لم تعد التجارة العالمية تعيش في عصر العولمة الساذجة. فالقاعدة القديمة التي كانت تقضي بأن السوق الحرة كفيلة بوضع كل شيء في نصابه الصحيح، وأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل سيقلل تلقائيا من مخاطر الصراع، قد أحيلت نهائيا إلى الأرشيف. وحل محلها واقع جديد متمثل في الحرب الجيواقتصادية، حيث أصبحت الرسوم الجمركية، والرقابة على الصادرات، والإعانات، والعقوبات، والبنية التحتية للعملات، وتراخيص التكنولوجيا، والممرات اللوجستية، أدوات ضغط تماما مثل مجموعات حاملات الطائرات، والصواريخ متوسطة المدى، وأنظمة الحرب الإلكترونية.
ويطرح السؤال الرئيسي اليوم نفسه بكل حزم: هل تمتلك الولايات المتحدة ترسانة حقيقية لتحقيق النصر في الحرب التجارية، أم أن واشنطن تلوح بفحسب بسلاح لم يعد يضمن التفوق الاستراتيجي؟
الإجابة ليست بالبساطة التي يتمناها الاستراتيجيون الأمريكيون. فلا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط هائلة: نظام الدولار، والعقوبات المالية، والسيطرة على جزء من تكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة، وسوق استهلاكية هي الأقوى، والنفوذ على الحلفاء، والقدرة على حظر الوصول إلى التقنيات الحيوية. لكن الصين تمتلك سلاحا آخر: الكتلة الصناعية، والعمق الإنتاجي، والانضباط الحكومي، والسيطرة على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة، وجهازا تصديريا ضخما، والقدرة على تحمل التكاليف لفترة أطول من الحكومات الديمقراطية في الغرب.
ووفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين في عام 2025 حوالي 414.7 مليار دولار: حيث بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين 106.3 مليار دولار، والواردات من الصين 308.4 مليار دولار، في حين بلغ العجز الأمريكي في تجارة السلع مع جمهورية الصين الشعبية 202.1 ...مليار دولار. وهذا أقل مما كان عليه في العام السابق، لكن هيكل الاعتماد نفسه لم يختف، بل أصبح فقط أكثر تكلفة وأكثر تسييسا.
موت التجارة الحرة واعتلاء اقتصاد الجبهة
إن مسألة وقت تخلي واشنطن النهائي عن التمسك بالتجارة الحرة تظل مطروحة على المؤرخين. إذ يشير البعض إلى فشل جولة الدوحة لمنظمة التجارة العالمية، بينما يشير آخرون إلى عام 2016، عندما أدار كل من الجمهوريين والديمقراطيين ظهورهم للشراكة العابرة للمحيط الهادئ. ولكن بحلول عام 2026، لم يعد لهذا الجدال أي أهمية عملية. فالولايات المتحدة لم تعد تحمي العولمة بشكلها السابق، بل تحاول إعادة بنائها وفقا لمنطق الأمن القومي.
واليوم، باتت السياسة التجارية الأمريكية أقل شبها بالتنظيم الاقتصادي، وأكثر شبها بخطة دفاع وتعبئة. وحلت محل كلمة "الكفاءة" في القاموس الأمريكي مصطلحات مثل "مرونة سلاسل التوريد"، و"الاستقلال الاستراتيجي"، و"الاستعانة بمصادر خارجية من دول صديقة"، و"السيادة التكنولوجية"، و"البنية التحتية الحيوية"، و"الأضرار غير المتماثلة"، و"الردع الاقتصادي".
هذه ليست بلاغة الندوات الجامعية، بل هي لغة غرف القيادة العسكرية.
وإذا كانت الحاجز التجارية تعتبر في السابق علامة ضعف، فإنها تقدم الآن كجزء من المحيط الدفاعي. وإذا كانت الإعانات توصف سابقا بأنها تشويه للسوق، فإنها تسمى الآن سياسة صناعية. وإذا كانت القيود المفروضة على الصادرات تنظر إليها في الماضي كاستثناء، فقد أصبحت الآن أداة دائمة في الحرب التكنولوجية.
ولا ينظر إلى الصين في هذا النظام باعتبارها مجرد منافس، بل يتم التعامل معها كدولة منصة تجمع بين الإنتاج الصناعي، وإدارة الحزب، وآلة الائتمان، والتوسع التصديري، والرقابة الرقمية، والتخطيط الجيوسياسي.
