...

ظل المشروع الأوروبي، طوال عقود، قائما على وعد ضمني بسيط: اذا عمل الانسان، ودفع الضرائب، واحترم القواعد، وشارك في حياة المجتمع، فبوسعه ان يعول على حد ادنى من الاستقرار. لا على ترف، ولا على قصر، ولا على اطلالة على البحر، بل على شقة عادية، وايجار طويل الامد، ورهن عقاري، واسرة، ومستقبل يمكن التنبؤ به.

هذا الوعد تصدع.

لقد اصبحت ازمة السكن واحدة من اخطر مشكلات الاتحاد الأوروبي، لا لان اسعار الشقق ارتفعت فحسب. فالاسعار كانت ترتفع من قبل. الخطر في موضع آخر: السكن كف عن ان يكون مؤسسة اجتماعية، وتحول نهائيا الى اصل مالي. البيت الذي يمثل لاسرة ما شرطا للحياة، صار بالنسبة الى صندوق استثماري بندا في محفظة مالية. والشقة التي كان يمكن لشاب ان يبدأ فيها حياته المستقلة، تحولت بالنسبة الى مالك رأس المال الى اداة للتحوط من التضخم. والمدينة التي انشئت من اجل سكانها، باتت تعمل، على نحو متزايد، كآلة لاستخراج الريع.

لهذا بالذات لم تعد مسألة السكن في أوروبا مرتبطة بالبناء، او الرهن العقاري، او الايجار وحدها. لقد اصبحت مسألة ديموغرافيا، وهجرة، وصراع طبقي، وثقة بالدولة، وصلابة للديمقراطية.

بحسب بيانات يوروبارومتر لعام ٢٠٢٥، يعد نقص السكن الميسور المشكلة الاكثر الحاحا بالنسبة الى سكان المدن الأوروبية: فقد وصفها ٥١ في المئة من المستطلعين بانها عاجلة. وهذا يفوق البطالة والفقر. وفي مستوى آخر من الطلب الاجتماعي تظهر الهواجس ذاتها: فثلث مواطني الاتحاد الأوروبي فقط تقريبا راضون عن امكانية الحصول على سكن ميسور في بلدانهم، بينما يرى ٢٦ في المئة ان السكن احد المجالات التي ينبغي ان يوجه اليها الاتحاد الأوروبي اموال الميزانية.

في مارس ٢٠٢٦، اعتمد البرلمان الأوروبي تقريرا عن ازمة السكن في الاتحاد الأوروبي وعن المقترحات الخاصة بالخروج منها. واهمية ظهور هذه الوثيقة تفوق كثيرا اهمية كثير من صياغاتها: فبروكسل اعترفت فعليا بان المشكلة تجاوزت بالفعل حدود اختصاص البلديات والحكومات الوطنية. فالبرلمان الأوروبي ينظر صراحة الى ازمة السكن باعتبارها تحديا اوروبيا عاما، مرتبطا بالقدرة على تحمل التكاليف، والاستدامة، والاستقرار الاجتماعي.

لكن الاعتراف بالمرض اسهل من علاجه. لدى أوروبا تشخيص، لكنها لا تملك حتى الآن الشجاعة السياسية للاعتراف بالاستنتاج الرئيسي: من دون بناء واسع النطاق، ومراجعة لسياسات الاراضي، وتقييد الاستخدام المضاربي للمساكن، لن تفعل الازمة سوى التعمق.

البيت صار ترفا: جيل المستأجرين في مواجهة جيل المالكين

منذ عام ٢٠١٠، انفصل سوق السكن الأوروبي عن دخول السكان. وبحسب بيانات يوروستات، ارتفعت اسعار السكن في الاتحاد الأوروبي بين عام ٢٠١٠ والربع الرابع من عام ٢٠٢٤ بنسبة ٥٥٫٤ في المئة، بينما ارتفعت الايجارات بنسبة ٢٦٫٧ في المئة. وفي الربع الرابع من عام ٢٠٢٥ استمر الصعود: زادت اسعار السكن في الاتحاد الأوروبي بنسبة ٥٫٥ في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام ٢٠٢٤، وارتفعت الايجارات بنسبة ٣٫٢ في المئة.

وراء هذه النسب الجافة تختبئ كارثة اجتماعية. ففي امستردام، تبلغ كلفة الشقة المتوسطة، بحسب مؤشر ديلويت للعقارات لعام ٢٠٢٥، نحو ١٥٫٤ دخلا سنويا. وفي اثينا ١٥٫٣. وفي براغ ١٥. لم يعد هذا سوقا للطبقة الوسطى. انه سوق تتحول فيه الملكية الى امتياز موروث، لا الى نتيجة للعمل.

في هولندا، يتجاوز متوسط سعر السكن ٥٠٠ الف يورو. ومع قسط رهن عقاري يقارب ٢٥٠٠ يورو شهريا، وراتب بعد الضرائب يقارب ٣٠٠٠ يورو، تتحول امكانية شراء شقة بالنسبة الى كثير من الشباب المتخصصين الى استحالة حسابية. شكليا، ليس الانسان فقيرا. انه يعمل، ومتعلم، ويدفع الضرائب. لكن الطريق الى الملكية مغلق.

