لكل حرب كبرى جبهتان. الاولى عسكرية. والثانية سعرية. وإذا كانت الاولى تظهر على الخرائط وفي التقارير والصور الفضائية، فإن الثانية تمر عبر مضخة الوقود، وعبر فاتورة الكهرباء، وعبر سعر الخبز والاسمدة وتذكرة الطائرة وكلفة الشحن البحري. واليوم تحديدا تصبح هذه الجبهة الثانية هي الجبهة الرئيسية. فالمواجهة العسكرية حول إيران، التي انخرطت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها، لم تعد ازمة محلية. إنها ضريبة عالمية على الطاقة واللوجستيات والغذاء. وكما يحدث في السياسة الدولية في معظم الاحيان، فإن هذه الضريبة لا تتوزع بالتساوي.
المفارقة في هذه اللحظة تكمن في أن الاقتصاد الأمريكي، رغم كل الضجيج حول ارتفاع الاسعار، ما زال أكثر تحصنا بكثير من اقتصادات آسيا وإفريقيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية. فالولايات المتحدة تدخل هذه الازمة بوصفها أكبر منتج للنفط في العالم. ووفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ الانتاج الأمريكي في عام 2025 مستوى قياسيا قدره 13.6 مليون برميل يوميا، بينما وصل تصدير النفط الخام إلى نحو 4 ملايين برميل يوميا. وهذا لا يلغي الضربة التضخمية التي تتعرض لها الأسر، لكنه يغير جذريا حجم الهشاشة: فالدولة التي كانت قبل خمسة عشر عاما ترتجف من أي صدمة في الشرق الاوسط، تواجهها اليوم لا بوصفها رهينة صافية، بل باعتبارها أحد المستفيدين من الاسعار المرتفعة.
أما العالم خارج الولايات المتحدة فيعمل بمنطق مختلف. فالوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أنه في عام 2025 مر عبر مضيق هرمز ما يقارب 15 مليون برميل من النفط الخام يوميا، أي نحو 34 في المئة من تجارة النفط العالمية. كما أن ما يقرب من 90 في المئة من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر المضيق اتجه إلى آسيا. وبالنسبة إلى المستوردين الآسيويين، لا تمثل هذه الارقام مجرد احصاءات، بل تشريحا دقيقا للتبعية. ففي عام 2025 كانت الإمدادات المارة عبر هرمز تشكل نحو 27 في المئة من مجمل واردات آسيا من الغاز الطبيعي المسال. وبعبارة اخرى، عندما يكف المضيق عن كونه شريانا موثوقا، لا تتلقى آسيا مجرد ارتفاع في الاسعار، بل ضربة مباشرة إلى منظومتها الطاقوية نفسها.
لماذا تدفع أمريكا أكثر لكنها تتضرر أقل
منذ نهاية فبراير، بدأ سوق النفط يضيف إلى السعر ليس مجرد عنصر خطر، بل خوفا من عجز مادي فعلي. وتفيد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن خام برنت كان في يناير 2026 عند حدود 61 دولارا للبرميل، ثم ارتفع في فبراير إلى 72 دولارا، وفي مارس بلغ متوسطه 103 دولارات. وفي توقعات أبريل، تتوقع الوكالة بلوغ الذروة عند نحو 115 دولارا خلال الربع الثاني. وحتى الآن، وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب تمديد الهدنة مع إيران إلى أجل غير مسمى، ما زال برنت مستقرا عند نحو 98 دولارا، أي أعلى بكثير من نطاق ما قبل الحرب. هذه هي كلفة العلاوة الجيوسياسية التي تنغرس فورا في كل شاحنة وطائرة وحاوية وجرار.
وبالنسبة إلى المواطن الأمريكي، يعني ذلك ارتفاع أسعار البنزين والديزل وكلفة النقل. فقد تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة في نهاية مارس 4 دولارات للغالون للمرة الاولى منذ عام 2022، وبحلول منتصف أبريل بلغ متوسط البنزين 4.16 دولارات، في حين وصل الديزل إلى 5.67 دولارات. وهذا أمر حساس سياسيا. غير أن الولايات المتحدة تمتلك على المستوى الكلي وسادة حماية. أولا بفضل الانتاج المحلي. وثانيا بفضل آليات الاحتياط. وثالثا بفضل عمق السوق المالية وقوة الدولار. ورابعا بسبب ظرف نادر في زمن الحروب: سوق الاسهم الأمريكية لم تنهَر، بل إن ناسداك وستاندرد آند بورز سجلا خلال أبريل نموا مدفوعا باستمرار الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبصياغة أكثر مباشرة، تجعل الحرب الوقود أغلى، لكنها لا تكسر النموذج الأمريكي بكامله.
