها بقيمة 25 مليار دولار وبعائد بلغ 5.216 بالمئة، وهو مستوى لم يسجل منذ عام 2001، عندما توقفت الوزارة مؤقتا عن إصدار السندات فائقة الطول من الأساس.

وفي الوقت نفسه تجاوز إجمالي الدين العام الأميركي حاجز الأربعين تريليون دولار. لكن هذا الرقم، على رمزيته، يثير اهتمام المستثمرين بدرجة أقل بكثير من سرعة نموه.

وزارة الخزانة بدأت إخماد الحريق: واشنطن تشرع في إعادة شراء ديونها

تصرف وزير الخزانة سكوت بيسنت كما يتصرف رجال الإطفاء لا المراقبون. ففي 19 أغسطس أعلنت وزارته بصورة مفاجئة مضاعفة برنامج إعادة شراء السندات طويلة الأجل، من حد أقصى قدره مليارا دولار للعملية الواحدة إلى ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار.

ويدخل القرار حيز التنفيذ في 9 سبتمبر ويستمر حتى 4 نوفمبر، ويشمل السندات التي تتراوح آجال استحقاقها بين عشر سنوات وثلاثين عاما.

رسميا، هي خطوة فنية لدعم السيولة. أما في جوهرها فهي اعتراف بأن واشنطن رصدت المشكلة، وأنها مستعدة لإنفاق أموال دافعي الضرائب للحفاظ على أسعار ديونها تحت السيطرة.

لماذا يطالب المستثمرون الولايات المتحدة بمزيد من العائد

ترتفع عوائد السندات طويلة الأجل لسببين، وكلاهما يعمل الآن في الوقت نفسه.

السبب الأول هو الاختلال التقليدي بين الطلب على الاقتراض واستعداد السوق لتمويله. فعندما تقترض الدولة أكثر مما يرغب السوق في منحه بالسعر السابق، ترتفع تكلفة الاقتراض، أي العائد.

أما السبب الثاني فهو أكثر تعقيدا وخطورة. فالمستثمرون يضيفون إلى السعر علاوة مخاطر لأنهم غير واثقين من قدرة السلطات على إبقاء التضخم تحت السيطرة، أو من امتناعها عن معالجة مشكلة الدين عبر إصدار مزيد من النقود، بما يؤدي إلى خفض القيمة الحقيقية للمدفوعات المستقبلية.

تريليون دولار من الفوائد: الدين يبدأ في التهام الموازنة الأميركية

بحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، يقترب عجز الموازنة الأميركية في السنة المالية 2026 من 1.9 تريليون دولار، أي نحو ستة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبالنسبة إلى اقتصاد يواصل النمو رسميا ولا يمر بجائحة أو ركود، فإن عجزا بهذا الحجم يمثل حالة شاذة، وليس أداة طبيعية من أدوات السياسة الاقتصادية المضادة للدورات.

وعد دونالد ترامب بخفض العجز بعد عودته إلى البيت الأبيض، لكنه عمليا مدد ووسع الإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات وللأميركيين الأثرياء، ما حرم الموازنة من جزء كبير من إيراداتها.

وكانت النتيجة متوقعة. فبحسب بيانات مكتب الميزانية في الكونغرس نفسه، تجاوزت مدفوعات فوائد الدين العام في عام 2026 بصورة مستدامة وللمرة الأولى الإنفاق الدفاعي، إذ بلغت 1.03 تريليون دولار مقابل 850 مليار دولار.

خمسة عشر سنتا من كل دولار تنفقه الحكومة الفيدرالية تذهب لا إلى الجيش، ولا إلى الرعاية الصحية، ولا إلى البنية التحتية، بل إلى خدمة ديون سابقة.

وتقترض وزارة الخزانة نحو 155 مليار دولار شهريا، فيما تدفع قرابة 24 مليار دولار أسبوعيا كفوائد.

ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تتضاعف صافي نفقات الفوائد بحلول عام 2036 لتتجاوز 2.1 تريليون دولار سنويا، بينما لن يرتفع الإنفاق الدفاعي سوى إلى نحو 1.1 تريليون دولار.

أميركا تقترب من رقم قياسي يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية

لا تبدو نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل إثارة للقلق من الرقم المطلق البالغ أربعين تريليون دولار.

وبحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، يقترب الدين الفيدرالي الذي يحمله المستثمرون من القطاع الخاص بالفعل من مئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتحدة، وقد يتجاوز بحلول عام 2029 الرقم القياسي التاريخي المسجل في نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي بلغ نحو 106 بالمئة.

ولا يستقر المسار بعد ذلك، بل يواصل الصعود. فإذا استمرت السياسة المالية الحالية، يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس ارتفاع هذه النسبة طوال العقد التالي من دون عام واحد من الاستقرار.

وللمقارنة، لم تكن صافي نفقات فوائد الخزانة في عام 2021 تتجاوز نحو 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فهي تقترب من 3.2 بالمئة، ولا تتجاوزها في حجم الإنفاق سوى برامج التأمين الصحي لكبار السن والضمان الاجتماعي.

فخ الدين انغلق بالفعل

هذه الآلية ليست صدمة عابرة، بل عملية مدمجة في بنية المالية الأميركية نفسها، تجعل الموازنة عاما بعد عام رهينة لسوق السندات.

فكل شريحة من الدين القديم الرخيص، الذي صدر عندما كانت أسعار الفائدة في العقد الماضي قريبة من الصفر، تستبدل عند الاستحقاق بدين جديد بفائدة تزيد حاليا بمقدار ضعفين أو ثلاثة أضعاف.

وتعني بنية إعادة التمويل الممتدة لسنوات أن تكلفة خدمة الدين ستواصل الارتفاع تلقائيا حتى من دون وقوع أي أزمة جديدة، لمجرد حلول آجال القروض القديمة. ولهذا تحديدا يصبح حتى الذعر المحدود بين المستثمرين مكلفا للغاية بالنسبة إلى واشنطن.

الذكاء الاصطناعي أصبح بصورة غير متوقعة منافسا للخزانة الأميركية

المحرك الثاني لارتفاع العوائد لا يرتبط مباشرة بالانضباط المالي، لكنه يفسر جيدا لماذا اتخذت موجة البيع هذا الحجم في الوقت الراهن.

فالولايات المتحدة تشهد طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي تضاهي في نطاقها حمى الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهذه الطفرة تحتاج إلى أموال لا تتوافر نقدا حتى لدى أغنى شركات العالم.

أصدرت خمس من أكبر شركات التكنولوجيا، وهي ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، سندات بقيمة 159 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 47 بالمئة على إجمالي ما أصدرته طوال عام 2025.

اقترضت أمازون وحدها نحو 57 مليار دولار، وألفابت قرابة 52 مليارا، فيما طرحت ميتا سندات بقيمة 30 مليار دولار، في أكبر اقتراض مؤسسي من هذا النوع منذ عام 2023، وجمعت أوراكل 18 مليار دولار.

وبحلول نهاية يوليو اقترب إجمالي الأموال التي جمعتها هذه الشركات الخمس عبر أسواق الأسهم والسندات من 302 مليار دولار، في حين قد تتجاوز نفقاتها الرأسمالية الإجمالية على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، وفق تقديرات مختلفة، سبعمئة مليار دولار.

ويقدر محللو مورغان ستانلي إجمالي الدين العالمي المرتبط بتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بنحو 570 مليار دولار خلال عام واحد. ولا يشمل هذا الرقم الالتزامات غير المسجلة في الميزانيات الناتجة عن عقود الإيجار طويلة الأجل لمراكز البيانات، والتي بلغت لدى الشركات الخمس نفسها، وفق بيانات موديز، نحو 970 مليار دولار، منها قرابة سبعمئة مليار لم تسجل حتى الآن في التقارير المالية بوصفها ديونا.

