...

لا يمكن فهم أزمة فولكسفاغن على أنها مجرد إعادة هيكلة مؤسسية جديدة. فهي ليست عملية محاسبية عادية، ولا جولة أخرى من تحسين هيكل العمالة، ولا تراجعا مؤقتا في الطلب. ما نشهده هو تحول بنيوي في النموذج الصناعي الأوروبي الذي استند لعقود إلى ثلاث ركائز أساسية: المدرسة الهندسية الألمانية، والعلاوة التي يمنحها الاسم التجاري في الأسواق العالمية، والصين باعتبارها المصدر الذي لا ينضب لهوامش الربح. واليوم تصدعت هذه الركائز الثلاث في الوقت نفسه.

تدرس فولكسفاغن، أكبر رمز صناعي في ألمانيا، سيناريو قد يؤدي إلى تقليص ما يصل إلى مئة ألف وظيفة وإغلاق أربع منشآت إنتاج داخل ألمانيا في هانوفر وتسفيكاو وإمدن إضافة إلى مصنع أودي في نيكارسولم. ومن المهم التأكيد أن هذا ليس قرارا نهائيا، بل سيناريو جذري مطروح للنقاش. وهنا تكمن درامية اللحظة. فحتى وقت قريب كان مجرد طرح مثل هذا الاحتمال يبدو مستحيلا. كان بإمكان ألمانيا أن تناقش سرعة التحول إلى السيارات الكهربائية أو مستويات الأجور أو المعايير المناخية أو مكانة العلامات الفاخرة، لكن إغلاق مصانع سيارات كبرى في قلب المنظومة الصناعية الألمانية كان يعد من المحرمات السياسية. أما اليوم فقد سقط هذا المحظور.

وكان الاتفاق السابق بين فولكسفاغن والنقابات ينص على خفض أكثر من خمسة وثلاثين ألف وظيفة في ألمانيا بحلول عام ألفين وثلاثين بطريقة تراعي الاعتبارات الاجتماعية، مع تقليص الطاقة الإنتاجية بنحو سبعمئة وأربعة وثلاثين ألف سيارة. وحتى هذا الاتفاق كان يعد صدمة تاريخية. أما السيناريو الجديد، إذا نُفذ ولو جزئيا، فإنه لا يعني مجرد تعديل، بل تفكيك جزء من البنية الصناعية التقليدية.

ولا تكمن المشكلة في أن فولكسفاغن أصبحت فجأة شركة سيئة الإدارة، بل في أن صناعة السيارات الأوروبية بأكملها وقعت في فخ اتساع الفجوة الصناعية السلبية، حيث ترتفع التكاليف بوتيرة أسرع من الإيرادات، وتتزايد متطلبات الاستثمار بوتيرة أسرع من التدفقات النقدية، وتتوسع الالتزامات التنظيمية بوتيرة أسرع من الاستقلال التكنولوجي، بينما يمارس المنافسون الصينيون ضغوطا سعرية بوتيرة أسرع من قدرة أوروبا على خفض تكاليف الإنتاج.

السر الحقيقي للأزمة: فولكسفاغن كانت تحقق أرباحها في مكان لم تدركه أوروبا

على مدى سنوات طويلة اعتاد الساسة الأوروبيون تقديم صناعة السيارات بوصفها الدليل الأبرز على النضج التكنولوجي للقارة. غير أن الواقع الاقتصادي كان مختلفا تماما. فجزء كبير من الاستقرار المالي للشركات الألمانية لم يكن يولد في بروكسل ولا في برلين ولا حتى في فولفسبورغ، بل في شنغهاي وتشانغتشون وقوانغتشو وغيرها من المراكز الصناعية الصينية.

لم تكن الصين بالنسبة للشركات الألمانية مجرد سوق لتصريف المنتجات، بل كانت مركزا للأرباح الاستثنائية، وآلية لامتصاص ارتفاع التكاليف الأوروبية، ومصدرا لتمويل التوسع العالمي. فقد كانت الأرباح المحققة من المستهلك الصيني تغطي ارتفاع تكلفة العمالة في ألمانيا، وتعقيدات العلاقة مع النقابات، وارتفاع أسعار الطاقة، وضخامة الاستثمارات في المنصات الصناعية، وطول دورات تطوير المنتجات.