وهنا تحديدا يكمن العصب الرئيسي للصراع: فالولايات المتحدة تحاول خوض حرب تجارية ضد دولة بنَت اقتصادها لعقود كعمق استراتيجي.
المصنع الصيني كجيش استراتيجي
لا تكمن خطورة النموذج الصيني على الولايات المتحدة في حجم الصادرات فحسب، بل إن الخطر أعمق من ذلك. فقد أنشأت بكين نظاما تستطيع الدولة من خلاله دعم قطاعات ذات ربحية منخفضة لسنوات، وتعويض الخسائر عبر البنوك الحكومية، وتوجيه الاستثمارات إلى القطاعات المطلوبة، والحفاظ على التوظيف، وإغراق الأسواق الخارجية، وفي الوقت نفسه تعزيز الكفاءة التكنولوجية.
هذه ليست رأس مالية كلاسيكية ولا اقتصادا موجها على الطراز السوفيتي. إنه نموذج هجين من القومية الصناعية، حيث يمكن للمنافسة داخل البلاد أن تكون شرسة للغاية، لكن الدولة هي من يحدد التوجه الاستراتيجي.
ولهذا السبب لم تعد السيارات الكهربائية الصينية، والألواح الشمسية، والبطاريات، والطائرات المسيرة الصناعية، ومعدات الاتصالات، والمغناطيسات الأرضية النادرة مجرد سلع، بل تحولت إلى أدوات نفوذ. فالصين لا تصدر المنتجات فحسب، بل تصدر التبعية.
وفي عام 2025، وعلى الرغم من حرب الرسوم الجمركية، سجلت الصين فائضا تجاريا قياسيا بلغ قرابة 1.19 تريليون دولار. وهذا مؤشر بالغ الأهمية: فقد ضربت الرسوم الأمريكية التجارة الثنائية، لكنها لم تكسر آلة التصدير الصينية، التي أعادت توجيه التدفقات، وعززت مواقعها في أسواق أخرى، وحافظت على الفائض العالمي.
علاوة على ذلك، تظهر التقديرات الحديثة لشهر مايو من عام 2026 أن الصادرات الصينية تستمر في النمو بمعدلات مرتفعة، ويرجع ذلك جزئيا إلى الطلب على أشباه الموصلات، ومكونات الذكاء الاصطناعي، والطلبات المسبقة في ظل عدم الاستقرار العالمي. وهذا يعني أن الصين لا تتحمل الضغط فحسب، بل تتكيف معه بسرعة أكبر مما توقعه الكثيرون في واشنطن.
الرسوم الجمركية: مدفعية ثقيلة تصيب الحلفاء أيضا
تعد الرسوم الجمركية الأداة الأكثر وضوحا في الحرب التجارية. وهي مريحة سياسيا: فمن السهل الإعلان عنها، وتفسيرها للناخب، وتقديمها كعقاب للمنافس الأجنبي. لكن الرسوم في الاقتصاد تشبه المدفعية: فقد تدمر موقع العدو، ولكن إذا لم يتم توجيهها بدقة، فإنها تصيب خطوط الاتصال الخاصة.
وقد أكدت الممارسة الأمريكية في السنوات الأخيرة هذا الأمر. فالرسوم الجمركية تقلل من الواردات القادمة من الصين، لكنها لا تعيد الإنتاج تلقائيا إلى الولايات المتحدة. وغالبا ما تنقل الشركات عمليات التجميع ليس إلى أوهايو أو ميشيغان، بل إلى فيتنام أو المكسيك أو الهند أو ماليزيا أو مناطق قضائية أخرى. وبذلك لا يحدث توطين للصناعة، بل إعادة توجيه للمخاطر.
نعم، من الناحية الإحصائية، انخفضت الواردات من الصين إلى الولايات المتحدة بشكل حاد. ووفقا للبيانات المنشورة في عام 2026، انخفضت الواردات الأمريكية من الصين في الربع الأول من عام 2026 بنسبة تزيد عن 40 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. لكن هذا لا يعني نهضة صناعية للولايات المتحدة، بل يعني أن سلاسل التوريد أصبحت أكثر تكلفة وأعقد وأقل شفافية.