أمازون ومايكروسوفت وغوغل تسحب الأموال بعيدا عن واشنطن

يشكل قطاع التكنولوجيا اليوم 18 بالمئة من إجمالي إصدارات الديون الاستثمارية للشركات في الولايات المتحدة، وهي أعلى حصة يسجلها قطاع واحد على الإطلاق.

تكمن المشكلة في أن سندات ألفابت وأمازون ومايكروسوفت تتنافس على المستثمرين أنفسهم الذين يشترون سندات الخزانة الأميركية.

فصناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية تمتلك حجما محدودا من رأس المال، وعندما تعرض أوراكل أو ميتا علاوة مخاطر أعلى من تلك التي تقدمها سندات الخزانة، ينتقل جزء من الأموال التي كانت تتجه تلقائيا إلى الدين الحكومي نحو ديون الشركات.

وبالنسبة إلى واشنطن يعني ذلك ضرورة رفع عائد سنداتها لاستعادة اهتمام المستثمرين، وهو بالضبط ما حدث في أغسطس.

وتبدو أوراكل معرضة للخطر بصورة خاصة. فقد حذر محللو باركليز من احتمال أن تواجه الشركة نقصا في السيولة بحلول نوفمبر 2026، بينما اتسعت خلال الأشهر الأخيرة فروق العائد على ديونها المضمونة بعقود مراكز البيانات، ما دفع بعض حاملي هذه الأوراق، بمن فيهم مستثمرون مؤسسيون كبار، إلى البدء في بيعها في السوق الثانوية.

أما الخطر الخفي في هذه المنظومة كلها فيكمن في أن معالجات الرسوميات التي تقترض الشركات مئات المليارات لشرائها تصبح متقادمة تكنولوجيا خلال بضع سنوات فقط، في حين تمتد آجال السندات التي تمول شراءها إلى عشر سنوات أو عشرين، وأحيانا أربعين عاما.

ويظل هذا التفاوت بين الآجال محجوبا مؤقتا بفضل الأرباح القياسية التي يحققها قطاع التكنولوجيا، لكنه قد يتحول إلى مشكلة حادة فور حدوث أول تباطؤ كبير في الطلب على قدرات الحوسبة.

هرمز أضاف صاعقا جيوسياسيا إلى مشكلة الدين

العامل الثالث في موجة البيع ليس ماليا، بل عسكري وسياسي، ولا تكتمل الصورة من دونه.

في 17 يونيو، وقع رئيسا الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد مذكرة تفاهم مدتها ستون يوما، كان الهدف منها تثبيت وقف إطلاق النار بعد حرب استمرت أكثر من ثلاثة أشهر.

ونصت الوثيقة على رفع الحصار البحري عن مضيق هرمز، وتقديم حزمة مساعدات لإيران بقيمة ثلاثمئة مليار دولار، وإلغاء العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، مقابل إزالة الألغام من المضيق وتقديم تنازلات في الملف النووي.

لكن الاتفاق بدأ يتداعى بسرعة. ففي 27 يونيو وصف ترامب الضربات الإيرانية في المنطقة بأنها انتهاك صارخ للتفاهمات، وفي 7 يوليو أعلن انتهاء الهدنة، وبعد ذلك استأنفت القوات الأميركية هجماتها.

وردت طهران بإعلان تعليق التزاماتها هي الأخرى.

انتهت مهلة الاتفاق والسوق تعيد تسعير خطر حرب كبرى

في 17 أغسطس انتهت مهلة الستين يوما المنصوص عليها في المذكرة من دون تمديد.

وقال ترامب صراحة للصحفيين إن واشنطن لا تعتزم السعي إلى تمديد الاتفاق، وفي الوقت نفسه وصف فكرة إعلان مضيق هرمز أراضي تابعة للولايات المتحدة بأنها فكرة ممتازة، وهي صياغة يصعب اعتبارها تمهيدا للتهدئة.

