...

نادراً ما تهبط الأزمات المالية فجأة. فهي لا تنقضّ من السماء كصاعقة في يوم صحو. البداية تكون في نبرة السوق التي تتبدل. ثم يظهر في الأحاديث المهنية ذلك الضحك العصبي الخافت. وبعدها تتكرر العبارات نفسها عن صعوبات مؤقتة، وسخونة موضعية، وتراجعات محدودة، وأخطاء فردية ارتكبها بعض اللاعبين.

ثم يتبين لاحقاً أن ما بدا وكأنه ظواهر متفرقة لم يكن سوى تفاعلات مدمرة واحدة كانت تغلي منذ زمن تحت السطح: رافعة مالية خفية، ومخاطر معتمة، وتضخم في أسعار الأصول، ووهم السيولة، وإيمان ساذج بأن النظام هذه المرة سيصمد بمعجزة ما.

اليوم، يدخل النظام المالي العالمي مرة أخرى في هذه المنطقة الملبدة. على السطح، لا يزال هناك ما يشبه صورة السيطرة. فالبنوك، من الناحية الشكلية، تبدو أفضل رسملة مما كانت عليه في عام 2008. والجهات التنظيمية تكرر بصوت عالٍ دروس الماضي. والبنوك المركزية تؤكد أن لديها أدوات التدخل. لكن خلف هذا الانضباط الظاهري، تمدد بسرعة عالم آخر من المال والائتمان والالتزامات، عالم يعيش بقواعد أقل شفافية بكثير. إنه عالم الائتمان الخاص، والتمويل غير المصرفي، وما يُعرف بقطاع الظل المصرفي.

وإذا كان هذا العالم يُنظر إليه حتى الأمس القريب باعتباره هامشياً أو تقنياً، لا يهم إلا دائرة ضيقة من المختصين، فإنه اليوم يتحول شيئاً فشيئاً إلى أحد أبرز مصادر الخطر النظامي. ويزداد ذلك وضوحاً الآن، بعدما انضمت إلى هشاشته الداخلية صدمة خارجية قاسية تمثلت في حرب جديدة في الشرق الأوسط، واضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، وقفزة أسعار النفط والغاز، وعودة كلمة يبغضها الاقتصاد العالمي أكثر من كثير من الكلمات الأخرى: الركود التضخمي.

السؤال لم يعد ما إذا كانت في النظام بؤر توتر أم لا. فهي موجودة بالفعل. السؤال الحقيقي هو: أين يمر الحد الفاصل بين أزمة مزعجة لكنها قابلة للاحتواء، وبين تفاعل متسلسل قادر على إسقاط قطاعات كاملة من العالم المالي من جديد.

ومن أبرز رموز هذه الحقبة الجديدة من المخاطر، انهيار المقرض اللندني “ماركت فاينانشال سولوشنز”. والقصة بحد ذاتها تبدو كأنها سيناريو جاهز لفيلم عن الرأسمالية في طورها المتأخر: ديكورات فاخرة في مايفير، وعقارات نخبوية، ومقتنيات ثمينة، وبريق، وأموال خاصة، وقروض عند تقاطع العقار مع التمويل المضاربي، ثم السقوط، واتهامات بإساءات واسعة النطاق، وتدخل طارئ من الإداريين، وتجميد للأصول، ومحاولات لبيع مئات العقارات في أغلى أحياء لندن.

غير أن أهمية هذه القصة لا تكمن في دراما السقوط اللامعة للاعب طموح واحد. أهميتها في مكان آخر. فانهـيار مثل هذه الكيانات يكشف إلى أي حد تسرب الخطر إلى أماكن ظل كثيرون يفضلون ألا يروه فيها. وعندما يتبين أن بنوكاً محترمة ظاهرياً قد تحمل انكشافات هائلة على مثل هذه العمليات، يصبح واضحاً أن المسألة ليست حادثة هامشية ولا استثناءً عابراً. نحن أمام قواعد صارت هي نفسها جزءاً من المشكلة.

