...

لا يزال الاقتصاد الروسي، في ظاهره، يحافظ على تماسكه. فلا يوجد انهيار ظاهر، ولا بطالة جماعية، ولا تراجع كارثي في الاستهلاك. بل إن الاحصاءات الرسمية ما زالت تعرض ارقاما يمكن استخدامها لتهدئة القلق: فقد نما الناتج المحلي الاجمالي خلال الفترة من يناير إلى أبريل عام ٢٠٢٦ بنسبة ٠٫٣٪، واستقر معدل البطالة في أبريل عند مستوى تاريخي منخفض بلغ ٢٫٢٪، وارتفع الدخل الحقيقي المتاح للسكان في الربع الاول بنسبة ١٫٥٪، كما زاد حجم تجارة التجزئة خلال الفترة من يناير إلى أبريل بنسبة ٤٫٣٪، وارتفعت الاجور الحقيقية في مارس بنسبة ٨٫١٪ مقارنة بالعام السابق، فيما نما الانتاج الصناعي في أبريل بنسبة ١٫٩٪.

تكفي هذه الارقام لتجميل المشهد السياسي، لكنها لا تكفي لتشخيص الحالة الاقتصادية.

المشكلة الرئيسية التي تواجه روسيا اليوم لا تكمن في الناتج المحلي الاجمالي الحالي، ولا في مستوى التوظيف، ولا حتى في التضخم. بل تقع في مستوى اعمق، وهو الاستثمار. في الاموال التي ينبغي ان تضخها الشركات والدولة والمؤسسات الكبرى في المباني والمنشآت والالات والمعدات والتكنولوجيا والبنية التحتية وانتاجية المستقبل. هناك بالتحديد يبدأ الشرخ الحقيقي.

بلغ حجم الاستثمارات في الاصول الثابتة في روسيا خلال الفترة من يناير إلى مارس عام ٢٠٢٦ نحو ٦٫٦ تريليون روبل، اي اقل بنسبة ١٤٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ولا يمثل ذلك تراجعا عابرا، بل هو انخفاض مستمر للربع الرابع على التوالي. وعلى مستوى عام ٢٠٢٥ انخفضت الاستثمارات بنسبة ٢٫٣٪، في اول تراجع من نوعه منذ عام ٢٠٢٠. ولم يتدهور الحجم فقط، بل تراجعت ايضا جودة الاستثمار، اذ انخفضت حصة الالات والمعدات إلى ٣٤٪، ما يعني ان راس المال بات يوجه بدرجة اقل نحو رفع الانتاجية، وبدرجة اكبر نحو اشكال اقل كفاءة للحفاظ على النظام الاقتصادي القائم.

واوضح نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك ان الجزء الاكبر من الانخفاض، والبالغ ٣٠٧ مليارات روبل، وقع في كبرى الشركات، بما في ذلك شركة إيركوتسك للنفط، ومشروع القطب الشمالي للغاز الطبيعي المسال، وشركة غازبروم. وفي المقابل، كانت روسنفت الوحيدة التي زادت استثماراتها بمقدار ١٨ مليار روبل. غير ان الرسالة العامة لم تتغير: حتى كبرى الشركات، التي تتمتع بقنوات دعم حكومية، بدأت تقلص برامجها الاستثمارية طويلة الاجل.

يمكن للاقتصاد ان يعيش لبعض الوقت اعتمادا على القدرات القديمة. ويمكنه ان يوهم بوجود حالة طبيعية بفضل الموارد المتراكمة، واعادة توزيع الانفاق العام، والطلبات العسكرية، والانفاق الاستهلاكي المرتفع، والضغط المتزايد على العمال. لكن اذا لم يتم اليوم بناء مصانع جديدة، وشراء معدات حديثة، وتحديث البنية التحتية، فان اساس النمو نفسه سيتلاشى غدا.

فالاستثمارات هي الناتج المحلي الاجمالي للمستقبل، وانخفاضها اليوم يعني ركودا بعد ثلاث إلى خمس سنوات.

دولة توقفت عن النظر إلى الغد

تنظر الاحصاءات الاقتصادية التقليدية عادة إلى الماضي، او في افضل الاحوال تصف الحاضر. فالتضخم يخبرنا بما ارتفعت اسعاره بالفعل، والناتج المحلي الاجمالي يبين ما تم انتاجه بالفعل، اما سعر الفائدة الرئيسي فيؤثر في الاقتصاد بعد فترة زمنية تتراوح، بحسب تقديرات البنك المركزي الروسي، بين تسعة اشهر وثمانية عشر شهرا. اما الاستثمارات فلها طبيعة مختلفة، فهي تكشف ما اذا كانت الشركات تؤمن بالمستقبل إلى الحد الذي يدفعها للمخاطرة باموالها اليوم.

فالشركة لا تبني مصنعا من اجل الربع القادم، وهيئة السكك الحديدية لا تشتري القاطرات من اجل التقرير الحالي، والمجمع الزراعي لا يطلق مشروعا جديدا من اجل عرض تقديمي جميل. فجميع هذه القرارات تتخذ على افق زمني يمتد لسنوات. وعندما تتراجع الاستثمارات، فهذا لا يعكس مجرد تدهور في المزاج الاقتصادي، بل يعني ان الفاعلين الاقتصاديين توقفوا عن التخطيط للتوسع.

وتؤكد المؤشرات الاستباقية الاخرى التشخيص نفسه. فبحسب بيانات مركز التحليل الاقتصادي الكلي والتنبؤات قصيرة الاجل، انخفض مؤشر عرض السلع الاستثمارية في الربع الاول من عام ٢٠٢٦ بنسبة ٢٫٧٪ مقارنة بالربع الرابع من عام ٢٠٢٥. ولم يتم تعويض التراجع الحاد الذي سجل في يناير، والذي عزاه المحللون إلى موجة البرد والثلوج غير المعتادة في الجزء الاوروبي من روسيا، لا في فبراير ولا في مارس. ويقل مستوى النشاط الاستثماري الحالي بنسبة ١٦٪ عن مستويات عام ٢٠٢٤، بل اصبح اضعف حتى من اشهر الازمة خلال عام ٢٠٢٢. وعند المقارنة بمتوسط منتصف عام ٢٠٢٤، يتبين ان عرض السلع الاستثمارية بلغ ٨٦٪ في نهاية عام ٢٠٢٥، ثم انخفض إلى ٨٣٪ في يناير عام ٢٠٢٦.