وطالبت القيادة العسكرية الإيرانية بانسحاب كامل للقوات الأميركية من الخليج العربي وخليج عمان، فيما وعد أحد قادة الحرس الثوري الإيراني بمكافأة تقارب ثلاثين ألف دولار لكل من يقتل أو يأسر عسكريا أميركيا.

وبحسب المعلومات المتاحة، يواصل جاريد كوشنر إجراء اتصالات غير معلنة مع الجانب الإيراني، فيما تقول واشنطن في تصريحاتها العلنية إنها مستعدة للتوصل إلى اتفاق إذا تحققت شروطها الرئيسية. لكن الطرفين لم ينجحا خلال الشهرين الماضيين في تقريب مواقفهما بشأن القضايا الخلافية الأساسية.

ويمر عبر مضيق هرمز يوميا نحو خمس تجارة النفط البحرية العالمية. وأي تصعيد حقيقي هناك ينتقل فورا إلى سعر البرميل، ومنه إلى توقعات التضخم، وبالتالي إلى عوائد سندات الخزانة التي تتأثر بشدة بأي مؤشر إلى أن التضخم الأميركي لا يتجه للعودة إلى المستوى المستهدف البالغ اثنين بالمئة.

رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي: السوق تبدأ في التشكيك في استقلال البنك المركزي

أضيف إلى هذا المزيج عامل رابع لا تزال السوق تنظر إليه بحذر وعدم ثقة.

في 15 مايو 2026 انتهت ولاية جيروم باول التي استمرت أربع سنوات رئيسا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وخلفه كيفن وورش، بعدما أقر مجلس الشيوخ ترشيحه في ظل دعم نشط من ترامب، الذي أمضى سنوات ينتقد باول علنا بسبب ما كان الرئيس يراه بطئا مفرطا في خفض أسعار الفائدة.

ويعرف وورش بتأييده لتيسير السياسة النقدية بوتيرة أسرع، إلى جانب تقليص قوي لميزانية الاحتياطي الفيدرالي، وهو موقف يمكن تفسيره بطرق مختلفة بحسب زاوية النظر.

بالنسبة إلى البيت الأبيض، يعني ذلك وعدا بأموال أرخص. أما بالنسبة إلى سوق السندات، فقد يكون إشارة إلى أن استقلال البنك المركزي، الذي ظل تقليديا أحد مرتكزات الثقة بالدولار، يضعف في لحظة أصبح فيها الانضباط المالي نفسه موضع شك.

من فولكر إلى وورش: ما بني خلال عقود يمكن أن يضيع بسرعة

المقارنة مع مراحل سابقة تكشف حجم المفارقة.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي رفع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر سعر الفائدة الأساسي إلى أكثر من 19 بالمئة، متعمدا التسبب في ركود اقتصادي من أجل سحق التضخم الذي بلغ معدلات من رقمين، وفعل ذلك رغم الاستياء الشديد في البيت الأبيض.

وهذه الاستعداد للتحرك ضد المصالح السياسية الآنية للإدارة هو الذي رسخ على مدى عقود سمعة البنك المركزي الأميركي باعتباره مؤسسة لا تشترى قراراتها ولا تصاغ لتحقيق نتيجة سياسية محددة.

أما وصول وورش في ظل حملة رئاسية علنية لخفض أسعار الفائدة، فيقرأه كثير من المستثمرين باعتباره حركة في الاتجاه المعاكس. وسوق السندات، على خلاف الناخبين، تصوت يوميا على ثقتها بالمؤسسات، لا بالعملة، بل بنقاط أساس العائد.

القضية الجنائية ضد باول أصبحت إشارة مقلقة أخرى

ويستحق الأمر الإشارة أيضا إلى أن تحقيقا جنائيا فتح ضد باول نفسه في يناير 2026، وكان السبب الرسمي لذلك الارتفاع الحاد في تكلفة إعادة بناء مقر الاحتياطي الفيدرالي، من 1.9 مليار دولار في عام 2017 إلى 2.5 مليار دولار.