وهنا يكمن ضعف استراتيجية الرسوم الجمركية. فإذا فرضت دولة ما رسوما دون أن تمتلك قاعدة صناعية كافية، وعمالة مدربة، وطاقة رخيصة، وبنية تحتية، وموانئ، ومعدات، وأفقا استثماريا، تتحول الرسوم إلى ضريبة على مستهلكيها.
وقدرت مؤسسة الضرائب أن متوسط معدل الرسوم الجمركية الفعلية في الولايات المتحدة ارتفع في عام 2025 إلى 7.7 بالمئة مقابل 2.4 بالمئة سابقا. وأشار مختبر ميزانية ييل إلى أن المعدل المحتسب بموجب السياسة الحالية في عام 2025 شهد تقلبات حادة ووصل في لحظة معينة إلى 28 بالمئة. ولم يعد هذا حماية موجهة للسوق، بل نظام حمائي هيكلي.
بيد أن الحماية الاقتصادية دون تعبئة صناعية ليست استراتيجية للنصر، بل هي مجرد استراحة مكلفة.
فخ العناصر الأرضية النادرة: أين تمسك الصين بخناق أمريكا؟
لا تتمثل نقطة الضعف الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب التجارية في القمصان والألعاب والإلكترونيات المنزلية. إن نقطة الضعف الحقيقية هي المواد الحيوية.
تعد العناصر الأرضية النادرة ضرورية للسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والمحركات الصناعية، وأنظمة التوجيه، والرادارات، والطائرات المقاتلة، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، والإلكترونيات عالية الدقة. وبدونها يفقد الاقتصاد الحديث جهازه العصبي، ويخسر الجيش الحديث جزءا كبيرا من تفوقه التكنولوجي.
وقد بنت الصين هيمنتها في هذا المجال على مدى عقود. ووفقا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، كانت الصين المصدر الرئيسي للمركبات والمعادن الأرضية النادرة للولايات المتحدة، حيث استحوذت على حوالي 70 بالمئة من هيكل الواردات للفترة من 2020 إلى 2023. وفي عام 2025، ظلت الصين أيضا أكبر منتج للتعدين الأرضي النادر في العالم.
والأهم من التعدين هو المعالجة والمغناطيسات، فهناك يتشكل التحكم الاستراتيجي. ووفقا لتقديرات إرنست ويونغ بالاعتماد على بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تسيطر الصين على حوالي 94 بالمئة من إنتاج المغناطيسات الدائمة الملبدة المستخدمة في السيارات، وطاقة الرياح، والمحركات الصناعية، ومراكز البيانات، والأنظمة الدفاعية.
وفي أبريل من عام 2025، فرضت الصين قيودا على صادرات سبعة من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، بالإضافة إلى المركبات والمعادن والمغناطيسات المرتبطة بها. وتم إدخال تراخيص وشروط للكشف عن المستخدمين النهائيين للمصدرين. لم يكن هذا مجرد رد تجاري، بل كان ضربة استعراضية موجهة للقاعدة الصناعية الدفاعية والتكنولوجية الأمريكية.
وفي وقت لاحق، اتفقت الولايات المتحدة والصين على استئناف جزئي للإمدادات، لكن الحادثة نفسها سُجلت: فقد أظهرت بكين أنها قادرة على الضغط على العصب الذي يسبب ألما حقيقيا للاقتصاد والآلة العسكرية الأمريكية.
وهذه هي نقطة الاختناق الكلاسيكية. ليس من الضروري امتلاك السوق بأكملها، بل يكفي السيطرة على الممر الضيق الذي وبدونه يبدأ النظام بأكمله في الاختناق.
حرب أشباه الموصلات: الورقة الرابحة الأمريكية التي تستهلك سريعا
تمتلك الولايات المتحدة أداة ضغط حيوية خاصة بها وهي أشباه الموصلات. ولا تُصنع جميع الرقائق في أمريكا، لكن الشركات الأمريكية والحلفاء يسيطرون على جزء كبير من الهندسة والتصميم والبرمجيات والمعدات والمعايير التكنولوجية. وفي هذا المجال، تستطيع واشنطن بالفعل توجيه ضربات مؤلمة للصين.
