...

تُظهر الولايات المتحدة وإيران رسمياً أنهما لا ترغبان في العودة إلى حرب شاملة. لكن هذا ليس سلاماً، ولا تهدئة، ولا حتى وقفاً كلاسيكياً لإطلاق النار. إنها استراحة مسلحة يضع فيها كل طرف إصبعه على الزناد، بينما يتفاوض في الوقت ذاته على ثمن اتفاق مستقبلي.

بعد إعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل، لم تخرج المنطقة من أزمتها، بل انتقلت إلى مرحلة أخرى: من مرحلة الضربات المفتوحة إلى مرحلة الخنق الاستراتيجي والابتزاز في مجال الطاقة والمساومات الدبلوماسية وإظهار الاستعداد لجولة جديدة من التصعيد. تحتفظ الولايات المتحدة بحشود بحرية وجوية كبيرة في نطاق وصول إيران، بينما لا تقوم طهران بتسريح قواتها أو سحبها، ولا تتظاهر بأن الصراع قد انتهى. وعلى العكس من ذلك، تستخدم المنظومة الإيرانية هذه الاستراحة لإعادة التجمع، وترميم البنية التحتية المتضررة، وإعادة تقييم نقاط الضعف، وتعزيز الهيكل الداخلي للسلطة.

إن الخطأ الرئيسي لمن ينظرون إلى هذه الأزمة عبر خارطة القواعد العسكرية فقط هو أن إيران غير ملزمة بهزيمة الولايات المتحدة بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل يكفيها أن تجعل النصر الأمريكي مكلفاً سياسياً واقتصادياً وعلى مستوى السمعة. وهذا هو بالضبط ما يحدث.

هرمز: عنق الزجاجة الذي علق فيه الاقتصاد العالمي

أثبت مضيق هرمز مجدداً حقيقة بسيطة: الجغرافيا أحياناً أقوى من حاملات الطائرات. إنه ليس مجرد ممر بحري بين إيران وعمان، بل هو شريان الطاقة الذي تعتمد عليه أسعار النفط، وأقساط التأمين، وأجور الشحن، وتوقعات التضخم، وأسعار صرف العملات، والاستقرار السياسي لعشرات الحكومات.

وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كان يمر عبر هرمز في عام 2024 حوالي 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً، مما جعله أكبر مركز لنقل النفط في الكوكب. وفي الربع الأول من عام 2026، قدرت الإدارة أن التدفقات عبر المضيق انخفضت بنسبة تقارب 30 في المئة، لتصل إلى 14.6 مليون برميل يومياً. بالنسبة للاقتصاد العالمي، لا يعد هذا مجرد تعديل إحصائي، بل ضربة لنظام الإمداد.

وقد قيمت وكالة الطاقة الدولية حجم الأزمة بشكل أكثر صرامة؛ ففي أبريل 2026 انخفض الإنتاج العالمي للنفط بمقدار 1.8 مليون برميل إضافي يومياً ليصل إلى 95.1 مليون برميل، ووصلت الخسائر التراكمية منذ فبراير إلى 12.8 مليون برميل يومياً. أما إنتاج دول الخليج المتأثرة بإغلاق هرمز فقد كان أقل بـ 14.4 مليون برميل يومياً عن مستويات ما قبل الحرب. لم يعد الأمر مجرد اضطراب إقليمي، بل صدمة طاقة ذات تكلفة اقتصادية كلية عالمية.

استجاب السوق بالطريقة التي كان من المفترض أن يستجيب بها: ارتفاع علاوة المخاطر، وزيادة تكاليف التأمين، وقفزة في أسعار الشحن، وإعادة توزيع أسطول الناقلات، والضغط على مصافي التكرير، وتصاعد القلق في الدول المعتمدة على استيراد الوقود. وقد رصدت وكالة الطاقة الدولية بشكل منفصل تراجع أعمال التكرير، حيث كان من المتوقع أن ينخفض تشغيل المصافي في الربع الثاني من 2026 بمقدار 4.5 مليون برميل يومياً، ليصل إلى 78.7 مليون برميل، وعلى مدار العام إلى 82.3 مليون برميل. وهذا يعني عجزاً ليس فقط في النفط الخام، بل أيضاً في الديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود والمواد البتروكيميائية.