وفي عام ألفين وخمسة وعشرين سجلت مجموعة فولكسفاغن إيرادات بلغت ثلاثمئة وواحدا وعشرين مليارا وتسعمئة مليون يورو، أي بالقرب من مستوى العام السابق. لكن الأرباح التشغيلية هبطت إلى ثمانية مليارات وتسعمئة مليون يورو بعدما كانت تسعة عشر مليارا ومئة مليون يورو في العام الذي سبقه، كما انخفض هامش الربح التشغيلي إلى اثنين فاصلة ثمانية في المئة. وبالنسبة لشركة بهذا الحجم، فإن ذلك لا يمثل مجرد تراجع في النتائج المالية، بل يعد مؤشرا على أن نموذج خلق القيمة السابق لم يعد يولد العائد الكافي على رأس المال.

وهنا يكمن مفتاح فهم الكارثة. فقد تبقى المبيعات مرتفعة، وتواصل المصانع إنتاج ملايين السيارات، وتحافظ العلامة التجارية على حضورها العالمي، لكن عندما يتآكل هامش الربح الإجمالي يبدأ الرفع التشغيلي في العمل ضد الشركة. فكل مصنع يعمل بأقل من طاقته يتحول من أصل منتج إلى مركز لاستنزاف السيولة. وكل منصة جديدة تتطلب استثمارات بمليارات اليورو. وكل معيار تنظيمي جديد يرفع تكاليف الامتثال. وكل خصم سعري يهدف إلى الحفاظ على الحصة السوقية يضغط مباشرة على التدفقات النقدية الحرة.

وبهذا المعنى أصبحت فولكسفاغن رهينة لعدة أزمات متزامنة: تراجع الربحية في الصين، وضغوط الأسعار في أوروبا، والرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، وارتفاع أسعار الطاقة في ألمانيا، وارتفاع تكلفة العمالة، وكلفة التحول إلى السيارات الكهربائية، والتأخر المكلف في مجال البرمجيات.

الصين لم تعد تلميذا بل أصبحت المدقق الذي يكشف نقاط ضعف ألمانيا

أكثر جوانب هذه القصة إيلاما أن الصين لم تكتف بإزاحة الأوروبيين عبر السيارات الأرخص ثمنا، فذلك تفسير مبسط للغاية. لقد انتصرت الصين بطريقة مختلفة، إذ أعادت بناء البنية الأساسية للمنافسة في صناعة السيارات.

في الاقتصاد التقليدي للسيارات كانت المحركات العاملة بالاحتراق الداخلي، وناقلات الحركة، والمنصات الهندسية، وجودة التجميع، وشبكات الوكلاء، والعلامات التجارية تمثل الأصول الأساسية. وفي هذه البيئة كانت ألمانيا تتصرف كإمبراطورية صناعية. فقد أنتج مهندسوها طوال عقود ما اعتبره السوق المعيار الذهبي في الاعتمادية والأداء والهيبة والأمان ودقة التحكم والثقافة الهندسية.

أما في الاقتصاد الجديد للسيارات فقد انتقل مركز الثقل إلى البطاريات، وإلكترونيات القدرة، والبرمجيات، وسرعة تحديث المنتجات، والتكامل الرأسي، والسيطرة على سلسلة المكونات، وانخفاض تكلفة رأس المال، والقدرة على التوسع الصناعي بسرعة شركات التكنولوجيا. وفي هذا المجال لم تعد الصين طرفا يسعى إلى اللحاق بالآخرين، بل أصبحت القائد المنهجي لهذا التحول.

وتشير تقديرات القطاع إلى أن حصة العلامات التجارية الصينية في سوق سيارات الركاب المحلية اقتربت بحلول عام ألفين وخمسة وعشرين من تسعة وستين في المئة، بينما تراجعت حصة الشركات الأجنبية إلى نحو واحد وثلاثين في المئة. وهذه ليست مجرد أرقام، بل تعني انهيار مصدر الأرباح الصينية الذي استند إليه جانب كبير من النموذج العالمي للشركات الألمانية.

وبعد ربع قرن من الهيمنة في السوق الصينية، تجاوزت شركة بي واي دي فولكسفاغن خلال عام ألفين وأربعة وعشرين، ثم واجهت الشركة الألمانية ضغوطا إضافية من جيلي وغيرها من المصنعين المحليين. ومع ذلك أظهرت بداية عام ألفين وستة وعشرين استمرار تقلبات السوق، إذ استعادت فولكسفاغن الصدارة مؤقتا مع تراجع بعض برامج الدعم الصينية، بينما شهدت بي واي دي تباطؤا خلال فترات معينة. غير أن الاتجاه الاستراتيجي لم يتغير. فلم تعد الصين سوقا يحصل فيها المنتج الغربي تلقائيا على علاوة بسبب منشئه، بل أصبحت سوقا يعرف فيها المصنع المحلي المستهلك بصورة أفضل، ويجدد تشكيلته بوتيرة أسرع، ويسيطر على التكلفة بصورة أعمق.