أما في العالم النامي فالصورة مغايرة تماما. هناك لا يسرع النفط الغالي وتيرة التضخم فحسب، بل يتحول بسرعة إلى ازمة عملة، وثغرة في الميزانية، وتوتر سياسي. وكان صندوق النقد الدولي قد خفض في مراجعته لشهر أبريل 2026 توقعات نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1 في المئة، وللأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية إلى 3.9 في المئة، بعد أن كانت 4.2 في المئة في يناير. وفي السيناريو الاساسي، يتوقع الصندوق ارتفاع أسعار الطاقة في عام 2026 بنسبة 19 في المئة، وأسعار النفط بنسبة 21.4 في المئة. وفي السيناريو السلبي، يتباطأ النمو العالمي إلى 2.5 في المئة، وترتفع معدلات التضخم إلى 5.4 في المئة، أما في السيناريو الاشد قسوة فيقترب العالم على نحو خطير من حافة ركود عالمي. عند هذه النقطة لا تعود المسألة مجرد حرب شرق أوسطية منفصلة، بل تصبح بروفة لصدمة ركود تضخمي عالمية.
هرمز بوصفه آلة جباية في السياسة العالمية
أهم رقم في هذه الازمة ليس 98 دولارا للبرميل ولا حتى 115 في التوقعات. أهم رقم هو 20 في المئة. فهذه هي تقريبا حصة النفط والغاز العالميين المرتبطة بمضيق ما زال يمثل عنق الزجاجة الطاقوي الاهم على الكوكب. وقد وصف مدير الوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول الازمة الراهنة بأنها أشد صدمة طاقوية في التاريخ، أخطر من صدمات أعوام 1973 و1979 و2022. إنها صياغة قاسية، لكنها دقيقة: فالمسألة اليوم لا تتعلق بمادة خام باهظة الثمن فقط، بل بخلل مادي في منظومة إيصال الطاقة إلى المستهلك.
وقد أظهر السوق بالفعل كيف تعمل هذه الآلية. فبحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة، انهار العرض النفطي العالمي في مارس بمقدار 10.1 ملايين برميل يوميا، ليتراجع إلى 97 مليون برميل، في حين انخفض تصدير النفط الخام والمكثفات عبر هرمز بمقدار 14.2 مليون برميل يوميا. وهذه ليست مجرد تقلبات على شاشة بلومبرغ. إنها ناقلات متوقفة، ومصاف معطلة، واضطرابات في تزويد محطات الكهرباء وعمليات التكرير بالمواد الخام، وهي أيضا تراجع في المخزونات بمقدار 31 مليون برميل في الدول الآسيوية المستوردة خلال مارس وحده. وعندما تختفي من السوق مثل هذه الكميات، فإن الدول الفقيرة لا تجادل في الاسعار، بل تخرج ببساطة من المزاد.
أوروبا: ليس عجزا بل صمودا مكلفا
وجدت أوروبا نفسها في هذه الحرب في موقع ليس الاكثر هشاشة، لكنه ليس مريحا أيضا. فعلى المستوى الشكلي، تبعيتها لمضيق هرمز في الغاز الطبيعي المسال أقل بكثير من تبعية آسيا: إذ تقدر الوكالة الدولية للطاقة أن نحو 7 في المئة فقط من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال مرت عبر المضيق في عام 2025، مقابل نحو 27 في المئة لآسيا. لكن المشكلة الأوروبية تكمن في مكان آخر. فالاعتماد على الامن الطاقوي المكلف دخل مع أوروبا إلى عام 2026 بعد الازمة الاوكرانية، والضربة الشرق أوسطية الجديدة لا تنسف توازن الطاقة الأوروبي بقدر ما تجعله أكثر كلفة. ووفقا لبيانات المفوضية الأوروبية، ارتفعت الفاتورة الاضافية للاتحاد الأوروبي على الوقود الاحفوري منذ بداية الحرب بنحو 22 مليار يورو. وهذا مبلغ ضخم حتى بالنسبة إلى كتلة غنية، ولا سيما في ظل الفوائد المرتفعة وضعف النمو الصناعي والميزانيات المثقلة.
