انتهت بطولة كأس العالم ٢٠٢٦، وعرف الكأس الرياضي مالكه، وخوت الملاعب، وبدأ ملايين المشجعين رحلة العودة إلى ديارهم. لكن المنتصر المالي الأكبر في البطولة كان قد حسم موقعه قبل صافرة النهاية بوقت طويل. فقد حقق الاتحاد الدولي لكرة القدم دورة تجارية قياسية، وحصلت شبكات البث على مساحات إعلانية إضافية، وسجلت شركات المراهنات تدفقا تاريخيا للرهانات، بينما اكتشف المشجعون والمدن المضيفة أن المهرجان الكروي الضخم لا يضمن على الإطلاق تحقيق أرباح اقتصادية.
مع انتهاء المباراة الأخيرة اختفت الإثارة الرياضية، لكن حسابات أكبر بطولة لكأس العالم في التاريخ بقيت حاضرة. وتكشف هذه الحسابات أن الجماهير القياسية والمدرجات الممتلئة وعشرات المليارات من الدولارات المتداولة لا تعني بالضرورة ازدهارا عاما. فقد توزعت الأموال بصورة شديدة الاختلال، إذ حصل أصحاب الحقوق والمنصات الإعلامية العالمية والشركات الإعلانية ومؤسسات المراهنات على أكبر المكاسب، في حين تحمل المشجعون والشركات المحلية وميزانيات المدن الكبرى المضيفة جانبا كبيرا من النفقات.
أما الكأس الكبرى في البطولة الاقتصادية فقد ذهبت إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي حول توسيع المسابقة إلى ثمانية وأربعين منتخبا ومئة وأربع مباريات إلى تدفق قياسي من عائدات البث والتذاكر والرعاية والتراخيص والضيافة. وتشكلت حوله دائرة ثانية من الفائزين ضمت شبكات البث والمعلنين ومنصات المراهنات ومالكي العلامات التجارية الكروية العالمية وبعض المشاهير. غير أن خلف واجهة الانتصار التجاري ظهرت حقيقة أقل احتفالية، فقد أنتجت البطولة دورة مالية هائلة، لكنها لم تحقق أرباحا فعلية للجميع.
أما فاتورة الاحتفال فتوزعت بطريقة مختلفة. دفعها المشجعون وميزانيات المدن وجزء من قطاع الفنادق والشركات المحلية التي صدقت الوعود بطفرة سياحية كبرى. وأقيمت البطولة من الحادي عشر من يونيو إلى التاسع عشر من يوليو في ست عشرة مدينة داخل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، واستقطبت حتى عشية المباراة النهائية نحو ستة ملايين وسبعمئة ألف متفرج إلى الملاعب. لكن الحضور القياسي لا يعني أن جميع المشاركين في هذا الاقتصاد العملاق حققوا أرباحا.
كأس العالم لا يصنع الدخل فحسب، بل يعيد توزيعه لمصلحة من يسيطرون على الأصول النادرة، أي حق بث المباراة أو بيع التذكرة أو استخدام الرموز الرسمية أو نشر الإعلان أو تنظيم الضيافة المؤسسية أو تحصيل عمولة من كل معاملة جديدة.
ولهذا يقف الاتحاد الدولي لكرة القدم وشبكات البث والرعاة وشركات المراهنات وديفيد بيكهام في جانب واحد من الميزانية المالية للبطولة، بينما يقف المشجعون والفنادق وبعض المدن المضيفة في الجانب الآخر.
النهائي لم يأت بعد لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم انتصر بالفعل
لم يعد من الممكن النظر إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم بوصفه مجرد اتحاد رياضي دولي. فهو منصة عابرة للحدود لإدارة الملكية الفكرية، وقادرة على تحويل المباراة نفسها إلى مصدر للدخل مرات متعددة.
تبيع المنظمة حقوق البث التلفزيوني والفئات الإعلانية والتذاكر وباقات الضيافة وتراخيص المنتجات والمحتوى الرقمي والمقصورات المؤسسية وإمكان الوصول إلى سوق إعادة البيع الرسمية. كرة القدم تصنع ندرة عاطفية، والاتحاد الدولي لكرة القدم يحول هذه الندرة إلى منظومة متعددة المستويات من المدفوعات.
تكشف الأرقام حجم هذا النموذج. ففي الميزانية المعدلة للدورة الممتدة بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٦، أدرج الاتحاد الدولي لكرة القدم إيرادات قياسية تبلغ ثلاثة عشر مليار دولار. وفي عام ٢٠٢٦ وحده، قدرت الإيرادات بنحو ثمانية مليارات وتسعمئة وأحد عشر مليون دولار، منها ثلاثة مليارات وتسعمئة وخمسة وعشرون مليونا من حقوق البث، وثلاثة مليارات وسبعة عشر مليونا من التذاكر والضيافة، ومليار وسبعمئة وستة وثمانون مليونا من الحقوق التسويقية، إضافة إلى مئة وأحد عشر مليونا من التراخيص.