ترامب في فخ النفط: بدء الحرب أسهل من الخروج منها

وجد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه في وضع لم تعد فيه القوة العسكرية تضمن نتيجة سياسية. تحاول إدارته في آن واحد انتزاع تنازلات من طهران، وفتح مضيق هرمز، وعدم الظهور بمظهر الضعيف أمام إسرائيل، وتجنب انهيار الأسواق، وعدم مواجهة موجة جديدة مناهضة للحرب داخل الولايات المتحدة.

هذه تركيبة يكاد يستحيل تنفيذها.

في 27 مايو، صرح ترامب بأن الولايات المتحدة ليست راضية بعد عن معايير الصفقة مع إيران، وأن واشنطن لا تناقش تخفيف العقوبات، وأنه في إطار أي اتفاق محتمل يجب أن يُفتح مضيق هرمز فوراً، مع ضمان عدم سيطرة أي طرف عليه. كما أقر بأن مسألة اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني تظل واحدة من أكثر عناصر المفاوضات إيلاماً.

وبعد أيام، تغيرت النبرة؛ ففي 3 يونيو زعم ترامب أن إيران وافقت بالفعل على عدم امتلاك أسلحة نووية، وأن المرشد الأعلى الإيراني منخرط في مفاوضات مع الولايات المتحدة. هذا لا يعني وجود اتفاق جاهز، بل يعني أن واشنطن تحاول بيع صورة "الاختراق الدبلوماسي" للأسواق وللناخبين، بينما لم يتم بعد تجميع حزمة الاتفاقات الحقيقية.

تكمن المشكلة بالنسبة لترامب في أن أي تسوية مع إيران ستُقارن حتماً بالاتفاق النووي لعام 2015 الذي أُبرم في عهد باراك أوباما. بالنسبة له، هذه مقارنة سامة. لا يمكنه ببساطة العودة إلى منطق الاتفاق السابق وتسميته نصراً، فهو يحتاج إلى شيء أكثر صرامة وأعلى صوتاً وأكثر إقناعاً من الناحية الرمزية. لكن طهران تفهم أيضاً سيكولوجية الصفقات، ولذا فهي لا تسارع لتسهيل المهمة على واشنطن.

الاستراتيجية الإيرانية: لا للاستسلام، بل لرفع تكلفة الضغط

المنطق الإيراني صارم للغاية. تعتبر طهران أنها لا تحارب من أجل الهيبة أو النفوذ المجرد، بل من أجل بقاء النظام. هذا هو مفتاح فهم سلوكها.

عندما تعتبر الدولة أنها تتعرض لحرب تهدف إلى تغيير النظام، فإنها تتوقف عن الاستجابة للضغط وفقاً لما يتوقعه اللاعبون الخارجيون. العقوبات والضربات والعزلة الدبلوماسية والهجمات السيبرانية واغتيال القادة وضرب البنية التحتية، كل هذا قد يضعف إيران، لكنه لن يجبرها بالضرورة على الاستسلام. علاوة على ذلك، غالباً ما يمنح الضغط الخارجي السلطة الإيرانية موارد سياسية داخلية: التعبئة، والشرعنة القمعية، وورقة "الدفاع الوطني"، والقدرة على قمع المعارضة تحت ذريعة التهديد العسكري.

من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل راهنتا على أن الجمع بين الضربات الجوية وضغوط العقوبات وتهديد توسيع الحرب سيجبر طهران على التراجع السريع. لكن المنظومة الإيرانية بُنيت منذ نصف قرن كدولة "القلعة المحاصرة"، فقد نجت من الحرب مع العراق، ودورات العقوبات، واغتيال العسكريين والعلماء، والاحتجاجات الداخلية، والعزلة المالية، والحصار التكنولوجي، والضغط الدولي.

