...

في تاريخ العالم توجد صراعات تغيّر خريطة الجبهات، وتوجد صراعات تغيّر خريطة الاقتصاد. الحرب حول إيران تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. تداعياتها لا تقتصر على الضربات العسكرية، وإعادة تموضع القوى، والتصريحات الدبلوماسية. إنها قادرة على توجيه ضربة مباشرة إلى ثلاث ركائز للنظام العالمي الحديث - الطاقة، وسعر المال، واستدامة الديون لعشرات الدول.

وعندما تتقاطع هذه الخطوط الثلاثة للأزمة في نقطة واحدة، لا يعود الأمر مجرد حرب إقليمية جديدة، بل يبدأ تحول عالمي في بنية الواقع الاقتصادي.

أخطر وهم اليوم هو أن كثيرين لا يزالون ينظرون إلى احتمال اندلاع حرب كبرى مع إيران بعقلية القرن العشرين: ترتفع أسعار النفط، ترتبك الأسواق، ثم يعود كل شيء تدريجيا إلى طبيعته. لكن العالم اليوم مختلف تماما. إنه أكثر غرقا في الديون، وأكثر اعتمادا على عقد لوجستية حساسة، وأكثر هشاشة أمام أسعار الفائدة، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات السعرية الحادة. إذا كان صدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي كارثة بحد ذاتها، فإنها في عشرينيات هذا القرن تصبح مجرد الضربة الأولى في سلسلة طويلة من الارتدادات الثانوية.

إيران ليست مجرد قوة إقليمية. إنها محور تتقاطع عنده طرق الخليج، وتدفقات النفط، وشبكات الغاز، وتأمين الشحن البحري، وأمن الطاقة في آسيا، واستقرار الأسعار في عشرات الدول المستوردة. يكفي أن تمس العمليات العسكرية الإنتاج أو البنية التحتية للتصدير أو مسارات الناقلات أو عمليات التكرير أو النقل، حتى يتعامل السوق مع الوضع لا كصراع محلي، بل كتهديد لشريان أساسي من شرايين الاقتصاد العالمي.

الأرقام هنا تتطلب نظرة صارمة وواقعية. منطقة الخليج تمر عبرها حصة هائلة من تدفقات الهيدروكربونات العالمية. وحتى اضطراب مؤقت في هذه المنطقة قد يؤدي إلى خروج ملايين البراميل يوميا من إيقاع الإمدادات المعتاد. وفي سوق النفط يكفي نقص بنسبة واحد إلى اثنين بالمئة من العرض العالمي كي تقفز الأسعار بعشرات النسب المئوية. سوق النفط لا يتسامح حتى مع التلميح إلى اضطراب. إنه يسعّر الجغرافيا السياسية فوريا. وإذا لم يعد الأمر تلميحا بل ضربات مباشرة للبنية التحتية، فإن علاوة المخاطر تبدأ في الارتفاع بشكل متسارع.

في مثل هذه الحالات، لا يرتفع النفط فقط لأنه قد يصبح نادرا، بل لأن النظام بأكمله يبدأ في تسعير الخوف. الخوف من استهداف الموانئ، من زرع الألغام في المسارات البحرية، من ارتفاع كلفة التأمين، من اضطرابات المرافئ، ومن اتساع رقعة الحرب. عمليا، يعني ذلك أن سعر البرميل يرتفع ليس فقط بسبب نقص فعلي، بل لأن سلسلة الإمداد بأكملها تصبح أغلى وأبطأ وأكثر خطورة.

ثم تبدأ المرحلة الثانية - التضخمية. الطاقة موجودة في كل شيء في الاقتصاد الحديث. ليست مجرد وقود للسيارات أو غاز في الأنابيب، بل هي جزء من تكلفة النقل، وصناعة البلاستيك، والكيماويات، والأسمدة، والمعادن، والإسمنت، والزجاج، والتغليف، والغذاء. عندما يرتفع النفط، يرتفع سعر الديزل. وعندما يرتفع الديزل، ترتفع تكلفة النقل. وعندما ترتفع تكلفة النقل، ترتفع أسعار الغذاء ومواد البناء والأجهزة المنزلية والأدوية. وعندما يرتفع الغاز، ترتفع تكاليف إنتاج الأسمدة والكهرباء، ثم ترتفع كلفة الزراعة والصناعات الغذائية والخدمات العامة.