وقدرت ميزانية تنظيم كأس العالم ٢٠٢٦ نفسها بثلاثة مليارات وسبعمئة وستة وخمسين مليون دولار. ولا يمثل الفارق ربحا صافيا تلقائيا، لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم يمول بطولات أخرى وبرامج تنمية وإدارة ومدفوعات للاتحادات الوطنية. لكن الاختلال التجاري واضح. فالتدفق المالي الأساسي يتجمع لدى مالك الحقوق، بينما توزع نسبة كبيرة من النفقات التنظيمية والنقلية والأمنية بين الدول والمدن المضيفة.
بحلول نهاية عام ٢٠٢٥، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد تعاقد بالفعل على ثلاثة وتسعين في المئة من الإيرادات المستهدفة للدورة الرباعية بأكملها. وبذلك كان جزء كبير من النتيجة المالية قد تحقق قبل أول ركلة للكرة في كأس العالم ٢٠٢٦. فالمنظمة لم تكن تبيع نتيجة رياضية مجهولة، بل وصولا مضمونا إلى جمهور عالمي.
بالنسبة إلى قطاع الأعمال، يمثل ذلك نموذجا مثاليا. قد يخسر منتخب بسبب خطأ من حارس المرمى أو حالة طرد أو ركلات ترجيح، لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم يربح أيا كانت النتيجة.
ولا يلغي الوضع القانوني للمنظمة بوصفها مؤسسة غير ربحية منطقها التجاري. فالمنظمة تؤكد أن أكثر من تسعين في المئة من الأموال يعاد ضخها في منظومة كرة القدم. غير أن السؤال لا يتعلق فقط بالجهات التي توزع عليها الأموال لاحقا، بل يتعلق أيضا بمن يضع قواعد استخراجها في المرحلة الأولى، ومن يمتلك الحقوق، ومن يحصل على القدرة على فرض السعر على السوق.
في كأس العالم ٢٠٢٦ تصرف الاتحاد الدولي لكرة القدم بوصفه محتكر العرض الرياضي العالمي، مع مواصلته الحديث بلغة الرسالة العامة والتضامن وتنمية كرة القدم.
التذكرة أصبحت أصلا ماليا والمشجع رهينة للندرة
اندلع أكثر صراعات البطولة إيلاما حول أسعار التذاكر.
يؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم رسميا أنه يستخدم تسعيرا متغيرا وليس تسعيرا ديناميكيا آليا، أي إن السعر يمكن مراجعته وفقا للطلب وتوافر المقاعد، لكنه لا يتغير باستمرار بواسطة خوارزمية. وبالنسبة إلى المشجع، يكاد هذا الاختلاف يكون نظريا بحتا. فقد تحرك السعر في كل الأحوال مع تصاعد الطلب، ولم تعد التذكرة مجرد تصريح لدخول الملعب، بل تحولت إلى أصل للمضاربة.
بلغ سعر بعض تذاكر المباراة النهائية في السوق الرسمية اثنين وثلاثين ألفا وتسعمئة وسبعين دولارا. وظهرت في منصات خارجية عروض بمئات الآلاف، بل بملايين الدولارات. وهذه الإعلانات لا تعادل بالضرورة سعر الصفقة الفعلي، لكنها تعكس بدقة بنية السوق، إذ لم يجر الحد من الندرة، بل جرى تحويلها بصورة منهجية إلى مصدر للدخل.
ووفقا للبيانات المنشورة، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم يفرض في منصة إعادة البيع الرسمية عمولة قدرها خمسة عشر في المئة على البائع، وخمسة عشر في المئة أخرى على المشتري. وهكذا كان من الممكن للتذكرة نفسها أن تدر دخلا للمنظمة عند بيعها للمرة الأولى، ثم تدر دخلا جديدا عند إعادة بيعها.
في ألمانيا، طالبت محكمة بتغيير بعض الممارسات في السوق الثانوية. وفي الولايات المتحدة، أصبحت سياسة الاتحاد الدولي لكرة القدم المتعلقة بالتذاكر موضع شكاوى وتحقيقات ودعاوى قضائية. واتهم المشترون المنظمة بعدم الشفافية في توزيع المقاعد، وبحجز أفضل المدرجات للعملاء من الشركات ولحزم الضيافة مرتفعة السعر.
واستحدث الاتحاد الدولي لكرة القدم فئة محدودة من تذاكر دخول المشجعين بسعر ستين دولارا لمشجعي المنتخبات المتأهلة، وشملت هذه الفئة المباراة النهائية. وقد أتاح ذلك للمنظمة القول إن التذاكر الميسرة موجودة بالفعل.
لكن تذكرة الستين دولارا لم تكن قاعدة السوق، بل ممرا اجتماعيا ضيقا داخل منظومة يخدم فيها الطلب الجماهيري بأسعار مختلفة تماما. وقسمت البطولة الجمهور فعليا إلى ثلاث طبقات، أصحاب الحصة المدعومة النادرة، والمشترين القادرين على الدفع، والمشاهدين الذين دفعتهم الأسعار إلى الاكتفاء بالشاشة التلفزيونية.
ولم تقتصر تكلفة المباراة على دخول الملعب. فبالنسبة إلى المشجع القادم من الخارج، شملت الفاتورة تذاكر الطيران والفنادق والطعام والنقل الداخلي والتأمين وتكاليف التأشيرة وخسارة وقت العمل.