ومن هنا يبدأ الجزء الأكثر إزعاجاً في النقاش. ففي السنوات الأخيرة، غمرت الأموال العالم خارج القنوات المصرفية التقليدية. أصول الائتمان الخاص عالمياً تضخمت على نحو هائل. وبعد أزمة 2008، شددت الجهات التنظيمية الرقابة على البنوك التقليدية، ورفعت متطلبات رأس المال، وأجبرت المؤسسات الائتمانية على مزيد من الحذر تجاه المخاطر. لكن رأس المال لم يتبخر. فالمال، مثل الماء، يبحث دائماً عن منفذ. ضُيّق عليه في مكان، فانتفخ في مكان آخر.

وهكذا نشأت منطقية “الفراش المائي”: تضغط على جزء من النظام، فيبرز جزء آخر. النظام المصرفي الرسمي بدا أكثر صلابة من الناحية الشكلية، لكن كتلة هائلة من القروض، كثير منها ذو جودة مشكوك فيها، دُفعت إلى الظل، إلى حيث الشفافية أقل، والرقابة أضعف، والسعر الحقيقي للمخاطر لا تحدده السوق بقدر ما تحدده النماذج الداخلية للاعبين أنفسهم.

وهنا تكمن الهشاشة الأساسية للحظة الراهنة. فقد بدا قطاع الظل المصرفي طويلاً وكأنه إضافة مريحة فوق الآلة المالية الكبرى. كان يمنح عائداً في وقت لم تعد فيه الأدوات التقليدية قادرة على إرضاء المستثمر. وكان يقرض من لا يريد البنك العادي إقراضهم، أو من لا يقبل التعامل معهم إلا بشروط أشد قسوة. وكان يصنع انطباعاً بالمرونة والسرعة والحداثة. لكنه، في المقابل، كان ينتج شيئاً آخر أيضاً: كتلة هائلة من الالتزامات المعتمة، لا يمكن معرفة جودتها الحقيقية إلا عندما تبدأ السوق بالتصدع.

طالما أن كل شيء يسير على ما يرام، يبدو هذا القطاع شبه مثالي. هناك عائد. والتعثرات تبدو محدودة. وقيم الأصول متماسكة. والخروج من الاستثمارات يبدو متاحاً. لكن ما إن تصيب النظام صدمة خارجية، حتى تنكشف حقيقة بسيطة: كثير من هياكل الائتمان الخاص لا تعيش في السوق الحقيقية إلا عندما تُجبر على ذلك. وعلى خلاف الأدوات العامة التقليدية، فهي كثيراً ما لا تعيد تقييم الأصول تقييماً كاملاً وفق الأسعار السوقية. وبعبارة أخرى، يمكنها لشهور، وأحياناً لفترة أطول، أن تتصرف كما لو أن دفاتر الائتمان لا تزال بخير، حتى عندما تكون الوقائع الاقتصادية قد تبدلت فعلاً.

هذا الوهم بالاستقرار هو أخطر مخدر في العالم المالي. إنه ينوّم المستثمرين، ويضلل الشركاء، ويمنح الجهات التنظيمية شعوراً زائفاً بأن الخطر محصور. لكن الحقيقة تخرج في النهاية مهما طال الوقت. تخرج حين يُشطب قرض كان حتى الأمس القريب يُسجل على أنه سليم، ليصبح فجأة شبه معدوم القيمة. وتخرج حين تبدأ الصناديق بتقييد السحوبات. وتخرج حين يُطلب من المستثمرين ضخ مساهمات إضافية لإنقاذ المحافظ. وتخرج حين يتبين أن السيولة الموعودة على الورق تنتهي فعلياً عند الباب.