هكذا يولد خط انقسام أوروبي جديد: لا بين اليسار واليمين، ولا بين المدينة والريف، ولا بين المهاجرين والسكان الاصليين، بل بين الذين تمكنوا من دخول سوق العقارات قبل انفجار الاسعار، والذين وصلوا متأخرين اكثر مما ينبغي.

الجيل الاكبر، الذي اشترى مساكنه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تحول الى مستفيد من ارتفاع اسعار الارض. شققه وبيوته ترتفع قيمتها بلا جهد اضافي. بالنسبة اليه، تمثل القيمة العالية للعقار ضمانة للرفاه، ووسادة تقاعدية، ورأسمالا عائليا. اما بالنسبة الى الشباب، فتعني الديناميكية نفسها اغلاق المستقبل.

في هذا الصراع لا يوجد فصل اخلاقي بسيط بين مذنبين وضحايا. المالك المسن يدافع عما راكمه. والمستأجر الشاب يطالب بحق الوصول الى الحياة. لكن النظام السياسي الذي شجع طوال عقود ارتفاع اسعار العقار بوصفه علامة على الازدهار، اصطدم الآن بالوجه الآخر لذلك النجاح: لقد صار السكن اغلى من ان يقدر عليه اولئك الذين يفترض ان يحملوا اقتصاد المستقبل.

حين تصبح الشقة اغلى من الاسرة: لغم ديموغرافي تحت أوروبا

ازمة السكن لا تضرب الجيب فقط. انها تغير سلوك الناس.

الشباب يؤجلون الزواج، وانجاب الاطفال، ومغادرة بيت الوالدين، وبداية الحياة المستقلة. والابوة والامومة باتتا، على نحو متزايد، لا تبدوان مرحلة طبيعية، بل مشروعا مكلفا يحتاج الى مسكن خاص، ودخل مستقر، وحماية من قفزة مفاجئة في الايجار.

هذا مهم خصوصا بالنسبة الى أوروبا، حيث تحولت المشكلة الديموغرافية منذ زمن الى مسألة استراتيجية. انخفاض معدلات الولادة، وشيخوخة السكان، وتقلص قوة العمل، كلها امور تقلق منذ وقت طويل حكومات المانيا، وايطاليا، واسبانيا، وبولندا، والبرتغال، ودول البلطيق. لكن لا يمكن الحديث بجدية عن الديموغرافيا حين تنفق اسرة شابة نصف دخلها على الايجار، او تعيش مع الوالدين حتى سن الخامسة والثلاثين.

بحسب بيانات يوروفاوند، ارتفعت في ايرلندا نسبة الشباب العاملين بين ٢٥ و٣٤ عاما الذين يعيشون مع والديهم بسبب غلاء السكن من ٢٧ في المئة عام ٢٠١٧ الى ٤٠ في المئة عام ٢٠٢٢. وفي البرتغال زادت هذه النسبة بواقع ١١ نقطة مئوية، وفي اسبانيا بواقع ٧ نقاط. لم يعد الامر خصوصية ثقافية لجنوب أوروبا، حيث يعيش الابناء تقليديا مدة اطول في بيت العائلة. انه اكراه اقتصادي.

حين لا يكون السكن متاحا، تتراجع القدرة على الحركة. وحين تتراجع القدرة على الحركة، يتباطأ النمو المهني. وحين لا يستطيع الشباب الانتقال الى حيث توجد الوظائف، يفقد الاقتصاد كفاءته. وحين لا تثق الاسر بالغد، لا تنجب الاطفال. هكذا تتحول ازمة السكن الى ازمة ديموغرافية، ثم الى ازمة في انظمة التقاعد، والقاعدة الضريبية، والنموذج الاجتماعي.

تحب أوروبا ان تناقش الولادة بلغة القيم، وسياسة الاسرة، والاتجاهات الثقافية. لكن احد الاسباب ابسط واقسى: الناس لا ينجبون الاطفال في غرفة لا يعرفون ان كانوا قادرين على دفع كلفتها بعد عام.

العجز الرئيسي في أوروبا ليس المال بل الامتار المربعة

اكثر الاوهام السياسية شيوعا هو الاعتقاد بان ازمة السكن يمكن حلها بالدعم المالي. تمنح الدولة رهونا عقارية ميسرة، وتساعد الاسر الشابة، وتخفض العبء الضريبي، وتعوض جزءا من الايجار. على الورق يبدو ذلك اجتماعيا. اما في الواقع، فكثيرا ما يدفع الاسعار الى مزيد من الارتفاع.

اذا كان العرض محدودا، فان اي اموال اضافية على جانب الطلب تنتقل سريعا الى سعر الشيء نفسه. البائع يدرك ان المشتري حصل على دعم، فيعيد السوق تسعير نفسه صعودا. وفي النهاية لا تستقر المساعدة الحكومية عند الاسرة الشابة، بل عند مالك العقار او المطور.

جذر الازمة هو نقص العرض.