وأظهرت تقديرات نشرت قبل البطولة أن رحلة مشجع إنجليزي واحد لحضور مرحلة المجموعات كان يمكن أن تكلف نحو ستة آلاف وخمسمئة جنيه إسترليني، بينما قد تتجاوز تكلفة الرحلة لعائلة من أربعة أشخاص اثنين وعشرين ألف جنيه.
وأصبحت تذكرة القطار إلى الملعب في نيوجيرسي رمزا منفصلا للتضخم السعري. فبدلا من السعر المعتاد البالغ اثني عشر دولارا وتسعين سنتا، وصل السعر الخاص في البداية إلى مئة وخمسين دولارا. وبعد موجة غضب عامة خفض السعر، لكن الواقعة نفسها كشفت المنطق الاقتصادي للحدث العملاق، إذ تتحول كل نقطة إلزامية في مسار المشجع إلى احتكار محلي مؤقت.
ولا تقاس خسارة المشجع الكبرى بالأموال وحدها. فقد باعت كرة القدم تاريخيا شعور الانتماء، أي إمكان أن يصبح الإنسان جزءا من حدث جماعي. لكن كأس العالم ٢٠٢٦ سرعت الانتقال إلى نموذج مختلف، فأصبح الانتماء منتجا فاخرا.
كلما ازدادت علاقة الإنسان العاطفية بفريقه، ارتفع استعداده للدفع. وهكذا لم يعد المشجع الشريك الأساسي للبطولة، بل تحول إلى مورد تستخرج منه أقصى قيمة استهلاكية ممكنة.
الماء في الدقيقة الثانية والعشرين تحول إلى نفط إعلاني
لم تحصل القنوات التلفزيونية من كأس العالم ٢٠٢٦ على جمهور هائل فقط، بل حصلت أيضا على ما طالما أراده سوق الإعلام الأميركي من كرة القدم، وهو استراحة إعلانية مضمونة داخل كل شوط.
فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم استراحات للترطيب مدتها ثلاث دقائق تقريبا في الدقيقتين الثانية والعشرين والسابعة والستين من جميع المباريات، بصرف النظر عن درجة الحرارة أو الأحوال الجوية أو وجود سقف فوق الملعب. وكان التفسير الرسمي هو ضمان تكافؤ الظروف وحماية صحة اللاعبين. وهذا التفسير ليس بلا أساس، فقد أقيمت البطولة في أجواء شديدة الحرارة، ووصلت مباراة من كل خمس مباريات تقريبا، وفق أحد التقديرات، إلى مستوى من الإجهاد الحراري توصي عنده نقابة لاعبي كرة القدم المحترفين بالنظر في تأجيل المباراة أو نقل موعدها.
لكن فرض الاستراحات نفسها في الملاعب المكيفة والملاعب المفتوحة أثار حتما سؤالا آخر، هل صممت التدابير الطبية في الوقت نفسه بوصفها منتجا تجاريا؟
بدأت شبكة فوكس استخدام استراحات الترطيب لبث إعلانات تملأ الشاشة، وأحيانا مع خطر تفويت لحظة استئناف اللعب. وقدرت تكلفة الإعلان الذي تبلغ مدته ثلاثين ثانية بما بين مئتي ألف وسبعمئة وخمسين ألف دولار، بحسب طرفي المباراة ومرحلة البطولة.
وتوقعت حسابات القطاع أن تحقق فوكس ما لا يقل عن مئتين وخمسين مليون دولار من الإيرادات الإعلانية الإضافية. ووصلت تقديرات أكثر جرأة إلى ما بين خمسمئة وستمئة مليون دولار. وهذه الأرقام ليست نتائج مالية خضعت للتدقيق، بل تقديرات لسوق الإعلام. لكن حتى الحد الأدنى منها يكشف مدى القيمة الاقتصادية التي اكتسبتها استراحة أدخلت تحت شعار حماية اللاعبين.
ولا تكمن الأهمية هنا في حجم الإيرادات وحده، بل في السابقة التي جرى ترسيخها.
كانت كرة القدم التقليدية محبوبة لدى المشاهدين ومزعجة للمعلنين لسبب واحد، وهو أن خمس وأربعين دقيقة من اللعب المتواصل لا يمكن تقسيمها إلى فواصل تجارية من دون المجازفة بتفويت حدث مهم. لكن كأس العالم ٢٠٢٦ جعل تقسيم المباراة إلى أربعة مقاطع تلفزيونية أمرا طبيعيا.
وإذا ترسخ هذا النموذج في الدوري الأميركي لكرة القدم أو الدوري النسائي الأميركي أو البطولات الدولية المقبلة، فستصبح البنية الاقتصادية لكرة القدم أقرب إلى نموذج الرياضة الأميركية. ولن توضع الإعلانات حول المباراة، بل ستدمج المباراة نفسها داخل شبكة معدة سلفا من النوافذ الإعلانية.
ينفي الاتحاد الدولي لكرة القدم وجود دافع تجاري وراء استراحات الترطيب. ومن الناحية الشكلية، يحصل الناقل التلفزيوني بالفعل على الإيرادات المباشرة. لكن المنظمة تستفيد بصورة غير مباشرة. فكلما ازدادت كمية الإعلانات التي تستطيع القناة بيعها أثناء البطولة، ازدادت قدرتها واستعدادها لدفع مبالغ أكبر مقابل حقوق البطولة المقبلة.