ووفقا لبيانات جمعية صناعة أشباه الموصلات، حافظت الولايات المتحدة على حصة عالمية تبلغ حوالي 50.4 بالمئة من مبيعات أشباه الموصلات، وبلغت الصادرات الأمريكية من أشباه الموصلات في عام 2024 حوالي 57 مليار دولار. وتعد هذه أداة ضغط ضخمة، خاصة عندما تقترن بالسيطرة على برمجيات أتمتة التصميم الإلكتروني، ومعدات الليثوغرافيا التابعة للحلفاء، والوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ومنذ عام 2022، شددت الولايات المتحدة تدريجيا الرقابة على الصادرات ضد الصين في مجال الحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات. وتوسعت القيود في أعوام 2023 و2024 و2025، لتشمل قوائم جديدة من الشركات الصينية وقيودا على التقنيات الحساسة.
لكن هذا السلاح يواجه مشكلة: فهو ليس مطلقا. أولا، تبحث الصين عن طرق بديلة عبر دول ثالثة. ثانيا، تحفز القيود بكين على تسريع تطويراتها الخاصة. ثالثا، تخسر الشركات الأمريكية جزءا من إيراداتها في أكبر سوق للتكنولوجيا في العالم، مما قد يضعف استثماراتها في البحث والتطوير.
وتشير دراسة نُشرت في مايو من عام 2026 بوضوح إلى مفارقة الرقابة على الصادرات: فقد تبطئ الصين، ولكنها تدفعها في الوقت نفسه نحو الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وتطوير سلسلة التوريد الوطنية، والاعتماد على مخططات الالتفاف.
ومما يبرهن على ذلك أيضا أنه حتى بعد القيود، استمرت الكيانات الصينية المرتبطة بالمجال العسكري في البحث عن سبل للوصول إلى رقائق انفيديا المتقدمة عبر قنوات الشراء والوسطاء ودول ثالثة. ويوضح هذا أن الرقابة على الصادرات لا تعمل كجدار خرساني، بل كحقل ألغام: فهو خطير، ولكن يمكن تجاوزه إذا كان الثمن مرتفعا بما يكفي.
السفن والموانئ والحمولة: الجبهة المنسية في الحرب التجارية
لا تقتصر الحرب التجارية على الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية فحسب، بل تمتد لتشمل أيضا السفن، وأحواض بناء السفن، والحاويات، والموانئ، والتأمين، والشحن، والمحطات، والعقد اللوجستية، والبنية التحتية البحرية.
وهنا تبدو الصورة الأمريكية مقلقة. فوفقا لتقديرات معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية، استحوذت الصين في عام 2024 على أكثر من 53 بالمئة من السوق العالمية لبناء السفن التجارية، في حين بلغت حصة الولايات المتحدة حوالي 0.1 بالمئة فقط. علاوة على ذلك، فإن عملاقا صينيا واحدا، وهو شركة الصين الحكومية لبناء السفن، قد بنى في عام 2024 سفنا تجارية من حيث الحمولة أكثر مما بناه قطاع بناء السفن الأمريكي بأكمله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا ليس مجرد تميز إحصائي عابر، بل هو معضلة استراتيجية.
إن الدولة التي ترغب في خوض حرب تجارية طويلة الأمد يجب ألا تسيطر على قواعد التجارة فحسب، بل على بنيتها التحتية المادية أيضا. فالصين تبني السفن، وتدير أصول الموانئ، وتوسع وجودها اللوجستي، وتمول البنية التحتية، وتدمج بناء السفن التجاري مع القدرات البحرية العسكرية. وفي المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على أسطول بحري عسكري هائل، لكن قاعدتها لبناء السفن التجارية قد تدهورت.
وبعبارة أخرى، فإن أمريكا قوية في مجموعات حاملات الطائرات الضاربة، لكنها ضعيفة في العمق الصناعي للتجارة البحرية. والصين أضعف في إسقاط القوة العسكرية عالميا، لكنها أقوى بكثير في الكتلة الإنتاجية التي تغذي لوجستيات القرن الحادي والعشرين.
هذا اختلاف جوهري. ففي الحرب التجارية، لا ينتصر من يعلن العقوبات بصوت أعلى، بل ينتصر من يستطيع الحفاظ على جبهة الإمدادات لفترة طويلة.