الاقتصاد الأوروبي اليوم لا يدفع بقدر ما يدفع مقابل النقص الفعلي في الوقود، بل مقابل ثمن التأمين ضد هذا النقص. فقد أعلنت ألمانيا بالفعل أنها لا تواجه عجزا حادا في وقود الطائرات، لكنها في الوقت نفسه شددت مراقبة الإمدادات وتستعد لموسم الصيف باعتباره اختبار ضغط لقطاعي الطيران واللوجستيات. كما حذرت شركات الطيران الأوروبية من مخاطر إلغاء الرحلات إذا استمرت الاختناقات في سوق الوقود. وهنا تبدأ سلسلة العدوى التي تصيب السياحة والشحن وقطاع الخدمات بأكمله.
وسياسيا، ترد أوروبا بالطريقة المألوفة: عبر الدعم، والتخفيفات الضريبية المؤقتة، والمساعدات الموجهة، وقواعد الدعم الحكومي المرنة. فقد اقترحت المفوضية الأوروبية بالفعل تخفيف نظام مساعدات الدولة لكي تتمكن الدول من تعويض القطاعات عن ارتفاع أسعار الوقود والاسمدة والكهرباء. وقدرت فرنسا الكلفة المباشرة للازمة بما بين 4 و6 مليارات يورو، وجمدت إنفاقا بقيمة 6 مليارات يورو من أجل البقاء ضمن الإطار الميزاني. لكن المشكلة هي أن أوروبا تدخل مرة اخرى في الفخ المعروف نفسه: كل صدمة طاقوية جديدة لا تعزز القدرة التنافسية الصناعية للقارة، بل تعمق تبعيتها للعكازات الميزانية. وبالنسبة إلى كتلة تخسر اصلا أمام الولايات المتحدة في كلفة الطاقة، لم يعد هذا مجرد إجراء مؤقت، بل صار عرضا من أعراض الضعف البنيوي.
وفي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، تتوزع الصدمة بصورة غير متساوية. فأذرع تداول النفط التابعة لشركات كبرى مثل شل وبي بي وتوتال إنرجيز تجني مليارات من التقلبات. أما المستهلك الصناعي في ألمانيا أو إيطاليا أو بولندا أو هولندا فلا يحصل على ارباح، بل على موجة جديدة من التكاليف. وهنا تتكرر المظلمة نفسها التي نراها في العالم بأسره: يربح رأس المال القادر على التحوط من الفوضى، بينما يدفع القطاع الحقيقي الثمن.
الصين: عملاق يعرف كيف يناور لكنه لا يستطيع إلغاء الجغرافيا
تبدو الصين أكثر تماسكا من معظم الاقتصادات الآسيوية، ولها في ذلك أسباب واضحة. أولا، لأن بكين تملك طيفا أوسع من الموردين وحيزا أكبر للمناورة. وثانيا، لأن لديها أدوات إدارية ومخزونات استراتيجية وقدرة على إعادة توجيه المشتريات بسرعة. ففي مارس بلغ استيراد الصين من النفط نحو 11.77 مليون برميل يوميا، متراجعا بنسبة 2.8 في المئة فقط على أساس سنوي، ما يعني أن الحرب لم تسقط حتى الآن منظومة التزود الصينية. بل إن الصين تعوض جزءا من الكميات المفقودة عبر زيادة مشترياتها من روسيا وغرب إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن صمود الصين لا ينبغي أن يضلل أحدا. فهذا ليس حصانة، بل قدرة على كسب الوقت. ففي عام 2025 مر عبر هرمز نحو 80 في المئة من النفط والمنتجات النفطية المتجهة إلى آسيا، وهذا يعني أن حتى بكين لا تستطيع تجاهل هذه العقدة بالكامل. وقد أعلنت الصين بوضوح أن حصار هرمز يتعارض مع مصالح المجتمع الدولي. وليس ذلك خطابا دبلوماسيا، بل حسابا باردا: فأي زعزعة طويلة الامد في المضيق تضرب كلفة الصناعة الصينية، والشحن، والقدرة التنافسية التصديرية، وفي نهاية المطاف النمو نفسه. وكانت رويترز قد أشارت صراحة إلى أن الحرب تثير الشكوك حول قدرة الصين على الحفاظ على وتيرة صادراتها السابقة وصون فائضها التجاري القياسي، لأن الطاقة الغالية تنخر القدرة الشرائية لأسواقها الخارجية.