وهذا ما يحدث اليوم بالفعل في عدد من شرائح سوق الائتمان الخاص. المستثمرون يواجهون طلبات سحب رأسمالي إضافي، أي مطالبات بإيداع أموال جديدة. والصناديق تلجأ أكثر فأكثر إلى تقييد الاسترداد، أي فرض قيود فعلية على سحب الأموال. وهذه من أكثر الإشارات إثارة للقلق في النظام المالي بأسره. لأن الذعر في عالم الاستثمار لا يبدأ عندما يخسر أحدهم مالاً. الخسائر جزء من اللعبة. الذعر يبدأ عندما يدرك المستثمر فجأة أنه لا يستطيع استرجاع أمواله بسرعة.

وعند هذه النقطة تحديداً ينبغي التوقف مطولاً. فالتاريخ المالي يكرر الدرس نفسه مرة بعد أخرى: الأزمة نادراً ما تبدأ من حجم الخسارة بحد ذاته. إنها تبدأ من انهيار الثقة في السيولة. ما دام المستثمر يعتقد أنه قادر على الخروج من مركزه عند الحاجة، يستمر النظام في العمل. لكن عندما تتبخر هذه القناعة، يبدأ الهروب. وعندها، تتحول حتى المشكلات المحدودة نسبياً إلى انهيار متدحرج.

هكذا كان الحال قبيل أزمة 2008. في ذلك الوقت أيضاً بدا كأن المخاطر محصورة في شريحة ضيقة نسبياً، هي الرهن العقاري عالي المخاطر. وكان كثير من العقول الذكية، المسلحة بنماذج معقدة، يؤكد أن المشكلة مزعجة لكنها محلية. وبدا أن عمليات شطب منفردة، حتى وإن كانت كبيرة، غير قادرة على نسف الهيكل كله. لكن اتضح لاحقاً أن النظام كان مشتبكاً بكثافة عبر المشتقات، والأوراق المهيكلة، والالتزامات المتبادلة، والرافعة الائتمانية الخفية، إلى حد جعل الحريق المحلي يتحول فوراً إلى حريق شامل.

صحيح أن الوضع الحالي لا يكرر عام 2008 بحرفيته، لكن القافية بين المشهدين مقلقة إلى حد لا يسمح بالاستهانة بها. يومها كان العفن يتراكم في أوراق الرهن العقاري وميزانيات البنوك. أما اليوم، فهو يتركز في الائتمان الخاص، والأسواق الخاصة، والهياكل غير المصرفية، وتمويل العقارات، والقروض للشركات، وميزانيات شركات التأمين المرتبطة بصناديق الاستثمار المباشر، وفي تقييمات أصول تعتمد في كثير من الأحيان لا على السوق المفتوحة، بل على المنطق الداخلي للاعبين أنفسهم.

والأخطر من ذلك أن هذا الخطر لم يعد معزولاً عن النظام المصرفي الكبير منذ زمن. فالبنوك تقرض الصناديق، وتتعامل مع ضماناتها، وتمول كيانات مرتبطة بها، وتحمل انكشافات غير مباشرة عبر شركات تدعمها تلك الصناديق. والحاجز الذي كان يُراد له أن يبدو محكماً وعازلاً للمياه، تحول منذ وقت بعيد إلى شبكة من القنوات. وإذا اختنق مسار واحد، فإن الضغط سينتقل فوراً إلى المسار الآخر.

ولهذا السبب بالتحديد تبدو قصص الانكشافات المصرفية الضخمة على العمليات عالية المخاطر في قطاع التمويل الخاص شديدة الدلالة. فهي تطرح سؤالاً محرجاً، لا يتعلق فقط بنزاهة بعض المقترضين، بل بجودة التحليل الائتماني المصرفي برمته. هل يعاد إنتاج السيناريو المألوف؟ سنوات من الظروف المريحة ومطاردة العائد تؤدي أولاً إلى إرخاء المعايير. ثم يتكرس الاعتقاد بأن سوق العقار “سيتعافى دائماً”، وأن الشريحة الفاخرة “ستجد دائماً مشترياً”، وأن المقترض صاحب السيرة المناسبة والمكتب المناسب “سيجد دائماً حلاً”. ثم يتبين فجأة أن الواجهة اللامعة كانت تخفي بنية هشة.