ووصل المؤشر الاستباقي المركب لاحتمال الدخول في ركود إلى ٠٫٥٢ في فبراير، مقابل حد حرج يبلغ ٠٫١٨. ورغم تراجعه إلى ٠٫٤٦ في مارس، فقد بقي اعلى بكثير من المستوى الذي ينذر بالخطر. وسجل قطاع البناء في مارس محاولة للتعافي، غير ان محللي المركز شددوا على ان الحديث عن انتعاش الطلب على المساكن او تحسن اوضاع القطاع لا يزال سابقا لاوانه.

وتتضح بذلك صورة غير مريحة. فالمؤشرات قصيرة الاجل تشير إلى هشاشة الاشهر المقبلة، بينما تنذر الاستثمارات بمخاطر السنوات القادمة. ولا تدخل روسيا مجرد فترة تباطؤ استثماري، بل حالة تزداد شبها بما يمكن وصفه بشتاء الاستثمار.

اصبحت الاموال باهظة الكلفة

جاءت الضربة الاولى من ارتفاع كلفة الاموال. فقد تجمدت عمليا دورة الاستثمار الخاصة بالشركات بسبب الارتفاع الكبير في سعر الفائدة الرئيسي. فمنذ نوفمبر عام ٢٠٢٤ وحتى يونيو عام ٢٠٢٥ حافظ البنك المركزي الروسي على سعر فائدة بلغ ٢١٪، فيما بلغ المتوسط السنوي خلال عام ٢٠٢٥ نحو ١٩٫٢٧٪. وحتى بعد خفضه إلى ١٤٫٢٥٪ بقي الاقتراض باهظ الكلفة بالنسبة لمعظم المشروعات.

ويبلغ متوسط ربحية الشركات الروسية ما بين ١٠٪ و١٢٪ فقط. وفي ظل هذه المعادلة تصبح كلفة القروض اعلى من الارباح المحتملة التي يمكن ان يحققها المشروع. وعندها لا يعود توسيع الانتاج بالاموال المقترضة عملا استثماريا، بل شكلا من اشكال الاستنزاف المالي. فالارباح المتوقعة تذهب إلى الفوائد، بينما تبقى المخاطر على عاتق المستثمر، ويزداد الغموض حول فترة استرداد راس المال.

وقد لخص نائب مدير مركز التحليل الاقتصادي الكلي والتنبؤات قصيرة الاجل دميتري بيلوسوف منطق الحذر الجديد بدقة، عندما قال ان المشروعات الاستثمارية تصبح مجدية اقتصاديا عند سعر فائدة يتراوح بين ٧٪ و٨٪، اما اليوم فمن الاسهل والامن الاحتفاظ بالاموال في الحسابات المصرفية او في السندات الحكومية بدلا من الدخول في مشروعات لا يعرف متى ستسترد تكلفتها.

ويضرب سعر الفائدة المرتفع الاقتصاد مرتين في آن واحد. فهو يجعل القروض باهظة، وفي الوقت نفسه يحول الاحتفاظ السلبي بالاموال إلى خيار عقلاني. فلا حاجة لبناء ورشة جديدة، او شراء معدات، او البحث عن مهندسين، او الدخول في نزاعات مع المسؤولين، او الاعتماد على سلاسل التوريد، او العمل تحت تهديد الملاحقات القضائية. يكفي ايداع الاموال في الادوات المالية وانتظار تحسن الظروف.

وقد عدد رئيس اتحاد الصناعيين ورجال الاعمال الروس ألكسندر شوخين العوامل التي تمنع الاستثمارات طويلة الاجل، وهي ارتفاع سعر الفائدة، وقوة الروبل، وارتفاع الضرائب، والغموض المحيط بحقوق الملكية. كما حذر رئيس شركة أبراو ديورسو بافيل تيتوف منذ عام ٢٠٢٥ من ان هذه السياسة النقدية لا تسمح باستثمارات جادة. وفي مثل هذه الظروف يفضل حتى المستثمر الفردي الودائع المصرفية، فما بالك بالشركات الكبرى التي تميل بطبيعتها إلى مزيد من الحذر.

لم يعد قطاع الاعمال الصغير ينمو، بل يسعى للبقاء

قد تتمكن الشركات الكبرى، ولو جزئيا، من الوصول إلى القروض المدعومة، وتمويل المشروعات عبر مؤسسة التنمية الحكومية، وغيرها من الموارد الرسمية. اما الشركات الصغيرة والمتوسطة فقد وجدت نفسها في واقع مختلف تماما.

ووفقا لاستطلاع اجرته منظمة دعم الاعمال الروسية وشمل ٦٦٠٠ من ممثلي الشركات الصغيرة والمتوسطة، فان نحو ٨٠٪ منهم لا يخططون للقيام باستثمارات خلال عام ٢٠٢٦ بسبب عجزهم عن العثور على مصادر تمويل. وقال رئيس المنظمة ألكسندر كالينين بوضوح شديد ان القضية بالنسبة لكثيرين لم تعد تتعلق بالتوسع، بل بالبقاء.

وتتجاوز اهمية ذلك ما يبدو للوهلة الاولى. فالشركات الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد فئة احصائية، بل تمثل الشريحة التي توفر فرص العمل، والخدمات، والمنافسة المحلية، والنشاط الاقليمي، ومرونة السوق. وعندما تتخلى هذه الشريحة عن التنمية، فان البلاد لا تفقد مؤسسات المستقبل فحسب، بل تفقد ايضا النسيج الطبيعي للحياة الاقتصادية.

