...

حول عطلا 24 و25 يوليو خللا تقنيا إلى جدل حول التخريب وتعدين العملات المشفرة وروسيا وثمن طموحات تبليسي في مجال العبور. لكن السؤال الرئيسي أخطر بكثير: هل تستطيع منظومة الطاقة الجورجية تحمل الدور الجيوسياسي الذي تعول عليها فيه بالفعل أذربيجان وتركيا وأوروبا؟

في ليلة 24 يوليو، غرقت فجأة أجزاء واسعة من جورجيا في الظلام. انقطعت الكهرباء عن تبليسي وباتومي وروستافي وغوري وتيلافي وكوتايسي ومدن أخرى. وقبل أن تتمكن المنظومة من التعافي من الصدمة الأولى، وقع صباح 25 يوليو عطل واسع النطاق ثان. وفتحت اللجنة الوطنية لتنظيم الطاقة والمياه تحقيقا، فيما باشرت دائرة أمن الدولة الجورجية قضية جنائية بموجب المادة 318 من القانون الجنائي المتعلقة بالتخريب.

وبطبيعة الحال، فإن مجرد فتح قضية لا يعني ثبوت وقوع عمل تخريبي. فالمعطيات التقنية المتاحة للعامة تشير، حتى الآن وبصورة أكثر إقناعا، إلى أمر مختلف: منظومة الكهرباء الجورجية واجهت اضطرابا متسلسلا في التشغيل، بحيث تمكن عطل كبير على مستوى شبكة النقل الرئيسية من جر جزء واسع من البلاد معه إلى الانقطاع.

وهنا تحديدا تنتهي قصة انقطاعي يوليو، وتبدأ قصة أشد خطورة بكثير.

تطمح جورجيا إلى أن تصبح جسرا للطاقة بين حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى وتركيا والبحر الأسود والاتحاد الأوروبي. وتعول أذربيجان على استخدام الأراضي الجورجية لتوسيع صادرات الكهرباء نحو الغرب. وتتحدث تركيا عن ممر كهربائي جديد يشبه، من حيث منطقه الاستراتيجي، خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول. أما الاتحاد الأوروبي فيدفع بمشروع ممر الطاقة عبر البحر الأسود. ومن المقرر استثمار مليارات في خطوط النقل والمحطات الفرعية وأنظمة التخزين والربط بين الشبكات.

لكن لكل دولة عبور قاعدة قاسية: الجغرافيا تمنحها فرصة أن تصبح عنصرا لا غنى عنه، أما البنية التحتية فهي التي تحدد ما إذا كانت هذه المكانة ستتحول إلى واقع دائم.

وقد أظهر انقطاعا يوليو أن فجوة خطرة نشأت في جورجيا بين هذين الأمرين.

غرقت البلاد في الظلام مرتين. وقالت المنظومة ما لم يقله السياسيون

بعد الانقطاع الثاني، أعلن ليفان ميبونيا، مدير محطة إنغوري الكهرومائية، أن اضطراب التشغيل نجم عن خروج خط «إيميريتي» بجهد 500 كيلوفولت من الخدمة، وكان يعمل تحت حمل مرتفع للغاية. وأعقب ذلك فقدان استقرار منظومة الكهرباء.

بالنسبة إلى المستهلك العادي، قد تبدو هذه مجرد تفصيلة تقنية. أما بالنسبة إلى مهندس الطاقة، فهي مفتاح فهم المشكلة.

تصمم الشبكات الوطنية الكبرى بحيث لا يؤدي فقدان عنصر واحد فيها تلقائيا إلى فقدان المنظومة بأكملها. وفي قطاع الكهرباء يطبق معيار تحمل فقدان عنصر رئيسي واحد، بما يعني أن المنظومة يجب أن تكون قادرة على الصمود أمام تعطل خط أو محول أو وحدة توليد مهمة من دون انقطاع واسع للكهرباء عن المستهلكين.

ومن اللافت أن خطط التطوير بعيدة المدى للشركة الجورجية الحكومية لنظام الكهرباء كانت قد وضعت ضمان التشغيل المستقل والمستقر والالتزام بمعيار تحمل فقدان عنصر واحد ضمن أولوياتها الرئيسية. ومن بين مشاريع تعزيز الشبكة إنشاء وصلة بجهد 500 كيلوفولت بين جفاري وتسخالتوبو وأخالتسيخي، وكان من المفترض أن تؤمن، ضمن وظائف أخرى، احتياطا لخط «إيميريتي» الرئيسي وتخفض خطر فقدان كميات كبيرة من الأحمال عند وقوع حادث.

