...

الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى يوماً حبيسة الشرق الأوسط. قد تبدأ كاشتباك محلي، أو تبادل ضربات، أو حملة ردع، أو عملية محدودة، لكنها تنتهي دائماً على النحو نفسه: صدمة للاقتصاد العالمي، وضغوط تضخمية، وتوتر في الأسواق، وارتفاع في كلفة الخدمات اللوجستية، وزيادة في أقساط التأمين، وإعادة نظر في استراتيجيات الاستثمار، وتبدل في الفهم ذاته لمعنى الاستقرار العالمي.

وهنا تحديداً تكمن الحقيقة الكاملة للحرب الدائرة حول إيران. فارتداداتها لا تتوقف عند حدود ساحة القتال. إنها تتسلل إلى كل شريان في المنظومة الاقتصادية العالمية الحديثة، من ناقلة النفط ومحطة الغاز، إلى رف الخبز وسعر الرهن العقاري.

الخطأ الفكري الأكبر في قراءة مثل هذه الأزمات هو محاولة اختزالها بلغة البيانات العسكرية وحدها. من الذي ضرب أولاً، وكم صاروخاً أصاب هدفه، وما مدى فعالية الدفاعات الجوية، وأي منشأة خرجت من الخدمة، وما الخسائر التي جرى الإقرار بها وتلك التي جرى نفيها. لكن ما يهم الاقتصاد العالمي أكثر من كل ذلك هو أمر آخر تماماً: ماذا يحدث لسعر المخاطر. فاقتصاد اليوم لم يعد قائماً فقط على الإنتاج والاستهلاك، بل أيضاً على توقع الهزات. وتوقع الهزة بحد ذاته صار عاملاً اقتصادياً. بل قد يكون في أحيان كثيرة أشد تدميراً من الهزة نفسها.

الحرب حول إيران تضرب هذا الأساس بالذات. فهي تحول واحدة من أهم العقد الطاقوية على وجه الأرض من ممر لوجستي اعتيادي إلى مصدر دائم للقلق العالمي. ومضيق هرمز ليس مجرد بقعة على الخريطة. إنه عصب الطاقة العالمي. وفي عام 2024، مر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من الهيدروكربونات السائلة. كما أن نحو ربع تجارة النفط البحرية في العالم يمر عبر هذا الممر. وبكلام أوضح، نحن لا نتحدث عن طريق ثانوي يمكن الالتفاف عليه بسهولة، بل عن واحد من المفاصل الحيوية التي يتغذى منها الاقتصاد العالمي.

ومن هنا يبرز الاستنتاج الأول، وهو الأخطر: بعد حرب كبرى على مقربة من إيران، لن يعود سعر النفط محكوماً فقط بتوازن العرض والطلب. ستدخل إليه علاوة طويلة الأمد مرتبطة بهشاشة المسار نفسه. قبل الأزمة، كان السوق يناقش النفط الصخري الأميركي، وحصص أوبك بلس، وتباطؤ الصين، وحال الصناعة الأوروبية، واحتمالات الركود في منطقة اليورو. وبعد مثل هذا النزاع، لن تختفي هذه العوامل، لكنها ستصبح خاضعة لمتغير جديد أشد قسوة: الخطر العسكري. وهذا يعني أن النفط سيصبح أغلى ثمناً حتى من دون انقطاع فعلي وفوري في الإمدادات، فقط لأن احتمال الانقطاع المستقبلي ارتفع.

وهذه النقطة بالذات يجب فهمها جيداً. فالسوق لا يتأثر فقط بحقيقة العجز، بل أيضاً باحتمال العجز. وهذا فارق جوهري بين مستويين مختلفين من الواقع الاقتصادي. قد تكون الإمدادات ما زالت متوافرة، والناقلات ما زالت تبحر، والعقود التصديرية ما زالت تُنفذ، لكن آلة أخرى تكون قد بدأت بالدوران: آلة الخوف، وإعادة التأمين، وهوامش الأمان، وعلاوات الخطر، والتخزين الاستباقي. شركات التأمين ترفع أسعارها. وشركات الشحن تعيد النظر في شروطها. والتجار يضيفون علاوة جديدة إلى السعر. والمستوردون يسارعون إلى الشراء بكميات أكبر وفي وقت أبكر. والدول تبدأ التفكير في احتياطاتها. والبنوك تعدل شروط التمويل في صفقات المواد الأولية. وفي النتيجة، يتشكل أثر تضخمي حقيقي حتى من دون حصار شامل.