واعتبر منتقدو الإدارة أن هذا التحقيق يمثل شكلا من أشكال الضغط السياسي على الجهة التنظيمية عشية تغيير قيادتها.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا التفسير، فإن تزامن القضية الجنائية ضد رئيس الاحتياطي الفيدرالي القائم آنذاك مع وصول خلف أكثر استعدادا للتجاوب مع البيت الأبيض لم يمر من دون أن يلاحظه المستثمرون، الذين اعتادوا تاريخيا دفع علاوة مقابل الثقة في أن البنك المركزي محمي من المصالح السياسية الآنية.

هذا ليس انهيارا جديدا على غرار ليمان: لماذا لا تقف أميركا حتى الآن على حافة الهاوية

رغم كل ما سبق، يتفق كبار الاقتصاديين على نقطة أساسية واحدة: لا يلوح في الأفق المنظور خطر أزمة دين حادة في الولايات المتحدة، والفرق بين الوضع الراهن وما حدث في عامي 2007 و2008 جوهري.

في ذلك الوقت كانت المشكلة كامنة في أساس الهرم المالي نفسه. فقد منحت البنوك على نطاق واسع قروضا عقارية ميؤوسا من سدادها لمقترضين عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم، ثم جمعت هذه الديون في أدوات مالية مشتقة حصلت على تصنيفات ائتمانية مبالغ فيها بصورة مصطنعة، وباعتها إلى المستثمرين في مختلف أنحاء العالم.

وعندما انفجرت الفقاعة، بدأت المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا تنهار الواحدة تلو الأخرى، واضطرت الحكومات إلى إنقاذ النظام المالي بأموال دافعي الضرائب.

أما اليوم، فمنافسو وزارة الخزانة الأميركية على أموال المستثمرين ليسوا أسرا مفلسة حصلت على رهون عقارية لم تكن قادرة على تحملها منذ البداية، بل شركات مثل أمازون وألفابت ومايكروسوفت، وهي من الشركات التي تتمتع بأعلى التصنيفات الائتمانية في العالم وتحقق عشرات المليارات من الدولارات من التدفقات النقدية الحرة.

وحتى إذا تبين أن الرهان على الذكاء الاصطناعي كان مبالغا فيه، وأن جزءا من مراكز البيانات يمثل طاقات فائضة، فإن هذه الشركات تمتلك من رأس المال الذاتي ما يكفي لاستيعاب الخسائر من دون إطلاق سلسلة إفلاسات متتابعة تشل النظام المالي، كما حدث قبل سبعة عشر عاما.

قد لا يحدث تخلف عن السداد. لكن الفاتورة ستدفع في كل الأحوال

هناك حجة ثانية أكثر جوهرية بكثير.

يذكر بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، بأن الدول التي تقترض بعملتها الوطنية لا تستطيع تقنيا إعلان التخلف عن السداد بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، لأنها تستطيع دائما إصدار مزيد من النقود لخدمة الدين.

ويقول إن التاريخ لا يعرف مثالا لدولة اقترضت بعملتها الوطنية ثم عجزت مع ذلك عن السداد لدائنيها.

لكن ثمن هذه الضمانة ليس التخلف عن السداد، بل التضخم. فانخفاض قيمة الدولار الذي تقاس به الديون يقلل العبء الحقيقي لهذه الديون على الموازنة، لكنه في الوقت نفسه يضرب القدرة الشرائية لكل من يحتفظ بأصول مقومة بالدولار، من المتقاعد الأميركي إلى البنك المركزي الصيني.

انتخابات الكونغرس قد تصبح آخر مكبح سياسي

يتصرف السوق بهدوء نسبي أيضا لأنه يحتسب في الأسعار وجود قيود سياسية يمكن أن تعمل بصرف النظر عن رغبة البيت الأبيض.