بحسب تقديرات سي بي آر إي، تفتقر أوروبا الى نحو ٩٫٦ مليون منزل، اي ما يعادل قرابة ٣٫٥ في المئة من المخزون السكني القائم. وتقدر المفوضية الأوروبية الحاجة السنوية الاضافية للبناء بنحو ٦٥٠ الف منزل. اما فجوة الاستثمار المطلوبة فتقدر بنحو ١٥٣ مليار يورو سنويا.

في المدن الكبرى، ينمو الطلب اسرع من العرض. ففي الاعوام ٢٠٢٢ و٢٠٢٥، ارتفع عدد الاسر في كبرى المدن الأوروبية بنحو ٣٫٥ في المئة، بينما زاد المخزون السكني بنسبة ٢٫١ في المئة فقط. وهذا يعني امرا بسيطا: الضغط على السوق يشتد كل عام.

تظهر المانيا حجم المشكلة بوضوح خاص. فالتقديرات تشير الى ان البلاد تفتقر الى نحو ١٫٤ مليون منزل. ويجري بناء قرابة ٢٠٠ الف وحدة سكنية سنويا، بينما يحتاج سد العجز بحلول عام ٢٠٣٠ الى نحو ٤٠٠ الف وحدة كل عام. الفجوة لا تضيق، بل تترسخ.

الاسباب معروفة: ارتفاع اسعار مواد البناء، ونقص اليد العاملة، وصعود اسعار الفائدة، والمتطلبات البيئية، والبيروقراطية، وطول اجراءات منح التراخيص، ومقاومة السكان المحليين، والدعاوى القضائية، والقيود المرتبطة بالارض. في هولندا، تصطدم بعض المشاريع لسنوات بمعايير انبعاثات النيتروجين. وفي المانيا، يبطئ البناء تعقيد الموافقات وارتفاع كلفة الاعمال. وفي ايرلندا وبريطانيا، غالبا ما تعرقل السلطات المحلية والسكان تكثيف البناء.

وقعت أوروبا في فخ رفاهها العمراني نفسه. انها تريد سكنا ميسورا، لكنها لا تريد ورشة بناء قريبة. تريد اسعارا منخفضة، لكنها تحمي قيمة الملكية. تريد اسرا شابة، لكنها لا تمنحها مساحة. تريد نموا اقتصاديا، لكنها تغلق المدن التي كان يمكن ان يحدث فيها هذا النمو.

اير بي إن بي عدو مريح لكنه ليس السبب الرئيسي للازمة

يحتاج السياسيون الى مذنب بسيط. وفي ازمة السكن، غالبا ما تمنح هذه الصفة لمنصات الايجار قصير الاجل: اير بي إن بي، وبوكينغ دوت كوم، وخدمات مماثلة. في المدن السياحية، يبدو هذا التفسير مريحا ومقنعا عاطفيا. السكان يرون حقائب السفر في المداخل، والشقق المخصصة للسياح، واختفاء الجيران، والحانات بدل المتاجر، وارتفاع الضجيج، وطرد الحياة المحلية من المراكز التاريخية.

المشكلة حقيقية. ففي برشلونة، وامستردام، ولشبونة، وفلورنسا، ودوبروفنيك، والبندقية، وعدد من المدن الاخرى، زاد الايجار قصير الاجل فعلا الضغط على السكن. يستطيع المالك ان يحقق في موسم سياحي واحد اكثر مما يحققه خلال اشهر من الايجار العادي. جزء من الشقق يغادر صندوق الايجار طويل الاجل. ومراكز المدن تتحول الى بنية فندقية بلا لافتات.

لكن اير بي إن بي لا يفسر الازمة كلها.

في كثير من المدن، واصلت الايجارات ارتفاعها حتى بعد فرض قيود على التأجير قصير الاجل. في امستردام وبرشلونة، حيث جرى تشديد القواعد منذ عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، استمرت الايجارات طويلة الاجل في الصعود. وفي لشبونة، خفضت القيود الاسعار اساسا في الاحياء المتأثرة، لكنها لم تغير البنية العامة للسوق. وفي برلين، وهامبورغ، وميونيخ، لم تؤد القيود على التأجير اليومي الى انخفاض منهجي في كلفة الايجار طويل الاجل.

السبب بسيط: اذا كانت المدينة تفتقر ماديا الى عدد كاف من المساكن، فان عودة جزء من الشقق من سوق السياحة قد تخفف التوتر، لكنها لا تلغي العجز. اير بي إن بي عرض ومسرع، لا سبب اول. وغالبا ما يستخدمه السياسيون هدفا مريحا كي لا يتحدثوا عن امور اكثر تعقيدا: الارض، والتراخيص، والضرائب، وصناديق الاستثمار، وسياسة البناء، ومقاومة المالكين.