وإذا كان النفط هو الموجة الأولى، فإن الغاز هو الموجة الثانية، وهي أكثر خفاءً، وفي حالات كثيرة أشد خطورة. فقرابة 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم تمر عبر هرمز. ويعبر هذا الطريق تقريباً كامل صادرات قطر من الغاز المسال، ومعظم صادرات الإمارات كذلك. وهنا لا يعود الأمر مسألة سعر مادة خام فقط، بل يصبح قضية أمن طاقوي لمناطق كاملة، وفي مقدمتها آسيا. وأسواق الغاز أكثر عصبية بكثير مما يظنه كثيرون. فهي أقل مرونة من سوق النفط، وأكثر ارتباطاً بالبنية التحتية، والدورات التكنولوجية، والمحطات، وأسطول ناقلات الغاز، والعقود الطويلة الأجل. وأي اضطراب، حتى لو كان محدوداً، في منطقة يمر عبرها هذا الحجم من تجارة الغاز العالمية، قادر على إطلاق سلسلة من التفاعلات: ارتفاع كلفة الوقود، ثم أسعار الكهرباء، ثم كلفة الإنتاج الصناعي، ثم أعباء الخدمات الأساسية، وفي النهاية تصاعد التوتر الاجتماعي.

حين يرتفع سعر النفط، ترتفع كلفة النقل. وحين يرتفع سعر الغاز، ترتفع كلفة الحياة الصناعية الحديثة نفسها. هنا تتلقى قطاعات التعدين، والكيماويات، والأسمدة، والزجاج، والإسمنت، ومواد البناء، والكهرباء، الضربة مباشرة. وأي نزاع كبير حول إيران يتحول فوراً إلى دوامة تضخمية عالمية، لأن الطاقة هي دم الاقتصاد. وإذا ارتفع ثمن هذا الدم، اعتل الجسد كله.

وتظهر التداعيات الأشد قسوة في قطاع الأسمدة والغذاء. وهذه تحديداً هي المنطقة التي لا تتصدر العناوين في البداية، لكنها تعود لتضرب العالم في ما بعد بأشد الأوجاع. فقرابة 30 في المئة من تجارة الأسمدة العالمية ترتبط بشكل أو بآخر بمسارات تمر عبر مناطق عالية المخاطر قرب هرمز. ومع التصعيد العسكري، قفزت أسعار اليوريا وعدد من الأسمدة النيتروجينية الأخرى في بعض قطاعات السوق بنسب تراوحت بين 30 و40 في المئة. كما سجلت مؤشرات أسعار الأسمدة في الربع الثالث من عام 2025 ارتفاعاً يقارب 14 في المئة مقارنة بالربع السابق، وكانت أعلى بنحو 28 في المئة من مستواها قبل عام. وهذه ليست أرقاماً جامدة، بل إنذار مبكر لموجة غلاء غذائي قادمة.

السلسلة الاقتصادية هنا لا تعرف الرحمة. كلما ارتفع سعر الغاز، ارتفعت كلفة الأسمدة النيتروجينية. وكلما ارتفعت كلفة الأسمدة، ارتفعت كلفة المحصول. وكلما ارتفعت كلفة المحصول، ارتفعت أسعار الحبوب، والأعلاف، والزيوت النباتية، واللحوم، والحليب، والدواجن. ومن هنا يبدأ الأثر الاجتماعي: في الدول الفقيرة يزداد خطر عدم الاستقرار الغذائي، وفي الدول متوسطة الدخل تتسارع معدلات التضخم، وفي الاقتصادات المتقدمة يتصاعد الضغط على الدخول الحقيقية وميزانيات الأسر. وبعبارة أخرى، قد تبدأ الحرب حول إيران في ممر بحري ضيق، لكنها تنتهي في شكل ارتفاع في أسعار الخبز واللحم والكهرباء على بعد آلاف الكيلومترات من ساحة القتال.

وهذا الخطر يبدو أشد وطأة بالنسبة إلى دول أفريقيا وأجزاء من آسيا. فحصة الإنفاق على الغذاء من ميزانية الأسرة هناك أعلى بكثير منها في الدول الغنية. وهذا يعني أن أي قفزة في الأسعار الأساسية لا تصيب مستوى الرفاه، بل تمس البقاء نفسه. حين ترتفع أسعار الطعام في دولة متقدمة، يثير الأمر الامتعاض والسجال السياسي. أما حين ترتفع في دولة فقيرة، فقد يفتح الباب أمام الجوع، والاحتجاجات في الشوارع، والاضطراب السياسي، وجولة جديدة من الأزمات الداخلية. وهكذا تصدر الحرب عدم الاستقرار عبر قنوات الغذاء.

