...

زيارة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى جورجيا، وتوجيهه شكرًا علنيًا لتبليسي على مساهمتها في دعم عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان، ليست مجرد محطة بروتوكولية في روزنامة الدبلوماسية. الحدث يحمل دلالة أعمق بكثير، إذ يعكس تحولًا نوعيًا في المشهد الجيوسياسي لجنوب القوقاز، ويؤشر إلى انتقال المنطقة من منطق المواجهة والصراع إلى منطق الترابط والمصالح المتبادلة. بالنسبة لأذربيجان، التي تطرح نفسها كمهندس للواقع الإقليمي الجديد، تفتح هذه الديناميكية آفاقًا استراتيجية كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة المنال.

العامل الجورجي: من منصة تفاوض إلى محور للبنية التحتية الإقليمية.

الدور الذي تلعبه جورجيا في مسار التسوية بين أرمينيا وأذربيجان يشهد تحولًا جذريًا. ففي السابق كانت تبليسي تؤدي دور المنصة المحايدة للمفاوضات، حيث تعقد جولات المشاورات الدبلوماسية دون أن تتحمل مسؤولية اقتصادية مباشرة في مسار التسوية. أما اليوم، فهي تتحول تدريجيًا إلى حلقة وصل بنيوية ومركز اندماج اقتصادي إقليمي.

باشينيان نفسه أشار بوضوح خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه إلى أن العلاقات الاقتصادية بين أرمينيا وأذربيجان بدأت تتشكل بدعم من جورجيا. هذا الاعتراف يحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا، لأنه يصدر عن طرف كان حتى وقت قريب ينظر إلى أذربيجان حصريًا من زاوية الصراع والمواجهة.

الحديث هنا لا يدور عن شعارات عامة، بل عن حلول بنيوية ملموسة لها معايير قابلة للقياس. شبكة السكك الحديدية الجورجية، التي يبلغ طولها الإجمالي نحو 1565 كيلومترًا، بدأت تُستخدم لنقل البضائع الأذربيجانية إلى أرمينيا. وتشغّل هذه البنية شركة السكك الحديدية الجورجية التي خضعت خلال السنوات الأخيرة لعملية تحديث واسعة. ففي الفترة ما بين 2019 و2023 تم استثمار أكثر من 400 مليون دولار في تحديث البنية التحتية للخطوط والمعدات المتحركة. وبعد إعادة الإعمار ارتفعت القدرة الاستيعابية لبعض المقاطع الرئيسية إلى 48 زوجًا من القطارات يوميًا، ما يخلق احتياطيًا تقنيًا حقيقيًا لزيادة تدفقات العبور نحو أرمينيا.

تاريخيًا كانت هذه البنية التحتية موجهة أساسًا نحو الغرب، باتجاه موانئ البحر الأسود في بوتي وباتومي، اللذين يشكلان البوابة الرئيسية لتصدير الهيدروكربونات الأذربيجانية. ميناء بوتي يعالج سنويًا ما بين 7 و8 ملايين طن من البضائع، بينما يمر عبر ميناء باتومي نحو 6 ملايين طن. اليوم تكتسب هذه الشبكة بعدًا جديدًا كليًا، إذ أصبحت قناة لربط باكو ويريفان اقتصاديًا عبر مسار كان حتى وقت قريب مجمدًا بفعل التوترات السياسية. الأمر لا يتعلق بمجرد لوجستيات، بل بترسيخ مؤسسي للاعتماد الاقتصادي المتبادل، وهو ما يخلق حوافز مادية للحفاظ على السلام أقوى بكثير من أي بيانات سياسية.