بهذا المعنى، تتحول ضربة عسكرية في الشرق الأوسط بسرعة إلى ضربة مباشرة لميزانية كل أسرة - من القاهرة إلى برلين، ومن كراتشي إلى نيروبي، ومن طشقند إلى بوينس آيرس. هذه هي حقيقة حجم المشكلة. الحرب تدور في نقطة واحدة، لكن التضخم ينتشر في كل مكان.

لكن هذا ليس نهاية المسار. المرحلة الثالثة هي الأخطر - المرحلة النقدية والديونية. عندما تدفع صدمة الطاقة التضخم إلى الأعلى، تضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها. بالنسبة للمواطن العادي، يعني ذلك قروضا عقارية أكثر كلفة، وقروضا استهلاكية أثقل. بالنسبة للشركات، يعني ارتفاع كلفة التمويل وتراجع الاستثمارات. أما بالنسبة للدول، خصوصا الفقيرة والمثقلة بالديون، فالأمر يتحول إلى فخ حقيقي.

جزء كبير من الديون العالمية مقوم بالدولار. وعندما تكون أسعار الفائدة على الدولار مرتفعة، يصبح سداد هذه الالتزامات أكثر صعوبة. وإذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكلفة استيراد الوقود والغذاء، فإن الضغط على الميزانيات يزداد. وعندما تتوتر الأسواق، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على سندات الدول النامية. وعندما ترتفع هذه العوائد، تجد الحكومات نفسها أمام خيارين كلاهما صعب - إما الاقتراض بكلفة أعلى، أو خفض الإنفاق.

اليوم يبدو هذا الخيار أكثر خطورة لأن العالم غارق في الديون. إجمالي الدين العالمي لم يعد يقاس بعشرات التريليونات بل بمئاتها. ديون العديد من الدول النامية تضاعفت عدة مرات خلال العقدين الأخيرين. وفي كثير من الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل، خرجت نسبة الدين إلى الناتج المحلي من المنطقة الآمنة منذ زمن. هناك دول تلتهم فيها مدفوعات الفائدة حصة من الميزانية أكبر من الإنفاق على التعليم أو الصحة. هذا ليس توصيفا مجازيا، بل واقع جديد في جزء كبير من العالم.

خلال العقد الأخير، تضاعفت نسبة الدول التي تعيش في أزمة ديون أو على حافتها من أربعة وعشرين بالمئة إلى أربعة وخمسين بالمئة. هذا أحد أخطر المؤشرات في العالم المعاصر. معناه أن أكثر من نصف الدول الهشة تعيش بالفعل في حالة طوارئ مالية أو قريبة منها. هذه الدول لا تحتاج إلى انهيار عالمي شامل لكي تسقط، بل يكفيها صدمة جديدة في أسواق السلع، وعدة فصول من الفائدة المرتفعة، وضعف في العملة الوطنية.

لهذا السبب، لا تمثل الحرب مع إيران خطرا على سوق النفط فقط، بل على بنية الديون السيادية عالميا. كلما ارتفعت أسعار الطاقة، ارتفع التضخم. وكلما ارتفع التضخم، طالت فترة الفائدة المرتفعة. وكلما طالت هذه الفترة، أصبح سداد الديون أصعب. وكلما أصبح السداد أصعب، اقتربت الدول من إعادة الهيكلة، وتخفيض قيمة العملة، وتقليص الميزانيات، والانفجار الاجتماعي.