ويبرز مثال بورشه بوضوح. ففي عام ألفين وخمسة وعشرين سلمت الشركة واحدا وأربعين ألفا وتسعمئة وثماني وثلاثين سيارة في السوق الصينية، وهو تراجع حاد مقارنة بذروة المبيعات في السنوات السابقة. وبالنسبة إلى قطاع السيارات الفاخرة، يعد ذلك إشارة مقلقة، إذ لم يعد المستهلك الصيني مستعدا لدفع العلاوة السابقة لمجرد حمل السيارة لشعار أوروبي.

أوروبا حظرت على نفسها المحرك القديم لكنها لم تبن البطارية الجديدة

لا تكمن المشكلة الأوروبية في التحول إلى السيارات الكهربائية بحد ذاته، فذلك التحول كان حتميا. إنما تمثلت المشكلة في ترتيب الخطوات. فقد سارعت أوروبا إلى تسريع التخلي عن محركات الاحتراق الداخلي بقرارات إدارية، قبل أن تجيب عن أسئلة أساسية تتعلق بمصادر البطاريات، والليثيوم، والمواد الكاثودية، والمواد الأنودية، ومنصات البرمجيات، والقدرات الإنتاجية منخفضة التكلفة، والطاقة الصناعية القادرة على المنافسة.

وهذا يمثل نموذجا كلاسيكيا للانعكاس الاستراتيجي، حيث سبقت السياسة القاعدة الإنتاجية. فقد ركزت بروكسل على بناء منظومة تنظيمية، لكنها لم تنجح في بناء منظومة صناعية موازية. وتحدثت أوروبا عن التحول الأخضر باعتباره رسالة أخلاقية، بينما نظرت إليه الصين باعتباره سوقا صناعيا ضخما. وكانت النتيجة متوقعة: من بنى المصانع وسلاسل التوريد وحقق وفورات الحجم نال الأفضلية، أما من اكتفى بصياغة القواعد فأصبح أكثر اعتمادا على الآخرين.

وأشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الصين وفرت في عام ألفين وخمسة وعشرين نحو سبعين في المئة من الإنتاج العالمي للسيارات الكهربائية، وأكثر من ثمانين في المئة من إنتاج خلايا البطاريات، ونحو خمسة وثمانين في المئة من إنتاج المواد الكاثودية النشطة. وهذا يعني أن الصين لا تسيطر على التجميع فحسب، بل تمسك أيضا بالجهاز العصبي للاقتصاد الجديد لصناعة السيارات.

وأصبح انهيار شركة نورثفولت في عام ألفين وخمسة وعشرين ضربة رمزية موجعة لأوروبا. فالشركة التي طالما قدمت باعتبارها البطل الأوروبي المنتظر في صناعة البطاريات أعلنت إفلاسها في السويد. ولم يكن ذلك مجرد فشل لشركة ناشئة، بل كان سقوطا لحلم أوروبي بإقامة استقلال سريع في مجال البطاريات من دون الاستفادة من وفورات الحجم الآسيوية، ومن دون السرعة الصينية، ومن دون الخبرة الصناعية المتراكمة.

وهنا اصطدمت أوروبا بالحقيقة القاسية للاقتصاد الصناعي. فصناعة البطاريات لا تبنى بالتصريحات السياسية، بل تحتاج إلى رأس مال منخفض التكلفة، وإرادة حكومية طويلة الأمد، وطاقة ميسورة، وانضباط هندسي، وشبكات موردي المواد الأولية، وخبرة كيميائية، وقدرات على إعادة التدوير، وتجهيزات صناعية، وبنية لوجستية متطورة، وطلب مضمون ومستقر. لقد بنت الصين هذه المنظومة خلال عشرين عاما، بينما حاولت أوروبا شراءها خلال بضعة دورات سياسية فقط.