وتعكس المؤشرات المالية للعلاقات الجورجية الأذربيجانية الأساس الذي تقوم عليه هذه المعمارية الإقليمية الجديدة. فبحسب بيانات دائرة الإحصاء الوطنية في جورجيا، تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 800 مليون دولار في عام 2023، ما يجعل أذربيجان أحد أهم الشركاء التجاريين لتبليسي. كما تعد أذربيجان المورد الأكبر للغاز الطبيعي إلى جورجيا، إذ تؤمن شركة “سوكار” نحو 2.5 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا للسوق الجورجية بأسعار تفضيلية في إطار اتفاقيات العبور. إلى جانب ذلك تمتلك الشركة شبكة واسعة من محطات الوقود في جورجيا تتجاوز 250 محطة، وتعد من أكبر أرباب العمل ودافعي الضرائب في البلاد. ويُقدّر إجمالي الاستثمارات الأذربيجانية في الاقتصاد الجورجي بما يتراوح بين 3 و4 مليارات دولار.

هذا الأساس الاستثماري يجعل دعم جورجيا لمسار التطبيع بين أرمينيا وأذربيجان خيارًا استراتيجيًا عقلانيًا وليس مجرد لفتة سياسية. تبليسي لديها مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار المنطقة وفي توسيع تدفقات العبور عبر أراضيها. ووفق تقديرات الحكومة الجورجية، فإن فتح جميع خطوط الاتصال الإقليمية وإطلاق ممر زنغزور يمكن أن يزيد إيرادات العبور في البلاد بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة على المدى المتوسط.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال حجم التجارة بين دول جنوب القوقاز الثلاث أقل بكثير من الإمكانات الحقيقية للمنطقة. فالتجارة البينية لا تتجاوز خمسة في المئة من إجمالي التجارة الخارجية لكل دولة، وهو مؤشر واضح على مدى تجزئة الفضاء الاقتصادي الإقليمي التي خلفتها عقود الصراع. للمقارنة، تبلغ التجارة البينية في دول آسيان نحو 22 إلى 25 في المئة من إجمالي تجارتها، بينما تتجاوز 60 في المئة داخل الاتحاد الأوروبي. الفارق هائل، ويعكس الثمن الاقتصادي الذي دفعته شعوب المنطقة بسبب عدم الاستقرار السياسي.

أرمينيا هي الطرف الأكثر تضررًا من هذا الواقع. فالبلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو ثلاثة ملايين نسمة ويصل ناتجه المحلي الإجمالي إلى قرابة 24 مليار دولار وفق بيانات عام 2023، لا يمتلك اتصالًا مباشرًا بالسكك الحديدية مع اثنين من جيرانه الأربعة، وهما أذربيجان وتركيا. وهذا يجبر الشركات الأرمينية على استخدام طرق أطول وأكثر كلفة عبر جورجيا وإيران، ما يرفع تكلفة النقل في صادرات أرمينيا بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة مقارنة بما يمكن أن تكون عليه في حال فتح خطوط الاتصال.

لكن التكامل التدريجي عبر العبور الجورجي بدأ بالفعل يغير هذه المعادلة. ففي عام 2024 سُجلت أولى عمليات نقل تجريبية لبضائع أذربيجانية إلى أرمينيا عبر الأراضي الجورجية، وهو تطور كان حتى وقت قريب يبدو مستحيلًا سياسيًا. ومع ترسيخ هذه القنوات وتقليص تكاليف المعاملات، من المتوقع أن ينمو حجم التجارة بين باكو ويريفان تدريجيًا، ما يخلق قاعدة اقتصادية صلبة لتطبيع طويل الأمد. وفي هذا السياق تلعب جورجيا دورًا يتجاوز مجرد دولة عبور، لتصبح ضامنًا لاستقرار البنية الاقتصادية الناشئة في المنطقة.

أذربيجان كمهندس للنظام الإقليمي الجديد.