وتظهر استطلاعات البنك المركزي الروسي ان العامل الثاني الذي يعيق الاستثمار بعد حالة عدم اليقين الاقتصادي هو توقعات الطلب المستقبلي. كما سجل تقرير مراقبة المؤسسات الصادر عن البنك انخفاض النشاط الاستثماري في الربع الاول من عام ٢٠٢٦ إلى متوسط المستويات المسجلة في مطلع عام ٢٠٢٢، مع توقع ان يشهد الربع الثاني من عام ٢٠٢٦ اضعف نمو للاستثمارات منذ الربع الرابع من عام ٢٠١٩.

وتضيف دراسات معهد التنبؤ الاقتصادي التابع لاكاديمية العلوم الروسية تفصيلا مهما، اذ تبين ان ٤٠٪ من المؤسسات الصناعية المشاركة في الاستطلاع لا تربط قراراتها الاستثمارية مباشرة بمستوى سعر الفائدة. فالعوائق الرئيسية تتمثل في عدم اليقين الاقتصادي الكلي، ونقص المعدات اللازمة. وخلف هذه الصيغة تختبئ مشكلات اعمق بكثير: العقوبات، والانقطاعات التكنولوجية، وصعوبة شراء المعدات او دفع قيمتها بصورة قانونية، والخوف من ضرائب جديدة، واحتمال تقليص الطلبيات الحكومية، ومخاطر التأميم.

في الاقتصاد الطبيعي يخشى رائد الاعمال من ارتكاب خطا في السوق. اما في الاقتصاد الروسي المعاصر، فقد بات يخشى الدولة بصورة متزايدة.

التأميم بوصفه بردا اقتصاديا

لم يعد خطر التأميم امرا نظريا. فقد اصبح بالفعل جزءا من مناخ الاعمال. يمكن ان تصادر المصانع والاصول بناء على دعاوى ترفعها النيابة العامة، كما يمكن ان تجري الاجراءات القضائية في جلسات مغلقة. وبالنسبة إلى المستثمر يعني ذلك امرا اساسيا: لم يعد حق الملكية قاعدة موثوقة للتخطيط طويل الاجل.

اصبحت قصة مجموعة ساموليت في قطاع البناء مثالا كاشفا. ففي عام ٢٠٢٤ حققت المجموعة صافي ربح بلغ ٨ مليارات روبل، ثم سجلت في عام ٢٠٢٥ خسارة قدرها مليارا روبل. وكان من بين الاسباب الغاء برنامج الرهن العقاري المدعوم على نطاق واسع، وارتفاع كلفة خدمة الديون، وشطب الاستثمارات في مشروع كفارتال مارينو، الذي تم تأميمه بقرار من محكمة مغلقة بناء على دعوى من النيابة العامة. وفي فبراير عام ٢٠٢٦ طلبت الشركة دعما حكوميا لتخفيف العبء المالي، ثم اقرت في مايو بحدوث تعثر فني في سداد السندات. وخلال عامين فقدت اسهم الشركة نحو ٨٧٪ من قيمتها.

وهناك مثال اخر هو روساغرو. فهذه الشركة تحتل المركز الاول في روسيا في انتاج زيت دوار الشمس والمايونيز، والمركز الثاني في انتاج لحم الخنزير والسكر. وقد ارتفعت ايراداتها في عام ٢٠٢٥ بنسبة ١٨٪، لكن ارباحها انخفضت من ٣٢ مليار روبل إلى ٢٠ مليارا. اما مؤسس روساغرو فاديم موشكوفيتش فيقبع رهن الاعتقال منذ اكثر من عام، وتم تأميم اسهمه، وانتقلت الشركة نفسها إلى ادارة الدولة.

عندما تحدث مثل هذه الوقائع في قطاعات بنيوية، فانها تتحول إلى اشارة موجهة للجميع. يمكن ان تمتلك شركة واعمالا واصولا وموظفين وخططا استثمارية وبيانات مالية. لكن لا يمكنها ان تكون واثقة من ان هذا الاصل سيبقى ملكا لها غدا.

هكذا يولد نمط خاص من السلوك الاقتصادي: لا تبن، لا تتوسع، لا تلفت الانتباه، لا تتحمل التزامات زائدة، سدد الديون، وراكم السيولة. بالنسبة إلى شركة منفردة، يبدو ذلك خيارا عقلانيا. اما بالنسبة إلى الاقتصاد ككل، فهو خيار مدمر.

الاحصاءات المؤسسية ضد الواجهة السياسية

يمكن للرئيس الروسي بوتين ان يقول ان الاقتصاد الروسي يشعر بحال افضل من الاقتصادات الغربية. لكن تقارير الشركات تتحدث بلغة اخرى. ووفقا لحسابات فيدوموستي، تدهور وضع ٢١ شركة من اصل ٢٨ من كبرى الشركات الروسية خلال عام واحد. وهذا يعني ثلاثة ارباع العينة. اما الشركات الصغيرة والمتوسطة فلم يكن نصيبها افضل، اذ ادى ارتفاع العبء الضريبي إلى انخفاض الايرادات الضريبية القادمة من هذا القطاع بنسبة ٢٢٫٢٪ في الربع الاول من عام ٢٠٢٦، وهو ما اعترفت به وزارة المالية.

وبحلول ١٣ يونيو كان مؤشر بورصة موسكو اقل بنسبة ٩٪ من مستواه في بداية العام، بعد انخفاضه بنسبة ٤٪ خلال عام ٢٠٢٥. كما ارتفع عدد حالات التخلف عن سداد السندات بصورة حادة: ففي النصف الاول من عام ٢٠٢٥ سجلت ٢٦ حالة تخلف عن السداد لدى ثلاثة مصدرين، اما خلال الفترة من يناير إلى مايو والجزء غير الكامل من يونيو عام ٢٠٢٦ فقد بلغ العدد ١٦٤ حالة لدى ١٦ شركة، من دون احتساب حالات التخلف الفني عن السداد.