ولهذا فإن السؤال التقني الرئيسي بعد أحداث يوليو 2026 ليس: لماذا خرج خط بعينه من الخدمة؟

فالخطوط تتعطل في جميع منظومات الكهرباء في العالم.

السؤال الحقيقي هو: لماذا أدى فقدانه إلى تأثير منهجي بهذا الحجم؟

إذا أكد التحقيق بصورة نهائية أن فقدان الاستقرار جاء بعد خروج عنصر رئيسي من الشبكة، أو بعد تغير نمط التشغيل المتوازي مع منظومة كهرباء مجاورة، فلن نكون أمام مجرد حادث. سيكون ذلك مؤشرا إلى ضعف مستوى الاحتياط، أو وجود مشكلات في أنظمة الحماية والطوارئ الآلية، أو محدودية القدرات المرنة القابلة للمناورة، أو اختلال التوازن بين التوليد والطلب، أو اجتماع عدة عوامل في وقت واحد.

وهذا أخطر بكثير من فرضية حدوث عملية تحويل خاطئة واحدة.

أذربيجان ليست «مقبسا» خارجيا بل جزء من استقرار منظومة الطاقة الجورجية

هناك عامل في البنية الطاقوية الجورجية لم يعد من الممكن اعتباره ثانويا بعد أحداث يوليو: أذربيجان.

في 18 مايو 2026، وقعت في باكو، بحضور الرئيس إلهام علييف ورئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه، حزمة جديدة من الوثائق الخاصة بالتعاون في مجال الطاقة. وتشمل الحزمة إمدادات الغاز وعمليات العبور وتوريد الكهرباء إلى جورجيا، ثم نقلها لاحقا عبر الأراضي الجورجية في اتجاه تركيا.

وفي 9 يوليو، صادق الرئيس إلهام علييف على اتفاقية توريد الكهرباء وعبورها. وهذه البنية التعاقدية الجديدة لا تستهدف تجارة ظرفية لعدة مئات من ملايين الكيلوواط ساعة، بل إعادة تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية على المدى الطويل.

وتوضح التدفقات القائمة بالفعل اتجاه هذا التحول. ففي عام 2025 صدرت جورجيا نحو 0.5 تيراواط ساعة من الكهرباء، وذهبت قرابة أربعة أخماس هذه الصادرات إلى تركيا. وبلغ حجم الكهرباء العابرة نحو 0.7 تيراواط ساعة، فيما جاء نحو 63 في المئة منها من أذربيجان.

وهذه مسألة جوهرية.

فأذربيجان لم تعد بالنسبة إلى جورجيا مجرد أكبر مورد للغاز، أو دولة مجاورة، أو صاحبة مسارات نقل وطاقة ذات أهمية حيوية. إنها تتحول تدريجيا إلى أحد المكونات الأساسية للسوق الكهربائية الإقليمية التي تشكل الشبكة الجورجية جزءا منها.

وهذا يعني أن استقرار منظومتي الطاقة في الدولتين يتحول بصورة متزايدة من مهمة وطنية منفصلة إلى أصل استراتيجي مشترك.

تحصل تبليسي على عائدات العبور والاستثمارات والبنية التحتية والثقل السياسي. وتحصل باكو على منفذ غربي لقدراتها المتنامية في مجال الطاقة. وتحصل أنقرة على مصدر إضافي للكهرباء وقناة أخرى للتكامل مع القوقاز. أما أوروبا فتحصل على بديل محتمل لبعض مسارات الطاقة التقليدية.

لكن متانة السلسلة لا تتجاوز أبدا متانة أضعف حلقاتها.

خط الأنابيب العابر للأناضول الجديد سيكون كهربائيا، ولهذا فإن عطل يوليو أخطر مما يبدو

في 1 يونيو، تحدث وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار علنا عن إنشاء ممر كهربائي بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، يمتد لاحقا إلى جنوب شرقي أوروبا. وقارن، من حيث المنطق الجيواقتصادي، المنظومة المستقبلية بخط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، وهو الشريان الذي غير هيكل إمدادات الغاز القادم من حوض قزوين نحو الغرب. وفي الوقت نفسه تخطط تركيا لاستثمار نحو 30 مليار دولار خلال عشرة أعوام في تحديث بنيتها التحتية لشبكات الكهرباء.

وبالتوازي مع ذلك، يجري تطوير مسار أكثر طموحا.