التاريخ يعرف هذا المسار جيدا. في عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين، أدى الحظر النفطي بعد حرب أكتوبر إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو ثلاثمئة بالمئة خلال نصف عام. هذا الارتفاع غذى التضخم العالمي بقوة. ومع نهاية العقد، واجهت الولايات المتحدة ضغوطا تضخمية غير مسبوقة. ثم جاء تشديد نقدي حاد، وفي عام ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين بدأ بول فولكر سياسة قاسية رفعت الفائدة إلى مستويات تقارب عشرين بالمئة. بالنسبة للدول المتقدمة كان الأمر مؤلما، أما بالنسبة للدول النامية فكان مدمرا.

السبب بسيط. معظم ديون هذه الدول كان مرتبطا بالدولار. ومع ارتفاع الفائدة الأميركية، أصبحت كلفة خدمة الدين باهظة. في عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين أعلنت المكسيك عجزها عن السداد الكامل، وتبعها آخرون. بدأت موجة من الأزمات - تخفيضات في العملات، تقشف قاس، تراجع في الاستهلاك، وانهيار في مستويات المعيشة. لهذا دخل ذلك العقد التاريخ بوصفه عقدا ضائعا، ضاع ليس في الأسواق المالية فقط، بل في حياة ملايين البشر.

العالم على أعتاب تكرار الأزمة - ولكن في نسخة أكثر تعقيدا

اليوم يواجه العالم خطر السير في المسار نفسه، ولكن بصورة أكثر تعقيدا. في الماضي كانت منظومة الدائنين واضحة نسبيا، أما اليوم فقد أصبحت خريطة الديون أكثر تشابكا. لم تعد المؤسسات الغربية والأسواق الخاصة وحدها اللاعب الرئيسي، بل برز المقرضون الصينيون بقوة، حيث يمثلون نحو واحد وثلاثين بالمئة من الديون الثنائية للدول النامية. هذه الحقيقة تجعل أي عملية لإعادة هيكلة الديون أكثر صعوبة وتعقيدا، لأن تعدد الدائنين وتباين أنظمتهم القانونية ومصالحهم السياسية يطيل أمد الأزمة ويعمق آثارها.

لهذا السبب قد لا تكون نتائج الحرب مع إيران مجرد صدمة قصيرة، بل بداية حقبة طويلة من الطاقة المكلفة، والأموال الغالية، وعدم الاستقرار المزمن. حتى من دون تدمير كامل للبنية التحتية التصديرية، فإن استمرار التهديد سيبقي علاوة المخاطر مرتفعة. وهذا يعني تكاليف شحن أعلى، وتأمين أكثر كلفة، وأسواقا أكثر توترا، ومستثمرين أكثر حذرا، وعملات أضعف لدى الدول المستوردة، وضغوطا معيشية متزايدة على السكان.

الدول الفقيرة المعتمدة على الاستيراد ستكون الأكثر هشاشة. فهي دائما تقف في نهاية طابور الحصول على الموارد، وفي مقدمة طابور دفع الثمن. الدول الغنية تستطيع امتصاص الصدمات عبر الدعم الحكومي، واستخدام الاحتياطيات، والوصول إلى التمويل الرخيص. أما الدول الفقيرة فلا تملك هذه الأدوات. أي ارتفاع في أسعار الوقود يستنزف احتياطياتها، وأي تراجع في العملة يرفع أسعار الغذاء، وأي زيادة في الفائدة تضغط على الميزانية، وأي أزمة مالية تنعكس مباشرة على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.

لهذا، فإن الضحايا الحقيقيين لمثل هذا الصراع لا يقتصرون على ساحات القتال. إنهم الأطفال في الدول التي تقلص فيها برامج التغذية المدرسية، وكبار السن الذين لم تعد الدولة قادرة على دعم أدويتهم، وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين لا يتحملون ارتفاع التكاليف، والمزارعون الذين يشترون مدخلات أغلى ويبيعون منتجات أغلى، والشباب الذين تتأجل حياتهم مرة أخرى بسبب الأزمات.