لم تعد هذه مجرد مشكلات متفرقة. انها تبدل في المناخ المالي. فالشركات الروسية تدخل حقبة ما بعد الارباح الفائقة. لا توجد اموال رخيصة. والمجالات المدعومة تضيق. والطلب الداخلي يضعف. والصادرات تتعقد بسبب العقوبات والرسوم واللوجستيات وقوة الروبل. والديون تصبح اغلى. والارباح تتبخر.

حتى قطاع التجارة، الذي يفترض ظاهريا ان يستفيد من ارتفاع قيمة الفواتير بفعل التضخم، يقدم صورة مقلقة. فقد زادت ايرادات مجموعة اكس خمسة في عام ٢٠٢٥ بنسبة ١٩٪، لكن صافي الربح انخفض بنسبة ١٤٪. وفي الربع الاول من عام ٢٠٢٦ تراجع الربح بنسبة ٢٧٫٦٪ على اساس سنوي. المستهلك ينتقل إلى الاستهلاك العقلاني: تشيجيك ينمو بنسبة ٦٣٪، وبياتيروتشكا بنسبة ١٦٪، اما بيريكريوستوك فلا ينمو الا بنسبة ٨٪. هذا ليس ازدهارا في الاستهلاك، بل انتقال إلى الصيغ الارخص.

وقدمت ماغنيت صورة اكثر قسوة. فبعد شراء حصة مسيطرة في أزبكا فكوسا وتنفيذ برنامج استثماري قياسي، واجهت الشركة ديونا باهظة وطلبا ضعيفا. وقد ابتلعت المصروفات المالية، التي ارتفعت من ٢٤٫٥ مليار روبل إلى ٨٢٫٣ مليار روبل، كامل الربح التشغيلي البالغ ٧٠٫٥ مليار روبل. وكانت النتيجة صافي خسارة بلغ ١٦٫٦ مليار روبل بعد ربح قدره ٥٠ مليار روبل في العام السابق. وكاد صافي الدين يتضاعف ليصل إلى ٤٩٦ مليار روبل، ومع احتساب تقييم الاصول تجاوز تريليون روبل.

عندما يبدأ حتى قطاع التجزئة في العيش تحت عبء الديون لا تحت منطق النمو، فان ذلك يقول عن حالة المستهلك اكثر مما تقوله النسب المتفائلة لدوران تجارة التجزئة.

البنوك تربح والصناعة تدفع الثمن

القطاع الوحيد الذي يبدو في وضع مقبول نسبيا هو البنوك. لكن الصورة هناك ايضا غير متوازنة. فقد زاد سبيربنك صافي ارباحه في عام ٢٠٢٥ بنسبة ٨٪، وفي الربع الاول من عام ٢٠٢٦ بنسبة ١٧٪. وارتفع هامشه لان المصروفات الفائدية كانت تنخفض بوتيرة اسرع من الايرادات. ويواصل البنك جذب اموال السكان واقراض قطاع الشركات. وتبلغ ودائع الافراد في سبيربنك ٣٤ تريليون روبل، بينما تبلغ ديونهم للبنك ٢٠ تريليونا، ويشكل الرهن العقاري ثلثي هذا الدين. اما الشركات فالصورة لديها معكوسة: اموالها في البنك تبلغ ١٦ تريليون روبل، وقروضها ٣٢ تريليونا.

اما في تي بي فيمر بوضع اسوأ: فقد انخفض صافي ربحه في عام ٢٠٢٥ بنسبة ٩٪، وفي الربع الاول من عام ٢٠٢٦ بنسبة ٧٪. وتجاوز هامش الفائدة الصافي لدى سبيربنك ٦٪، بينما بلغ لدى في تي بي ٢٫٥٪. وبلغت نسبة المصروفات التشغيلية إلى الايرادات لدى سبيربنك ٢٧٪، ولدى في تي بي ٣٩٪. وحتى القطاع المصرفي نفسه ينقسم بين من يستطيع استخراج الربح من الاموال الباهظة، ومن تمنعه بنية نفقاته من الاستفادة من اللحظة.

لكن المفارقة الرئيسية تكمن في امر اخر: ما يساعد البنوك يخنق الاقتصاد الانتاجي. فاسعار الفائدة المرتفعة تدعم الهامش المالي، لكنها تدمر المنطق الاستثماري في الصناعة والبناء والتجارة والزراعة وصناعة السيارات والمعادن.

البنية التحتية لم تعد تبني المستقبل بل ترمم الماضي

تعد السكك الحديدية الروسية احد اهم مؤشرات اقتصاد البنية التحتية. في عام ٢٠٢٤ بلغت الخطة الاستثمارية للشركة ١٫٥ تريليون روبل. وفي عام ٢٠٢٥ خفضت إلى ٨٩١ مليارا. وفي عام ٢٠٢٦ قلصت مرة اخرى بنسبة ٢٠٪ لتصل إلى ٧١٤ مليار روبل. ومع ذلك سيذهب ثلثا هذه الاموال إلى الحفاظ على الاصول القائمة وضمان سلامة النقل.

ولا يبقى للقطارات الجديدة سوى ١٦٢ مليار روبل. وبهذا المبلغ تأمل السكك الحديدية الروسية في شراء ٤٠٠ قاطرة، رغم ان الكمية نفسها كلفت في عام ٢٠٢٥ نحو ٢٦٠ مليار روبل. وقد اوضحت ترانسمش هولدينغ بالفعل ان هذا المبلغ لن يكون كافيا. وتبدو المشكلة حادة خصوصا لان السكك الحديدية الروسية اشترت خلال السنوات الخمس الاخيرة نحو ٢٥٠٠ قاطرة، بينما سيجري شطب ٤٠٠٠ قاطرة خلال السنوات الخمس المقبلة. الفجوة تبلغ نحو ١٥٠٠ قاطرة. ولتنفيذ استراتيجية النقل تحتاج الشركة إلى ٥٢٣ قاطرة جديدة سنويا. لكن صافي ربح الناقل في عام ٢٠٢٥ انخفض ٢٢ مرة.