لكن حتى هذا كله لم يكن ليكفي وحده لصناعة كارثة عالمية، لولا أن الاقتصاد العالمي يواجه في الوقت نفسه ضربة أخرى شديدة العنف: ضربة الطاقة. فصعود أسعار النفط والغاز اليوم ليس مجرد حركة دورية عادية في السوق. وليس مجرد نتيجة لانتعاش الطلب. إنه صدمة جيوسياسية مرتبطة باضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، وبالتصعيد العسكري الذي يرفع فوراً علاوة المخاطر على الاقتصاد العالمي برمته تقريباً.

النفط في النظام العالمي ليس مجرد سلعة. إنه عصب الصناعة، والنقل، واللوجستيات، والبتروكيماويات، والزراعة، والتدفئة، والشحن البحري، والاستقرار المالي لميزانيات عدد هائل من الدول. وعندما يرتفع سعر النفط، لا يرتفع ثمن البنزين في المحطة فقط. كل شيء يصبح أغلى: شحن الحاوية، وإنتاج الأسمدة، وتذاكر الطيران، وتوصيل الغذاء، وتدفئة المخازن، وتأمين المسارات، وصيانة البنية التحتية. صدمة النفط تنتشر بسرعة في أنحاء الاقتصاد كافة، لتتحول إلى حريق تضخمي شامل.

وهنا يبدأ المشهد الراهن باستحضار صور ما قبل الانهيارات الكبرى على نحو ينذر بالخطر. قبل انهيار 2008 الكبير، عاش العالم أيضاً قفزة مؤلمة في أسعار الطاقة. لكن سببها يومها كان في الأساس الطلب العالمي المحموم، لا سيما من الاقتصادات التي كانت تتسارع فيها وتيرة التصنيع. أما اليوم، فالمصدر مختلف: ليس سخونة الطلب، بل انكماش العرض بفعل الحرب والمخاطر التي تهدد شرايين النقل. غير أن الأثر النهائي على سوق الائتمان قد لا يكون أقل تدميراً.

ذلك أن الاقتصاد لا يحتمل الضربات الطاقوية الطويلة بسهولة. فإذا كان عرض الطاقة محدوداً، فلا بد أن ينكمش الاستهلاك. وانكماش الاستهلاك يعني دائماً تراجع مبيعات هنا، وتعثر عقود هناك، وتدهور تدفقات نقدية في مكان آخر، وانخفاض تقييمات أعمال وشركات. وباختصار، يعني تراجع جودة الائتمان.

في سنوات الرخاء، تبدو قروض كثيرة آمنة فقط لأن البيئة المحيطة تتسامح مع ضعف المقترض. الإيرادات تنمو، والمال رخيص، والعقار لا يهبط، والمستهلك ينفق، والمستثمر صبور. لكن عندما ترتفع الكلفة في الوقت نفسه، وينكمش الطلب، وتزداد كلفة خدمة الدين، تبدأ حتى القروض التي كانت تبدو “طبيعية” بالأمس في التدهور سريعاً. وأخطر ما في الاقتصاد أن الخطر لا يولد دائماً من الأصول الرديئة الواضحة. كثيراً ما يولد من تلك الأصول التي كانت، حتى اللحظة الأخيرة من الدورة، تبدو مقبولة ومعقولة.

وتكمن القسوة الخاصة في المشهد الراهن في أن الوصفة التقليدية لمواجهة خطر الركود، أي خفض أسعار الفائدة، باتت اليوم أكثر صعوبة من الناحية السياسية والاقتصادية معاً. فلو كان التباطؤ الاقتصادي يترافق مع انحسار التضخم، لكان بوسع البنوك المركزية أن تهب سريعاً إلى النجدة. لكن حين يبرد الاقتصاد فيما الأسعار تواصل الارتفاع تحت ضغط الطاقة الباهظة، يجد صناع السياسة النقدية أنفسهم في كماشة خانقة. خفض الفائدة بقوة ينطوي على مجازفة كبيرة، لأنه قد يرسخ التضخم ويطلقه من عقاله. والإبقاء عليها مرتفعة يعني، في المقابل، تعميق الضغوط الائتمانية والاقتراب أكثر من موجة تعثرات وإفلاسات. هكذا يتشكل فخ الركود التضخمي، وهو أسوأ الأوضاع تقريباً لأي نظام مالي.