الرسوم الجمركية لا تنقذ المصانع إذا كانت تكلفة الإنتاج قد خسرت المعركة بالفعل

حاولت المفوضية الأوروبية الرد على الضغوط الصينية عبر فرض رسوم تعويضية لمواجهة الدعم الحكومي على السيارات الكهربائية الصينية. ومنذ أكتوبر عام ألفين وأربعة وعشرين دخلت حيز التنفيذ رسوم إضافية بلغت سبعة عشر في المئة على سيارات بي واي دي، وثمانية عشر فاصلة ثمانية في المئة على جيلي، وخمسة وثلاثين فاصلة ثلاثة في المئة على سايك، وذلك إضافة إلى الرسوم الجمركية الأساسية على الواردات. ومن الناحية النظرية تبدو الفكرة مفهومة، فإذا كانت سلسلة القيمة الصناعية الصينية تحظى بدعم الدولة، فمن حق أوروبا أن تحمي سوقها.

غير أن الرسوم الجمركية تعالج الأعراض ولا تعالج المرض. فهي قد تبطئ وتيرة الواردات، وقد تمنح الشركات الأوروبية وقتا إضافيا، وقد توفر ورقة تفاوض، لكنها لا تخفض أسعار الكهرباء في ألمانيا، ولا تعالج مشكلة ضعف البرمجيات، ولا تنشئ نسخة أوروبية من عملاق البطاريات الصيني، ولا تسرع إنتاج السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة، ولا تعيد إلى فولكسفاغن هوامش أرباحها السابقة في الصين.

بل إن هذه الرسوم تخلق مفارقة جديدة. فالشركات الصينية لا تتجاوز الحواجز عبر الانسحاب من أوروبا، بل عبر توطين الإنتاج داخلها. فقد شرعت شركة بي واي دي بالفعل في بناء مصنع في المجر، وتشير تقارير إلى أنها تدرس إنشاء موقع إنتاج أوروبي ثان، مع طرح إسبانيا وفرنسا ضمن الخيارات المحتملة. وهكذا لا يحصل السوق الأوروبي على حماية من الصين، بل على اندماج صناعي صيني داخل حدوده.

وهذا يغير جوهر المنافسة نفسها. فعندما تشتري شركة صينية منشأة إنتاج أوروبية أو تعيد تشغيلها، فإنها لا تعود منافسا خارجيا، بل تصبح صاحب عمل داخل أوروبا. وعندها تبدأ الحكومات في النظر إليها ليس بوصفها تهديدا فحسب، بل باعتبارها منقذا لفرص العمل. وفي تلك اللحظة ينهار المنطق السياسي لحماية السوق، إذ يتحول منافس الأمس إلى مستثمر يشغل المصانع المتوقفة، ويدفع الضرائب، ويوفر الوظائف.

صناعة السيارات الألمانية لم تعد تقود أوروبا بل أصبحت تسحبها إلى الأسفل

توفر صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبي فرص عمل لملايين الأشخاص. وتشير بيانات رابطة مصنعي السيارات الأوروبية إلى أن هذا القطاع يرتبط بأكثر من ثلاثة عشر مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة داخل الاتحاد، فيما يعمل نحو ثلاثة ملايين ومئة ألف شخص في النشاط الصناعي المباشر لصناعة السيارات. ولهذا فإن أزمة فولكسفاغن ليست أزمة شركة واحدة، بل تهديد لقاعدة الضرائب، وميزانيات البلديات، والاستقرار الاجتماعي، والتعليم المهني، والمدارس الهندسية، والتجمعات الصناعية الإقليمية بأكملها.

وفي ألمانيا نفسها بدأ قطاع السيارات يسجل مؤشرات مقلقة في سوق العمل. فقد تراجع عدد العاملين في الصناعة حتى نهاية سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين إلى سبعمئة وواحد وعشرين ألفا وأربعمئة موظف، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقد، وأقل رقم يسجل منذ منتصف عام ألفين وأحد عشر.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة. فعندما تخفض مؤسسة مصرفية أو شركة تكنولوجية عدد موظفيها يكون الأثر مؤلما لكنه يظل محصورا في الاقتصاد المكتبي. أما عندما تقوم صناعة السيارات بتسريح العمال، فإن الصدمة تمتد إلى كامل الهرم الصناعي، من صناعة الصلب والبلاستيك والإلكترونيات وآلات الإنتاج والصناعات الكيميائية والخدمات اللوجستية والمكاتب الهندسية ومراكز الاختبارات، إلى شركات البرمجيات وشبكات الخدمات والموردين العائليين من المستويين الثاني والثالث.