كل دقيقة إعلانية إضافية اليوم ترفع قيمة العقد التلفزيوني غدا.
الرعاة اشتروا الصفة لكن المنافسين استولوا على الاهتمام
اشترى الشركاء الرسميون ارتباطا محميا قانونيا بالعلامة التجارية للبطولة. وحصلوا على حق الوصول إلى الرموز والملاعب وعمليات البث والباقات المؤسسية والمواد الإعلانية التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
غير أن الحصرية أصبحت نسبية في عصر شبكات التواصل الاجتماعي. فإلى جانب الرعاية الرسمية، تطور ما يعرف بالتسويق الكمين، حيث لا تشتري الشركة صفة الشريك الرسمي، لكنها تصمم حملتها بطريقة تدفع الجمهور إلى ربطها بالبطولة رغم ذلك.
نافست نايكي الشريك الرسمي أديداس من خلال اللاعبين والفعاليات الثقافية والمحتوى الرقمي. وحصلت ليفايز على اهتمام إضافي بعدما جرت محاولة تغطية شعارها في ملعب سان فرانسيسكو بقطعة من القماش.
ووفقا لتقديرات تحليل متخصص، حققت أديداس قيمة إعلامية مكتسبة بلغت نحو ثمانية وأربعين مليونا وتسعمئة ألف دولار، مقابل ثمانية وعشرين مليونا وتسعمئة ألف دولار لنايكي. ولا يزال العقد الرسمي أصلا قويا، لكنه لم يعد يضمن احتكار الاهتمام.
وفازت العلامات التجارية القادرة على الجمع بين الصفة الرسمية والشخصية المعروفة والانتشار الرقمي الفوري. أما الشركات التي دفعت مقابل وضع شعارها، لكنها لم تصنع سردية ثقافية مقنعة، فقد خسرت المعركة.
فالمشاهد لا يتذكر الفئة القانونية للراعي، بل يتذكر وجها أو واقعة أو نكتة أو فضيحة أو لحظة عاطفية.
شركات المراهنات نظمت بطولة ثانية داخل البطولة الأولى
إذا كانت شبكات البث قد حولت الاستراحات إلى أموال، فإن منصات المراهنات حولت كل ثانية تقريبا من زمن المباراة إلى مصدر للدخل.
توقعت شركة إتش تو غامبلينغ كابيتال أن تصل قيمة الرهانات القانونية على كأس العالم ٢٠٢٦ إلى ستين مليار دولار. أما شركة فلاتر إنترتينمنت، المالكة لفان دويل وبادي باور وبيتفير وسكاي بيت، فتوقعت استقطاب نحو عشرة ملايين عميل، ومضاعفة إجمالي حجم الرهانات مقارنة ببطولة كأس العالم في قطر.
وكانت المراهنات المباشرة أثناء اللعب المحرك الرئيسي لهذا النمو. ففي السابق كان العميل يختار النتيجة قبل بداية المباراة وينتظر النهاية. أما الآن فهو يتفاعل مع كل بطاقة أو ركلة ركنية أو إصابة أو تبديل أو نسبة استحواذ أو تسديدة على المرمى أو لقطة تالية في اللعب.
لم تعد شركة المراهنات تبيع توقعا واحدا لمدة تسعين دقيقة، بل أصبحت تحول المباراة إلى سلسلة متواصلة من المعاملات المالية الصغيرة.
واكتسب السوق الأميركي أهمية خاصة. فبعد قرار المحكمة العليا الأميركية عام ٢٠١٨، حصلت الولايات المختلفة على حق تشريع المراهنات الرياضية. ووصلت الصناعة إلى كأس العالم ٢٠٢٦ وهي تمتلك تطبيقات ضخمة للهواتف المحمولة وإعلانات مخصصة، إلى جانب اعتياد المستخدم على عقد الرهانات من هاتفه.
وفي الأماكن التي ظلت فيها المراهنات الرياضية التقليدية محظورة، انتقل جزء من الطلب إلى أسواق التوقعات التي تتاجر رسميا بعقود مرتبطة بنتائج الأحداث. وهكذا أصبحت الحدود بين التحليل الرياضي والمضاربة المالية والقمار شبه غير مرئية.
بالنسبة إلى شركات المراهنات، كان توسيع البطولة حلا مثاليا. فوجود مئة وأربع مباريات بدلا من أربع وستين مباراة يعني مزيدا من الأحداث، ووقتا أطول للتفاعل مع العميل، وفرصا أكبر لتعويض الأرباح الفردية التي يحققها بعض المراهنين من خلال الهامش الحسابي العام للمنصة.
أما بالنسبة إلى المجتمع، فالعواقب أكثر تعقيدا. فالسوق المنظمة تحقق إيرادات ضريبية وتزيح جزءا من النشاط غير القانوني، لكنها في الوقت نفسه تضاعف مرات احتكاك المشاهد بمنتجات القمار.