فقد أنشأت أذربيجان وجورجيا ورومانيا والمجر الإطار المؤسسي لممر الطاقة الخضراء عبر البحر الأسود. وينص المشروع على نقل الكهرباء عبر البحر الأسود باتجاه الاتحاد الأوروبي. وتجري دراسة إنشاء خط بحري بطول يقارب 1100 كيلومتر وقدرة تبلغ نحو 1000 ميغاواط. وأدرج المشروع ضمن خطط تطوير الشبكات الأوروبية، فيما تتولى شركة سيسي الإيطالية الدراسات التقنية. وفي فبراير 2026 بدأت المرحلة التالية من التحضيرات لإجراء المسوحات البحرية.

لم يعد الأمر مجرد زينة دبلوماسية.

فإذا نفذ المشروع، ستنشأ فعليا منظومة كهربائية جديدة تمتد من بحر قزوين عبر جنوب القوقاز والبحر الأسود إلى الاتحاد الأوروبي.

وتمر هذه المنظومة بأكملها عبر جورجيا.

ولهذا فإن انقطاع الكهرباء في تبليسي يتوقف عن كونه مشكلة جورجية بحتة في اللحظة التي تتحول فيها الشبكة الجورجية إلى بنية تحتية ذات أهمية دولية.

فالمستثمر والمقرض والمشغل ومشتري الكهرباء لا يقيمون التصريحات السياسية، بل يقيمون متوسط مدة الانقطاع، ومتوسط تكرار الانقطاعات، ومستوى الاحتياط، والقدرة المتاحة للنقل، واستقرار التردد، وجودة إدارة الأحمال والتشغيل، وسرعة استعادة الخدمة بعد الحوادث، وقدرة الشبكة على تحمل فقدان أكبر عناصرها.

يمكن بناء كابل البحر الأسود. ويمكن تمويل محطات الكهرباء. ويمكن توقيع الاتفاقيات الحكومية الدولية.

لكن لا يمكن تصدير الكهرباء عبر شبكة لا تملك هي نفسها هامشا كافيا من الاستقرار.

جورجيا لا تحتاج إلى ميغاواطات على الورق، بل إلى شبكة قادرة على استيعابها

تشير الأرقام بالفعل إلى تصاعد التوتر بين الطموحات والقدرات المادية الفعلية للبنية التحتية.

في عام 2025 استهلكت جورجيا نحو 14.9 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء، بينما بلغ الإنتاج المحلي قرابة 13.8 مليار كيلوواط ساعة. ومن هذا الحجم، وفرت الطاقة الكهرومائية نحو 11 مليار كيلوواط ساعة، فيما أنتجت المحطات الحرارية نحو 2.8 مليار. أما محطة إنغوري الكهرومائية وحدها فأنتجت قرابة 3.4 مليار كيلوواط ساعة، أي نحو ربع إجمالي إنتاج الكهرباء في جورجيا وقرابة ثلث إنتاجها الكهرومائي.

ويمنح هذا الهيكل جورجيا ميزة واضحة تتمثل في موارد هائلة للطاقة الكهرومائية.

لكنه يولد في الوقت نفسه مخاطر ناتجة عن تركز الإنتاج.

فالتوليد الكهرومائي يعتمد على مستويات المياه الموسمية. وتظل محطة إنغوري منشأة فريدة ذات وضع سياسي وجغرافي بالغ التعقيد: فالسد يقع في منطقة تسيطر عليها تبليسي، بينما تقع قاعة التوربينات في أبخازيا، خارج سيطرة السلطات المركزية الجورجية.

ويضاف إلى هذه الهشاشة وضع خطوط النقل الرئيسية، والحاجة إلى محطات فرعية جديدة، وأنظمة بطاريات للتخزين، وزيادة القدرة الاستيعابية للشبكة.

وفي مارس 2026، أعلنت السلطات الجورجية أن شبكة النقل ستحتاج خلال السنوات الخمس المقبلة إلى استثمارات بنحو 570 مليون يورو لربط ما يقارب 4000 ميغاواط من القدرات الجديدة ونشر أنظمة تخزين الطاقة.

وهنا بالضبط تكتسب انقطاعات يوليو معناها الاستراتيجي.

تحاول جورجيا في الوقت نفسه زيادة إنتاج الكهرباء بصورة حادة، وربط محطات جديدة، وتوسيع عمليات العبور، وتعميق التكامل مع أذربيجان وتركيا والسوق الأوروبية، وتلبية الطلب الداخلي المتزايد، وكل ذلك عبر شبكة لا تزال بعض عناصرها قادرة، عند بلوغ ظروف تشغيل حرجة، على التسبب في انهيار متسلسل.

لم تعد المسألة مسألة إصلاحات فنية، بل أصبحت مسألة سرعة تحديث الدولة نفسها.