ولهذا فإن قرارات خفض الوظائف في شركات بوش وشيفلر وأوموفيو وغيرها من الموردين لا تقل أهمية عن قرارات فولكسفاغن نفسها. فشركة بوش تنفذ عمليات تقليص واسعة في قسم السيارات بسبب ضعف الإنتاج، وارتفاع تكلفة التحول إلى السيارات الكهربائية، والضغوط المتزايدة على الأسعار. أما أوموفيو فقد أعلنت عن خطط لإلغاء ما يصل إلى أربعة آلاف وظيفة في عدة دول ضمن إعادة هيكلة أنشطة البحث والتطوير.

والموردون هم أول من يشعر بأن الآلة القديمة بدأت تتفكك. فما زالت شركات السيارات الكبرى تمتلك العلامات التجارية والنفوذ السياسي وسهولة الوصول إلى التمويل، بينما لا يمتلك الموردون غالبا مثل هذه الحماية. وعندما تنقل شركة تصنيع منصة إنتاج، أو تقلص مجموعة من الطرازات، أو تؤجل إطلاق مشروع جديد، فإن المورد يفقد حجم أعماله على الفور. وفي الاقتصاد الجديد للسيارات أصبحت كثير من الخبرات التقليدية تفقد قيمتها، مثل مكونات محركات الاحتراق الداخلي، وأنظمة العادم، والأجزاء الميكانيكية المعقدة، وبعض عناصر منظومة نقل الحركة. وفي المقابل تحل محلها وحدات البطاريات، وإلكترونيات القدرة، وأجهزة الاستشعار، والحلول البرمجية، وأنظمة الإدارة الحرارية، وأشباه الموصلات.

فرنسا وإيطاليا وإسبانيا أعراض مختلفة للمرض نفسه

تقع ألمانيا في مركز الأزمة، لكن هذه الأزمة تجاوزت حدودها منذ وقت طويل. ففرنسا تواجه انخفاضا في استغلال طاقات مصانعها وتراجعا في قوة قاعدتها الصناعية التقليدية. وقد أعلنت شركة ستيلانتيس أن مصنع بواسي، آخر مصنع سيارات في منطقة باريس، سيتوقف بحلول عام ألفين وثمانية وعشرين عن إنتاج السيارات وسيتحول إلى تصنيع هياكل وقطع الغيار. ولا يمثل ذلك إغلاقا كاملا للموقع، لكنه يرمز إلى نهاية مرحلة تاريخية، إذ تغادر صناعة السيارات منطقة كانت يوما جزءا من الهوية الصناعية لفرنسا.

كما درست ستيلانتيس، بحسب تقارير السوق، بيع عدد من مصانعها الأوروبية أو تشغيلها بصورة مشتركة بسبب فائض الطاقة الإنتاجية. وشملت المواقع التي جرى تداولها مصانع في فرنسا وإسبانيا ووسط إيطاليا، كما أبدت جهات صينية اهتمامها بهذه الأصول. ولم يعد الأمر مجرد فرضية، بل أصبح جغرافيا جديدة لصناعة السيارات الأوروبية، حيث تبحث المصانع القديمة عن ملاك جدد، ويأتي هؤلاء الملاك بصورة متزايدة من آسيا.

أما إيطاليا فتواجه هشاشتها من زاوية مختلفة. فقد أصبحت صناعة السيارات فيها تعتمد منذ سنوات على قرارات مجموعات صناعية عابرة للحدود، وفي مقدمتها ستيلانتيس. وعندما يكون مركز اتخاذ القرار خارج الإجماع الصناعي الوطني، تتحول المصانع إلى مجرد متغير في جداول توزيع الطاقة الإنتاجية العالمية. وإذا كان بالإمكان نقل طراز أو استبدال منصة أو منح خط إنتاج لشريك آخر، فإن الحكومات الوطنية تجد نفسها في موقع طالب الاسترضاء.

وتبدو إسبانيا أكثر قدرة على المنافسة من ألمانيا من ناحية التكاليف، لكن هذه القدرة تخص منصة الإنتاج وليس مركز القرار الاستراتيجي. فمصانع ستيلانتيس وفولكسفاغن وفورد وغيرها توفر وظائف مهمة وتدعم الصادرات، إلا أن القرارات المتعلقة بمستقبل الطرازات والمنصات والاستثمارات لا تتخذ في مدريد. وفي ظل فائض الطاقة الإنتاجية يصبح هذا الفارق حاسما. فالموقع الإنتاجي الذي لا يملك مركز القرار يخسر دائما أمام المقر الرئيسي عندما تبدأ المنافسة على الاستثمارات الرأسمالية.