تحولت مباراة كرة القدم إلى واجهة للمخاطر المالية، وتحول المشجع المنخرط عاطفيا إلى مستخدم تسعى المنصة إلى إبقائه داخلها حتى صافرة النهاية.
المدن باعت حلم المليارات لكنها تسلمت فاتورة الأمن
توقع الاتحاد الدولي لكرة القدم ومؤسسة أكسفورد إيكونوميكس أن توفر كأس العالم ٢٠٢٦ ما يصل إلى أربعين مليارا وتسعمئة مليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي الإضافي، وأن تحقق ثمانية مليارات ومئتين وثمانين مليون دولار من المنافع الاجتماعية، وأن تدعم ما يقارب ثمانمئة وأربعة وعشرين ألف وظيفة محسوبة على أساس الدوام الكامل.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد قدرت الزيادة الإضافية في الناتج المحلي الإجمالي بسبعة عشر مليارا ومئتي مليون دولار، والإنتاج الإجمالي بثلاثين مليارا وخمسمئة مليون دولار، وعدد الوظائف بمئة وخمسة وثمانين ألفا. وتبدو هذه الأرقام دليلا على النجاح المالي، لكنها لا تصلح بديلا عن حساب الأرباح الصافية للمدن والميزانيات الحكومية.
فالأثر الاقتصادي والنتيجة المالية للميزانية مؤشرين مختلفين.
يشمل الإنتاج الإجمالي سلاسل متعاقبة من الإنفاق قد تحسب فيها الأموال نفسها مرات متعددة. كما أن الوظيفة المحسوبة على أساس الدوام الكامل لا تعني بالضرورة منصبا دائما. فقد تكون مجرد مجموع ورديات مؤقتة في فندق أو حانة أو شركة أمن أو مؤسسة نقل.
ولا يعادل إنفاق السياح بالضرورة زيادة صافية في الاقتصاد. فبعض السكان المحليين يحولون إنفاقهم المعتاد إلى فعاليات مرتبطة بكرة القدم. وبعض السياح التقليديين يتجنبون المدن المكتظة. كما تذهب نسبة كبيرة من إيرادات الفنادق والإعلانات والتذاكر إلى شبكات دولية ومنصات رقمية وأصحاب حقوق.
ويسمي الاقتصاديون هذه الظواهر آثار الاستبدال والإزاحة والتسرب.
فإذا أنفق أحد السكان في منطقة للمشجعين الأموال نفسها التي كان سينفقها في مطعم عادي، فإن الثروة الوطنية لا ترتفع تلقائيا. وإذا شغل سائح كروي غرفة مرتفعة السعر، بينما ألغى مسافر أعمال تقليدي رحلة أطول، فقد يربح الفندق من سعر ليلة واحدة لكنه يخسر في إجمالي إيراداته.
وتظهر الدراسات المتعلقة بالأحداث الكبرى منذ عقود أن التوقعات التي يعدها المنظمون أو يكلفون بإعدادها غالبا ما تبالغ في تقدير العائد الفعلي. ويرجع ذلك إلى استخدام معاملات تضخيم مفرطة، وتجاهل السياحة التي جرى إزاحتها، وعدم احتساب النفقات العامة بصورة كاملة.
امتلكت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ميزة مهمة مقارنة ببعض الدول المضيفة السابقة، إذ كانت غالبية الملاعب وجزء كبير من البنية التحتية الفندقية قائمة بالفعل. وقد خفض ذلك خطر ظهور ملاعب باهظة التكلفة لا تجد طلبا بعد انتهاء البطولة.
لكن غياب عمليات البناء الواسعة للملاعب لا يعني أن البطولة كانت مجانية.
فقد دفعت المدن تكاليف الأمن وإدارة الحشود والنقل والخدمات الصحية ومناطق المشجعين والبنية التحتية المؤقتة وساعات العمل الإضافية للموظفين.
وأعلنت كندا، على سبيل المثال، تخصيص ما يصل إلى مئة وخمسة وأربعين مليون دولار كندي من التمويل الفيدرالي للأمن في تورونتو وفانكوفر. وأضيف هذا المبلغ إلى مئتين وعشرين مليونا كان قد أعلن عنها سابقا لدعم المدن المضيفة، وإلى ما يصل إلى مئة مليون دولار للهيئات الفيدرالية، لترتفع الالتزامات العامة في عدة مسارات إلى نحو أربعمئة وخمسة وستين مليون دولار كندي.
قد تكون هذه النفقات مبررة بحجم الحدث، لكنها يجب أن تخصم من التقديرات المتفائلة للأثر الاقتصادي، لا أن تختفي خلف عبارات الصورة الدولية والإرث والاحتفال الوطني.
المكسيك كانت أول من رأى المليارات الموعودة تتبخر
بحلول نهاية البطولة، أصبحت التجربة المكسيكية تحذيرا واضحا.
استضافت البلاد ثلاث عشرة مباراة، وامتلأت الملاعب، وكان الاهتمام الشعبي هائلا. ومع ذلك، لم يظهر أي دفع ملموس على مستوى الاقتصاد الكلي.