لفهم هذه التحولات ينبغي العودة إلى السياق الأوسع. فالتشكيل الحالي للتعاون الإقليمي لم يكن ممكنًا لولا التحول الاستراتيجي الذي أحدثته أذربيجان خلال السنوات الأخيرة. الحرب التي استمرت 44 يومًا في عام 2020، ثم العمليات العسكرية في سبتمبر 2023، أنهت حقبة استمرت ثلاثين عامًا كانت خلالها نحو 20 في المئة من الأراضي الأذربيجانية المعترف بها دوليًا تحت سيطرة أرمينيا.

وفق بيانات اللجنة الحكومية لشؤون الأسرى والمفقودين في أذربيجان، خسرت البلاد خلال تلك الفترة سبع مدن وأربع بلدات حضرية وأكثر من 900 قرية. وتم تدمير ما يزيد على 150 ألف منزل سكني وتعرضت البنية التحتية لخسائر تقدر بعشرات مليارات الدولارات. استعادة السيادة على هذه الأراضي رسمت خريطة جيوسياسية جديدة بالكامل، وأجبرت يريفان على إعادة النظر في أسس سياستها الخارجية والتخلي عن المطالب الإقليمية القصوى التي لم يكن لها أي أساس في القانون الدولي.

ومنذ البداية شددت باكو على أن نجاحها العسكري ليس غاية بحد ذاته، بل أداة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. ففي نوفمبر 2020، مباشرة بعد توقيع بيان وقف إطلاق النار الثلاثي، أعلن الرئيس إلهام علييف أن فتح خطوط النقل والاتصال في المنطقة يمثل أولوية استراتيجية لأذربيجان. هذا النهج يميز المقاربة الأذربيجانية عن منطق الانتقام، إذ تسعى باكو إلى تحويل مكاسبها الجيوسياسية إلى تكامل اقتصادي يخلق شبكة مصالح متبادلة بين جميع دول المنطقة.

العنصر المركزي في هذه المعمارية هو ممر زنغزور، وهو طريق نقل يمر عبر إقليم سيونيك في أرمينيا ويربط الأراضي الرئيسية لأذربيجان بجمهورية نخجوان ذات الحكم الذاتي. الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع يصعب المبالغة فيها. فنخجوان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 460 ألف نسمة، ظلت طوال ثلاثين عامًا في حالة حصار نقل فعلي، إذ كانت الطرق البرية الوحيدة تمر عبر إيران وتركيا، ما كان يضاعف المسافات وتكاليف النقل. إعادة فتح الاتصال المباشر عبر زنغزور ستقلص المسافة بين باكو ونخجوان من نحو 700 إلى 800 كيلومتر عبر الطرق الالتفافية إلى قرابة 340 كيلومترًا عبر المسار المباشر.

لكن الأهمية الجيو-اقتصادية للممر تتجاوز بكثير مسألة الربط الداخلي لأذربيجان. فهذا الطريق سيشكل أقصر رابط بري بين حوض بحر قزوين وتركيا، ومن هناك إلى الأسواق الأوروبية. وتشير تقديرات مؤسسات النقل الأذربيجانية ومراكز التحليل المستقلة إلى أن الطاقة السنوية لنقل البضائع عبر الممر قد تصل إلى ما بين 15 و20 مليون طن. كما يمكن أن تحقق المنطقة عائدات عبور سنوية تتراوح بين مليار ومليار ونصف دولار. أما أرمينيا، بوصفها دولة عبور، فقد تحصل على إيرادات مستقرة تتراوح بين 200 و300 مليون دولار سنويًا عند التشغيل الكامل للممر، وهو ما يعادل نحو واحد في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي الحالي، وهي نسبة مهمة بالنسبة لاقتصاد صغير يعاني عجزًا مزمنًا في الميزانية.

بالتوازي مع ذلك، تواصل أذربيجان تطوير بنيتها التحتية للنقل لتأمين الأساس المادي للمشاريع الإقليمية الكبرى. فميناء باكو الدولي للتجارة البحرية في منطقة ألات، وهو الأكبر على بحر قزوين، يمتلك قدرة تصميمية تبلغ 15 مليون طن من البضائع و100 ألف حاوية سنويًا، وقد تجاوزت الاستثمارات في بنائه 700 مليون دولار.