قد تكون المنظومة غير فعالة، وقاسية، وفاسدة، وأيديولوجية، لكن لا يمكن اعتبارها هشة فقط لأنها مزعجة للغرب. وهذا بالضبط ما كان سوء التقدير الاستراتيجي لواشنطن وتل أبيب.

المسألة النووية: ليست مجرد قنبلة، بل عملة تفاوض

لم يعد البرنامج النووي الإيراني اليوم مجرد موضوع للرقابة، بل هو ورقة تفاوض وآلية تأمين وأداة للمساومة الاستراتيجية. وكلما ارتفع مستوى انعدام الثقة، ارتفعت قيمة هذا الأصل.

أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الوثيقة (GOV/2026/8) إلى أن إجمالي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب قد قُدّر في 13 يونيو 2025 بـ 9874.9 كيلوغرام، بما في ذلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة من (U-235). كما سجلت الوكالة عدم إمكانية الوصول إلى أربعة مواقع تخصيب معلنة، وصرحت بشكل مباشر بأنها لا تستطيع تقديم معلومات حول الحجم الحالي وتركيبة وموقع مخزونات اليورانيوم المخصب في إيران.

هذا يخلق مشكلة جوهرية لأي صفقة. الغرب يطالب بالتحقق والشفافية والرقابة، وإيران تطالب بضمانات أمنية ورفع العقوبات والوصول إلى الأصول والاعتراف بحقها في برنامج نووي سلمي. وبين هاتين الرؤيتين تقع هوة من انعدام الثقة.

بعد الضربات على مرافق البنية التحتية النووية الإيرانية، من المستبعد أن توافق طهران على الاستسلام الكامل في المسألة النووية. قد توافق على التجميد، أو القيود الفنية، أو تخفيف جزء من المواد، أو تعزيز المراقبة، أو تصدير أو نقل جزء من المخزونات تحت ضمانات أطراف ثالثة. لكنها لن توافق على مخطط يُنظر إليه في طهران كعملية تفكيك للقدرات التكنولوجية السيادية تحت التهديد بالقوة.

ولهذا السبب ستكون المفاوضات مؤلمة. فالأمر لا يتعلق فقط بأجهزة الطرد المركزي، بل يتعلق بمن له الحق في المنطقة في الاستقلال الاستراتيجي، ومن يجب أن يعيش في ظل نظام التصاريح الخارجية.

الملكيات العربية: الثروة لا تحمي من الجغرافيا

بالنسبة لدول الخليج، أصبحت الأزمة الحالية تذكيراً مقلقاً: المطارات فائقة الحداثة، والمراكز المالية، وصناديق الثروة السيادية، وناطحات السحاب، والموانئ، والمشاريع السياحية، ومنتديات المستقبل، لا تلغي نقاط الضعف الأساسية للمنطقة. إن نموذجها الاقتصادي يعتمد على أمن الممرات البحرية، وثقة المستثمرين، وقابلية التنبؤ بالخدمات اللوجستية.

لقد سوقت السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان للعالم في السنوات الأخيرة صورة الخليج المستقر والتكنولوجي والجذاب استثمارياً. لم يبنوا البنية التحتية فقط، بل بنوا السمعة أيضاً: المنطقة كـ "ملاذ آمن" لرأس المال، ومركز للطاقة واللوجستيات والمال والرياضة والسياحة والذكاء الاصطناعي. لكن الحرب مع إيران ضربت هذه الصورة في الصميم.

يحدد صندوق النقد الدولي بشكل عادل ثلاث قنوات رئيسية لتأثير الحرب على الاقتصاد: أسعار الطاقة، وسلاسل التوريد، والأسواق المالية. بالنسبة للخليج، هذه ليست معادلة مجردة، بل هي مسألة تكلفة الاقتراض، وتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، وخطط الخصخصة، والطلب السياحي، ومعدلات التأمين، وتوازن الميزانية.