الدولار هو السلاح النووي الأمريكي.. ولكن لا يمكن إطلاقه كثيرا
إن السلاح الأكثر قوة للولايات المتحدة هو نظام الدولار. إذ يظل الوصول إلى الدولار، والبنوك الأمريكية، والمقاصة، وأسواق رأس المال، والبنية التحتية للعقوبات أحد أهم أدوات النفوذ العالمي.
فالدولار ليس مجرد عملة، بل هو نظام التشغيل للاقتصاد العالمي، ومن خلاله تمر التسويات، والاحتياطيات، وأدوات الدين، وعقود السلع الأساسية، والتأمين، وتمويل التجارة، والتدفقات الاستثمارية.
لكن هذا السلاح يواجه قيدا: فكلما استُخدم كعصا غليظة بشكل متكرر، زاد بحث الأطراف الأخرى عن بدائل. ورغم أنه لا يمكن استبدال الدولار بالكامل في الوقت الحالي، فإن عملية التنويع مستمرة.
ووفقا للبيانات التي أوردها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في يناير من عام 2026، ظل الدولار أساس النظام المالي العالمي، حيث شكل حوالي 56 بالمئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وشارك في نحو 89 بالمئة من معاملات العملات الأجنبية. ولا يزال هذا يمثل هيمنة، لكنه لم يعد احتكارا مطلقا.
وأشار البنك المركزي الأوروبي في عام 2026 أيضا إلى أن اليورو لم يتمكن بعد من زيادة دوره العالمي بشكل حاد، على الرغم من عدم استقرار السياسة الأمريكية. حيث بلغت حصة اليورو في احتياطيات النقد الأجنبي حوالي 20.2 بالمئة، بينما احتفظ الدولار بنحو 57 بالمئة. وهذا يعني أن البدائل ليست جاهزة بعد للولايات المتحدة، لكن الحافز لإنشائها يتزايد.
ويكمن الخطر الرئيسي بالنسبة لواشنطن في أن سلاح الدولار فعال تحديدا لأن العالم مجبر على استخدامه. وإذا تم تحويل البنية التحتية إلى أداة للعقاب بشكل متكرر، سيبدأ المنافسون في بناء قنوات التواافية، سواء باليوان، أو الذهب، أو التسويات الرقمية، أو أنظمة الدفع الإقليمية، أو خطط المقايضة.
فالسلاح النووي يبقى مرعبا طالما لم يُستخدم كل يوم.
السياسة الصناعية: الولايات المتحدة تحاول تقليد الصين ولكن دون الانضباط الصيني
بات الاستراتيجيون الأمريكيون يدركون بشكل متزايد أن الرسوم الجمركية وحدها لا تكفي. فهناك حاجة إلى سياسة صناعية تشمل الإعانات، والإعفاءات الضريبية، والضمانات، والمشتريات الحكومية، والاحتياطيات الاستراتيجية، ودعم القطاعات الحيوية، وتدريب الكوادر، وحماية البنية التحتية، والتخطيط طويل الأجل.
والمشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة تحاول استخدام أدوات التعبئة الصناعية داخل نظام سياسي لا يتحمل المشاريع الطويلة والمكلفة والتي لا تحقق أرباحا فورية.
تستطيع الصين دعم الشركات الخاسرة لسنوات إذا كانت مطلوبة استراتيجيا. أما الإدارة الأمريكية، فبعد مشروع فاشل واحد، تواجه تحقيقات، وفضائح إعلامية، واتهامات بهدر أموال دافعي الضرائب. وتستطيع الصين إجبار البنوك على إقراض قطاع ذي أولوية، بينما يتعين على الولايات المتحدة إقناع الكونغرس، والمستثمرين، والولايات، والنقابات، والشركات، والناخبين.
هذا لا يعني أن النظام الديمقراطي أضعف بالضرورة، لكنه أبطأ في التعبئة وأكثر حساسية لتكلفة الخطأ.
وتظهر قوانين مثل قانون الرقائق والعلوم، وقانون الحد من التضخم، وإجراءات الرسوم الجمركية الجديدة أن الولايات المتحدة تسير بالفعل نحو القومية الصناعية. لكن السياسة الصناعية تتطلب منظومة إنتاجية متكاملة وليس مجرد شعار. فلا يمكن بناء مصنع للرقائق الإلكترونية دون مهندسين، ومواد كيميائية، ومياه، ومعدات، ومقاولين، وإمدادات طاقة، ولوجستيات، وسوق تصريف. ولا يمكن في ظرف عامين استعادة ما تم نقله إلى الخارج على مدى عقود.