ويقدم مصنع فورد في مدينة كولونيا مثالا آخر يثير القلق. فقد أعلنت الشركة أنها ستخفض ابتداء من يناير عام ألفين وستة وعشرين تشغيل مصنع السيارات الكهربائية إلى وردية عمل واحدة، مع إلغاء ما يصل إلى ألف وظيفة نتيجة ضعف الطلب على طرازي إكسبلورر وكابري الكهربائيين اللذين ينتجان هناك. ويعد ذلك مؤلما بصورة خاصة لأن المصنع أعيد تأهيله بالكامل لخدمة المستقبل الكهربائي. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد في البقاء أسير الماضي، بل في أن الاستثمار في المستقبل نفسه قد لا يحقق عائدا إذا لم تتوافق السوق والسعر والاستراتيجية الإنتاجية.

الولايات المتحدة تغلق الباب والصين تستحوذ على الأرباح وأوروبا تبقى مثقلة بالتكاليف

إذا كانت الصين تنتزع من أوروبا مصادر الربحية، فإن الولايات المتحدة تضاعف الضغوط على نموذجها التصديري. فقد أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في مايو عام ألفين وستة وعشرين عزمه رفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات القادمة من الاتحاد الأوروبي إلى خمسة وعشرين في المئة، متهما الاتحاد بعدم الالتزام بالاتفاق التجاري. ويمثل ذلك ضربة قوية للمركبات الفاخرة، ولا سيما العلامات الألمانية التي لا يزال السوق الأمريكي يشكل بالنسبة إليها أحد أهم مصادر الأرباح.

ولا يستطيع قطاع السيارات تحمل الانكماش المتزامن من ثلاث جبهات. ففي الصين تتراجع الربحية الهيكلية، وفي أوروبا تضعف القدرة على فرض الأسعار، وفي الولايات المتحدة تتزايد المخاطر الجمركية. وفي الوقت نفسه لا يمكن وقف الاستثمارات في التحول الكهربائي والبرمجيات والبطاريات وتوطين الإنتاج من دون التعرض لخطر التخلف التكنولوجي. وهكذا يتشكل تأثير المقص، إذ تبقى النفقات الرأسمالية مرتفعة بينما يتراجع العائد على رأس المال.

وقد اضطرت شركة بي إم دبليو بالفعل إلى خفض توقعاتها لعام ألفين وستة وعشرين بسبب ضعف السوق الصينية والصدمات الخارجية، بما في ذلك ارتفاع التكاليف. وخفضت الشركة توقعاتها لهامش الربح التشغيلي في قطاع السيارات إلى ما بين واحد وثلاثة في المئة، بعدما كانت تتوقع ما بين أربعة وستة في المئة، كما أعلنت تسريع إجراءات خفض النفقات.

أما مرسيدس بنز فهي أيضا تشدد سياسة التقشف، وتشمل الإجراءات التي نوقشت زيادة ساعات العمل من دون زيادة موازية في الأجور، إضافة إلى إعادة النظر في نظام المكافآت. ويؤكد ذلك أن الأزمة تجاوزت حدود فولكسفاغن، فحتى العلامات الفاخرة التي اعتقدت طويلا أنها محصنة بفضل عملائها الأثرياء لم تعد تعيش في عالم تضمن فيه هوامش أرباح مرتفعة دون ثمن.

لماذا خسرت بروكسل الحرب الصناعية قبل أن تبدأ

يكمن الخطأ الرئيسي لأوروبا في أنها خلطت طويلا بين التنظيم والاستراتيجية الصناعية. يستطيع المنظم أن يحدد الاتجاه، لكنه لا يستطيع وحده خلق تكلفة إنتاج تنافسية. يستطيع أن يضع معايير الانبعاثات، لكنه لا يستطيع بقرار إداري أن يبني منظومة بطاريات متكاملة. يستطيع أن يفرض الرسوم الجمركية، لكنه لا يستطيع إجبار المستهلك على دفع سعر أعلى مقابل سيارة كهربائية أوروبية إذا كان البديل الصيني أرخص وأغنى تجهيزا وأسرع تحديثا.