وبالنسبة إلى الائتمان الخاص، فإن هذا المشهد يكاد يكون العاصفة المثالية. فالمقترضون يرزحون أولاً تحت كلفة متصاعدة. والمستثمرون يصبحون، ثانياً، أقل تسامحاً مع المخاطر. أما ثالثاً، فإن إعادة تقييم المحافظ تصبح أمراً لا مفر منه. ورابعاً، يضيق الخناق على التمويل الجديد. ثم تأتي الضربة الخامسة، حين تبدأ الأصول التي كانت تبدو ضمانات جيدة في التصرف على نحو أسوأ بكثير مما كان متوقعاً. وكل ذلك يجري فيما تتسع رقعة التوتر في أسواق الأسهم والسندات والعملات.

ويضاف إلى ذلك بعد آخر لا يقل خطورة، يتعلق بالتوزيع القطاعي للمخاطر داخل سوق الائتمان الخاص. ففي السنوات الأخيرة، تدفقت أموال طائلة إلى شركات البرمجيات، وخدمات الأعمال، والخدمات التكنولوجية، وإلى نماذج أعمال كانت قدرتها على الصمود تعتمد، إلى حد بعيد، على المال الرخيص وعلى قصة نمو جذابة أكثر مما تعتمد على أساسات متينة. واليوم، تجد كثير من هذه الشركات نفسها تحت ضربتين في آن واحد. من جهة، هناك أسعار الفائدة المرتفعة وانكماش الطلب. ومن جهة أخرى، هناك الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو للبعض ثورة جديدة واعدة، فيما يتحول بالنسبة إلى آخرين إلى تهديد وجودي قد ينسف نماذج أعمال كانت حتى الأمس القريب تبدو مستقرة.

والمفارقة الأشد إثارة في هذه اللحظة أن الذكاء الاصطناعي نفسه يؤدي دورين متناقضين في الوقت ذاته. فهو، من ناحية، وعد بأرباح استثنائية في المستقبل. لكنه، من ناحية أخرى، قد يصبح آلية لتدمير فئات كاملة من المقترضين من الشركات. فإذا كان السوق قد بالغ فعلاً في الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ثم جاءت العوائد الفعلية أدنى من التوقعات، فإن العالم قد يواجه موجتين متزامنتين من الشطب والخسائر. الأولى ستضرب الشركات التي يقوض الذكاء الاصطناعي خدماتها ومنتجاتها. والثانية ستصيب المشاريع والمنظومات نفسها التي ضُخت فيها أموال مفرطة على أمل عائد سريع لم يتحقق. وبالنسبة إلى الدائنين، فهذه تركيبة سيئة إلى أبعد حد.

ولا يقل إثارة للقلق مسار آخر يتمثل في التشابك الوثيق بين الائتمان الخاص وقطاع التأمين. فخلال السنوات الماضية، اندفعت جهات كثيرة من عالم الاستثمارات المباشرة ورؤوس الأموال الخاصة إلى قطاع التأمين. ومن حيث الظاهر، تبدو الفكرة منطقية. فشركات التأمين تملك التزامات طويلة الأجل وكتلاً ضخمة من الأموال القابلة للتوظيف. لكن هذه الميزة نفسها قد تجعل هذا الارتباط مضاعفاً للأزمة المقبلة. فعندما تصبح أموال شركات التأمين منغمسة بعمق في تمويل هياكل مرتبطة بها، فإن تدهور جودة الأصول لا يعود ضربة موجهة إلى الصناديق الخاصة وأصحاب الثروات فحسب، بل يصيب أيضاً مؤسسات اعتاد المجتمع أن ينظر إليها باعتبارها ركائز للاستقرار.