في نوفمبر 2026 ستجري في الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ويتوقع عدد كبير من المحللين أن يفقد الجمهوريون السيطرة على واحدة على الأقل من غرفتيه.

وخسارة الأغلبية ستقيد بشدة قدرة الإدارة على تمرير مزيد من التخفيضات الضريبية من دون مقاومة من الكونغرس، كما قد تدفعها إلى تشديد ضبط المالية العامة، وهو الأمر نفسه الذي بدأ بيسنت يتحدث عنه علنا هذا الأسبوع، متعهدا بالإعلان عن إجراءات محددة في أقرب وقت.

أما ترامب نفسه، فسيغادر منصبه في يناير 2029 بموجب القيد الدستوري الذي يحدد الرئاسة بولايتين، والأسواق عادة ما تدرج في أسعار الفائدة طويلة الأجل توقعا بأن يتغير المسار المالي بعد تبدل الإدارة.

غير أن تاريخ العقدين الماضيين لا يقدم أسبابا كثيرة لهذا التفاؤل. فقد نما العجز في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة في عهد الإدارات الديمقراطية والجمهورية بوتيرة متقاربة إلى حد بعيد، وكان الاختلاف بينهما غالبا في الخطاب أكثر منه في النتيجة.

بيسنت يطمئن السوق. لكن السوق سمعت هذا الكلام مرات كثيرة

يصر بيسنت علنا على أن رقم الأربعين تريليون دولار لا يحمل في ذاته أي دلالة سحرية، وأن إيرادات الرسوم الجمركية في عام 2026 ستظل قابلة للمقارنة بإيرادات العام السابق، وأن ذروة العجز، بحسب تقديره، أصبحت خلفنا.

المشكلة أن وزراء الخزانة يقدمون تطمينات مشابهة عند كل مستوى تقريبا من مستويات الدين. ومن هذه الزاوية لا تختلف كلمات بيسنت الحالية كثيرا عما قاله أسلافه عندما كان الدين عند عشرين تريليون دولار، ثم عند ثلاثين تريليونا.

أميركا تصبح أكثر كلفة ومعها تصبح الأموال أغلى على العالم كله

عائد سندات الخزانة الأميركية ليس مجرد رقم يظهر على شاشات المعلومات المالية، بل هو الأساس الذي تبنى عليه تكلفة الاقتراض في الاقتصاد العالمي كله، من فوائد الرهن العقاري في أوروبا إلى تكلفة قروض الشركات في الاقتصادات الناشئة.

وارتفاع العائد إلى أعلى مستوياته منذ نحو عشرين عاما يرفع تلقائيا تكلفة رأس المال في كل مكان، ويزيد الضغط على عملات الدول ذات الديون الخارجية المرتفعة، ويدفع البنوك المركزية من طوكيو إلى فرانكفورت إلى إعادة تقييم سياساتها مع مراقبة ما يفعله مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

الصين واليابان وبريطانيا تبتعد تدريجيا عن الدين الأميركي

في الوقت نفسه يتراجع الطلب على الدين الأميركي من جانب كبار حامليه التقليديين، وفي مقدمتهم بريطانيا والصين واليابان، التي خفضت خلال الأسابيع الأخيرة بصورة ملحوظة حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية.

ولا يتعلق الأمر حتى الآن بهروب من الدولار في حد ذاته، بقدر ما هو تنويع حذر للمحافظ في ظل تنامي حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية والنقدية الأميركية.

لكن الأثر التراكمي لمثل هذا التنويع، إذا استمر أشهرا لا أسابيع، قد يغير بمرور الوقت بنية الاحتياطيات العالمية نفسها، وهي البنية التي ظل فيها الدولار وسندات الخزانة الأميركية لعقود مرساة لا بديل عنها بالنسبة إلى البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم.

فاتورة الدين العام تصل إلى الأميركيين مباشرة عبر أقساط الرهن العقاري

داخل الولايات المتحدة نفسها لا يظهر أثر ارتفاع العوائد في صورة نظرية مجردة، بل يصل إلى الأسر العادية في فواتير حقيقية ومباشرة.