لقد أصبحت السياسة الصناعية الأوروبية منقسمة على نفسها. فمن جهة كانت تطالب الشركات بتسريع إزالة الكربون، ومن جهة أخرى لم توفر طاقة رخيصة بما يكفي بعد صدمة الطاقة. ومن جهة كانت تتحدث عن الاستقلال الاستراتيجي، ومن جهة أخرى بقيت معتمدة على البطاريات والمواد والمكونات ومعدات الإنتاج الصينية. ومن جهة كانت تحمي فرص العمل، ومن جهة أخرى كانت تجعل الإنتاج في المصانع نفسها أكثر كلفة بفعل الأعباء التنظيمية.

وفي ألمانيا أصبح هذا التناقض مدمرا بصورة خاصة. فقد بني النموذج الألماني على الطاقة الرخيصة، والصادرات الصناعية، والطبقة العاملة المتوسطة ذات الكفاءة العالية، والوصول إلى الأسواق العالمية. اختفت الطاقة الرخيصة، وأصبحت أسواق التصدير مسيسة، ولم تعد الصين مشتريا سلبيا، وبدأت الولايات المتحدة تستخدم الرسوم الجمركية كأداة لإعادة التصنيع. أما المصانع الألمانية فبقيت مثقلة بالأجور المرتفعة والكهرباء الباهظة والبنية الاجتماعية الثقيلة.

لا يوجد هنا مذنب واحد. فقد استمتعت الشركات طويلا بالأرباح الصينية واستخفت بسرعة التطور التكنولوجي الصيني. وضغط السياسيون بثقة مفرطة باتجاه الانتقال إلى السيارات الكهربائية من دون بناء قاعدة مكتملة لسلسلة القيمة الجديدة. ودافعت النقابات عن العقد الاجتماعي، لكنها كثيرا ما تأخرت عن اقتصاد المنتج الجديد. وطالب المستثمرون بالهوامش الربحية، لكنهم لم يقدروا حجم إعادة البناء الرأسمالي المطلوبة.

الدافع الخفي للصين: ليس بيع السيارة بل احتلال الرف الإنتاجي الأوروبي

لم يعد تصدير السيارات إلى أوروبا كافيا للشركات الصينية. فهدفها الجديد هو الدخول إلى النسيج الإنتاجي الأوروبي، والحصول على صفة محلية، وتجاوز الحواجز الجمركية، والاقتراب من المستهلك، والاستفادة من الأصول الأوروبية في العلامات التجارية والخدمات اللوجستية، وتحويل أزمة المنافس إلى قاعدة صناعية خاصة بها.

إذا استحوذت بي واي دي أو أي شركة صينية أخرى على مصنع أوروبي أو استأجرته، فإنها تحصل فورا على عدة مزايا: تجميع محلي، وحماية سياسية لفرص العمل، وتخفيف الضغط الجمركي، والوصول إلى الثقافة الهندسية الأوروبية، وإمكانية تسويق المنتج على أنه مصنوع في أوروبا، واندماج أعمق في شبكات الوكلاء.

وبالنسبة إلى أوروبا، فهذا خيار صعب أخلاقيا واستراتيجيا. فمن جهة، يستطيع المستثمر الصيني إنقاذ الوظائف في موقع معين. ومن جهة أخرى، فإنه يرسخ اعتماد أوروبا على منصة تكنولوجية أجنبية. يبقى المصنع في أوروبا، لكن مركز الربح، والبنية البرمجية، وكيمياء البطاريات، والملكية الفكرية الأساسية، والإدارة الاستراتيجية قد تكون كلها خارج أوروبا.

هنا بالذات تنتهي أوهام الاستقلال الاستراتيجي. فالاستقلال لا يعني امتلاك المباني والآلات والعمال. الاستقلال يعني السيطرة على المعيار والمنصة والبطارية والنواة البرمجية ورأس المال والسوق والدورة التكنولوجية. وإذا كان لاعب آخر هو من يسيطر على كل ذلك، فإن المصنع الموجود على الأرض الأوروبية لا يعود سوى حقيقة جغرافية، لا تعبيرا عن سلطة صناعية سيادية.

ثلاثة سيناريوهات: بتر منظم أو استئجار صيني لأوروبا أو تعبئة صناعية جديدة

السيناريو الأول هو البتر المنظم. تقوم فولكسفاغن وغيرها من الشركات بتقليص الطاقة الإنتاجية، وإغلاق بعض المواقع، ونقل الإنتاج إلى مناطق أقل تكلفة، وتوطين التصنيع قرب أسواق الولايات المتحدة والصين، وخفض العمالة الأوروبية، ومحاولة إنقاذ هوامش الربح. هذا هو السيناريو الأكثر احتمالا. إنه مؤلم، لكنه مفهوم للأسواق المالية. وفيه تحتفظ أوروبا بجزء من صناعة السيارات الفاخرة، لكنها تفقد حصة كبيرة من وزنها الصناعي الجماهيري.