أصبح معدنو العملات المشفرة المتهم المثالي. والمشكلة أنهم يسببون بالفعل مشكلة حقيقية

بعد الحوادث مباشرة تقريبا، ظهرت رواية جذابة سياسيا: تعدين العملات المشفرة هو المسؤول.

وقال الرئيس السابق للبنك الوطني الجورجي والسياسي المعارض رومان غوتسيريدزه إن منشآت التعدين تحولت إلى مستهلك مفرط الضخامة للطاقة، وطالب بحظر تعدين العملات المشفرة في المناطق الصناعية الحرة. وقدر حصتها بنحو 6 في المئة من استهلاك الكهرباء في جورجيا، أو قرابة مليار كيلوواط ساعة سنويا.

وتحتاج هذه النسبة إلى تحقق مستقل، لأنها صادرة عن خصم سياسي للحكومة، لا عن مشغل منظومة الكهرباء.

لكن المشكلة نفسها حقيقية تماما.

لتعدين العملات المشفرة خاصية مزعجة بالنسبة إلى الشبكات الضعيفة: استهلاكه مستمر ومتركز وقادر على النمو بسرعة حيثما تتوافر الكهرباء الرخيصة.

فالكهرباء هي المورد التشغيلي الرئيسي بالنسبة إلى المعدن. وكلما انخفضت التعرفة، أصبحت المنشأة أكثر جاذبية. ولهذا تنتقل الصناعة بصورة طبيعية إلى المناطق التي يوجد فيها فائض من الطاقة الكهرومائية الرخيصة، أو دعم حكومي، أو حتى إمكانية لاستهلاك الكهرباء من دون دفع ثمنها.

وكانت جورجيا ملائمة تماما لهذا النموذج.

وظهر ذلك بأوضح صورة في سفانيتي.

حولت سفانيتي الكهرباء المجانية إلى عملات مشفرة، وأرسلت الفاتورة إلى الدولة

في 1 يونيو، قدم ماموكا مدينارادزه، الذي كان يشغل حينها منصب وزير الدولة لشؤون تنسيق أجهزة إنفاذ القانون، رقما يصف حجم الاختلال أفضل من أي خطاب سياسي.

ففي عام 2025 استهلكت بلدية ميستيا نحو 133 مليون كيلوواط ساعة من الكهرباء. ووفقا له، كان يفترض أن تستهلك بلدية جورجية مماثلة لها من حيث عدد السكان نحو 10 ملايين كيلوواط ساعة فقط.

أي أن الفارق يتجاوز عشرة أضعاف.

وبحسب تقديرات الحكومة، يكلف التعدين غير القانوني وما يرتبط به من استهلاك غير مشروع للكهرباء الدولة ما لا يقل عن 20 إلى 25 مليون لاري سنويا. وأعلنت السلطات إدخال أنظمة للقياس، ووضع حدود للاستهلاك المجاني للسكان، وملاحقة كبار المستهلكين غير الشرعيين.

ولا يكاد يوجد ما يمكن الاعتراض عليه هنا.

فإذا كانت الكهرباء مجانية للأسرة، وكان من الممكن في المكان نفسه تركيب عشرات أو مئات أجهزة التعدين ذات الدوائر المتكاملة المصممة خصيصا لهذا الغرض، ينشأ شكل شبه مثالي من المراجحة الاقتصادية: يحول المشغل الخاص الدعم الحكومي إلى أصل مشفر، بينما يتحمل المجتمع تكلفة اهتراء المحولات والخطوط وشبكات التوزيع.

وهذا النموذج قادر على تدمير حتى شبكة محلية مصممة بصورة جيدة.

لكن هذا لا يعني بعد أن المعدنين هم الذين تسببوا تحديدا في الانقطاع الوطني يوم 24 أو 25 يوليو.

وهذا فارق جوهري.

يمكن للتعدين أن يقلص هامش استقرار الشبكة، ويرفع الحمل الأساسي، ويفرض أحمالا زائدة على شبكات التوزيع، ويسرع اهتراء المعدات. لكن الانهيار المتسلسل على المستوى الوطني بعد فقدان خط نقل رئيسي يوجه الانتباه قبل كل شيء إلى بنية منظومة الكهرباء نفسها: الاحتياط، والتوازن، وأنظمة الحماية الآلية، وإدارة التشغيل، وقدرة الشبكة على عزل الضرر ومنع انتشاره.

إذا تبين أن استهلاك منشآت التعدين أدى إلى تفاقم ظروف التشغيل أثناء الحادث، فسيكون ذلك عاملا مهما.

لكن إعلان المعدنين سببا قبل اكتمال إعادة البناء التقني لتسلسل الأحداث يعني العثور على متهم ملائم سياسيا قبل العثور على الإجابة الهندسية.