الحرب التجارية دون حلفاء هي فخ استراتيجي
تتمثل المشكلة الأخرى لواشنطن في الحلفاء. فلا يمكن للولايات المتحدة إلحاق ضرر حقيقي بالصين إلا بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وهولندا، وأستراليا، وكندا، وشركاء آخرين، لا سيما في مجالات أشباه الموصلات، والمعدات، وبدائل العناصر الأرضية النادرة، والأمن البحري، والرقابة المالية.
لكن الحلفاء لا يريدون أن يكونوا مجرد وحدات مساعدة في الجيش الاقتصادي الأمريكي، فلهم مصالحهم الخاصة، وأسواقهم، وارتباطاتهم، وقيودهم السياسية.
تخشى أوروبا الإغراق الصيني، لكنها تخاف أيضا من فقدان الوصول إلى السوق الصينية. وترتبط كوريا الجنوبية واليابان بسلاسل التوريد الصينية. وبنت ألمانيا لسنوات طويلة نموذجها التصديري مع الأخذ في الاعتبار الصين. وتريد دول جنوب شرق آسيا الاستثمارات، لكنها لا ترغب في اختيار معسكر بشكل نهائي.
ولذلك تواجه الاستراتيجية الأمريكية المشكلة الكلاسيكية لحروب التحالفات: فكلما زاد عدد المشاركين، تعقد الانضباط.
ويقترح روبرت لايتهايزر وغيره من مؤيدي الهيكل التجاري الجديد نظام التكتلات: حيث تحصل الدول ذات التجارة "المتوازنة" على نظام تفضيلي، بينما تواجه الدول المخالفة رسوما مرتفعة. وتبدو هذه الفكرة منطقية من الناحية النظرية، لكن في الممارسة العملية يطرح السؤال نفسه: من سيكون الحكم؟ الولايات المتحدة؟ منظمة التجارة العالمية؟ نادٍ جديد؟ ولماذا يتعين على الصين أو الاتحاد الأوروبي أو الهند قبول قواعد صُيغت لتناسب النموذج الأمريكي؟
إن النظام القديم الذي كان يتمحور حول منظمة التجارة العالمية لم يعد قادرا على المواجهة، ولكن النظام الجديد لم يُولد بعد.
الخطأ الأكبر للولايات المتحدة: الخلط بين توجيه الضربة وتحقيق النصر
تتقن واشنطن توجيه الضربات، فلديها القدرة على فرض الرسوم الجمركية، وحظر الشركات، ومنع إمدادات الرقائق الإلكترونية، وتجميد الأصول، وتقييد الوصول إلى الدولار، والضغط على الحلفاء، وفتح التحقيقات بموجب المادة 301، وإغلاق الأسواق أمام فئات معينة من السلع.
لكن الحرب التجارية ليست سلسلة من الضربات الخاطفة، بل هي معركة استنزاف طويلة الأمد.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المجتمع الأمريكي مستعد لدفع ثمن مواجهة اقتصادية ممتدة؟ وهل المستهلكون مستعدون لارتفاع أسعار السلع؟ وهل قطاع الأعمال مستعد لخسارة السوق الصينية؟ وهل السياسيون مستعدون لتوضيح الأمر للناخبين بأن النهوض الصناعي يستغرق سنوات ويتطلب نفقات طائلة؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لتحمل الإجراءات الانتقامية الصينية التي قد تطال العناصر الأرضية النادرة، والزراعة، وصناعة الطائرات، وقطاع السيارات، واللوجستيات، والأصول المالية؟
إن النظام الصيني مبني على القدرة على استيعاب الألم وتجرعه بشكل مركزي، بينما يجد النظام الأمريكي نفسه مضطرا في كل مرة إلى تحويل الألم إلى سجال سياسي داخلي.
ولهذا السبب تحديدا، تظهر حرب الرسوم الجمركية التي شنها ترامب قوة الولايات المتحدة وهشاشتها في آن واحد. وتكمن القوة في القدرة على تغيير قواعد اللعبة بسرعة، بينما تكمن الهشاشة في أن كل خطوة تضرب التضخم الداخلي، وقطاع الأعمال، وسوق الأسهم، والمزارعين، والمستهلكين، والحلفاء.