خفض بنك بانورتي تقديراته لمساهمة البطولة في النشاط الاقتصادي. وقدر بنك باناميكس الأثر الإجمالي بنحو ملياري دولار. وأفادت شركة ديلويت بإنشاء نحو مئة ألف وظيفة مؤقتة، أي أقل بنحو عشرة في المئة من العدد الذي كان متوقعا.
وفي يونيو، تراجع إنفاق الأسر على الفنادق والمطاعم، رغم ارتفاع الإنفاق على الترفيه.
ولا يعني ذلك أن البطولة لم تقدم شيئا للمكسيك. فقد دعمت المبيعات حول الملاعب، وزادت النشاط في بعض المناطق، وروجت للبلاد، ووفرت وظائف قصيرة الأجل.
لكن البطولة لم تكن قادرة على تحييد ضعف الاستثمارات، أو حالة عدم اليقين المرتبطة بمراجعة الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة وكندا، أو المشكلات الهيكلية للاقتصاد. فالحدث الضخم يستطيع تعزيز اتجاه قائم، لكنه نادرا ما يصنعه من العدم.
يحب السياسيون بطولات كأس العالم تحديدا بسبب الوهم الذي تمنحه بوجود معجزة قابلة للإدارة. فالبناء والسياحة والاهتمام الدولي والنشوة الوطنية تندمج كلها في رواية واحدة براقة.
لكن المشكلة تبدأ بعد انتهاء البطولة، حين تصطدم التوقعات الإجمالية بالتقارير الضريبية والتوظيف الفعلي وفواتير البلديات.
الطفرة الفندقية انتهت قبل وصول السياح
كان ينظر إلى الفنادق باعتبارها من الفائزين الطبيعيين بكأس العالم ٢٠٢٦، لكن قطاع الضيافة حذر قبل انطلاق البطولة من نتيجة معاكسة.
وأظهر استطلاع أجرته الرابطة الأميركية للفنادق والإقامة أن ثمانين في المئة من المشاركين سجلوا حجوزات أقل من التوقعات الأولية. وربط ما بين خمسة وستين وسبعين في المئة ضعف الطلب الدولي بعوائق التأشيرات وعدم اليقين الجيوسياسي.
وجاءت ضربة إضافية من إلغاء مجموعات كبيرة من الغرف التي كان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد حجزها مسبقا. وفي بعض المدن، أفرج عن ما يصل إلى سبعين في المئة من هذه الحجوزات، وفقا لبيانات القطاع.
وكانت الآلية شبه نموذجية.
فقد خلقت الحجوزات الأولية الضخمة انطباعا بوجود نقص في الغرف. ورفعت الفنادق الأسعار، وزادت عدد الموظفين، وبنت خططها على أساس إشغال متوقع مرتفع. ثم أعيد جزء من الحجوزات إلى السوق، ولكن بأسعار مبالغ فيها وفي وقت متأخر جدا لجذب السياح الحساسين للتكاليف.
كان الضيف المحتمل يرى سعرا مرتفعا للغرفة فيتراجع عن السفر. ثم يخفض الفندق السعر، لكنه لا ينجح دائما في استعادة الطلب في الوقت المناسب.
كما أدت الجغرافيا الواسعة للبطولة إلى تقويض النموذج التقليدي القائم على مدينة مضيفة واحدة. فقد تنقل المشجعون بين تجمعات حضرية متباعدة، ووصلوا أحيانا في يوم المباراة فقط، واستأجروا مساكن خارج المراكز، أو اختاروا الإيجار قصير الأجل، أو أقاموا على مسافات بعيدة من الملاعب.
وتركز الطلب في نافذة زمنية ضيقة للغاية، ولم يوفر أسابيع الإشغال الكامل التي كانت موعودة.
فازت الفنادق القريبة من الملاعب المحددة ومراكز النقل، والقادرة على تغيير أسعارها بسرعة. وخسر المشغلون الذين وظفوا عمالا مسبقا، أو تخلوا عن مجموعات الزبائن المعتادة، أو تمسكوا بأسعار مرتفعة انتظارا لتدفق لم يأت.
ومرة أخرى، لم يكشف المتوسط العام للمدينة شيئا تقريبا عن مصير كل مؤسسة على حدة.
المدينة لا تخسر بالكامل بل تربح شوارع محددة
ليس صحيحا أيضا اعتبار المدن المضيفة خاسرة بالكامل. فالأموال جاءت بالفعل، لكنها لم تصل إلى الأماكن ولا بالأحجام التي وعدت بها النماذج الإعلانية.
فازت المطاعم والحانات القريبة من مناطق المشجعين، وشركات النقل العاملة على المسارات الإلزامية، وأصحاب الإيجارات قصيرة الأجل خلال أيام المباريات الكبرى، وشركات الأمن، وخدمات التنظيف، ومزودو الضيافة المؤسسية.
وفازت المدن التي استخدمت البطولة موعدا نهائيا صارما لاستكمال مشروعات كانت تحتاج إليها بصرف النظر عن كرة القدم، مثل تحديث النقل والأماكن العامة وأنظمة الإرشاد الرقمي ومنظومات الأمن.
ولا يكتسب إرث البطولة معنى اقتصاديا إلا عندما يكون المشروع ضروريا للمدينة حتى في غياب كأس العالم. أما إذا كان المشروع مبررا فقط بعدد محدود من المباريات، فهو ليس استثمارا في التنمية، بل إعانة تقدم إلى منظم الحدث.