ليست هذه مجرد محاسبة تخص السكك الحديدية. انها مسالة الترابط الجغرافي للبلاد، واللوجستيات، والصادرات، والتنمية الاقليمية، والتعاون الصناعي. عندما تبدأ البنية التحتية في انفاق المال اساسا على الحفاظ على القديم، فان المستقبل يؤجل.

ويعد جسر لينا رمزا لهذه الطموحات المؤجلة. يناقش المشروع منذ عام ١٩٨٥. ولا تزال ياكوتسك المدينة الوحيدة بين اكبر مئة مدينة روسية، ومن بين المراكز الادارية للاقاليم، التي لا تمتلك اتصالا بريا على مدار العام مع الطرق الفدرالية. وقد ادرج الجسر في البرنامج الوطني لتنمية الشرق الاقصى وفي خطط بناء الطرق. وقدرت كلفته اولا بنحو ٨٣ مليار روبل، ثم ارتفعت إلى ١٧٦ مليارا، ثم انخفضت تقريبا إلى ١٣٠ مليارا. بدأ البناء عام ٢٠٢٤، لكنه يتحرك ببطء. وتربط الصحافة المحلية بصراحة احتمال انجازه بتغير مستقبلي في الاولويات من الاحتياجات الدفاعية إلى القطاعات المدنية.

مثل هذه المشاريع لا تموت دفعة واحدة. انها تتحول إلى انتظار دائم.

صناعة السيارات والمعادن والصناعات الغذائية: الازمة تتحول إلى ازمة قطاعية

خفضت كاماز ميزانيتها الاستثمارية بنحو ثلاثة اضعاف. والاسباب هي الديون وازمة سوق الشاحنات الثقيلة. وقد قدم المدير العام سيرغي كوغوغين معادلة قاتلة: في عام ٢٠٢٢ كان الجرار الرئيسي من طراز كي خمسة يباع بسعر يتراوح بين ١٠ و١١ مليون روبل، اما الان فيباع بسعر ٧٫٥ مليون، في ظل ارتفاع حاد في التكاليف. وبلغ صافي خسارة كاماز في عام ٢٠٢٥ نحو ٤٣ مليار روبل. وتصل مصروفات الفوائد إلى نحو ١٠ مليارات روبل في كل ربع سنة. وقد اغلقت الشركة جزءا من اعمال البحث والتطوير الموجهة إلى المستقبل البعيد، وابقت التمويل على طراز كي خمسة وعلى صيانة المعدات والمباني والمنشآت.

هذا يكاد يكون درسا مدرسيا في التدهور الاستثماري: اولا يجري تقليص المستقبل البعيد، ثم التحديث، ثم التنمية، ثم لا يبقى سوى الاصلاح.

وتظهر صناعة المعادن دينامية مشابهة. فقد خفضت شركة أم أم كا في عام ٢٠٢٥ انتاج الصلب بنسبة ٩٪، ومبيعات المنتجات المعدنية بنسبة ٧٪، والمنتجات الممتازة بنسبة ١٥٪. وانخفضت الايرادات بنحو ٢١٪، وتحول ربح قدره ٨٠ مليار روبل إلى خسارة تقارب ١٥ مليارا. واستمرت الخسارة في الربع الاول من عام ٢٠٢٦. وتفسر الشركة ذلك بتباطؤ النشاط التجاري والاتجاهات السلبية في سوق الصلب الروسية.

ظلت سيفرستال رابحة، لكن ربحها انخفض بنحو خمسة اضعاف: ٣٢ مليار روبل بدلا من ١٥٠ مليارا. وفي الربع الاول من عام ٢٠٢٦ كاد صافي الربح ان يتلاشى بالكامل، اذ بلغ ٥٧ مليون روبل فقط مقابل ٢١ مليار روبل قبل عام. واضطرت الشركة إلى خفض الاستثمارات بنسبة ٣٤٪، وانخفضت الاموال النقدية في حساباتها خلال الربع من ٣٨ مليار روبل إلى ٥ مليارات. والاسباب هي تراجع الاسعار، وانخفاض الطلب على الانابيب ذات الاقطار الكبيرة، والهبوط العام في السوق الداخلية.

كما تفقد الصناعات الغذائية استقرارها. فقد تكبدت أفكو اول خسارة في تاريخها، بلغت نحو ٦ مليارات روبل بدلا من ربح قدره ٧ مليارات في العام السابق. وتذكر الشركة الاسباب بصراحة: رسوم التصدير، وقوة الروبل، والقيود اللوجستية على السكك الحديدية باتجاه ميناء تامان، والقروض الباهظة. وارتفعت مصروفات الفوائد بمقدار ١٤ مليار روبل، وهي بالضبط القيمة التي قلبت النتيجة المالية رأسا على عقب.

وفي قطاع الزراعة انخفضت الاستثمارات في الاصول الثابتة في نهاية عام ٢٠٢٥ بنسبة ٣٫٦٪. ففي مارس عام ٢٠٢٥ كان هناك ٢٫١ الف مشروع في الزراعة والصناعات الغذائية بقيمة ٤٫٣ تريليون روبل، وبعد عام تراجع العدد إلى ١٫٥ الف مشروع بقيمة ٤٫١ تريليون. وخفضت ميراتوغ استثماراتها إلى النصف لتبلغ ١٠ مليارات روبل. وقد صاغ فيكتور لينيك ذلك بهدوء، لكن معناه قاس: لم يتم ايقاف اي مشروع، لكن لم يبدأ اي مشروع كبير جديد.

هكذا يبدو شتاء الاستثمار في الواقع العملي. لا يظهر دائما في صورة كارثة. بل غالبا في عبارة بسيطة: لن نبدأ مشروعات كبيرة جديدة.