رأت هيئة الإذاعة الألمانية العامة الكرملين خلف بيتكوين. لكن الأرقام تفرض استنتاجا أكثر حذرا بكثير

كان البعد الإعلامي الخارجي أكثر إثارة للاهتمام حتى من الجدل الداخلي.

نشرت هيئة الإذاعة الألمانية العامة تحقيقا بعنوان «حرب العملات المشفرة: كيف يحاربنا بوتين باستخدام بيتكوين». ويصف معدو التحقيق آلية يمكن بموجبها لروسيا، بعد خسارتها جزءا من سوق الغاز الأوروبية التقليدية، أن توجه فائض الغاز لإنتاج كهرباء رخيصة، ثم تستخدم هذه الكهرباء في تعدين العملات المشفرة، وأن تقلل عبر الأدوات المالية الرقمية من فاعلية العقوبات الغربية. ويشير التحقيق في هذا السياق أيضا إلى منشآت تعدين في جورجيا.

الآلية بحد ذاتها ليست خيالية.

فالعملات المشفرة يمكن بالفعل استخدامها في التسويات العابرة للحدود، كما أن الاقتصاد الروسي بحث بنشاط منذ عام 2022 عن قنوات مالية بديلة.

لكن الانتقال من الفرضية العامة إلى اتهام محدد يتعلق بقطاع الطاقة الجورجي يحتاج إلى سلسلة متكاملة من الأدلة.

وهنا تظهر المشكلة.

وفقا لبيانات الجهة التنظيمية الجورجية، استوردت جورجيا في عام 2025 نحو 2.27 مليار متر مكعب من الغاز من أذربيجان، ونحو 886 مليون متر مكعب من روسيا. وبلغت حصة أذربيجان قرابة 71.7 في المئة، مقابل 27.9 في المئة لروسيا. أما في ميزان الغاز المعتمد لعام 2026، فيتسع الفارق أكثر: من المتوقع استيراد نحو 2.93 مليار متر مكعب من أذربيجان، ونحو 400 مليون متر مكعب فقط من روسيا. أي إن حصة أذربيجان تقترب من 88 في المئة.

وفوق ذلك، كان العامل التاريخي الرئيسي الذي جذب نشاط التعدين إلى جورجيا هو الكهرباء الكهرومائية الرخيصة.

ولهذا لا يمكن استخدام معادلة «الغاز الروسي، الكهرباء الجورجية، بيتكوين، الميزانية الروسية» باعتبارها وصفا تلقائيا للقطاع بأكمله.

وقد تكون هذه المعادلة صحيحة بالنسبة إلى شركة محددة، أو محطة كهرباء بعينها، أو مخطط مالي معين. لكن إثبات ذلك يتطلب بيانات عن منشأ الغاز، وعقود إمدادات الكهرباء، ومالكي معدات التعدين، والمحافظ الرقمية، والمدفوعات، والمستفيدين النهائيين.

ومن دون ذلك، يخاطر التحقيق بالتحول من تحليل جنائي تقني إلى سردية جيوسياسية.

غيرت كوليفي قواعد اللعبة: بروكسل تضع الأنابيب والمصانع والأموال الجورجية تحت المجهر

وسيكون من الخطأ أيضا اختزال الاهتمام الأوروبي في مجرد حملة سياسية.

ففي 23 يوليو، أي قبل يوم واحد فقط من أول انقطاع واسع للكهرباء، أدرج الاتحاد الأوروبي مصفاة النفط في كوليفي ضمن الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات المفروضة على روسيا. وكان السبب هو تكرير النفط الروسي. ومن المقرر أن يدخل حظر المعاملات حيز التنفيذ بعد انتهاء فترة انتقالية. ووفقا لبيانات نقلتها وكالة رويترز استنادا إلى أبحاث مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، استقبلت المصفاة ست شحنات من النفط الروسي بين أكتوبر 2025 ومايو 2026. وأعلنت شركة بترول البحر الأسود، المالكة للمصفاة، عزمها التحول إلى الخام القادم من تركمانستان وكازاخستان. ورفضت تبليسي الاتهامات بأنها تتعمد تسهيل الالتفاف على العقوبات، وأكدت استعدادها للتعاون مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وهذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها شركة جورجية كبرى من هذا المستوى لعقوبات مباشرة من الاتحاد الأوروبي.

وهذا يغير خلفية النقاش برمته.

لم تعد المؤسسات الأوروبية تنظر إلى جورجيا باعتبارها مجرد دولة عبور صغيرة بين البحر الأسود وبحر قزوين. فمحطات النفط والمصافي والبنوك والبنية التحتية للعملات المشفرة وممرات النقل ومؤسسات الطاقة الجورجية باتت ينظر إليها باعتبارها عناصر في الخريطة الكبرى للعقوبات في أوراسيا.