وهناك تفصيل آخر بالغ الاهمية. فالصين تبدو اليوم فعلا أقل هشاشة في ملف النفط الخام، لكنها تملك قطاعات حساسة، وفي مقدمتها غاز النفط المسال، والبتروكيميائيات، ووقود السفن، وبعض مجالات التكرير. وقد انخفضت واردات الصين من غاز النفط المسال في عام 2026 بنحو الربع مقارنة بالعام الماضي. إضافة إلى ذلك، غيرت الحرب بنية الطلب على بعض أنواع النفط: إذ بدأت المصافي الصينية تتنافس بصورة أكثر حدة على الخامات الثقيلة منخفضة الكبريت، لأن التدفقات المعتادة للنفط الشرق أوسطي تعرضت للاضطراب. وهذا يعني ارتفاع العلاوات، وازدياد كلفة التكرير، وضغطا على قطاع البتروكيميائيات، ومن خلاله على البلاستيك والتغليف والكيمياء الصناعية والإنتاج التصديري. وبصياغة اخرى، الاقتصاد الصيني لا ينهار، لكنه يرى هوامشه تنكمش تدريجيا.
جنوب شرق آسيا: إقليم تتحول فيه صدمة النفط بسرعة إلى ازمة سياسية
إذا كانت أوروبا تدفع بالمال، وكانت الصين تدفع بتآكل الهوامش وارتفاع المخاطر الاستراتيجية، فإن جنوب شرق آسيا يدفع بكل شيء دفعة واحدة: التضخم، والدعم، وضغط العملة، والتوتر السياسي. فهذا واحد من أكثر أقاليم العالم اعتمادا على الاستيراد، وفي الوقت نفسه من أكثرها حساسية اجتماعيا. وقد بلغت إعانات الوقود الاحفوري في جنوب شرق آسيا مستوى قياسيا وصل إلى 105 مليارات دولار، بزيادة قدرها 60 في المئة على الذروة السابقة. وهذا يعني أن الإقليم كان، حتى قبل الحرب الحالية، يعيش تبعية مزمنة لقمع الأسعار بقرار إداري. أما الصدمة النفطية الجديدة فلم تفعل سوى كشف هذا الجرح القديم من جديد.
وكانت الفلبين أول دولة في الإقليم تعلن حال طوارئ وطنية في مجال الطاقة. ثم جاء توقف سوق الكهرباء بالجملة بعد أن قفزت الأسعار في مارس بصورة حادة: فقد ارتفعت في السوق الفورية عموما بنسبة 58 في المئة، وفي بعض المناطق بأكثر من ذلك. وبالنسبة إلى بلد يملك أصلا بعضا من أعلى تعريفات الكهرباء في جنوب شرق آسيا، فإن هذه إشارة اجتماعية بالغة الخطورة. ففي مانيلا أو سيبو أو دافاو، تتحول صدمة الطاقة بسرعة إلى احتجاج على النقل الغالي، والطعام الغالي، وضعف استجابة الدولة.
أما إندونيسيا، أكبر اقتصاد في آسيان، فما زالت حتى الآن تضبط الوضع بفضل حجم ميزانيتها، لكن كلفة هذا الضبط ترتفع بسرعة. فقد خصصت جاكرتا نحو 381.3 تريليون روبية إندونيسية، أي ما يعادل تقريبا 22.4 مليار دولار، لدعم الوقود والكهرباء. وفي الوقت نفسه، اضطر بنك إندونيسيا إلى الإبقاء على سعر الفائدة عند 4.75 في المئة بسبب المخاطر التضخمية المرتبطة بالحرب. وهذا مثال نموذجي على الكيفية التي تمزق بها صدمة المواد الخام السياسة الاقتصادية: فمن جهة يجب دعم السكان، ومن جهة ثانية يجب تثبيت العملة والأسعار، ومن جهة ثالثة يجب تجنب خنق النمو بسياسة نقدية مفرطة في التشدد.