مع ذلك يحاول الاتحاد الأوروبي التدخل. ففي ديسمبر ٢٠٢٥، قدمت المفوضية الأوروبية اول خطة اوروبية عامة للاسكان الميسور، كما رسمت مسارا لتنظيم الايجار قصير الاجل ورفع شفافية البيانات امام السلطات المحلية. ومن بين المعايير الرئيسية للخطة اكثر من ٤٣ مليار يورو من الاموال التي جرت تعبئتها بالفعل ضمن ميزانية الاعوام ٢٠٢١ و٢٠٢٧، و١٠ مليارات يورو اضافية من ميزانية الاتحاد الأوروبي في عامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٧، وما يصل الى ٣٧٥ مليار يورو من التمويل من جانب مؤسسات مالية شريكة بحلول عام ٢٠٢٩.

هذه ارقام كبيرة. لكن المال وحده لا يبني البيوت اذا كانت البلديات، والمحاكم، والمعايير، والاحتجاجات المحلية ستعرقل كل مشروع كبير.

لصناديق المالية تشتري المدينة: السكن كاصل مالي في مواجهة السكن كحق

اعمق صراع لا يرتبط بالسياح، بل بتمويل السكن وتحويله الى اداة مالية.

بعد الازمة المالية عام ٢٠٠٨، وفي عصر الفوائد المنخفضة، ثم موجة التضخم اللاحقة، اصبح العقار اداة مثالية لحفظ رأس المال. بالنسبة الى صناديق التقاعد، وشركات التأمين، والمستثمرين الخاصين، ومكاتب الثروات العائلية، والصناديق العابرة للحدود، تحول السكن الحضري الى اصل موثوق: عرض محدود، وطلب مستقر، وملكية محمية سياسيا، ونمو طويل الامد في قيمة الارض.

من منظور رأس المال، هذا سلوك عقلاني. ومن منظور المجتمع، هو سلوك تدميري.

حين تشترى الشقق لا للسكن، ولا حتى للايجار العادي، بل كوسيلة لتخزين القيمة، تفقد المدينة وظيفتها السكنية. جزء من المخزون السكني يبقى فارغا. وجزء ينتقل الى القطاع الفاخر. وجزء يحتفظ به اصحابه انتظارا لارتفاع السعر. وفي الوقت نفسه، تسجل الاحصاءات السوقية طلبا مرتفعا، بينما تظل الحاجة الحقيقية للسكان غير ملباة.

بحسب بيانات جونز لانغ لاسال، ارتفعت الاستثمارات في القطاع السكني الأوروبي عام ٢٠٢٤ بنسبة ٣٤ في المئة، ثم ارتفعت عام ٢٠٢٥ بنسبة اضافية بلغت ٢٢ في المئة، وتجاوزت ٧٠ مليار يورو. اما الاستثمارات الاجنبية، وفق البيانات المتاحة، فقد زادت بنسبة ٥٥ في المئة، الى حد كبير بفضل المشترين الاميركيين والكنديين. ويستحوذ القطاع السكني على نحو ٢١ في المئة من اجمالي الاستثمارات الأوروبية في العقار، اي ضعف حصته عام ٢٠٠٨.

هذه الدينامية تغير الاقتصاد السياسي للمدينة. في السابق، كان ارتفاع اسعار السكن يعد اشارة الى الجاذبية. اما الآن، فقد صار مؤشرا الى الطرد والاقصاء. كلما ازدادت المدينة نجاحا، اصبح العيش فيها اصعب بالنسبة الى الذين يضمنون تشغيلها: المعلمين، والاطباء، والشرطة، والمهندسين، والصحفيين، وموظفي النقل، واصحاب الاعمال الصغيرة، والمتخصصين الشباب.

هكذا يظهر تناقض المدينة الغنية: المال موجود، لكن السكن غائب. الاستثمارات تتدفق، والقدرة على السكن تتراجع. ناطحات السحاب ترتفع، لكن الاسر ترحل. الاحياء تصبح اكثر اناقة، لكنها تفقد سكانها. المدينة تصير اجمل واكثر موتا في الوقت نفسه.

الايجار تحول الى يانصيب: من لم يشتر خسر

حين يصبح شراء السكن مستحيلا، ينتقل الناس الى سوق الايجار. لكن هذا بالذات يزيد الضغط على الايجارات.

الذين كانوا، في ظروف طبيعية، سيحصلون على رهن عقاري، يجدون انفسهم مضطرين الى الاستئجار. الطلب يرتفع. والمالكون، في مواجهة التضخم، والاصلاحات، والضرائب، والمتطلبات الجديدة لكفاءة الطاقة، وارتفاع الفوائد على القروض، ينقلون التكاليف الى المستأجرين. وبعض المؤجرين يغادرون السوق، فيبيعون الشقق عند ذروة الاسعار او يتجنبون الالتزامات طويلة الامد.

في بريطانيا عام ٢٠٢٥، وبحسب تقديرات متاحة، غادر نحو ٩٣ الف مؤجر السوق. وهذا يزيد بنسبة ٤٣ في المئة على العام السابق. وارتفع متوسط الايجار بنحو ٩ الى ١٢ في المئة خلال عام واحد، وكان كل اعلان عن شقة معروضة للايجار يستقبل نحو عشرة طلبات.

بريطانيا ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي، لكن مثالها مهم لفهم المنطق الأوروبي: اذا شددت الدولة المتطلبات على المؤجرين من دون زيادة العرض، فان قسما من المالكين يخرج ببساطة من سوق الايجار طويل الامد. النية الحسنة قد تؤدي الى نتيجة معاكسة.