التخلف التكنولوجي يصبح غير قابل للعكس

يعد الانهيار في المشاريع عالية التكنولوجيا امرا مثيرا للقلق بصورة خاصة. ففي نهاية عام ٢٠٢٥ رفضت وزارة الصناعة والتجارة عدة مناقصات لتطوير مواد خاصة باجهزة الطباعة الحجرية بتقنية ٩٠ نانومترا فما دون. وكان الحديث يدور حول معدات حيوية للالكترونيات الدقيقة المحلية. وقد الغيت مشاريع للانتاج التجريبي الصناعي لبلورات فلوريد الكالسيوم المستخدمة في الطباعة الحجرية فوق البنفسجية بقيمة ١٫٦ مليار روبل، ولانتاج بلورات لعوازل بصرية ليزرية بقيمة ٤٠٠ مليون، ولتطوير تكنولوجيا تصنيع مساحيق التنتالوم بقيمة ٨٠٠ مليون.

وتربط مصادر ذلك بعجز الميزانية، اذ ينقص برنامج تطوير صناعة المعدات الالكترونية ٣٣٫١ مليار روبل للفترة بين عامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٨. ويعاد توزيع الميزانيات لمصلحة مشاريع تعتبر اكثر اولوية. وفي روسيا المعاصرة اصبحت كلمة الاولوية تعني، على نحو متزايد، لا المستقبل التكنولوجي، بل الضرورة السياسية والدفاعية الراهنة.

وكان معهد تحليل الاستثمار قد طرح سابقا سؤالا مهما: هل كان هناك اصلا ازدهار استثماري؟ ففي الفترة بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٤ كانت الاستثمارات تنمو، لكن ادخال الاصول الثابتة الجديدة إلى الخدمة لم يكن يزداد بصورة متناسبة. ففي عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ انخفض ادخال الاصول الثابتة بالاسعار المقارنة بنسبة ٩٪ و٤٫٣٪. وخلال خمس سنوات زاد ادخال الاصول بنسبة ١١٫٨٪، بينما نمت الاستثمارات في الاصول الثابتة بنسبة ٣٤٫٧٪. ولم تشهد روسيا الحديثة فجوة كهذه من قبل.

يعني ذلك ان الاموال كانت تنفق، لكن القدرات الجديدة كانت تظهر ببطء. فقد ذهب جزء من الاستثمارات إلى مشاريع بناء طويلة ومتعطلة، واعمال اعادة اعمار، وامن، وصيانة القديم، ومنشآت ذات استخدام مزدوج. وبدلا من شراء الالات، باتت الشركات تشتري بصورة متزايدة انظمة دفاع جوي، ووسائل حماية، وبنية تحتية امنية، وحلولا مرتبطة بالمخاطر العسكرية وشبه العسكرية. شكليا، هذه استثمارات. اما اقتصاديا، فهي لا توسع الانتاجية.

وفي هذا السياق يصبح تآكل المعدات تهديدا استراتيجيا. فبحسب احدث بيانات منشورة لهيئة الاحصاء الروسية، بلغت الاصول المهترئة بالكامل في الاقتصاد عام ٢٠٢١ نحو ٢٢٪. اي ان ما يقرب من كل خامس اصل ثابت كانت قيمته الدفترية قريبة من الصفر. اما في الالات والمعدات فالوضع اسوأ: فقد ارتفعت حصة الالات المهترئة بالكامل من ٢٧٪ في عام ٢٠١٧ إلى ٣٠٪ في عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢١. وخلال الفترة بين عامي ٢٠١٧ و٢٠٢٤ بلغت درجة اهتراء الالات والمعدات في معظم القطاعات ٦٠٪ إلى ٧٠٪. وفي الصناعة التحويلية ارتفعت من ٥٧٫٧٪ إلى ٦٣٪.

يمكن للاقتصاد ان يتحمل الاهتراء لسنوات. لكن في لحظة ما تكف المعدات القديمة عن كونها موردا، وتتحول إلى فخ.

الانتاجية تقوم على البشر لا على التكنولوجيا

يزيد نقص الكوادر حدة المشكلة. فمعدل بطالة يبلغ ٢٫٢٪ يبدو جميلا في التقرير السياسي، لكنه بالنسبة إلى الصناعة يعني نقصا في الايدي العاملة. وتشير التقديرات الرسمية إلى عجز يقارب ١٫٥ مليون شخص. ويتوقع اتحاد الصناعيين ورجال الاعمال الروس ان يصل هذا العجز إلى ٣ ملايين شخص بحلول نهاية العقد.

في ظل انخفاض مستوى الروبوتة يصبح ذلك امرا حرجا. فالمشاريع الاستثمارية لا تحتاج إلى التمويل فقط، بل تحتاج إلى التنفيذ. تحتاج إلى مهندسين وبنائين وتقنيين وعمال ومصممين ومديرين. واذا لم يكن هناك بشر، فان الاموال المتاحة نفسها لا تتحول إلى طاقات انتاجية.

ارتفعت انتاجية العمل في الشركات الكبيرة والمتوسطة في الربع الاول من عام ٢٠٢٦ بنسبة ١٫٧٪، بعد انخفاضها بنسبة ٠٫٥٪ في عام ٢٠٢٥. لكن هذا النمو، وفقا للصورة العامة، لم يتحقق بفضل تحديث تكنولوجي، بل عبر زيادة العبء على العمال المتبقين: ساعات اضافية، تكثيف العمل، واستنزاف الاحتياطات الداخلية. وتنمو الاجور الحقيقية بوتيرة اسرع من الانتاجية، ما يخلق ضغطا تضخميا. ومن دون استثمارات جديدة في المعدات والاتمتة والتكنولوجيا، سيبلغ هذا النمو سقفه بسرعة.

الدولة التي تعوض نقص الالات بساعات العمل الاضافية لا تتحدث. انها فقط تسرع اهتراء المعدات والعمال معا.

مفترق تاريخي: اليابان وكوريا والصين وروسيا في التسعينيات

اظهر التاريخ من قبل ان الاستثمارات ليست بندا تقنيا في الاحصاءات، بل مصير الاقتصاد.