وتسير تايلاند وفيتنام وماليزيا في المسار نفسه، لكن بأدوات مختلفة. فتايلاند تعد تخفيفات ضريبية ودعما للوقود. وفيتنام علقت بالفعل ضرائب الوقود، وهي تخسر بذلك نحو 7.2 تريليونات دونغ شهريا. أما ماليزيا فرفعت إعانات الطاقة إلى نحو 4 مليارات رينغيت شهريا. ومن الناحية الشكلية، يساعد ذلك على تخفيف الصدمة الاجتماعية. لكن في الجوهر يعني هذا أن كل أسبوع من الازمة ينقل مزيدا من الكلفة الخاصة إلى دين عام، أو عجز، أو نقص تمويل في مجالات أخرى. فالإقليم لا يحل مشكلة الطاقة الغالية، بل يمددها زمنيا وينقلها إلى الميزانية.
وهناك أيضا رد استراتيجي من المنطقة، يتمثل في تسريع التحول نحو الوقود الحيوي. فقد أفادت رويترز بأن فيتنام وإندونيسيا، على خلفية القفزة في أسعار النفط، تنشطان برامج الوقود الحيوي في محاولة لاستبدال جزء من الهيدروكربونات المستوردة على الأقل. لكن هنا تظهر معضلة جديدة: فإذا ارتفع سعر الوقود الحيوي بالتوازي مع زيت النخيل والذرة والمواد الزراعية الخام، فإن الإقليم يواجه المشكلة القديمة نفسها، معادلة الطعام أو الوقود، لكن في عبوة جديدة. نعم، هذه المناورة تخفف التبعية للاستيراد، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع أسعار الغذاء إلى أعلى. وفي المجتمعات الفقيرة، يكون هذا في الغالب أخطر سياسيا من مجرد البنزين الغالي.
وإذا أضفنا أوروبا والصين وجنوب شرق آسيا إلى الصورة العامة، ظهر ما يلي. أوروبا تعاني بوصفها مستوردا غنيا لكنه مرهق - لديها المال للتخفيف، لكنها لم تعد تملك طاقة رخيصة تقريبا. والصين تعاني بوصفها عملاقا صناعيا - تعرف كيف تناور في التدفقات، لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية تحييد ارتفاع تكاليف اللوجستيات والمواد الخام. أما جنوب شرق آسيا فيعاني بوصفه إقليما مستوردا شديد الحساسية اجتماعيا - هناك تتحول كل قفزة في أسعار النفط بصورة شبه تلقائية إلى مشكلة ميزانية وإلى ازمة سياسية داخلية محتملة. وهذا يعني أن الحرب حول إيران لا تغير سوق النفط فقط. إنها تعيد تشكيل الهرمية العالمية للصمود: من يفوز هم أولئك الذين يستطيعون تمويل أمن مكلف، ومن يخسر هم أولئك الذين يضطرون كل شهر إلى شراء الطاقة بسعر يفرضه الآخرون.
باكستان: حين تتحول الجيوسياسة إلى نظام تقشف
وتبدو باكستان المثال الاوضح. فقد سجلت رويترز ومصادر إقليمية أن البلاد، التي تعتمد على الاستيراد بأكثر من 80 في المئة في ملف النفط، اضطرت إلى رفع أسعار البنزين والديزل للمرة الثانية خلال شهر واحد، بينما قفز سعر الغاز الطبيعي المسال الفوري إلى ما بين 20 و30 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وبالنسبة إلى اقتصاد يعاني أصلا عجزا مزمنا في ميزان المدفوعات، فإن هذا يكاد يكون العاصفة المثالية: ترتفع كلفة الواردات، وتضعف العملة، ويتصاعد الضغط على الميزانية وعلى توليد الكهرباء في آن واحد. وليس من قبيل المصادفة أن إسلام آباد تناقش مشتريات جديدة من الغاز الطبيعي المسال فقط بشرط أن تكون الأسعار مقبولة، ولو بالحد الادنى، لقطاع الكهرباء. فالمسألة لم تعد مرتبطة براحة السكان، بل بقدرة المنظومة كلها على البقاء قابلة للإدارة.