تظهر المعضلة نفسها في المانيا، وهولندا، وايرلندا. يريد السياسيون حماية المستأجر من التعسف، لكن الحماية المفرطة في ظل نقص السكن قد تقلص العرض. المؤجر الذي يخشى العجز عن اخلاء مستأجر لا يدفع، او يخشى الاصطدام بتنظيم صارم، سيفضل بيع العقار، او ابقاءه فارغا، او تأجيره يوميا، او شهريا للطلاب والرحل الرقميين، او تحويله الى صيغة اخرى.

في النهاية، يجد المستأجر نفسه في وضع اضعف. لا يستطيع شراء السكن لانه مكلف. ولا يستطيع استئجار السكن لان المنافسة هائلة. ولا يستطيع رفع سقف مطالبه كثيرا، لان عشرات المتقدمين يقفون خلف الباب. لم يعد هذا سوق اختيار، بل سوق قبول مشروط.

خطأ برلين: لماذا لا تنقذ تجميد الايجارات المدينة

الحل الاكثر اغراء هو ببساطة حظر ارتفاع الايجارات.

في فبراير ٢٠٢٠، اقدمت برلين على خطوة جذرية: جمدت الايجارات في جزء كبير من المخزون السكني. سياسيا، بدا ذلك انتصارا للمستأجرين. لكن السوق ردت بسرعة: انخفض عدد الشقق المعروضة علنا. وفي ابريل ٢٠٢١، الغت المحكمة الدستورية الالمانية القانون.

درس برلين لا يتمثل في ان حماية المستأجرين غير جائزة. الدرس في موضع آخر: السقف الاداري للاسعار لا يخلق شققا جديدة. انه يعيد توزيع العجز. الذين هم داخل النظام المنظم يحصلون على حماية. اما الذين يحاولون دخول السوق، فيجدون الباب اكثر اغلاقا.

مع الرقابة الصارمة يظهر السوق الرمادي: دفعات غير رسمية، وعقود مزدوجة، ومدفوعات مقابل الاثاث، وتمييز بين المتقدمين، وعلاقات شخصية، ومجموعات مغلقة. ظاهريا، تسيطر الدولة على السعر. اما في الواقع، فينقل السوق السعر الى الظل.

هذا لا يعني ان تنظيم الايجارات عديم الجدوى. العقود طويلة الامد، وقواعد الفهرسة الشفافة، والحماية من الاخلاء المفاجئ، والحد من التجاوزات، كلها امور ضرورية. لكنها من دون البناء تتحول الى صراع على مكان في طابور.

غالبا ما يكون اليسار الأوروبي مصيبا في التشخيص: لا يجوز ترك السكن للسوق وحده. وغالبا ما يكون اليمين الأوروبي مصيبا في الآلية: من دون زيادة العرض لا يمكن خفض الاسعار. المأساة ان الطرفين يستخدمان صواب كل منهما ضد الآخر، بدلا من جمعهما في نموذج عملي.

وصفة فيينا: لماذا تصمد مدينة واحدة حيث تنكسر مدن اخرى

على الخلفية الأوروبية، تبقى فيينا الحجة الرئيسية لانصار السياسة السكنية الاجتماعية. نحو ٤٠ الى ٤٥ في المئة من المخزون السكني في المدينة يتكون من شقق بلدية وتعاونية. ومن حيث مستوى الدخل، يستطيع ما يصل الى ٧٥ الى ٨٠ في المئة من السكان، رسميا، التقدم للحصول على هذا السكن. هذه ليست برنامجا ضيقا للفئات الاشد فقرا، بل نموذج حضري واسع.

سر فيينا ان السكن الاجتماعي لم يتحول الى وصمة. لم يدفع الى الاطراف، ولم يختزل في احياء معزولة، ولم يترك فقط للاكثر هشاشة. القطاع البلدي والتعاوني ينافس السوق الخاصة ويكبحها. العقود طويلة الامد تخفض الخوف. المستأجر لا يشعر بانه انسان مؤقت في مدينته.

لكن من الصعب نسخ فيينا ببساطة. نموذجها تشكل على مدى عقود، في ظل سياسة اراض مختلفة، وثقافة بلدية مختلفة، وحجم آخر من الرقابة العامة على المخزون السكني. لا يمكن خلال دورتين ماليتين بناء ما تشكل عبر اجيال.

مع ذلك، تكشف تجربة فيينا الامر الاساسي: يصبح السكن اكثر اتاحة حيث لا تكتفي الدولة بتوزيع الدعم، بل تؤثر بنفسها في العرض. السكن البلدي، والتعاونيات، وبنوك الاراضي، والضريبة على الشقق الشاغرة، وشراء الاراضي، والتخطيط الطويل الامد؛ كل ذلك يبدو مملا في اللفظ، لكنه بالضبط الطريقة التي تبنى بها بديل حقيقي لسوق المضاربة.