ولهذا تحديدا اكتسبت قصة تعدين العملات المشفرة شحنة سياسية تفوق بأضعاف القيمة الفعلية لما تم استخراجه من عملات بيتكوين.

فالجغرافيا التي منحت جورجيا طوال عشرين عاما ريعا سياسيا أصبحت الآن تجلب معها مخاطر سياسية أيضا.

تبليسي محاصرة بين بروكسل وموسكو، وشبكة الكهرباء أصبحت جزءا من الأزمة السياسية

تتطور أزمة الطاقة في ظل أعمق تدهور في العلاقات بين جورجيا والاتحاد الأوروبي.

حصلت جورجيا على صفة دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2023. لكن المجلس الأوروبي أعلن بالفعل في عام 2024 أن مسار الانضمام توقف فعليا، فيما أعلنت الحكومة الجورجية لاحقا أنها لا تعتزم طرح مسألة بدء المفاوضات قبل عام 2028. وفي الوثائق الحالية للمفوضية الأوروبية لا تزال البلاد مدرجة ضمن الدول المرشحة التي لم تبدأ معها مفاوضات الانضمام.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح تسييس أي حادث في البنية التحتية أمرا شبه حتمي.

تحصل المعارضة على فرصة للحديث عن عجز حزب «الحلم الجورجي» وتدهور المؤسسات والرعاية غير الشفافة للمصالح الاقتصادية الكبرى.

أما السلطة فتحصل على مبررات للحديث عن المضاربات والاستغلال السياسي للحادث والتهديدات التي تتعرض لها البنية التحتية الحيوية.

وتفتح دائرة أمن الدولة قضية تتعلق بالتخريب، فينتقل التحقيق التقني تلقائيا إلى مستوى الأمن القومي.

وبعد حرب عام 2008، وفي ظل غياب العلاقات الدبلوماسية مع روسيا واستمرار سيطرة موسكو على أبخازيا ومنطقة تسخينفالي، تبدو الشكوك المحيطة بأي عطل كبير في البنية التحتية الجورجية مفهومة.

لكن لهذا السبب بالذات يجب أن يكون معيار الإثبات أعلى، لا أدنى.

فالحديث عن عمل تخريبي يتطلب وجود مؤشرات على تدخل متعمد، سواء كان ماديا أو إلكترونيا أو عملياتيا أو قائما على نشاط استخباراتي.

أما المعلومات التي عرضت علنا حتى الآن فتشير، قبل كل شيء، إلى حادث في منظومة الطاقة.

واعتبار المادة 318 دليلا على وقوع تخريب لا يقل خطأ عن اعتبار وجود مزارع لتعدين العملات المشفرة دليلا على مسؤوليتها عن الانقطاع الوطني للكهرباء.

كازاخستان سلكت هذا الطريق بالفعل وفهمت أن التعدين لا يمكن أن يبقى خارج التخطيط الطاقوي

تجربة كازاخستان مفيدة بشكل خاص لجورجيا.

بعد حظر تعدين العملات المشفرة في الصين عام 2021، أصبحت كازاخستان واحدة من أكبر مراكز العالم لاستخراج بيتكوين. وانتقلت إليها قدرات حاسوبية هائلة بسبب رخص الكهرباء ووجود قاعدة طاقوية قائمة.

لكن المنظومة لم تكن مستعدة لذلك.

ففي عام 2021 ارتفع استهلاك الكهرباء في كازاخستان بنحو 8 في المئة، في حين كان معدل النمو في السنوات السابقة لا يتجاوز عادة 1 إلى 2 في المئة. واشتد عجز القدرة، وبدأت السلطات فرض قيود على المعدنين القانونيين، فيما تزامنت مشكلات الطاقة مع الأزمة السياسية في يناير 2022. وربط باحثون الارتفاع الحاد في الأحمال، ضمن عوامل أخرى، بتعدين العملات المشفرة، رغم أن اختزال الحوادث الإقليمية الكبرى في التعدين وحده سيكون تبسيطا مفرطا.

لكن كازاخستان لم تقض على هذه الصناعة.

بل بدأت تحولها من مستهلك طاقوي طفيلي إلى مستهلك صناعي خاضع للتنظيم.

وفي 18 يوليو 2026 اعتمدت قواعد ما يعرف بالتعدين الرقمي الاستراتيجي. ويربط هذا النموذج الحصول على حصص من الطاقة بتحويل جزء من الأصول الرقمية المستخرجة إلى بنية الاحتياطي الوطني الاستراتيجي من الأصول المشفرة، كما ينص على إبرام عقود مباشرة مع شركات التوليد وتقييد الاستهلاك بحصص محددة مسبقا.