وهنا تحديداً ينهار الوهم المريح الذي يقول إن خسائر الائتمان الخاص ليست سوى مشكلة تخص المليارديرات الذين أساؤوا تقدير المخاطر وهم يطاردون العائد المرتفع. الحقيقة مختلفة تماماً. فإذا ترك النظام، طوال فترة طويلة، الحدود تتلاشى بين الصناديق والبنوك وشركات التأمين والعقارات والديون الشركاتية والتمويل السوقي، فإن الخطر الخاص يتوقف عن كونه خاصاً. عندها يتحول إلى خطر عام. يبدأ ذلك عبر قنوات السيولة، ثم ينتقل إلى كلفة التمويل، وبعدها إلى أسعار الأصول، قبل أن يصل في النهاية إلى الوظائف والاستثمارات والموازنات العامة وجيب المواطن العادي.

وفي الوقت نفسه، تبدو قدرة الدول على تنفيذ مناورات إنقاذ واسعة أقل بكثير مما كانت عليه في أزمات سابقة. وهذه واحدة من أكثر حقائق اللحظة الراهنة تجاهلاً. فبعد الجائحة، وصدمات الطاقة في السنوات الماضية، وحزم الدعم الهائلة للأسر والشركات، والإنفاق العسكري، وتراكم العجوزات، دخلت الدول المتقدمة هذه المرحلة المضطربة وهي مثقلة بالموازنات المنهكة وبكلفة اقتراض مرتفعة. وبعبارة مباشرة، إذا تعمقت الأزمة، فلن يكون بوسع الدولة أن تسند الاقتصاد بالسخاء نفسه الذي عرفناه في محطات سابقة.

أما أسواق السندات، فقد باتت أقل تساهلاً بكثير مع أي نزعة إنفاقية مفرطة في المالية العامة. فعوائد الديون السيادية ترتفع عند أول إشارة إلى تراخٍ مالي أو وعود إنفاق غير محسوبة. والسياسيون قد يعدون بما يشاؤون، لكن سوق الدين يرد أكثر فأكثر بصرامة وجفاء. وهذا يعني أن الصيغة التقليدية للإنقاذ، أي ضخ المال العام في الاقتصاد، وتعويض الأسر عن ارتفاع الأكلاف، وإغراق النظام بالسيولة، قد تواجه هذه المرة مقاومة أشد بكثير مما عرفه العالم في الماضي القريب.

وعليه، فإذا بدأ الضغط المالي الجديد يشتد بالفعل، فإنه سيتطور في عالم مكبلة فيه أيدي البنوك المركزية بالتضخم، فيما تكبل الديون أيدي الحكومات. ولعل هذا هو الفارق الأهم بين هذه المرحلة وكثير من المراحل السابقة. فليس الخطر وحده هو الذي ازداد، بل حتى القدرة على احتوائه وإخماده تراجعت أيضاً.

وعلى هذه الخلفية، تبدو محاولات طمأنة الرأي العام بالقول إن قطاع الائتمان الخاص لا يزال صغيراً نسبياً إذا ما قورن بميزانيات البنوك التقليدية أو بسوق السندات، أقرب إلى السذاجة. فالتاريخ سبق أن أثبت مراراً كم تكون هذه الحسابات خادعة. ذلك أن الخطر النظامي لا يحدده الحجم الاسمي للقطاع فحسب، بل تحدده كثافة الروابط، ونوعية الضمانات، وحجم الرافعة المخفية، ووهم السيولة، والسرعة التي يمكن أن تتحول بها مشكلة محلية إلى أزمة ثقة شاملة.