ولا يقل عنها تدميراً ما يصيب الاستثمارات. فالرأسمال المعاصر لا يعشق البطولة، بل يعشق القدرة على التنبؤ. يمكنه أن يعمل في بيئات عالية المخاطر، لكن بشرط أن يكون الخطر مفهوماً، وقابلاً للحساب، ومحدوداً بسقف واضح. أما حين تجد منطقة أمضت عقوداً وهي تبيع للعالم صورة الفضاء العصري الفائق الحداثة، بمشاريعها العملاقة، وناطحات سحابها، ومراكزها المالية، ومبادراتها التكنولوجية، ومجمعاتها السياحية، وطموحها للتحول إلى مركز عالمي، نفسها فجأة داخل دائرة حرب كبرى، فإن ما يحدث ليس مجرد توتر عابر، بل إعادة تقييم كاملة لعلامتها الأمنية.

وفي عام 2024، تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً بنسبة 11 في المئة إلى نحو 1.5 تريليون دولار. وهذا يعني أن رأس المال العالمي بات أصلاً أكثر حذراً. إنه يتحرك ببطء أكبر، ويختار بصرامة أعلى، ويطلب قدراً أكبر من الطمأنينة والتغطية التأمينية. وفي مثل هذا المناخ، فإن أي نزاع جديد ذي طابع بنيوي قرب الأسواق الحيوية يزيد المنافسة على الأموال. وإذا كانت دول الخليج تكتفي سابقاً بعرض الاستقرار، والبنية التحتية، وسرعة النمو، فإنها ستكون مضطرة الآن إلى تقديم تعويض إضافي للمستثمر عن الخوف الجيوسياسي. والخوف سلعة باهظة الثمن.

وقد تعاملت الأسواق مع هذا الواقع لا بوصفه تهديداً خطابياً، بل باعتباره عاملاً قادراً على تغيير نماذج تقييم الأصول. وخلال فترات التصعيد، تعرضت مؤشرات الأسهم في عدد من دول المنطقة لضغوط ملموسة. كما فقدت بعض الأسهم، ولا سيما المرتبطة بالعقار والتطوير، جزءاً مهماً من قيمتها السوقية. وتحدثت تقارير أيضاً عن هبوط حاد في أحجام الصفقات العقارية في الإمارات، إذ تراجعت في مطلع إحدى الفترات المتأزمة بأكثر من الثلث على أساس سنوي. وهذه إشارة شديدة الدلالة. لأن العقار، والسياحة، والتطوير، وسوق المال، والخدمات المالية، لا تعيش على المال فقط، بل على الثقة أيضاً. وإذا اهتزت الثقة، بات المال يتحرك أبطأ، وأكثر حذراً، وبكلفة أعلى.

وهنا تحديداً تكسر الحرب حول إيران أحد أكبر أوهام العولمة المتأخرة: وهم أن كل مشكلة يمكن تجاوزها بالتنويع. لا، ليس كل شيء قابلاً للتجاوز. فالجغرافيا لها حدودها الصلبة. وحتى القدرات البديلة لخطوط الأنابيب، التي يمكن نظرياً أن تعوض جزئياً أي تعطل في الإمدادات بعيداً عن هرمز، لا تتجاوز ما بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً. وحتى في الحد الأقصى، يبقى هذا الرقم أدنى بكثير من الحجم الذي يمر يومياً عبر المضيق. وهذا يعني أن العالم قد يخفف الصدمة، لكنه لا يستطيع امتصاصها من دون ألم. وهنا تنتهي الوهم المريح الذي يقول إن اللوجستيات الحديثة هزمت الجغرافيا بالكامل.