لا في فنائي في مواجهة نعم في فنائي: حرب اهلية جديدة من اجل الساحة

ازمة السكن تقسم أوروبا لا بين الاجيال فقط، بل داخل المدن نفسها. وعلى المستوى البلدي، يوصف الصراع على نحو متزايد بصيغتين: لا في فنائي، اي لا تبنوا قرب بيتي، ونعم في فنائي، اي ابنوا هنا ايضا.

انصار لا في فنائي ليسوا اشرارا كاريكاتوريين. غالبا ما يكونون ملاكا، واسرا، واشخاصا اكبر سنا، وسكان احياء ذات هوية راسخة. وهم لا يخشون فقط انخفاض قيمة منازلهم. انهم يخشون الضجيج، وحركة المرور، وفقدان المساحات الخضراء، وتدمير النسيج التاريخي، والضغط الزائد على المدارس والمستشفيات. وفي حالات كثيرة، كان هؤلاء الناشطون بالذات هم الذين انقذوا المدن من تحديث اعمى.

في ستينيات القرن العشرين، اوقفت جين جاكوبس وسكان غرينتش فيليج في نيويورك خطط روبرت موزس، الذي اراد شق طريق سريع ضخم عبر مانهاتن السفلى. وفي سبعينيات القرن العشرين، قاوم ناشطون في امستردام اعادة تشكيل المركز لخدمة الطرق السريعة الخاصة بالسيارات. من دون هذه الحركات، كانت مدن كثيرة ستصبح اقل انسانية.

لكن سياسة لا في فنائي لها جانب مظلم. حين يعطل كل مشروع جديد لسنوات، تتحول حماية الحي الى حماية للعجز. يتحدث المالك عن جودة الحياة، لكن النتيجة الاقتصادية غالبا واحدة: مساكن اقل، واسعار اعلى، وطرد للشباب والاقل دخلا.

ولدت حركة نعم في فنائي ردا على هذا المأزق. يدعمها المستأجرون الشباب، والعمرانيون، وبعض الاقتصاديين، والطبقة التقنية، ونشطاء السكن الميسور. موقفهم حاد: اذا ارادت المدينة ان تبقى حية، فعليها ان تبني. لا بعشوائية، ولا بقبح، ولا بتدمير النسيج التاريخي، بل بكثافة اكبر، وارتفاع اعلى، وذكاء اكثر، وقرب اوثق من النقل.

هذا ليس جدلا عن البيوت، بل عن الحق في المدينة. لمن ينتمي الحي: لمن اشتروا فيه سكنا بالفعل، ام ايضا لمن يريدون العيش فيه، والعمل فيه، وتربية اطفالهم فيه، ودفع الضرائب فيه؟ هل تستطيع مجموعة صغيرة من المالكين المحليين ان تعطل مشروعا تحتاج اليه المدينة كلها؟ اين تنتهي حماية جودة الحياة، واين تبدأ خصخصة المستقبل؟

بحلول عام ٢٠٢٦، بدأ البندول السياسي في عدد من الدول يتحرك نحو انصار البناء داخل الاحياء. في بريطانيا وايرلندا، تحاول الحكومات تقييد حق الفيتو البلدي على المشاريع اذا كانت منسجمة مع الاهداف الوطنية للاسكان. انه تحول مؤلم، لكنه منطقي: حين تعرقل الديمقراطية المحلية بشكل منهجي حاجة عامة، يبدأ المركز في انتزاع الصلاحيات.

الهجرة واللاجئون وخطر السكن للاهل وحدهم

تتقاطع ازمة السكن حتما مع الهجرة. بعد عام ٢٠٢٢، ادى تدفق اللاجئين من اوكرانيا، ونمو هجرة العمل، والهجرة الداخلية الى المدن الكبرى، الى زيادة الضغط على السوق في المانيا، وبولندا، وتشيكيا، ودول البلطيق، وهولندا، وايرلندا.

لكن من المهم الفصل بين السبب والعامل المسرع. المهاجرون لم يخلقوا العجز البنيوي في السكن. لقد دخلوا الى منظومة كانت محمومة اصلا. وفي الوقت نفسه، يكونون هم انفسهم في الغالب من ضحايا الازمة. فبحسب بيانات يوروستات لعام ٢٠٢٤، كان نحو ٣٣ في المئة من القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي يعيشون في مساكن مكتظة، مقابل ١٣٫٧ في المئة بين السكان المحليين.

سياسيا، يخلق ذلك خليطا قابلا للانفجار. حين يصبح السكن نادرا، تتحول مسألة الوصول اليه الى مسألة انتماء: من هو القريب، ومن هو الغريب، ومن له الحق الاول في الشقة، ومن عليه ان ينتظر.

هكذا تدخل الى السياسة الحضرية منطق الشوفينية الاجتماعية: الامتيازات للاهل وحدهم. في البداية يدور الحديث عن المهاجرين. ثم عن القادمين من مناطق اخرى داخل البلد نفسه. ثم عن الذين لم يولدوا في هذه المدينة. وفي النهاية تكف المدينة عن ان تكون فضاء للحركة الاجتماعية والجغرافية، وتتحول الى ناد مغلق لمن هم في الداخل اصلا.