هناك خطر آخر لا يقل أهمية. صدمة الطاقة نادرا ما تبقى اقتصادية فقط، بل تتحول سريعا إلى أزمة سياسية. ارتفاع فواتير الكهرباء والنقل والغذاء يؤدي إلى تآكل الثقة بالحكومات. تقليص الإنفاق يولد الاحتجاجات. ضعف العملة وارتفاع الأسعار يفتح الباب لهروب رؤوس الأموال والذعر في الأسواق. بالنسبة للدول الضعيفة، لا يكون ذلك مجرد اضطراب اقتصادي، بل تهديدا للاستقرار الكامل.

في هذا السياق، تصبح الحرب مع إيران بمثابة مفجر مثالي لدورة عالمية جديدة من عدم الاستقرار. فهي تضرب آسيا عبر إمدادات الطاقة، وأوروبا عبر التضخم وسوق الغاز، والعالم النامي عبر الديون والعملات، والتجارة العالمية عبر اللوجستيات والتأمين، والأسواق المالية عبر عدم اليقين والبحث عن الملاذات الآمنة. لا يكاد يوجد إقليم كبير يمكنه النجاة من هذا السيناريو دون خسائر.

الأخطر ليس لحظة الضربة الأولى، بل طول أمد التأثير. الأسواق المالية قد تتعافى جزئيا بعد الصدمة، لكن البنية التحتية لا تعود للعمل خلال أيام، والممرات البحرية لا تصبح آمنة بسرعة، والثقة الاستثمارية لا تعود بقرار. حتى في حال وقف إطلاق النار، قد يستغرق إصلاح الأضرار سنوات. بعض التقديرات تشير إلى أن إعادة بناء البنية التحتية للطاقة قد تستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، وهي فترة طويلة كفيلة بتغيير الحكومات والدورات الاقتصادية والاتجاهات السياسية.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأسعار سترتفع على المدى القصير، فهذا شبه حتمي، بل ما إذا كان هذا الارتفاع سيتحول إلى عصر جديد من أزمات الديون، حيث تعيش الدول بين إعادة هيكلة وأخرى، وبين تخفيض للعملة وآخر، وبين تقشف مالي متكرر. الاحتمال هنا مرتفع جدا لأن نقطة الانطلاق ضعيفة.

العالم يدخل هذه العاصفة المحتملة وهو في حالة إنهاك. بعد الجائحة ارتفعت الديون، وبعد موجة التضخم بين 2021 و2024 ارتفعت كلفة الاقتراض، وبعد اضطرابات سلاسل الإمداد والحروب الاقتصادية تراجع مستوى اليقين العالمي. الاقتصاد لم يستعد توازنه بعد، لكنه يواجه الآن صدمة جديدة في أكثر نقاطه حساسية - الطاقة والديون.

هذه هي الحقيقة الأساسية للحرب مع إيران. إنها ليست مجرد صراع على النفوذ أو الحدود أو التحالفات، بل قد تكون الشرارة لأزمة اقتصادية عالمية جديدة، يكون النفط فيها البداية، والتضخم المرحلة التالية، وانفجار الديون النتيجة النهائية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الثمن لن تدفعه الحكومات وحدها، بل ملايين الناس في دول بعيدة تماما عن ساحة الحرب.

الأثر الحقيقي لهذه الحروب لا يظهر في الأيام الأولى، بل لاحقا - في العملات المنهارة، والبرامج الاجتماعية المقلصة، والمصانع المغلقة، والخبز الأغلى، والصيدليات الفارغة، وسنوات التنمية الضائعة. هكذا تتحول حرب محلية إلى أزمة كونية.

إذا نظرنا إلى الصورة بواقعية، فإن الاستنتاج واضح وقاس. الحرب مع إيران قادرة على زعزعة الاقتصاد العالمي ليس فقط بسبب توقف الإنتاج لفترة قصيرة، بل لأنها قد تضرب الاستقرار الطاقي، وتفجر توقعات التضخم، وتطيل زمن الفائدة المرتفعة، وتدفع عشرات الدول نحو حافة الانهيار المالي. هذه ليست مجرد مخاطرة، بل معادلة شبه مكتملة لأزمة عالمية كبرى.