نعم، الملكيات الغنية لديها احتياطيات، ولديها صناديق سيادية ووسادات مالية. لكن حتى أكبر الاحتياطيات لا تلغي مشكلة الثقة. قد يعود المستثمر بعد الأزمة، لكنه سيعود بنموذج مخاطرة مختلف، سيطالب بعلاوة، وسيلجأ للتأمين، وسيعمد إلى التنويع، وسيتذكر أن "منطقة المستقبل" يمكن أن تتحول في ليلة وضحاها إلى منطقة تحذيرات من الصواريخ.

الإمارات والسعودية وقطر: استجابات متباينة لخوف واحد

تراهن الإمارات تقليدياً على الأمن التكنولوجي الصارم والشراكات الخارجية والتنويع المتسارع. وبالنسبة لأبوظبي ودبي، من الأهمية بمكان إظهار أنهما قادرتان، حتى في ظل حرب إقليمية، على البقاء كمراكز موثوقة للتجارة ورؤوس الأموال والخدمات اللوجستية. ومن هنا يأتي الاهتمام بأنظمة الدفاع الجوي، والشراكات مع الهيئات الغربية والإسرائيلية، وتعزيز البنية التحتية للموانئ، وإيجاد طرق بديلة لتجاوز المناطق الأكثر خطورة.

أما السعودية فتتصرف بحذر أكبر؛ إذ تدرك الرياض أن الانجرار المباشر إلى تحالف مناهض لإيران قد يضع البنية التحتية النفطية والمدن ومشاريع "رؤية 2030" وصورة ولي العهد كمهندس للقفزة الاقتصادية في مهب الريح. فالسعوديون لا يحتاجون إلى حرب من أجل أوهام استراتيجية للآخرين، بل إلى تهدئة مُدارة لا تسمح لإيران بالهيمنة، ولا تسمح للمنطقة بأن تُحرق في نيران حرب كبرى.

تلعب قطر دوراً مختلفاً؛ فهي تحاول استثمار مرونتها الدبلوماسية. لطالما بنت الدوحة صورة "الوسيط" الذي يمتلك قنوات اتصال وأموالاً ونفوذاً إعلامياً وقدرة على التحدث مع من يفضل الآخرون عدم التحدث معهم علناً. وبهذا المعنى، لا تعد الوساطة القطرية بادرة إنسانية، بل هي عنصر من عناصر الاستثمار في السياسة الخارجية؛ ففي الشرق الأوسط المعاصر، لا يحصل الوسيط على الامتنان فحسب، بل على أدوات التأثير أيضاً.

باكستان وعامل الدبلوماسية الإسلامية

يضيف انخراط باكستان في جهود الوساطة بعداً خاصاً للأزمة. فإسلام أباد ليست مراقباً محايداً بالمعنى الثقافي والسياسي، فهي قوة نووية إسلامية مرتبطة بالخليج مالياً، وبإيران جغرافياً، وبالصين استراتيجياً، وبالولايات المتحدة تاريخياً. ومن المهم بالنسبة لباكستان منع انفجار إقليمي خارج عن السيطرة قد يضرب أمنها وطاقتها وتدفقات الهجرة وتوازنها الداخلي.

وبالنسبة لطهران، فإن مشاركة باكستان مريحة لأنها تقلل من الشعور بأن المفاوضات تتم تحت إملاءات الغرب المباشرة. وبالنسبة لواشنطن، فهي وسيلة لامتلاك قناة لا تبدو كتنازل لإيران. أما بالنسبة لدول الخليج، فهي فرصة لعدم البقاء كوسطاء عرب وحيدين في صراع قد يؤدي فيه أي خطأ إلى ضربة صاروخية أو صدمة في الطاقة.