تبدو فكرة اعطاء الاولوية للشباب المحليين جذابة سياسيا. فهي تبدو عادلة: انسان ولد في المدينة، ونشأ فيها، ودرس فيها، ويعمل فيها، لكنه لا يستطيع استئجار مسكن قرب اسرته. لماذا يجب ان يفسح المجال لقادم جديد ذي راتب اعلى؟

لكن لهذه المنطق كلفة عالية. اذا بدأت كل مدينة بحماية اهلها فقط، فان الاتحاد الأوروبي سيوجه ضربة الى احد مبادئه الاساسية: حرية التنقل. فالحركة الداخلية لقوة العمل هي احد اسس الاقتصاد الأوروبي. اما اسواق السكن المغلقة فتحول هذه الحرية الى وهم.

هكذا تبدأ ازمة السكن في تآكل فكرة الاتحاد الأوروبي نفسها: هناك سوق مشتركة، لكن لا يوجد وصول مشترك الى الحياة في المدن.

بروكسل استيقظت متأخرة: خطة الاتحاد الأوروبي بين الطموح والعجز

الخطة الأوروبية الاولى للسكن الميسور خطوة مهمة سياسيا. فالمفوضية الأوروبية تقر بان المشكلة تحتاج الى مقاربة مشتركة: مراجعة قواعد المساعدات الحكومية، وتعبئة التمويل، ودعم البناء، وتنظيم الايجار قصير الامد، ومساعدة الفئات الهشة، والاصلاحات البنيوية.

لدى بروكسل ادوات: برامج الميزانية، والبنك الأوروبي للاستثمار، وقواعد المنافسة، وقواعد المساعدات الحكومية، وتنظيم المنصات، وتبادل البيانات، والضغط على الحكومات الوطنية. لكن هناك قيدا صارما ايضا: السكن يبقى، في معظمه، من اختصاص الدول والاقاليم والمدن. يستطيع الاتحاد الأوروبي ان يوجه، ويحفز، ويمول، وينسق. لكنه لا يستطيع بنفسه ان يبني ملايين البيوت في مدريد، ودبلن، وبراغ، او وارسو.

لذلك يمكن للخطة الأوروبية ان تصبح اما بداية تحول جدي، واما وثيقة اخرى مليئة بالكلمات الصحيحة. لن تحسم البلاغة القادمة من بروكسل النتيجة، بل سرعة منح التراخيص، وتوافر الاراضي، وحجم البناء، والسياسة الضريبية، والقدرة على اعادة الشقق الفارغة الى السوق، والاستعداد للصدام مع الذين يستفيدون من الندرة.

السؤال السياسي الرئيسي يبدو قاسيا: هل أوروبا مستعدة لخفض الجاذبية الاستثمارية للسكن من اجل اتاحته اجتماعيا؟

اذا لم تكن مستعدة، فستستمر الازمة. لانه لا يمكن في الوقت نفسه وعد المالكين بنمو لا نهائي في قيمة الاصول، ووعد الشباب بسكن ميسور. هذان الوعدان يتناقضان.

الراديكاليون عند الباب: كيف يغير سؤال الشقق الانتخابات

ازمة السكن تدفع أوروبا نحو الراديكالية في الاتجاهين.

يحصل اليسار على حجة ضد السوق: رأس المال اشترى المدينة، وعلى الدولة ان تعيد السكن الى الناس. ويحصل اليمين على حجة ضد الهجرة: الشقق اولا لاهل البلد، ثم للآخرين. اما الشعبويون فيحصلون على موضوع مثالي: يومي، وعاطفي، ومفهوم، ومرتبط بألم شخصي مباشر.

في دبلن، تعزز ازمة السكن مواقع شين فين. وفي هولندا، اصبح غلاء السكن احد عوامل الانعطاف اليميني ونمو دعم غيرت فيلدرز. وفي اسبانيا، تتحول الاحتجاجات ضد ارتفاع اسعار الايجار وسياحة المدن الكبرى الى جزء من صراع اوسع حول نموذج الاقتصاد. وفي البرتغال، اصبح تعديل نظام التأشيرات الذهبية اعترافا بان الاستثمارات الاجنبية في العقار لا تجلب المال فقط، بل يمكنها ايضا ان تدمر قدرة السكان المحليين على الحصول على السكن.

حين تعجز الدولة عن تأمين سقف فوق رؤوس الناس، تفقد سلطتها الاخلاقية. يستطيع الانسان ان يتحمل سياسة خارجية معقدة، وطاقة باهظة، وضغطا ضريبيا، واصلاحات، وبيروقراطية. لكنه اذا كان يعمل، ومع ذلك لا يستطيع ان يعيش بعيدا عن والديه او ان يستأجر شقة لائقة، فانه يتوقف عن الايمان بالنظام.

هذا اخطر من مجرد السخط العادي. انه انهيار للعقد الاجتماعي.