مضيق هرمز - العصب الحساس للاقتصاد العالمي

في هذا السيناريو، يتحول مضيق هرمز إلى النقطة الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي. فهو ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل شريان يمر عبره يوميا نحو عشرين فاصلة تسعة مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية. هذا يمثل حوالي خُمس الاستهلاك العالمي من الوقود السائل، وأكثر من ربع التجارة البحرية للنفط.

في عام 2024، بلغ حجم التدفقات عبر المضيق نحو عشرين مليون برميل يوميا، وهذه الأرقام وحدها تفسر لماذا يتحول أي اضطراب فيه إلى أزمة عالمية. ولا يقتصر الأمر على النفط، إذ يمر عبره أيضا نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا. أي خلل في هذا الممر يعني أن الأزمة ستتجاوز الشرق الأوسط فورا.

السوق لا يخشى الإغلاق الكامل فقط، بل حتى الاضطرابات الجزئية - ضرب الموانئ، تعطل التأمين، ارتفاع تكاليف الشحن، وتأخير الناقلات. سوق الطاقة شديد الحساسية لأي نقص. أحيانا يكفي فقدان واحد إلى اثنين بالمئة من الإمدادات لرفع الأسعار بشكل كبير. أما إذا طال التعطيل، فإن الخسائر تصبح هيكلية.

تشير بعض التقديرات إلى أن التخفيضات القسرية في الإنتاج لدى الدول المرتبطة بهذا المسار بلغت نحو سبعة فاصلة خمسة مليون برميل يوميا في مارس 2026، وقد ترتفع إلى تسعة فاصلة واحد مليون في أبريل، قبل أن تستقر عند نحو ستة فاصلة سبعة مليون في مايو. هذه ليست تقلبات عابرة، بل صدمة مباشرة للعرض العالمي.

النتيجة الأساسية واضحة: الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في استمرارها مرتفعة لفترة طويلة. الصدمات القصيرة يمكن احتواؤها، لكن الفترات الطويلة من الأسعار العالية تضرب الصناعة والنقل والزراعة والميزانيات، خاصة في آسيا التي تستقبل معظم تدفقات المضيق.

تشير البيانات إلى أن تسعة وثمانين بالمئة من النفط والمكثفات التي مرت عبر المضيق في النصف الأول من عام 2025 توجهت إلى آسيا، حيث استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على أربعة وسبعين بالمئة منها. وهذا يعني أن أي اضطراب كبير يتحول مباشرة إلى ضربة للاقتصاد الصناعي الآسيوي.

في هذا السياق، تبرز الصين كلاعب محوري. فالقضية بالنسبة لها لا تتعلق فقط بأسعار النفط، بل باستقرار نموذجها الصناعي والتصديري. صحيح أن بكين تمتلك أدوات لامتصاص الصدمات، لكنها ليست محصنة. ارتفاع الطاقة يعني ضغطا على التكاليف والإنتاج والأسعار الداخلية والتنافسية الخارجية. وإذا ارتفعت أسعار الغاز أيضا، فإن التأثير يمتد إلى الصناعات الثقيلة وسلاسل الإنتاج بأكملها. بالنسبة لأكبر مصنع في العالم، لم يعد الأمر تفصيلا، بل عاملا يعيد رسم مسار النمو.

الهند وأوروبا في قلب العاصفة - ومن الطاقة إلى الديون

الهند تبدو أكثر هشاشة من غيرها. نموها الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المتاحة بأسعار معقولة. يقوم نموذجها على التوسع الصناعي، والتحضر، وارتفاع الاستهلاك، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية. وكل ذلك يحتاج إلى أسعار مستقرة ويمكن التنبؤ بها للطاقة. عندما ترتفع أسعار النفط، تتلقى الهند ضربة متعددة الأبعاد - في ميزانها التجاري، وفي التضخم، وفي عملتها، وفي ميزانيتها، وفي إنفاقها الاجتماعي. بالنسبة لاقتصاد سريع النمو وكثيف السكان، فإن صدمة الطاقة تتحول بسرعة إلى صدمة سياسية، لأن ارتفاع أسعار الوقود ينتقل مباشرة إلى النقل والغذاء وتكاليف الحياة اليومية. وإذا تكررت هذه الصدمات، تضطر الحكومة إلى الاختيار بين دعم السوق أو تحميل العبء للمجتمع والشركات.