ولفهم حجم المشكلة، يكفي حساب بسيط. فإذا كانت الدولة تستورد النفط والمنتجات النفطية بنحو 15 مليار دولار سنويا، فإن ارتفاع سلة الاستيراد بنسبة 20 في المئة فقط يضيف قرابة 3 مليارات دولار إلى الفاتورة الخارجية. وبالنسبة إلى باكستان، هذه ليست مجرد مراجعة تقنية، بل رقم يوازي حزمة دعم طارئة. ففي الاقتصادات الازمية، تنعكس الحرب أولا في سعر برنت، ثم تنتقل شبه بلا مرشحات إلى عجز الميزانية، وارتفاع التعريفات، والعودة إلى طلب الدعم من المانحين.
بنغلادش وسريلانكا: حين تصبح فاتورة الغاز أهم من الدبلوماسية
وتبدو بنغلادش أكثر هشاشة. فدكا تبحث عن أكثر من ملياري دولار من التمويل الجديد للحفاظ على واردات الوقود والغاز الطبيعي المسال، وبعد تعليق الإمدادات القطرية اضطرت السلطات إلى شراء شحنات فورية بأسعار أعلى، وفرض تقنين للغاز، وإيقاف عدد من مصانع الاسمدة. وبالنسبة إلى اقتصاد تستند فيه العمالة الصناعية ونموذج التصدير النسيجي إلى طاقة رخيصة، فهذا طريق إلى صدمة مزدوجة: أولا ضربة لميزان المدفوعات، ثم ضربة للإنتاج الصناعي.
والآن لنترجم ذلك إلى لغة الاقتصاد اليومي. فإذا كانت فاتورة استيراد الوقود الاحفوري في بنغلادش قد ترتفع، وفق تقديرات محللين، بنحو 4.8 مليارات دولار، فإن هذا يعادل تقريبا 1.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي اقتصاد غني يعد هذا إزعاجا. أما في اقتصاد فقير فهو الحدث الاقتصادي الكلي للسنة. وهذا يعني ضغطا على سعر الصرف، وارتفاعا في أسعار النقل والكهرباء وتصنيع الغذاء والاسمدة المعدنية. وبالنتيجة، ارتفاعا في أسعار الطعام نفسه. ففي الدول التي تنفق فيها الأسر حصة غير متناسبة من دخلها على الاستهلاك الاساسي، يمكن تحمل تضخم عند مستوى 3 إلى 5 في المئة، لكن قفزة بنسبة 10 إلى 15 في المئة في سلة الوقود والغذاء تتحول بسرعة إلى مسألة اجتماعية حادة.
أما سريلانكا، التي عاشت قبل وقت غير بعيد انهيارها المديوني الخاص، فقد اضطرت من جديد إلى تقنين الوقود. وتتحدث التقارير عن قيود إضافية، وإغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية أيام الاربعاء، وتقليص النقل، ورفع تعريفات الكهرباء. وما يبدو في واشنطن مجرد صدمة خارجية مزعجة، يعود في كولومبو تذكيرا مؤلما بمدى قرب الخط الفاصل بين الاقتصاد والشارع.
الهند: سوق كبيرة ووسادة كبيرة، لكن الخطر كبير أيضا
تبدو الهند أكثر صلابة من جيرانها، ولهذا تحديدا تكتسب أهمية تحليلية خاصة. فقبل الحرب كانت البلاد تحصل على أكثر من 40 في المئة من النفط المستورد من الشرق الاوسط، كما كانت تغطي نحو 60 في المئة من الطلب المحلي على غاز النفط المسال عبر الاستيراد، في حين كانت نحو 90 في المئة من تلك الإمدادات تمر عادة عبر هرمز. وفي مارس انخفض استيراد النفط الخام إلى الهند بنسبة 13 في المئة مقارنة بفبراير، بينما انهارت إمدادات النفط الشرق أوسطي بنسبة 61 في المئة لتصل إلى 1.18 مليون برميل يوميا. وتراجعت حصة المنطقة في الواردات إلى أدنى مستوى تاريخي بلغ 26.3 في المئة، في حين رفعت روسيا بسرعة حصتها إلى ما يقرب من نصف الإمدادات. وهذا مثال بارع على كيف يمكن لمشتر كبير أن يخفف الصدمة جزئيا بفضل الجغرافيا والدبلوماسية ومرونة المشتريات. لكن حتى الهند لا تستطيع تحييد الأثر السعري بالكامل.