الديمقراطية الأوروبية لا تقوم فقط على الاجراءات، والمحاكم، والانتخابات، والمؤسسات. انها تقوم ايضا على شعور بان القواعد تمنح فرصة. ازمة السكن تقتل هذا الشعور. اذا اصبحت الفرصة متوقفة على الميراث، او الدخول المبكر الى السوق، او رأسمال الوالدين، بدأت الديمقراطية تبدو كواجهة فوق اوليغارشية ممتلكات.

ما الذي يمكن ان ينجح فعلا

لا تملك أوروبا حلا سحريا واحدا. لكنها تملك مجموعة من الاجراءات التي لا يمكن كسر الازمة من دونها.

اولا، البناء الواسع النطاق. ليس السكن الاجتماعي وحده، بل ايضا السكن الايجاري الميسور، والتعاوني، والبلدي، والخاص. يجب ان ينمو العرض اسرع من عدد الاسر، والا ستذهب كل انواع الدعم الى الاسعار.

ثانيا، تسريع اجراءات الترخيص. سنوات الموافقات، والمحاكم، والعرقلة البلدية تجعل السكن اغلى حتى قبل بدء البناء. لكن تخفيف القيود لا يجب ان يعني فوضى معمارية. المطلوب ليس الغاء القواعد، بل قواعد واضحة، وسريعة، وقابلة للتنبؤ.

ثالثا، استخدام المساحات الخالية وغير الفعالة: مواقف السيارات، والمناطق الصناعية، والمستودعات، والاراضي المحيطة بعقد النقل. المدينة ليست مضطرة الى التمدد بلا نهاية. يمكنها ان تزداد كثافة بذكاء.

رابعا، فرض ضريبة على السكن الاستثماري الفارغ. لا ينبغي ان تتحول الشقة في المدينة الى خزنة مجمدة بلا عقاب، بينما لا يجد الناس سكنا بالقرب منها.

خامسا، تطوير القطاع البلدي والتعاوني. تظهر فيينا ان السكن العام يمكن الا يكون غيتوا، بل عامل استقرار للسوق.

سادسا، تنظيم دقيق لا مسرحي للايجار قصير الامد. يجب ضبط المنصات السياحية، لكن لا يجوز التظاهر بان حظر الشقق السياحية وحده سيحل عجزا يقاس بملايين البيوت.

سابعا، حماية المستأجرين من دون تدمير العرض. هناك حاجة الى عقود طويلة الامد، وشفافية، وقابلية للتنبؤ في فهرسة الايجارات، لا الى نظام يدفع المالكين الى الهروب الجماعي من السوق.

ثامنا، الصراحة السياسية. يجب ان يقال للمجتمع مباشرة: السكن الميسور مستحيل من دون بناء، والبناء يعني، في معظم الحالات، صراعا.

أوروبا تختار: مدينة للحياة ام سوق لرأس المال

اصبحت ازمة السكن الاختبار الاجتماعي الرئيسي للاتحاد الأوروبي. ليس لان الشقق انتهت فجأة في أوروبا، بل لان النموذج الأوروبي تظاهر طويلا بان السوق قادر وحده على التوفيق بين ثلاثة اهداف غير قابلة للجمع: نمو قيمة الاصول للمالكين، وعوائد مرتفعة للمستثمرين، وسكن ميسور للاسر الشابة.

لن يوفق بينها.

اذا كان السكن، قبل كل شيء، اصلا ماليا، فستخدم المدينة رأس المال. واذا كان السكن جزءا من العقد الاجتماعي، فعلى الدولة ان تتدخل لا تجميليا، بل بصورة منهجية. لم تعد أوروبا قادرة على الاختباء خلف احاديث المنصات، والسياح، والمهاجرين، او التجاوزات الفردية. كل ذلك عوامل، لكنه ليس جوهر المشكلة.

الجوهر هو ان ارض المدينة اصبحت ساحة صراع بين الحياة والعائد.

ما لم تعترف أوروبا بهذا الصراع، فستبدو خططها كمحاولة لاطفاء حريق بكأس ماء. يمكن تقييد المنصات السياحية، ومنح قروض عقارية ميسرة، والجدل حول سقوف الايجارات، وانشاء مناصب مفوضين، ونشر التقارير. لكن اذا كان عدد البيوت التي تبنى اقل مما يلزم، واذا كان ابقاء الشقق فارغة مربحا، واذا كانت البلديات تعرقل تكثيف البناء، واذا كانت الصناديق تشتري الاحياء السكنية كما لو كانت سندات، فان الازمة ستتسع.

لقد تجاوزت أوروبا المرحلة التي كان فيها السكن موضوعا معيشيا عاديا. الآن اصبح السكن سؤال سلطة. من له الحق في المدينة؟ من يعيش فيها، ام من يستطيع شراءها؟

لا يتوقف الجواب على سعر الايجار في امستردام، وبراغ، ودبلن، او برشلونة فحسب. بل يتوقف عليه ما اذا كانت الديمقراطية الأوروبية ستحتفظ بحجتها الرئيسية: وعد الحياة الكريمة للانسان العامل.

اذا اختفى هذا الوعد نهائيا، فلن تكون الشقق الفارغة اصلا استثماريا، بل نصبا تذكاريا للعمى السياسي الأوروبي.