ولهذا السبب، فإن مذكرة التفاهم المستقبلية، في حال ظهورها، لن تكون وثيقة دبلوماسية بسيطة، بل ستصبح هيكلاً مؤقتاً مصمماً لتثبيت حد أدنى من القواعد: عدم توسيع الحرب، والفتح التدريجي لمضيق هرمز، وتحديد آلية للرقابة على الملف النووي، والاتفاق على تخفيف محدود للعقوبات، وخلق منصة للجولة القادمة من المفاوضات.

الرهان الإسرائيلي: قوة تكتيكية بلا ضمانة استراتيجية

تتحرك إسرائيل في هذه الأزمة بناءً على عقيدتها الأساسية: منع إيران من امتلاك قدرات عسكرية نووية، وعدم السماح لطهران بخلق حلقة محكمة من تهديدات الوكلاء حول إسرائيل. ومن وجهة نظر عسكرية، المنطق الإسرائيلي مفهوم، لكن المشكلة الاستراتيجية لإسرائيل تكمن في مكان آخر: الضربات قد تؤجل البرنامج، لكنها لا تدمر بالضرورة الإرادة السياسية لاستعادته.

يُظهر تاريخ الشرق الأوسط أن قصف منشأة ما غالباً ما يدمر الخرسانة، لكنه يعزز قرار بناء منشأة جديدة أكثر عمقاً وسرية وتحصيناً. وإذا كان النظام واثقاً من أنهم يريدون تدميره، فلن يبحث عن وسائل ردع أقل، بل عن المزيد. وبهذا المعنى، قد تكون القوة الضاربة الإسرائيلية والأمريكية قد حققت تأثيراً عسكرياً قصير الأمد، لكنها زادت في الوقت نفسه من دوافع إيران طويلة الأمد للردع غير المتماثل.

هنا يكمن المفارقة الكبرى؛ فكلما زاد الضغط، زاد احتمال أن تساوم إيران ليس على تنازلات رمزية، بل على ضمانات حقيقية. وكلما تصاعدت التهديدات، زادت تكلفة اليورانيوم والصواريخ وشبكات الوكلاء ومضيق هرمز وطرق الطاقة والقنوات الدبلوماسية.

ثمن سوء التقدير: حين لا يحل الطيران المهمة السياسية

بناءً على تطور الأزمة، بالغت واشنطن وتل أبيب في تقدير تأثير الصدمة العسكرية، انطلاقاً من أن استعراض القوة سيؤدي إلى نتيجة سياسية سريعة. لكن إيران لم تنهار، ومضيق هرمز لم يُفتح تلقائياً، وسوق النفط لم يهدأ، والملكيات العربية لم ترغب في أن تصبح وقوداً لتصعيد الآخرين. أما المفاوضات فلم تختفِ، بل أصبحت أكثر تعقيداً.

هذا هو الفخ الاستراتيجي؛ فإذا وجهت الولايات المتحدة ضربات واسعة النطاق مجدداً، فإنها تخاطر بإفشال المفاوضات نهائياً، والتعرض لهجمات جديدة على القواعد والبنية التحتية للحلفاء، وتفاقم أزمة الطاقة، ومواجهة تصاعد المشاعر المناهضة للحرب. وإذا قدمت الولايات المتحدة تنازلات، فسيواجه ترامب اتهامات بالضعف، خاصة من أولئك الذين طالبوا بـ "سحق" إيران. وإذا ماطلت الولايات المتحدة، فستستمر الأسواق في العيش في وضع عدم اليقين الشديد.

إيران ليست طليقة اليدين أيضاً؛ فمضيق هرمز المغلق أو شبه المغلق لا يضرب الغرب فحسب، بل يضرب المنطقة والمشترين الآسيويين وإيران نفسها والصين والهند ومستوردين آخرين. فالحصار الطويل قد يحول أداة طهران التكتيكية إلى مصدر للإرهاق الدبلوماسي حتى بين أولئك الذين لا يدعمون الخط الأمريكي.