ماذا يعني هذا بالنسبة لأذربيجان
بالنسبة لأذربيجان، لا تبدو هذه الحرب التجارية صراعا بعيدا بين قوتين عظميين، بل إنها تعيد صياغة الخارطة الجيواقتصادية بأكملها.
أولا، تزداد أهمية "الممر الأوسط". فكلما اشتد الصراع بين الولايات المتحدة والصين، وارتفعت المخاطر المحيطة بالممرات البحرية وأنظمة العقوبات، زادت الأهمية الاستراتيجية للشرايين البرية التي تربط بين آسيا وأوروبا. وهنا تحظى أذربيجان، بموقعها عند ملتقى بحر قزوين وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى وتركيا وأوروبا، بنافذة فرص استراتيجية.
ثانيا، يعود قطاع الطاقة ليصبح عنصرا محوريا في منظومة الأمن. ففي عالم تتسيس فيه سلاسل التوريد، يكتسب المورد الموثوق للنفط والغاز والكهرباء، والطاقة الخضراء المستدامة مستقبلا، ثقلا إضافيا. ويتعين على أذربيجان أن تنظر إلى دبلوماسية الطاقة ليس فقط كأداة لتصدير العائدات المالية، بل كركيزة للتموضع في السياسة الخارجية.
ثالثا، تصبح المعادن الحيوية، واللوجستيات، والبنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والموانئ، والسكك الحديدية، والتعاون الصناعي جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي. ولم تعد الدول الصغيرة والمتوسطة تمتلك رفاهية الفصل بين الاقتصاد والأمن، فلم يعد لهذه الرفاهية وجود.
رابعا، من الأهمية بمكان ألا تقع أذربيجان رهينة لسلسلة توريد واحدة. ففي عصر الحروب التجارية، ستكون الغلبة لأولئك الذين يبنون بنية تحتية متعددة المتجهات: شرق - غرب، شمال - جنوب، بحر قزوين - البحر الأسود، وآسيا الوسطى - تركيا - أوروبا.
الخلاصة: السلاح متوفر لدى الولايات المتحدة.. لكن النصر ليس مضمونا
تمتلك الولايات المتحدة السلاح اللازم لخوض الحرب التجارية. بل إنها تمتلك أسلحة من الفئة الاستراتيجية: الدولار، والتكنولوجيا، والبنية التحتية المالية، والسوق الاستهلاكية، والحلفاء، وآلة العقوبات، والامتداد القانوني العابر للحدود، والسيطرة على جزء من العقد التكنولوجية الحيوية.
لكن الولايات المتحدة لا تملك أي ضمانة لتحقيق النصر.
وذلك لأن الصين تمتلك ما يصعب شراؤه أو استعادته بسرعة: العمق الصناعي، والانضباط التصديري، والسيطرة على المواد الحيوية، وحجم الإنتاج الضخم، والصبر الحكومي، والقدرة على تحويل الضغط الاقتصادي إلى حافز للتعبئة التكنولوجية الذاتية.
قد تكسب واشنطن معارك منفصلة، سواء في الرقائق الإلكترونية، أو الرسوم الجمركية، أو العقوبات، أو ضد شركات بعينها. لكن الحرب من أجل صياغة هيكل جديد للاقتصاد العالمي ستكون طويلة. ولن ينتصر فيها من يعلن عن الرسوم الجمركية بصوت أعلى، بل من ينجح في بناء نظام صناعي، وتكنولوجي، ومالي، ولوجستي مستدام.
لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب التجارية بترسانة قوية، لكن جزءا من هذه الترسانة يشكل خطرا على الرامي نفسه. فالرسوم الجمركية ترفع الأسعار، والرقابة على الصادرات تحفز الاستقلال الذاتي للصين، والعقوبات تسرع البحث عن بدائل للدولار، والضغط على الحلفاء يولد الإرهاق، والسياسة الصناعية تتطلب وقتا لا تمنحه الدورة السياسية غالبا.
بناء على ذلك، لم يعد السؤال الرئيسي: "هل تمتلك الولايات المتحدة السلاح للحرب التجارية؟"
فالسلاح موجود.
بل إن السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك الولايات المتحدة العمق الصناعي، والإرادة السياسية، والصبر الاستراتيجي، ليس فقط لإطلاق النار، بل لتحمل كلفة الحملة بأكملها حتى النهاية؟