أوروبا تبدو في وضع مختلف قليلا، لكنها ليست أكثر طمأنينة. اعتمادها على مضيق هرمز أقل مقارنة بآسيا، سواء في النفط أو الغاز الطبيعي المسال، لكنها تبقى شديدة الحساسية لسوق الغاز وللتقلبات العالمية. في عام 2025، كان نحو سبعة بالمئة من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال يمر عبر هذا الممر، مقابل سبعة وعشرين بالمئة لآسيا. قد يبدو ذلك هامشا مريحا، لكنه لا يعكس الصورة الكاملة. السوق الأوروبية تعيش أصلا حالة توتر، ومع ارتفاع العرض العالمي بنسبة أربعة بالمئة في النصف الأول من 2025، بقيت الأسعار في أوروبا وآسيا أعلى بنحو ثلاثين وأربعين بالمئة على التوالي مقارنة بالعام السابق. أي أن أوروبا تتعامل أصلا مع طاقة مرتفعة التكلفة. وإذا تعطلت الإمدادات عبر هرمز، فإنها تدخل في منافسة مباشرة مع آسيا على الموارد، ما يعني دفع أسعار أعلى.

سوق الغاز قد يكون أكثر إيلاما من سوق النفط. غالبا ما يتم التقليل من دور قطر في هذا السياق. في عام 2024، مر نحو عشرين بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبر مضيق هرمز، وكانت الحصة الكبرى من نصيب قطر، إلى جانب مساهمة أقل من الإمارات. وحدها قطر صدرت عبر هذا المسار نحو تسعة فاصلة ثلاثة مليار قدم مكعب يوميا، فيما أضافت الإمارات نحو صفر فاصلة سبعة. إذا تقلصت هذه الكميات، فإن أوروبا وآسيا تدخلان في صراع مباشر على الإمدادات المحدودة. في الوقت نفسه، تعمل القدرات التصديرية للولايات المتحدة بالقرب من الحد الأقصى، حيث بلغ التصدير في مارس مستويات تقارب ثمانية عشر مليار قدم مكعب يوميا. هذا يعني أن تعويض النقص بسرعة ليس أمرا سهلا، وأن صدمة الغاز قد تستمر لفترة طويلة.

في هذه اللحظة، تدخل السياسة النقدية الأميركية إلى المشهد بكامل قوتها. عندما تبدأ صدمة الطاقة في رفع التضخم، يواجه الاحتياطي الفيدرالي معضلة صعبة. من جهة، الأموال المرتفعة التكلفة تضغط على الاقتصاد. ومن جهة أخرى، تخفيف السياسة النقدية في ظل التضخم يحمل مخاطر كبيرة. بحلول نهاية يناير 2026، بقيت الفائدة في نطاق ثلاثة فاصلة خمسة إلى ثلاثة فاصلة خمسة وسبعين بالمئة. هذه الأرقام تعني شيئا واحدا - حتى لو استطاع الاقتصاد الأميركي تحمل الطاقة المكلفة، فإن بقية العالم سيدفع الثمن عبر دولار قوي وفائدة مرتفعة لفترة طويلة.

هنا يتحول الخلل في الطاقة إلى أزمة ديون حقيقية. جزء كبير من ديون الدول النامية مقوم بالدولار، وكلما بقيت الفائدة مرتفعة، أصبح السداد أكثر صعوبة. ومع ارتفاع تكاليف استيراد الوقود والغذاء، تصبح المعادلة أكثر خطورة. الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل بلغ نحو ثمانية فاصلة تسعة تريليون دولار، بينما تصل ديون ثمانية وسبعين دولة من الأكثر هشاشة إلى نحو واحد فاصلة اثنين تريليون. مدفوعات الفائدة وحدها بلغت نحو أربعمئة وخمسة عشر مليار دولار. هذه ليست أرقاما مجردة، بل دليل على ضيق هامش الأمان في النظام العالمي.