وفي عامي 2007 و2008 أيضاً، عندما كان الحديث يدور عن الرهون العقارية عالية المخاطر، وجدنا من يهز كتفيه باستخفاف ويقول إن القطاع مزعج، نعم، لكنه لا يمثل السوق بأكمله. كانوا ينظرون إلى الأرقام كل على حدة، لا إلى النظام بوصفه كياناً مترابطاً. ثم اتضح أن العدوى كانت قد سرت منذ وقت طويل في شرايين الآلة المالية كلها. واليوم، قد يتكرر الخطأ نفسه، لكن بدلاً من أوراق الرهن العقاري، ستكون في قلب العاصفة دفاتر الائتمان الخاص، والصناديق، والتأمين المرتبط بها، والقصص الشركاتية المبالغ في تقييمها، وهياكل الدين التي تعيش في منطقة رمادية بعيدة عن رقابة عامة مكتملة.

وهناك أيضاً قاعدة نفسية لا يجوز تجاهلها. فالأزمات الكبرى تقع، في الغالب، عندما تكون ذاكرة الأزمة السابقة قد تلاشت بما يكفي لكي يبدأ جيل جديد من المديرين الماليين في الاعتقاد بأنهم أذكى من الدورة نفسها. مرة كل عقدين تقريباً، يعيد النظام إقناع نفسه بأن الخطر بات حبيس الكتب، وأن الأطر التنظيمية ونماذج المخاطر أصبحت من الكمال بحيث تجعل الانهيار الكبير شبه مستحيل. وهذا وهم بالغ الخطورة. فالمال لا يعرف نصراً نهائياً على الجشع، ولا على الغرور، ولا على غريزة القطيع.

واليوم، يبدو العالم وقد وصل بالفعل إلى هذه العتبة النفسية. فالانهيار الكبير الأخير ابتعد بما يكفي في الزمن حتى توقف عن كونه صدمة حية، وتحول إلى مجرد ذكرى أكاديمية. وعندما يبهت الخوف، يبدأ الخطر من جديد في الظهور بثياب تبدو قابلة للإدارة.

لهذا كله، لا يحتاج العالم الآن إلى تراتيل مهدئة، بل إلى تحليل بارد وقاسٍ لا يجامل. فأمامنا اليوم تكاد تكون اكتملت معظم الشروط الأساسية لأزمة كبرى: قطاع سريع النمو من الإقراض المعتم، ومؤشرات ملموسة على تدهور جودة الأصول، وقيود على سحب الأموال من الصناديق، وروابط مصرفية مع هياكل عالية المخاطر، وضغط على أرباح الشركات، وطاقة باهظة، وصدمة جيوسياسية، وتهديد ركود تضخمي، وموازنات حكومية مثقلة، ومساحة أضيق بكثير لأي تدخل إنقاذي عاجل.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العالم سيستيقظ صباح الغد على سبتمبر جديد من عام 2008. فالأنظمة المالية قادرة، لبعض الوقت، على العيش في حالة معلقة. وهي تعرف كيف تمدد الأزمة زمنياً، وتخفي المشكلات وراء الحسابات، وتؤجل الاعتراف بالخسائر، وتعيد إقراض المقترضين الأضعف، وتراهن على انعطافة في الجغرافيا السياسية، وعلى هدوء في أسواق السلع الأولية. وأحياناً ينجح هذا فعلاً في تفادي الكارثة. لكن حين يزداد عدد الشقوق إلى حد كبير، يتغير السؤال نفسه. فلا يعود السؤال: هل هناك خطر. بل يصبح: ما الذي سيضغط على الزناد.

قد يكون ذلك قفزة جديدة وحادة في أسعار النفط. وقد تكون سلسلة من حالات التعثر في سوق الائتمان الخاص. وقد يكون إفلاساً مدوياً لكيان آخر كان يُنظر إليه بوصفه محترماً أكثر مما ينبغي لكي يسقط. وقد تكون أزمة سيولة في أحد الصناديق الكبرى. وقد تكون موجة بيع في سوق السندات ترفع كلفة التمويل إلى مستوى لا يعود قابلاً للحياة بالنسبة إلى الشركات المثقلة بالديون. وقد يكون أيضاً مجرد مزيج من إرهاق المستثمرين، حين يقررون في لحظة ما أنهم لم يعودوا راغبين في مواصلة هذه اللعبة.