ما الذي سيكون موضوع الصفقة

على الأرجح، لن يكون الاتفاق المستقبلي، إذا كان ممكناً أصلاً، معاهدة سلام كبيرة، بل حزمة متعددة المراحل من القيود المتبادلة:

الكتلة الأولى - مضيق هرمز: ستحتاج إيران إلى وسيلة لحفظ ماء الوجه وإظهار أنها لم تفتح المضيق تحت الضغط فقط. وستحتاج الولايات المتحدة إلى صيغة تُستعاد فيها حركة السفن دون الاعتراف بالسيطرة الإيرانية على ممر بحري دولي. ومن الممكن اعتماد نموذج وسيط: مرافقة دولية، تنسيق تقني، قناة عمانية، مشاركة محدودة لأطراف ثالثة، وآلية أمنية مؤقتة.

الكتلة الثانية - العقوبات: ستطالب طهران بدفع ثمن التهدئة: فك تجميد جزء من الأصول، استثناءات للتجارة الإنسانية، تراخيص طاقة، قنوات مصرفية، أو تخفيف مؤقت للعقوبات الثانوية. ستقاوم واشنطن كلمة "إلغاء"، لكنها قد توافق على "إعفاءات محدودة" و"تراخيص تقنية" و"آليات إنسانية مؤقتة".

الكتلة الثالثة - البرنامج النووي: هنا يمكن إجراء تجميد للتخصيب فوق مستوى معين، وتوسيع وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجرد المخزونات، وتصدير أو تخفيف جزء من المواد عالية التخصيب، والرقابة على أجهزة الطرد المركزي، وحظر ترميم منشآت معينة دون إخطار.

الكتلة الرابعة - الأمن الإقليمي: سترغب الولايات المتحدة في فرض قيود على الهجمات ضد القواعد والملاحة وبنية الحلفاء التحتية. وستطالب إيران بوقف الضربات على أراضيها وكبح جماح إسرائيل. وهذا هو العنصر الأكثر تعقيداً، لأن لكل طرف حلفاء ووكلاء وشركاء لا يخضعون دائماً للجدول الزمني الدبلوماسي.

الاستنتاج الرئيسي: إيران لم تربح الحرب، لكنها أحبطت سيناريو الآخرين

لا يمكن وصف الأزمة الحالية بصيغة بدائية مثل "الولايات المتحدة أقوى، إذاً إيران خسرت". فالقوة العسكرية للولايات المتحدة لا تضاهيها القوة الإيرانية، وإسرائيل تمتلك تفوقاً تكنولوجياً واستخباراتياً هائلاً. لكن السياسة لا تتلخص في عدد الطائرات والصواريخ والسفن.

لم تهزم إيران الولايات المتحدة، لكنها أحبطت سيناريو الاستسلام السريع، وحولت مضيق هرمز إلى أداة ضغط، وأجبرت الأسواق على حساب البراميل، وشركات التأمين على إعادة حساب المخاطر، وملكية الخليج على التفكير في ضعفها، والبيت الأبيض على البحث عن مخرج دبلوماسي من حرب لا يمكن إعلان الفوز فيها دون فتح المضيق.

يجب على الرئيس الأمريكي ترامب الآن تحقيق ما لم يضمنه الطيران: نتيجة سياسية مستدامة. لكن طهران لن تقدم هذه النتيجة مجاناً، بل ستطالب بثمن. وكلما طال أمد الأزمة، ارتفع هذا الثمن.

في الشرق الأوسط، غالباً ما يخسر ليس من يملك سلاحاً أقل، بل من يسيء فهم حدود صمود الآخرين. لقد ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران كهدف لعملية عسكرية، لكن إيران ردت كدولة استعدت منذ عقود ليس للنصر، بل للبقاء.

ولهذا السبب، أصبح مضيق هرمز اليوم ليس مجرد مضيق فحسب، بل مرآة لواقع جديد: في عالم تندمج فيه الطاقة والخدمات اللوجستية والمالية والأمن في نظام واحد، قد تصبح حتى القوى العظمى رهينة لشريط مائي ضيق بين جبال إيران وشواطئ عمان.