ترتبط فوائد الرهن العقاري لأجل ثلاثين عاما في الولايات المتحدة تقليديا بعوائد سندات الخزانة طويلة الأجل مع إضافة هامش يتراوح عادة بين نقطة مئوية ونصف ونقطتين مئويتين. ولهذا فإن أي قفزة في عوائد السندات الحكومية تنتقل بسرعة إلى تكلفة القروض السكنية وقروض السيارات وتمويل الشركات المتوسطة التي لا تستطيع الوصول إلى سوق سندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية.

وفي الوقت الذي تقترض فيه أكبر شركات التكنولوجيا بأسعار فائدة منخفضة نسبيا بالمعايير التاريخية بفضل تصنيفاتها الائتمانية المرتفعة للغاية، تدفع شركة إنشاءات صغيرة أو أسرة تشتري منزلها الأول ثمنا أعلى بكثير فعليا نتيجة ارتفاع العوائد نفسه.

وهكذا تتحول خدمة الدين العام والنفقات الرأسمالية المتضخمة في وادي السيليكون بالنسبة إلى هؤلاء من مجرد مفاهيم في الاقتصاد الكلي إلى زيادة ملموسة تماما في قيمة القسط الشهري.

قوة مهيمنة تقترض بكلفة متزايدة لتمويل طموحاتها

هنا تحديدا تظهر مفارقة اللحظة.

فالولايات المتحدة تظهر في الوقت نفسه قدرا كبيرا من الحزم العسكري والسياسي، وتهدد إيران، وتتحدث عن ضم مضيق دولي، وتسعى إلى توسيع تفوقها التكنولوجي عبر سباق الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت ذاته تقترض الأموال لتمويل هذه الطموحات وخدمتها بفائدة لم تدفع مثلها منذ ما يقرب من عشرين عاما.

إن قوة عظمى تتصرف كما لو كانت القوة المهيمنة التي لا بديل عنها، لكنها تمول هذا الدور بشروط تزداد سوءا، تمثل بنية لا يختبر استقرارها انهيار واحد مفاجئ، بل تراكم عدد كبير من الضغوط الصغيرة، يبدو كل واحد منها منفردا قابلا للإدارة.

أربعون تريليون دولار مجرد عرض. أميركا لا تخسر المال بل الامتياز

لا تواجه الولايات المتحدة خطر التخلف عن السداد بالمعنى الذي كان يخشاه مستثمرو ليمان براذرز في عام 2008، لأن عملتها الوطنية وقدرتها على إصدار النقود تظلان ضمانة قوية ضد العجز الرسمي عن الوفاء بالالتزامات.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في القدرة على السداد بحد ذاتها، بل في الثقة. فالسوق لم تعد مستعدة لتمويل الطموحات الأميركية بالسعر القديم، وهي تطالب بعلاوة متزايدة مقابل مخاطر كانت تعتبر في السابق قريبة من الصفر.

أربعون تريليون دولار ليست تشخيصا، بل عرضا.

أما التشخيص الحقيقي فهو مختلف: نظام سياسي يمدد الإعفاءات الضريبية بدلا من خفض العجز، ويضع على رأس مجلس الاحتياطي الفيدرالي رئيسا أقرب إلى الولاء منه إلى الاستقلال، وفي الوقت نفسه يهدد بضم مضيق دولي، لا يفقد قدرته على السداد بقدر ما يفقد شيئا أقل ظهورا للعيان لكنه أكثر قيمة بكثير، وهو القدرة على الاقتراض بثمن منخفض لمجرد أن العالم اعتبره طوال عقود خاليا من المخاطر تقريبا بصورة تلقائية.

وهذا الامتياز تحديدا، لا الرقم المجرد للدين، هو ما تبدده واشنطن اليوم ببطء وعلى نحو يكاد لا يلاحظه ناخبوها في سوق السندات.