بعد انفجار الفقاعة المالية عام ١٩٩٢، دخلت اليابان في الركود تحديدا عبر شلل الاستثمار. فقد انشغلت الشركات بتنظيف ميزانياتها، وسداد الديون، وتأجيل التوسع، وتوقفت عن تحديث قاعدتها الانتاجية. وفي الفترة بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٢ بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي ١٫١٤٪ فقط، اي اقل من ثلث مستوى الفترة بين عامي ١٩٨٠ و١٩٩١. وتحول العقد الضائع إلى عقدين ضائعين، ثم إلى ثلاثة عقود ضائعة.

سلكت كوريا الجنوبية الطريق المعاكس. في عام ١٩٦٠ كانت البلاد من افقر دول العالم، بناتج محلي اجمالي للفرد يقارب ٧٩ دولارا. وبعد وصول باك تشونغ هي إلى السلطة عام ١٩٦١، جرى الرهان على التصنيع والاستثمارات الراسمالية. وارتفعت عائدات التصدير من ١٠٠ مليون دولار في نوفمبر عام ١٩٦٤ إلى ١٠ مليارات دولار في عام ١٩٧٧. وارتفع معدل الاستثمار من ٨٫٦٪ من الناتج المحلي الاجمالي في عام ١٩٦٠ إلى ٢٩٪ في عام ١٩٨٨. وكان الناتج المحلي الاجمالي ينمو بنسبة ٨٫٤٪ في الستينيات، و٩٪ في السبعينيات، و٩٫٧٪ في الثمانينيات. وبحلول عام ١٩٩٥ تجاوزت الصادرات ١٠٠ مليار دولار.

اتبعت الصين لعقود المنطق نفسه. فمن عام ١٩٨١ إلى عام ٢٠١٧ كانت الاستثمارات في الاصول الثابتة تنمو في المتوسط بنسبة ٢٠٪ سنويا. وارتفعت حصة الاستثمارات في الناتج المحلي الاجمالي من ١٦٪ في عام ١٩٦٠ إلى ٤٦٪ في عام ٢٠١١. وفي عام ٢٠٢٥ نما الناتج المحلي الاجمالي الصيني بنسبة ٥٪ وبلغ ١٤٠ تريليون يوان. لدى النموذج الصيني مخاطر ديون وتراجع في عائد راس المال، لكن الدرس الاساسي يبقى واضحا: الاندفاع الاستثماري الطويل يخلق قوة صناعية.

عرفت روسيا من قبل السيناريو المعاكس. ففي التسعينيات هبطت الاستثمارات في الاصول الثابتة من ٥١٪ من مستوى عام ١٩٩٠ إلى ٢١٪ في عام ١٩٩٨. وحتى عام ٢٠١٨ لم تكن، بالاسعار المقارنة، تتجاوز ٥٢٫٢٪ من مستوى عام ١٩٩٠. ولم تجلب الخصخصة تدفقا ملحوظا للاستثمارات. كانت المؤسسات تستهلك القدرات السوفيتية من دون ان تخلق قدرات جديدة.

اليوم تخاطر روسيا بتكرار لا يشبه السيناريو الياباني في صورته الخالصة، ولا يكرر تسعينياتها حرفيا. لكن المنطق متشابه: في البداية تنخفض الاستثمارات، ثم تتقادم الاصول، ثم تهبط الانتاجية، ثم يفقد الاقتصاد القدرة على التعافي.

لماذا قد لا تعود الاستثمارات

تبدو الرواية الرسمية اكثر نعومة: قاعدة مرتفعة من السنوات السابقة، تصحيح متوقع، توقف مؤقت. وتذكر وزارة التنمية الاقتصادية بان الاستثمارات الراسمالية زادت في الفترة بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٤ بنحو ٤٠٪، وبان الربع الاول لا يمثل سوى نحو ١٦٪ من الحجم السنوي للاستثمارات. ووصف مكسيم أوريشكين ارقام التراجع بانها سيئة جدا، لكنه ربطها ايضا بتاثير القاعدة المرتفعة. اما مكسيم ريشيتنيكوف فوصف عام ٢٠٢٦ بانه فترة توقف في نمو الاستثمارات.

لا ينبغي رفض هذه الحجة بالكامل. فالقاعدة المرتفعة لها اهميتها فعلا. لكنها لا تفسر الصورة كلها. فهناك في الوقت نفسه اموال باهظة، وارتفاع ضريبة القيمة المضافة من ٢٠٪ إلى ٢٢٪ اعتبارا من ١ يناير عام ٢٠٢٦، وتراجع في الدفع المالي من الميزانية، وعقوبات، ونقص في الكوادر، وضغط ضريبي، وانخفاض في الارباح، وزيادة في حالات التخلف عن السداد، وتأميم، وخوف من المستقبل.

بلغت حصة اموال الميزانية في الاستثمارات في الاصول الثابتة ٢٠٫٥٪ في عام ٢٠٢٢، لكنها انخفضت في نهاية عام ٢٠٢٥ إلى ١٥٫٢٪، ثم بلغت في الربع الاول من عام ٢٠٢٦ نحو ١٠٪. وارتفعت حصة الاموال الذاتية للشركات من ٥٣٪ في عام ٢٠٢٢ إلى ٦٣٪ في عام ٢٠٢٦. كما زادت حصة القروض المصرفية من ١٠٪ إلى ١٤٪. وهذا يعني ان من يواصل الاستثمار هم اساسا اولئك الذين يملكون ارباحا ذاتية، او مدخرات، او تمويلا تفضيليا، او منفذا إلى قنوات حكومية خاصة.

لكن عدد هؤلاء يتناقص. ففي مايو ظلت خطط الاستثمار لدى المؤسسات الصناعية، بحسب معهد التنبؤ الاقتصادي التابع لاكاديمية العلوم الروسية، في منطقة التشاؤم عند ناقص ١٣ نقطة. وقد عدلت وزارة التنمية الاقتصادية توقعاتها لانخفاض الاستثمارات بنهاية العام من ناقص ٠٫٥٪ إلى ناقص ١٫٥٪. ويفترض معهد تحليل الاستثمار ان يكون التراجع اكبر من التوقعات الرسمية. وقال ألكسندر شوخين ان القطاعات الحساسة، بما في ذلك الحلول الرقمية والروبوتة، لا توضع فقط في حالة توقف مؤقت، بل تجمد بطريقة التجميد الصدمي العميق.