بل إن الحرب تسرع مسار فك الارتباط بالعولمة، لا بالمعنى الدعائي، بل بالمعنى العملي المباشر. فالشركات تبدأ بالتفكير لا في المكان الأرخص، بل في المكان الأكثر أماناً. ولا في كيفية انتزاع أقصى قدر من الكفاءة من سلاسل الإمداد، بل في كيفية النجاة من الأزمة التالية. وهذا يقود إلى عدة نتائج كبرى. أولها زيادة المخزونات. وثانيها توسيع الهوامش المالية الوقائية. وثالثها نقل جزء من الإنتاج إلى أماكن أقرب من السوق النهائية. ورابعها التخلي عن النماذج اللوجستية فائقة التحسين. وخامسها ارتفاع كلفة التجارة الدولية برمتها. فالعالم يبدأ بدفع المزيد، لا ثمناً للسلعة في حد ذاتها، بل ثمناً لموثوقية وصولها.

في عالم كهذا، تتراجع الكفاءة أمام الموثوقية. والموثوقية، كما هو معروف، أعلى كلفة دائماً. هنا بالتحديد تتجلى الضريبة الخفية الجديدة التي تفرضها الحروب الكبرى. لا تجبيها دولة واحدة، ولا تمر عبر نقطة جمركية واحدة. إنها تتوزع على امتداد المنظومة العالمية كلها، عبر الشحن، والتأمين، والاحتياط، وعلاوة المخاطر، وارتفاع كلفة رأس المال، وحذر المستثمرين.

وهناك نتيجة أخرى لا تحظى بالانتباه الذي تستحقه في كثير من الأحيان، وهي عودة التضخم بوصفه ظاهرة جيوسياسية. خلال العقود الأخيرة، اعتادت نخب العالم المتقدم النظر إلى ارتفاع الأسعار باعتباره في المقام الأول نتاجاً للسياسة النقدية، والعجز المالي، والطلب، والإنتاجية. لكن الحروب من طراز الحرب الإيرانية تعيد التذكير بحقيقة قديمة: فالتضخم لا يأتي دائماً من آلة طباعة النقود، بل قد يأتي من المضيق، ومن خط الأنابيب، ومن المحطة، ومن الناقلة، ومن المستودع المدمر، ومن التهديد العسكري. وفي وضع كهذا، يمكن للبنك المركزي أن يعبث بأسعار الفائدة كيفما شاء، لكنه لن يكون قادراً عبر الفائدة وحدها على إزالة الألغام من المسار، أو خفض أقساط التأمين، أو إعادة الشعور بالثقة الاستراتيجية إلى المستثمر.

وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي بعد الحرب حول إيران لن يصبح فقط أكثر كلفة، بل أقل قابلية للإدارة بالأدوات التقليدية. وهذه نقطة بالغة الأهمية. فعندما يكون التضخم ذا طابع نقدي، يمكن مواجهته برفع الفائدة، وتقليص السيولة، وتهدئة الطلب. أما حين يكتسب طابعاً جيوسياسياً، فإن هذه الأدوات تصبح أقل فاعلية بكثير وأكثر إيلاماً. فرفع الفائدة في مثل هذه الحالة لا يعالج السبب، بل يحد فقط جزئياً من النتائج. أما ثمن هذا الاحتواء، فهو تباطؤ الاقتصاد، وتراجع الائتمان، وانخفاض النشاط الاستثماري، وارتفاع الأعباء على الشركات.

ولا ينبغي كذلك إغفال المواد الخام الصناعية. فالشرق الأوسط ليس نفطاً وغازاً فقط. إنه أيضاً جزء وازن من التجارة العالمية في المعادن ومنتجات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وتحتل دول الخليج موقعاً مهماً في سوق الألمنيوم، فيما يعد الألمنيوم أحد أكثر المعادن حساسية لكلفة الطاقة. وإذا ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء، وازدادت كلفة الخدمات اللوجستية، وتصاعد القلق حول الممرات البحرية الضيقة، فإن ذلك يضغط حتماً على أسعار الألمنيوم. ومن هناك تنتقل الضربة إلى صناعة السيارات، والطيران، والبناء، والكابلات، والتغليف، والإلكترونيات، ومشاريع البنية التحتية. وهكذا يبدأ نزاع عسكري إقليمي بالتسلل إلى قطاعات شتى من الصناعة العالمية.

وكل ذلك يعني أيضاً تحولاً آخر، يتمثل في تعاظم دور الدولة في الاقتصاد. فبعد حروب من هذا النوع، لا تعود الحكومات قادرة على التصرف بوصفها مجرد مراقب محايد للسوق. إنها تُدفع دفعاً إلى أن تصبح مهندساً للدفاع الاقتصادي. فتبدأ بزيادة الاحتياطيات، وتأمين الإمدادات الحساسة، ودعم الممرات اللوجستية، ومساندة القطاعات الهشة، وتقييد تصدير بعض السلع، وكبح ارتفاع الأسعار في الداخل، والتدخل في التعرفات، بل والتضحية أحياناً بنقاء السوق من أجل حماية الاستقرار الاجتماعي. العالم بعد الحرب مع إيران لن يكون فقط أغلى كلفة، بل سيكون أيضاً أكثر خضوعاً للدولة.