وهذا المثال أكثر فائدة لجورجيا بكثير من شعار «حظر كل شيء».

فالمعدن القانوني الكبير لا ينبغي أن يكون مستهلكا مميزا، بل حملا يمكن التحكم فيه.

ويجب أن يمتلك نظام قياس تجاريا مستقلا، ونظام مراقبة عن بعد، وقدرة مركبة معلنة، وإمكانية تعاقدية لخفض الحمل عن بعد في حالات الطوارئ، وتعرفة أعلى في ساعات العجز، ومسؤولية مالية عن تجاوز القدرة المتفق عليها.

أما الإعفاءات الضريبية في المناطق الصناعية الحرة فلا ينبغي أن تتحول إلى حصانة في مجال استهلاك الطاقة.

السؤال الأكثر إحراجا: لماذا تصدر جورجيا الكهرباء إذا كانت عاجزة عن تحمل حادث داخل شبكتها؟

للوهلة الأولى، يبدو الأمر متناقضا.

لماذا تسعى دولة تعاني انقطاعات واسعة للكهرباء إلى أن تصبح دولة عبور ومصدرا للطاقة الكهربائية؟

تكمن الإجابة في فيزياء منظومات الكهرباء.

فالمشكلة لا تتمثل بالضرورة في نقص الحجم السنوي من الكهرباء. قد تمتلك الدولة إنتاجا كهرومائيا كبيرا في الربيع والصيف، وتصدر الفائض، لكنها تعاني في الوقت نفسه مشكلات في موازنة الشبكة، أو عجزا شتويا، أو محدودية قدرة خطوط النقل، أو ضعفا في استقرار المنظومة عند وقوع حادث.

الكهرباء ليست نفطا.

لا يمكن ببساطة إنتاجها ووضعها في خزان ثم إرسالها بعد أسبوع.

في كل لحظة تقريبا يجب أن يتساوى الإنتاج مع الاستهلاك. ويجب الحفاظ على تردد الشبكة قريبا من المستوى المعياري. وعند فقدان خط رئيسي، يعاد توزيع تدفقات الطاقة فورا على خطوط أخرى. وإذا تعرضت هذه الخطوط لأحمال زائدة، تفصل أنظمة الحماية العنصر التالي. ثم العنصر الذي يليه.

وهكذا يبدأ الانهيار المتسلسل.

ولهذا فإن المورد الرئيسي لمركز الطاقة الجورجي المستقبلي ليس الكيلوواط ساعة.

المورد الرئيسي هو القدرة على إدارة المنظومة.

ثلاث فرضيات للانقطاع، وواحدة فقط منها تمثل تهديدا مختلفا نوعيا للدولة

بعد أحداث يوليو، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول تقني بحت. تحميل زائد على عنصر رئيسي في شبكة النقل، ثم خروجه اضطراريا من الخدمة، مع عدم كفاية الاحتياط، يتبعه انهيار متسلسل. والمعلومات التقنية المعروفة علنا حتى الآن تتوافق بصورة أكبر مع هذه الفرضية.

السيناريو الثاني هو حادث تقني فاقمه العامل البشري، مثل أخطاء إدارة الشبكة، أو إعدادات غير صحيحة لأنظمة الحماية، أو التأخر في التحديث، أو وجود أحمال غير محسوبة، أو نقص حجم الاحتياطي التشغيلي.

أما السيناريو الثالث فهو التدخل المتعمد.

وهذا تحديدا ما تبحث فيه دائرة أمن الدولة.

إذا تأكد السيناريو الثالث، فستواجه جورجيا تهديدا جديدا نوعيا: هجوما على منشأة من البنية التحتية الحيوية في دولة يفترض أن تصبح جزءا من ممر طاقة عابر للقارات.

لكن إذا تأكد السيناريو الأول أو الثاني، فقد تكون العواقب السياسية مؤلمة بالقدر نفسه.

فالعمل التخريبي يمكن تفسيره بوجود خصم.

أما الضعف المنهجي فلا بد من تفسيره بسياسات الدولة نفسها.

من يكسب من القلق الطاقوي ومن يدفع الثمن؟

أذربيجان مهتمة بوجود منظومة طاقة جورجية قوية. فكلما ارتفعت موثوقية العبور عبر جورجيا، اتسعت إمكانات تصدير الكهرباء الأذربيجانية، وربما مستقبلا طاقة آسيا الوسطى عبر بحر قزوين.