الوضع في الدول الأشد فقرا أكثر قتامة. أربعة وخمسون بالمئة من الدول منخفضة الدخل تعيش بالفعل في أزمة ديون أو على حافتها. مدفوعات الفائدة الصافية للدول النامية بلغت نحو تسعمئة وواحد وعشرين مليار دولار، بينما تنفق إحدى وستون دولة أكثر من عشرة بالمئة من إيراداتها على خدمة الدين فقط. عندما تصل الأمور إلى هذا الحد، تبدأ الحكومات في تقليص الإنفاق ليس نظريا، بل فعليا - على التعليم والصحة والبنية التحتية والبرامج الغذائية.

في هذا السياق، تتبلور أمام الدول الفقيرة ثلاثة مسارات - صعب، أشد صعوبة، وكارثي.

المسار الأول هو التكيف المؤلم. ترتفع أسعار الطاقة، لكن دون انهيار كامل في الإمدادات. في هذه الحالة، تستطيع بعض الدول الصمود عبر الدعم الطارئ والمساعدات وتقليص الواردات. لكنها تدفع الثمن عبر التضخم وضعف العملة وتراجع الإنفاق التنموي. هذا ليس انهيارا، بل اختناقا بطيئا.

المسار الثاني هو دوامة الديون. تستمر صدمة الطاقة، تبقى الفائدة مرتفعة، تضعف العملات، ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى. عندها تبدأ سلسلة كلاسيكية من الأزمات - ارتفاع كلفة الدين، فقدان الوصول إلى الأسواق، مفاوضات مع الدائنين، تخفيض العملة، تقشف مالي، وتزايد الفقر. هنا لا نتحدث عن أزمة اقتصادية فقط، بل عن تآكل مؤسساتي.

المسار الثالث هو الانهيار المتسلسل. يحدث ذلك إذا ترافقت صدمة الطاقة مع أزمات أخرى مثل الكوارث المناخية أو الاضطرابات السياسية أو القيود التجارية. عندها تتحول حالات التعثر الفردية إلى موجة عامة، وتصبح منظومة إعادة هيكلة الديون عاجزة عن الاستجابة. في هذا الوضع، تتحول خدمة الدين إلى أولوية تتفوق على تمويل الدولة نفسها. هذا هو الطريق المباشر نحو عقد ضائع جديد لجزء كبير من العالم.

مضيق هرمز - صمام الاقتصاد العالمي

في هذه المعادلة، لا يعود مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية، بل يتحول إلى صمام يمر عبره استقرار الاقتصاد العالمي. سوق النفط يواجه خطر نقص فعلي، وسوق الغاز يواجه احتمال حرب أسعار طويلة بين آسيا وأوروبا، والصين تتعرض لضغط صناعي، والهند لضغط نمو، وأوروبا لضغط طاقي، والاحتياطي الفيدرالي لمعضلة تضخم، والدول الفقيرة لخطر الاختناق المالي.

لهذا، فإن التعريف الأدق لما يجري هو أن الحرب حول إيران ليست مجرد نزاع إقليمي ذو تداعيات عالمية، بل آلية محتملة لإطلاق أزمة عالمية جديدة. من ممر بحري ضيق قد تبدأ سلسلة من الاضطرابات - في النفط، ثم الغاز، ثم المال، ثم الاستقرار الاجتماعي. وإذا لم يتم كسر هذه السلسلة بسرعة، فإن العالم لن يواجه موجة اضطراب قصيرة، بل سيدخل مرحلة طويلة من الطاقة المكلفة، والتمويل الباهظ، واتساع الفجوة بين الدول القادرة على الصمود وتلك التي ستنهار تحت وطأة الصدمة.