هذه صيغة مهمة. فالرقمنة والروبوتة هما تحديدا المجالان اللذان كان يفترض ان يعوضا نقص الكوادر، والحصار التكنولوجي، وتقادم الاصول. واذا جرى تجميدهما، فلا يتجمد مشروع اليوم فقط. بل تتجمد فرصة الخروج من الفخ.

الدولة تطلب التفاؤل والسوق يختار الدفاع

تظهر امام قطاع الاعمال الروسي معضلة صعبة. اذا صدق التفاؤل الرسمي وواصل الاستثمار في ظل اموال باهظة، وطلب ضعيف، وقواعد غير واضحة، فانه يخاطر بالخسائر والتعثر والاعتماد على مساعدة السلطات. واذا اختار الحذر، وقلص الاستثمارات الراسمالية، وسدد الديون، وراكم السيولة، فانه يتصرف بعقلانية، لكنه قد يثير انزعاج الدولة التي تحتاج إلى النمو والتوظيف والبنية التحتية واستعراض الصمود.

هكذا ينشأ اقتصاد التفاؤل القسري. لا يصبح الخطر في ان يخطئ قطاع الاعمال فقط، بل في ان يظهر بوضوح شديد انه لا يؤمن بالمستقبل. غير انه لا يمكن اجبار السوق على الايمان بامر اداري. فالاستثمارات لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى راسمال رخيص، وقواعد ملكية مفهومة، ووصول إلى التكنولوجيا، وضرائب قابلة للتنبؤ، وطلب مستقر، وثقة بالمؤسسات.

بدلا من ذلك يرى قطاع الاعمال اليوم واقعا اخر: قروضا باهظة، وروبلا قويا، وضرائب مرتفعة، وقيودا ناجمة عن العقوبات، وجوعا في الكوادر، وهبوطا في الارباح، وزيادة في حالات التخلف عن السداد، واهتراء في الاصول، وتأميما للممتلكات.

في هذه البيئة يستطيع البقاء المصدرون الذين لا يحملون ديونا مفرطة، والشركات التي تملك منفذا إلى الريع الخام، والبنوك ذات القاعدة الواسعة من العملاء، وبعض الشركات القادرة على الاستفادة من الظرف العالمي. سبيربنك، وبوليوس، ونورنيكل، وبيبسيكو في روسيا، امثلة نادرة لشركات تواصل زيادة ارباحها. لكنها لا تغير الصورة العامة. فالاقتصاد لا يمكن ان يتكون فقط من البنوك والذهب والنيكل والعلامات الغذائية.

تتصرف معظم القطاعات بالفعل وفقا لوصفة دفاعية: لا تخاطر، لا تتوسع، قلص الاستثمارات، سدد الديون، احتفظ بالنقد، وانتظر. بالنسبة إلى شركة منفردة يبدو ذلك معقولا. اما بالنسبة إلى الدولة فهو طريق إلى انكماش بطيء.

خاتمة بلا اوهام

لا يأتي شتاء الاستثمار كعاصفة مفاجئة. انه يبدأ بهدوء. في البداية تؤجل الشركة ورشة جديدة. ثم تقلص البحث والتطوير. ثم تؤجل شراء المعدات. ثم تبقي على الاصلاح فقط. ثم تشطب القدرات القديمة ولا تستبدل بها قدرات جديدة. في التقارير يبدو ذلك بوصفه توقفا مؤقتا، او تصحيحا، او مراجعة للبرنامج، او ترشيدا للنفقات الراسمالية. اما في الواقع، فهذه هي خسارة المستقبل.

لا ينهار الاقتصاد الروسي الان دفعة واحدة. الامر اخطر من ذلك: انه يتكيف مع انكماشه الخاص. يتعلم العيش بلا قروض رخيصة، وبلا تكنولوجيا غربية، وبلا عوائد تصديرية فائقة كما في السابق، وبلا يقين في الملكية، وبلا افق طبيعي للتخطيط. لكن لهذا التكيف ثمنا. فكلما طال عيش البلاد على الاصول القديمة، قلت فرصتها في تحقيق اندفاعة جديدة.

بعد بضع سنوات ستظهر قرارات اليوم في المعدن والخرسانة والسكك والالات والقاطرات والحقول والمصانع والالكترونيات الدقيقة وانتاجية العمل. حيث لم يبن شيء، لن يظهر شيء. وحيث لم تشتر معدات، لن يكون هناك ما ينتج. وحيث جمدت التكنولوجيا، سيتحول التخلف إلى قاعدة. وحيث علم قطاع الاعمال الخوف من المستقبل، سيتوقف عن صناعته.

لهذا لا يمثل التراجع الاستثماري الحالي خبرا اقتصاديا فحسب. انه تشخيص سياسي. قد تواصل الدولة طويلا عرض صمود احصائي، ودعم التوظيف، واعادة توزيع الموارد، وتفسير الاخفاقات بارتفاع القاعدة، والحديث عن توقف مؤقت. لكن الاستثمارات لا يمكن خداعها. فهي تظهر دائما اين تنتهي البلاغة واين يبدأ الايمان الحقيقي بالغد.

اليوم يصوت قطاع الاعمال الروسي لا لمصلحة الاندفاعة، بل لمصلحة الدفاع. لا لمصلحة التوسع، بل لمصلحة البقاء. لا لمصلحة المستقبل، بل لمصلحة حفظ ما تبقى من الحاضر.

هنا يكمن المعنى الرئيسي لشتاء الاستثمار. انه لا يجمد المشاريع فقط. انه يجمد الزمن التاريخي للدولة. وحين تستمر الواجهة السياسية في اللمعان بارقام النمو الحالي، قد يكون تحتها اقتصاد توقف، بصمت، عن بناء غده.