ولهذا بالذات تبدو الخلطة الحالية من الرضا عن النفس والتوتر العصبي في الأسواق شديدة الخطورة. فمن جهة، لا يزال كثيرون يتصرفون وكأن مشكلات الائتمان الخاص شأن يخص أهل الاختصاص وحدهم. ومن جهة أخرى، تلقت أسهم عدد من كبار اللاعبين في هذا القطاع ضربات قاسية بالفعل. وهذه هي النبرة الكلاسيكية التي تسبق الأزمات. في العلن، لا يزال الكلام يدور عن غياب الخطر النظامي. لكن الأموال، في الكواليس، بدأت تصوت بأقدامها.

وإذا نظرنا إلى المشهد بقدر من الصراحة، فإن الخلاصة الأهم ستكون واضحة. العالم لم يعد يواجه متاعب مالية متفرقة فحسب. بل دخل مرحلة بدأت فيها خطوط خطر كانت تبدو سابقاً متباعدة تتقاطع في نقطة واحدة. التوسع الائتماني في الظل التقى بصدمة الطاقة. والجغرافيا السياسية التقت بالديون. وضعف الشفافية التقى بحاجة متزايدة إلى السيولة. ووهم المتانة التقى بالكلفة الحقيقية للمال. وكل ذلك اجتمع في لحظة واحدة مع دول تملك من الموارد لإنقاذ النظام أقل بكثير مما كانت تتمنى.

فهل يعني هذا أن الانهيار الكبير الجديد أصبح حتمياً. لا. فالكوارث المالية لا تعمل وفق التقويم. لكن هل يعني هذا أن الوقت وقت اطمئنان. قطعاً لا. بل إن المرحلة التي لم يقع فيها الانهيار بعد، فيما شروطه باتت حاضرة أمام الأعين، هي في العادة أخطر المقاطع كلها، وهي نفسها المرحلة التي تُهدر فيها التريليونات.

فالخطر الأكبر الذي يتهدد الاقتصاد العالمي اليوم لا يكمن فقط في صعود أسعار النفط، ولا فقط في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ولا فقط في الظل المصرفي بحد ذاته. الخطر الأكبر يكمن في اقتران هذه العوامل كلها. في أن الخطر الكامن والصدمة الخارجية التقيا في الزمن نفسه. وفي أن العالم المالي وجد نفسه مرة أخرى أمام الحقيقة القديمة ذاتها. أكثر الأزمات تدميراً تولد هناك، حيث يواصل الغرور طويلاً تغطية غياب الشفافية.

وإذا بدأت هذه الحقيقة تتأكد في الأشهر المقبلة عبر إفلاسات جديدة، وقيود جديدة على سحب الأموال، وشطوب جديدة، وقفزات جديدة في أسعار المواد الأولية، فعندها سيتضح نهائياً أن المسألة لم تكن مجرد قصة خاصة لمقرض سيئ الحظ، ولا اضطراباً عابراً في زاوية أخرى من السوق. بل كانت بداية إعادة تسعير كبرى لعصر كامل من الثقة الرخيصة بالنفس، ذلك العصر الذي ظلت فيه أموال الظل تتنكر في هيئة أموال آمنة لمدة أطول مما ينبغي.

وفي مثل هذه اللحظات، يكون السوق في أقصى درجات القسوة. فهو يمنح نفسه طويلاً ترف الوقوع في الوهم، ثم يبدأ خلال أسابيع معدودة في المعاقبة على كل الأوهام المتراكمة دفعة واحدة. وإذا كانت المنظومة العالمية قد اقتربت فعلاً من هذا الخط الفاصل، فإن الأصل الأكثر ندرة في المرحلة المقبلة لن يكون النفط، ولا السيولة، ولا حتى رأس المال. الأصل الأندر سيكون الثقة.

وحين تختفي الثقة من السوق، يبدأ كل شيء آخر في الاختفاء بعدها مباشرة.