وتزداد أهمية ذلك لأننا ندخل عصراً تستعيد فيه الطرق والموارد والعقود سعراً مزدوجاً، تجارياً وسياسياً. فمحطة النفط لم تعد مجرد منشأة بنية تحتية، بل أصبحت جزءاً من الأمن القومي. وعقد الغاز لم يعد صفقة أعمال فحسب، بل صار بوليصة تأمين استراتيجية. والأسمدة لم تعد مجرد مادة كيميائية زراعية، بل مسألة سيادة غذائية. أما المضيق البحري، فلم يعد مجرد جغرافيا لوجستية، بل عصباً من أعصاب النفوذ السياسي.

ولهذا تحديداً، فإن القول إن الاقتصاد العالمي السابق لن يعود، ليس مبالغة صحافية. إنه توصيف لتحول بنيوي عميق. لن يعود الاقتصاد كما كان، لا لأن التجارة ستنهار أو لأن الإنتاج سيتوقف. هذا لن يحدث. العالم لن يختفي ولن يتجمد. لكنه سيعيش وفق قواعد مختلفة. الطاقة ستُسعّر بكلفة أعلى. والمخاطر ستُحتسب بصرامة أكبر. والخدمات اللوجستية ستصبح أكثر حذراً وأكثر كلفة. والاستثمارات ستتدفق بوتيرة أبطأ، مع طلب أكبر لعلاوة الأمان. والدول ستتدخل في السوق على نحو أوسع. أما التضخم، فسيكون في أحيان متزايدة وليد الاضطراب الخارجي لا السخونة الداخلية.

وإذا جرى تلخيص ما سبق في جملة من النتائج الاستراتيجية، فإن الصورة تبدو واضحة.

أولاً، الحرب حول إيران تكرس علاوة مخاطر دائمة في أسواق الطاقة. وحتى لو توقفت العمليات العسكرية المباشرة، فإن السوق لن تنسى أن واحداً من أهم مسارات التجارة العالمية كان تحت تهديد فعلي.

ثانياً، هذه الحرب تعزز الضغوط التضخمية العالمية عبر النفط، والغاز، والأسمدة، والغذاء، والمعادن، وتكاليف النقل.

ثالثاً، إنها تضعف المناخ الاستثماري في المنطقة، وترفع الكلفة العامة لرأس المال بالنسبة إلى المشاريع المرتبطة بالشرق الأوسط وبالعقد اللوجستية المجاورة له.

رابعاً، إنها تسرع الانتقال من نموذج البحث عن أقصى درجات الرخص إلى نموذج البحث عن أقصى درجات الموثوقية في سلاسل الإمداد.

خامساً، إنها تعيد الدولة إلى قلب الإدارة الاقتصادية، بوصفها الجهة التي يفترض بها حماية المجتمع من الصدمات الخارجية.

وأخيراً، سادساً، إنها تجعل الاقتصاد العالمي أقل ثقة. والثقة هي ذلك الإسمنت غير المرئي الذي من دونه يتحول السوق العالمي إلى شبكة من الروابط القلقة، المكلفة، والهشة.

وهنا تكمن القسوة التاريخية لمثل هذه الحروب. فالمنشآت المدمرة يمكن إعادة بنائها. والمخازن المحترقة يمكن تشييدها من جديد. والسفن المتضررة يمكن استبدالها. والمحطات يمكن إصلاحها. لكن الأصعب بكثير هو استعادة الإحساس بإمكان التنبؤ. والاقتصاد الحديث يقوم، في جوهره، على هذا الإحساس بالذات، على الثقة بأن الطريق سيظل مفتوحاً، وأن العقد سيُنفذ، وأن التأمين سيبقى متاحاً، وأن الطاقة ستبقى مستقرة نسبياً، وأن الأفق الاستثماري سيكون أبعد من مدى الصاروخ التالي.

بعد الحرب حول إيران، لن تعود هذه الثقة كما كانت. وهذا يعني، ببساطة، أن الاقتصاد العالمي لن يعود هو الآخر كما كان.