وأخطر قناة بالنسبة إلى الهند لا تكمن في النفط فقط، بل في الاسمدة أيضا. فالبلاد تحصل على أكثر من 40 في المئة من اليوريا والاسمدة الفوسفاتية من الشرق الاوسط، كما أن نحو نصف واردات فوسفات الامونيوم الثنائي واليوريا يأتي من المنطقة. وقد خفضت ثلاثة مصانع هندية بالفعل إنتاج اليوريا بسبب نقص الغاز الطبيعي المسال. وبالنسبة إلى دولة زراعية كبرى، فهذا جسر مباشر يصل بين صراع الشرق الاوسط والتضخم الغذائي. فعندما لا يحصل المزارع على السماد في الوقت المناسب، أو يحصل عليه بسعر أعلى بنسبة 30 إلى 40 في المئة، تنتقل الحرب من المضيق البحري إلى حقل الارز.
الفاتورة الحقيقية لا تصل إلى محطة الوقود بل إلى سلة الغذاء
وقد تكون الاسمدة هي القنبلة الاكثر استخفافا بها في هذه الازمة. فقد حذرت رئيسة مركز التجارة الدولية التابع للأمم المتحدة من أن خطر نقص الاسمدة بالنسبة إلى العالم النامي قد يكون أشد خطورة حتى من النفط والغاز الغاليين. فقرابة ثلث تجارة الاسمدة العالمية تمر عبر هرمز. وقدر بنك أوف أمريكا ارتفاع بعض أسعار الاسمدة بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة. وإذا ترسخت هذه الدينامية لموسم واحد فقط، فإن الدول النامية ستواجه لا مجرد استيراد غال، بل محصولا أقل، وأمنا غذائيا أضعف، وموجة جديدة من التضخم.
وهنا تكمن المظلمة المركزية في هذه الازمة. تستطيع الولايات المتحدة أن تتذمر من البنزين الغالي، لكن المستهلك الأمريكي العادي يبقى محميا نسبيا بفضل دخل أعلى، وبنية اجتماعية، وعمق السوق الائتمانية، وحجم منظومة الطاقة المحلية. أما في العالم الفقير، فإن الزيادة النفطية نفسها لا تلتهم العطلة ولا جانبا من النفقات غير الضرورية. إنها تلتهم الطعام، وتعليم الاطفال، والدواء، وإمكانية الذهاب إلى العمل، وقدرة المشروعات الصغيرة على البقاء.
لماذا تبدو الاحتجاجات في الولايات المتحدة أقل مما يفترض
وهناك أيضا بُعد سياسي. فاستجابة المجتمع الأمريكي للحروب الخارجية تتأخر دائما، ما لم تبدأ الحرب بضرب مستوى المعيشة الداخلي بصورة محسوسة. غير أن الازمة الحالية في الولايات المتحدة يخففها عدد من المصدات في وقت واحد. أولا، لأن الدولة تنتج بنفسها كميات هائلة من النفط. وثانيا، لأن الدولار والأصول الأمريكية ما زالت ملاذا عالميا. وثالثا، لأن الأسواق المالية ما زالت تميل إلى الاعتقاد بأن حتى صدمة كبيرة في الشرق الاوسط لا تقتل الدورة التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ورابعا، لأن الولايات المتحدة، بخلاف جنوب آسيا، لا تعيش في حالة تبعية لوجستية مباشرة لمضيق هرمز. ولهذا تحديدا تبقى الكلفة السياسية للحرب داخل أمريكا أقل من كلفتها العالمية.
لكن هذا لا يعني أن واشنطن لا تدفع. إنها تدفع عبر التضخم، والوقود الأغلى، وتعقيدات إضافية أمام الاحتياطي الفيدرالي، وخطر الانزلاق نحو مفترق ركود تضخمي، وتصاعد الضيق العالمي. فصندوق النقد الدولي يقولها بوضوح: حتى السيناريو الاساسي للحرب يكسر مسار تراجع التضخم عالميا، وفي السيناريوهات الثقيلة ستضطر البنوك المركزية إلى تشديد السياسة في اللحظة التي يكون فيها النمو قد بدأ يضعف بالفعل. وهذا هو أسوأ مزيج يمكن أن تواجهه أي منظومة اقتصادية عالمية.