وتركيا مهتمة بالأمر نفسه. فالربط الكهربائي مع أذربيجان يعزز موقعها بوصفها مركزا إقليميا للطاقة.

أما الاتحاد الأوروبي فيحتاج إلى بنية تحتية توسع عدد المسارات والموردين، وتلتزم في الوقت نفسه بالمعايير الأوروبية المتعلقة بالموثوقية التقنية والشفافية والرقابة على العقوبات.

وجورجيا هي الأكثر استفادة إذا نجحت.

فهي تحصل على فرصة لتحويل موقعها الجغرافي إلى ريع دائم قائم على البنية التحتية.

لكن جورجيا نفسها ستكون أكبر الخاسرين إذا اكتسبت شبكتها سمعة بأنها غير موثوقة.

فالمشروعات الدولية الكبرى في مجال الطاقة تقيم على مدى عقود. وتكلفة رأس المال تستجيب للمخاطر. المستثمر يدرج احتمال الحوادث في نموذجه المالي. والمقرض يضعه في سعر الفائدة. والمشغل يحوله إلى متطلبات إضافية للاحتياط. أما المشتري فيدرجه في الضمانات التعاقدية.

قد ينتهي انقطاع الكهرباء الذي استمر عدة ساعات بعد عدة ساعات.

لكن الخطر على السمعة يبقى مدة أطول بكثير.

أرادت جورجيا أن تصبح جسرا. والآن عليها أن تثبت أن الجسر قادر على تحمل الأحمال

في نهاية المطاف، لا تتعلق انقطاعات يوليو بالعملات المشفرة.

ولا برومان غوتسيريدزه.

ولا بهيئة الإذاعة الألمانية العامة.

ولا حتى بمن تسبب تحديدا في خروج خط «إيميريتي» من الخدمة.

إنها تتعلق بثمن الطموح الجيوسياسي.

على مدى ثلاثة عقود، بنت جورجيا قيمتها الدولية حول ميزة واحدة هي موقعها الجغرافي. فعبر أراضيها مر خط أنابيب النفط باكو تبليسي جيهان، وخط أنابيب الغاز في جنوب القوقاز، وخط السكك الحديدية باكو تبليسي قارص، ومسارات النقل والاتصالات الرقمية. والآن يجب أن تنضم إليها منظومة كبرى لنقل الكهرباء.

لكن عبور الكهرباء أكثر تعقيدا بكثير من مرور النفط عبر أنبوب.

فهو يتطلب توازنا مستمرا من دون انقطاع.

ولهذا سيتعين على جورجيا تنفيذ عدة مهام في وقت واحد: تعزيز شبكة النقل الرئيسية ماديا، وضمان احتياط فعلي يسمح بتحمل فقدان عنصر رئيسي واحد، وتسريع بناء الخطوط والمحطات الفرعية الجديدة، ونشر أنظمة تخزين الطاقة، وتحديث أنظمة الحماية الآلية من الحوادث، وضمان القياس الدقيق لاستهلاك كبار المستهلكين، وتحويل التعدين القانوني إلى حمل يمكن التحكم فيه وفصله عند الضرورة، وإخراج مزارع التعدين غير القانونية نهائيا من المنطقة الرمادية.

لكن المهمة الأهم أمام تبليسي هي الفصل بين الهندسة والسياسة.

إذا كان سبب الحادث تقنيا، فيجب وصفه بأنه تقني.

وإذا كانت هناك حالة إهمال، فيجب تسمية المسؤولين عنها.

وإذا أدى التعدين إلى زيادة حجم الانقطاع، فيجب عرض البيانات التي تثبت ذلك.

وإذا وقع تدخل متعمد، فيجب تقديم الأدلة.

لأن أسوأ سيناريو بالنسبة إلى قطاع الطاقة الجورجي ليس حتى وقوع انقطاع ثالث.

السيناريو الأسوأ هو وجود منظومة يجري فيها بعد كل انقطاع تحديد السبب السياسي الملائم أولا، ثم البحث عن السبب الفيزيائي لاحقا.

لدى أذربيجان الطاقة. ولدى تركيا السوق والطموحات في مجال البنية التحتية. ولدى أوروبا الطلب على مسارات جديدة. ولدى آسيا الوسطى موارد محتملة هائلة. ولدى جورجيا جغرافيا فريدة.

والآن على تبليسي أن تثبت أنها تمتلك شيئا آخر أيضا: منظومة كهرباء يمكن الوثوق بها لحمل كل ذلك.

لقد جعل يوليو 2026 هذا الاختبار علنيا.

أما الانقطاع التالي فقد يجعل ثمنه باهظا للغاية.