وخسرت المناطق الواقعة خارج مسارات المشجعين، والشركات السياحية التقليدية التي أزاحها الضجيج الكروي، ودافعو الضرائب الذين لم يحصلوا على حساب شفاف للنفقات، والمؤسسات الصغيرة التي اشترت بضائع أو وسعت طواقمها بناء على توقعات مبالغ فيها.
لا توزع البطولة الطلب بالتساوي. بل تخلق ممرات لأرباح استثنائية بمحاذاة حركة الجماهير، ومناطق من خيبة الأمل لا تبعد عنها سوى بضعة شوارع.
المنتخبات حصلت على مدفوعات قياسية واللاعبون تحملوا أعباء قياسية
أدى توسيع البطولة إلى زيادة المدفوعات داخل منظومة كرة القدم.
رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم إجمالي المبالغ الموزعة على الاتحادات الثمانية والأربعين المشاركة إلى ثمانمئة وواحد وسبعين مليون دولار. وحصل كل منتخب على مدفوعات أكبر للتحضير والمشاركة. كما ارتفعت قيمة برنامج مزايا الأندية إلى ثلاثمئة وخمسة وخمسين مليون دولار، بزيادة تقارب سبعين في المئة مقارنة بالبطولة السابقة.
وخصص من هذا المبلغ مئة مليون دولار للأندية التي قدمت لاعبيها للمباريات التأهيلية، ومئتان وخمسون مليونا للأندية التي شارك لاعبوها في النهائيات.
ويمثل ذلك إعادة توزيع حقيقية للدخل نحو المستويات الأدنى في الهرم الكروي. فالتحادات الصغيرة تحصل على مبالغ قد تعادل إيراداتها المحلية لعدة سنوات، كما تتلقى الأندية تعويضا مقابل إعداد اللاعبين وإتاحتهم للمنتخبات الوطنية.
لكن للتوسع وجها آخر، يتمثل في مزيد من المباريات، وتقويم أطول، ورحلات أكثر، وارتفاع خطر الإصابات والإجهاد الحراري.
وهنا يظهر الصراع الأساسي في كرة القدم الحديثة. فالاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات القارية والدوريات والأندية تتفاوض بشأن توزيع المليارات، لكن المورد الإنتاجي الوحيد الذي لا يمكن استبداله يظل جسد اللاعب.
قد تقلل استراحات الترطيب بعض المخاطر، لكنها لا تحل مشكلة التقويم الذي يتوسع لأن كل مباراة إضافية تخلق منتجا جديدا.
بيكهام فاز بالبطولة من دون أن يدخل الملعب
لم يكن الرمز الأكثر دقة لكأس العالم التجارية ٢٠٢٦ أحد المشاركين في المباراة النهائية، بل كان ديفيد بيكهام.
فقد أنهى مسيرته قبل أكثر من عشرة أعوام، لكنه أصبح أحد أبرز وجوه البطولة في الإعلانات الأميركية. واستخدمت صورته علامات هوم ديبوت وبنك أوف أميركا وأديداس وماكدونالدز وستيلا أرتوا وفيرايزون وبيبسي وليز وغيرها.
وذهبت تقديرات القطاع إلى أن دخل بيكهام من العقود المرتبطة بالبطولة ربما بلغ نحو خمسة وعشرين مليون دولار، رغم عدم الكشف عن الرقم الدقيق.
والمفارقة أن التشبع الإعلاني المفرط ربما أضر بالشركات نفسها. فقد تذكر المشاهد بيكهام، لكنه لم يكن قادرا دائما على تذكر السلعة التي كان يعلن عنها.
أما بالنسبة إلى بيكهام، فهذه صيغة مثالية، لأن كل عقد جديد يعزز علامته الشخصية، حتى عندما يقلل من قدرة الجمهور على تمييز المعلن.
ويتمثل أهم أصوله في حصته بنادي إنتر ميامي. ففي مايو ٢٠٢٦، قدرت مجلة فوربس قيمة النادي بمليار وثلاثمئة وخمسين مليون دولار، مع إيرادات سنوية تقارب مئتي مليون دولار، وأرباح تشغيلية تقدر بنحو خمسين مليونا.
دخل بيكهام المشروع مستفيدا من حق شراء امتياز في الدوري الأميركي لكرة القدم مقابل خمسة وعشرين مليون دولار، وهو حق كان منصوصا عليه في عقده القديم. وتبدو هذه الصفقة اليوم واحدة من أنجح الاستثمارات في تاريخ كرة القدم الأميركية.
يمتلك بيكهام مزيجا نادرا من الأصول، يشمل شهرة واسعة في أوروبا، وشعبية في الولايات المتحدة، وارتباطا بالدوري الأميركي، ووصولا إلى ليونيل ميسي عبر إنتر ميامي، وصورة نجم عالمي مقبول لدى جميع المعلنين تقريبا.
إنه لا يعلن عن كرة القدم فحسب، بل يمثل بنية خاصة لتحويل الثقافة الكروية إلى أموال أميركية.