السيناريو الثاني هو استئجار الصين لأوروبا. تنتقل المواقع غير المستغلة تدريجيا إلى الاستخدام المشترك أو البيع أو التجميع التعاقدي لمصلحة العلامات الصينية. تبقى بعض فرص العمل، وتحصل الحكومات على تهدئة اجتماعية قصيرة الأجل، لكن الاعتماد التكنولوجي يزداد. وتتحول أوروبا من مركز لثورة السيارات إلى مكان لتغليفها محليا.

السيناريو الثالث هو التعبئة الصناعية المتأخرة. تخفض أوروبا كلفة الطاقة الصناعية بشكل حاد، وتسرع تراخيص البناء، وتنشئ اتحادات حقيقية للبطاريات، وتدعم السيارات الكهربائية الصغيرة والميسورة، وتنسق السياسة المناخية مع القاعدة الإنتاجية، وتستثمر في المنصات البرمجية وأشباه الموصلات وإعادة تدوير المواد وسلاسل توريد أوروبية مشتركة. هذا هو السيناريو الأصح، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تفتقر إليها أوروبا بشكل مزمن.

الحكم ليس نهائيا لكن الوقت أوشك على النفاد

فولكسفاغن اليوم ليست عملاقا ميتا. لا تزال الشركة تملك العلامات التجارية والمهندسين والخبرات الإنتاجية والشبكة العالمية والموارد المالية والثقل السياسي. كما أن بي إم دبليو ومرسيدس بنز ورينو وستيلانتيس وغيرها من الشركات الأوروبية لن تختفي غدا. لكن السؤال لم يعد يتعلق ببقاء الشعارات التجارية. السؤال هو ما إذا كانت أوروبا ستحتفظ بالسيطرة على سلسلة القيمة في صناعة السيارات، أم ستتحول إلى سوق استهلاكية باهظة، وهامش إنتاجي يعمل جزئيا، ومتحف لمجدها الهندسي السابق.

أخطر خداع ذاتي أوروبي هو أن أوروبا تواصل الحديث بلغة القيم في عالم يتحدث فيه المنافسون بلغة إنتاجية رأس المال، وتكلفة الإنتاج، والتكامل الرأسي، والحجم التكنولوجي. لم تنتصر الصين لأنها رفعت شعارات جميلة، بل لأنها بنت البطاريات والمصانع والموردين واللوجستيات والبرمجيات والسوق الداخلية وآلة التصدير. والولايات المتحدة لا تضغط بالرسوم لأنها تؤمن بالتجارة الحرة، بل لأنها تريد إعادة الصناعة إلى أراضيها. أما أوروبا فقد آمنت طويلا بأن القواعد وحدها تصنع الصناعة.

أزمة فولكسفاغن هي صفارة الإنذار الأخيرة قبل انهيار صناعي أوسع. لا يزال بالإمكان الجدال حول حجم التخفيضات ومواعيد إغلاق المصانع والطرازات المحددة ومن سيفقد عمله. لكن التشخيص العام أصبح واضحا: دخلت صناعة السيارات الأوروبية مرحلة إعادة تقييم هيكلية، لم تعد فيها المزايا القديمة تضمن أرباح المستقبل.

وحين تمر الصدمة الأولى، سيبقى السؤال الأهم: من سيملك المصانع؟ من سيسيطر على البطاريات؟ من سيكتب الشيفرة البرمجية؟ من سيحدد السعر؟ من سيحصل على هامش الربح؟ من سيتخذ القرار بشأن المنصة التالية؟

إذا لم تكن الإجابة هي أوروبا، فإن أزمة فولكسفاغن ستدخل التاريخ لا بوصفها إعادة هيكلة لشركة واحدة، بل باعتبارها اللحظة التي فهم فيها العالم القديم أخيرا أن السلطة الصناعية لا ترحل عندما يغلق آخر مصنع. إنها ترحل قبل ذلك بكثير، حين تبدأ تكنولوجيا الآخرين في تحديد ما إذا كان هذا المصنع ضروريا أصلا.