من يربح، ومن يظن فقط أنه يربح
أحيانا يتردد هذا الطرح: النفط الغالي يفيد المصدرين. وهذا صحيح شكليا، لكن فقط حتى حد معين. فقد أشارت رويترز، نقلا عن ممثلي الأمم المتحدة، إلى أن المكاسب التي قد يحققها منتجو الطاقة في العالم النامي ستكون قصيرة الاجل. والسبب بسيط: كثير من هؤلاء يصدرون المواد الخام، لكنهم في الوقت نفسه يستوردون مشتقات نفطية غالية، ومعدات، ومواد غذائية، وسلعا رأسمالية. وفوق ذلك، فإن الانقطاعات المادية في الإمداد، والتأمين، والشحن، ومخاطر استهداف البنية التحتية، ومشكلات المدفوعات، تلتهم جزءا من العلاوة السعرية. إن ارتفاع سعر النفط في ظروف الحرب ليس هدية للسوق، بل سعر سام يحمل في داخله خصما هائلا على مستوى الاستدامة.
وحتى محاولات الالتفاف السريع على هرمز لا تعطي إلا أثرا محدودا. فخط الانابيب السعودي شرق غرب، والخط الإماراتي حبشان الفجيرة، والممر العراقي التركي، كلها حلول التفافية مهمة، لكنها مجتمعة غير كافية لكي تحل محل الدورة البحرية الطبيعية بصورة كاملة. يستطيع السوق أن يتحمل اضطرابا محليا. لكنه يتحمل بصعوبة شديدة العيش الطويل في نظام المسارات البديلة، حين تصبح كل طن من المواد الخام بحاجة إلى تأمين إضافي، ووقت إضافي، وتنسيق سياسي إضافي.
الخلاصة الرئيسية: الحرب تصدر التضخم إلى أسفل سلم اللامساواة العالمية
يبدو الاقتصاد العالمي اليوم كأنه مبنى اندلع فيه الحريق في الطوابق العليا، لكن المياه تغمر قبل كل شيء القبو. فالمبادرة العسكرية التي اتخذت بمنطق الأمن الأمريكي وتوازنات القوة في الشرق الاوسط تحولت، اقتصاديا، إلى آلية لإعادة توزيع الكلفة على أولئك الذين يملكون أقل قدرة على تحملها. ليست واشنطن هي من يدفع الثمن الاقسى، بل دكا وكولومبو وكراتشي وكاتماندو ومانيلا ونيروبي، فهي التي تسدد الكلفة الاشد لقفل الشريان النفطي.
ولهذا بالذات لا يمكن الحديث عن الصراع الحالي فقط بلغة الاستراتيجية أو الردع أو الدبلوماسية. فالمسألة أيضا مسألة عدالة عالمية. عندما يرتفع برنت من 61 دولارا في يناير إلى 103 دولارات في مارس، ثم يبقى عند حدود 100 حتى في ظل الهدنة، فهذه ليست مجرد مادة خبرية عن السوق. إنها نقل لملايين البشر من حالة الفقر إلى حالة البؤس. وعندما يخفض صندوق النقد الدولي توقعاته، وتحذر الأمم المتحدة من نقص في الاسمدة، فذلك ليس ضجيجا تكنوقراطيا. إنه إنذار مبكر بأن الازمة العالمية التالية قد لا تأتي من القطاع المصرفي، بل من المطبخ، والحقل، وشبكة الكهرباء.
إذا نظرنا إلى الصورة ببرودة أعصاب، فإن النتيجة الاهم قد تحققت بالفعل. لقد أثبتت أمريكا مرة اخرى أنها قادرة على تحمل تصعيد في السياسة الخارجية بكلفة أعلى مما يستطيع تحمله تقريبا أي طرف آخر. لكنها أظهرت مرة اخرى أيضا حقيقة ثانية: في كل مرة تبدأ فيها واشنطن حربا في القلب الاستراتيجي للطاقة العالمية، تصل الفاتورة الحقيقية أولا إلى أولئك الذين لم يتخذوا القرار، ولم يشاركوا في التفاوض، ولم يصدروا الاوامر. العالم يدفع ثمن الحرب الأمريكية. وكما يحدث دائما، يدفع الفقراء هذا الثمن أولا.