التلاعب الأكبر لا يختبئ في سعر التذكرة بل في لغة الحساب
لا يمكن وصف كأس العالم ٢٠٢٦ بأنها فشل مالي. بل كانت على العكس بطولة ناجحة تجاريا إلى حد بعيد.
لكن الخطأ يبدأ عندما يسجل نجاح الاتحاد الدولي لكرة القدم أو فوكس أو أديداس أو فلاتر أو بيكهام تلقائيا بوصفه نجاحا لنيويورك أو تورونتو أو فانكوفر أو مكسيكو أو المشجع العادي.
فلكل طرف حساباته الخاصة.
يحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم العقود والحقوق. وتحسب شبكة البث الدقائق الإعلانية. وتحسب شركة المراهنات حجم التداول والقدرة على الاحتفاظ بالعميل. ويحسب الراعي القيمة الإعلامية. وتحسب المدينة الضرائب والنفقات والتوظيف. ويحسب الفندق نسبة الإشغال ومتوسط سعر الغرفة. أما المشجع فيحسب تكلفة الذكرى.
وعندما تجمع جميع هذه المؤشرات في رقم عملاق واحد يسمى الأثر الاقتصادي، تظهر صورة مريحة سياسيا لكنها كاذبة من الناحية التحليلية، توحي بأن الجميع ربح.
السؤال الصحيح ليس كم من الأموال دار حول البطولة.
السؤال الصحيح هو ما النسبة التي كانت جديدة من هذه الأموال، وبقيت داخل الاقتصاد المضيف، وتجاوزت النفقات العامة.
ومن دون إجابة عن هذا السؤال، تظل عشرات المليارات من الأثر الإجمالي قيمة دعائية، لا حصيلة مالية نهائية.
بعد ثمانية وأربعين منتخبا سيطالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بالمزيد
يدفع المنطق التجاري المنظومة نحو مزيد من التوسع.
فزيادة عدد المنتخبات تعني مزيدا من الأسواق الوطنية والمباريات والتذاكر والفواصل الإعلانية والرهانات والأصوات داخل مؤتمر الاتحاد الدولي لكرة القدم. وقد بدأ بالفعل تداول فكرة بطولة تضم أربعة وستين منتخبا، رغم عدم اتخاذ قرار رسمي حتى الآن.
وبالنسبة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، تمثل هذه استراتيجية نمو شبه مثالية، إذ توزع النفقات على مضيفين ومشاركين جدد، بينما تبقى السيطرة على الحقوق مركزية.
غير أن التوسع اللامحدود يؤدي إلى تناقص العائد الرياضي. فالمباريات الإضافية قد تخفض متوسط المستوى، وتزيد عدد المواجهات الهامشية، وتثقل التقويم، وتضعف الطابع الاستثنائي للبطولة.
ويقترح الباحثون بالفعل صيغ منافسة بديلة لبطولة تضم أربعة وستين منتخبا، لأن التوسع المباشر للنظام الحالي يخلق مشكلات في التوازن التنافسي والجدول الزمني والعدالة الرياضية.
وسيرد الاتحاد الدولي لكرة القدم بزيادة الجوائز وبرامج التضامن، ما سيضمن دعم الاتحادات الوطنية والأندية.
لكن السؤال الجوهري سيبقى كما هو، أين تقع الحدود بين عولمة كرة القدم والإنتاج الصناعي المتواصل للمحتوى التجاري؟
البطل سيحصل على الكأس والاتحاد الدولي لكرة القدم حصل على البطولة كلها
في التاسع عشر من يوليو، ستصبح الأرجنتين أو إسبانيا بطلة للعالم. وسيحصل الفائز على الكأس والميداليات الذهبية ورمز جديد لأمركة البطولة، وهو خواتم الأبطال.
لكن النتيجة الرياضية لن تكون سوى خاتمة لقصة مالية انتهت بالفعل.
أثبتت كأس العالم ٢٠٢٦ أن الرياضة العملاقة الحديثة لا تنتج احتفالا اقتصاديا عاما، بل تخلق هرما صارما للوصول إلى الريع.
في القمة توجد المنظمة التي تسيطر على الحقوق. وتحتها شبكات البث والمنصات الإعلانية والرعاة والوسطاء. وفي مستوى أدنى توجد المدن والشركات التي تتنافس على ما يتبقى من التدفق المالي. وفي القاع يوجد المشجع، الذي تتحول محبته للعبة إلى مبرر لكل زيادة جديدة في الأسعار.
لم يخدع الاتحاد الدولي لكرة القدم السوق، بل كشف له مستقبله.
في هذا المستقبل، تستمر المباراة تسعين دقيقة لكنها تباع على مدار الساعة. وتتحول التذكرة إلى أصل مالي. وتصبح استراحة شرب الماء فاصلا إعلانيا. ويتحول اللاعب إلى محفظة إعلامية. وتصبح المدينة منصة خدمية. ويتحول المشجع إلى مصدر للبيانات والعمولات والمدفوعات.
والخلاصة المالية الأساسية لكأس العالم ٢٠٢٦ شديدة الوضوح.
سيذهب الكأس إلى منتخب واحد.
أما الأموال فقد ذهبت إلى من امتلكوا قواعد اللعبة.