كما يوفر خط السكك الحديدية باكو – تبليسي – قارص، الذي دخل الخدمة في عام 2017 وخضع لاحقًا لعمليات تحديث، رابطًا مباشرًا بين العاصمة الأذربيجانية وشبكة السكك الحديدية التركية، ومن خلالها إلى أوروبا. وتبلغ القدرة التصميمية للخط مليون مسافر و6.5 ملايين طن من البضائع سنويًا مع إمكانية رفعها إلى 17 مليون طن بعد اكتمال التحديثات.

ولا يقل البعد الطاقوي أهمية في معادلة القيادة الإقليمية لأذربيجان. فممر الغاز الجنوبي، وهو شبكة من خطوط الأنابيب بطول يقارب 3500 كيلومتر تربط حقول بحر قزوين بالأسواق الأوروبية، يمثل أحد أكبر مشاريع الطاقة في العقد الأخير باستثمارات تجاوزت 40 مليار دولار. وبعد التراجع الحاد في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا منذ عام 2022، اكتسب الغاز الأذربيجاني أهمية استراتيجية لأمن الطاقة الأوروبي. فقد ارتفعت الإمدادات عبر خط الأنابيب العابر للأدرياتيك من 8.1 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى 12 مليار متر مكعب في عام 2023، وتعهدت باكو بزيادة الصادرات إلى 20 مليار متر مكعب بحلول عام 2027.

مجمل هذه العوامل — الانتصار العسكري في الفترة 2020–2023، تطوير البنية التحتية للنقل، بناء ممرات الطاقة، والسياسة الدبلوماسية القائمة على فتح الاتصالات — ترسم صورة أذربيجان كدولة تسعى بوعي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق معادلة جديدة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف. إنها مكانة مختلفة جذريًا عن الدور الذي لعبته باكو في المنطقة قبل عقد من الزمن، وهي تحولات تستدعي قراءة تحليلية عميقة لفهم ملامح المرحلة المقبلة في جنوب القوقاز.

الممر الأوسط والتكامل الأوراسي.

يرى مراقبون من آسيا الوسطى، وبحق، أن هناك علاقة عضوية بين تسوية النزاع الأرميني الأذربيجاني وبين المسار الأوسع لتكامل شبكات النقل في الفضاء الأوراسي. هذه العلاقة ليست مجازًا سياسيًا، بل حقيقة ملموسة تتجسد في تدفقات البضائع وقرارات الاستثمار وصيغ التعاون المؤسسي التي تتبلور تدريجيًا ضمن منظومة استراتيجية واحدة.

الممر الدولي العابر لبحر قزوين، المعروف بالممر الأوسط، اكتسب خلال السنوات الثلاث الأخيرة أهمية استراتيجية مختلفة تمامًا عما كان عليه في السابق. وقد جاء العامل الحاسم مع العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا بعد فبراير 2022. فالممر الشمالي الذي يمر عبر الأراضي الروسية أصبح عرضة لمخاطر العقوبات الثانوية، الأمر الذي دفع كبار المصدرين وشركات الشحن في أوروبا والصين وآسيا الوسطى إلى البحث بشكل عاجل عن طرق بديلة. في هذا السياق برز الممر الأوسط، الذي يمر عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا ثم يتجه نحو تركيا أو موانئ البحر الأسود، بوصفه الخيار الوحيد القابل للتوسع على نطاق واسع.

الأرقام تعكس بوضوح هذا التحول. ففي عام 2023 ارتفع حجم نقل البضائع عبر الممر الأوسط بأكثر من 60 في المئة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى نحو 2.8 مليون طن. وللمقارنة، لم يكن هذا الرقم يتجاوز 600 ألف طن في عام 2019، ما يعني أن حجم النقل تضاعف قرابة خمس مرات خلال أربع سنوات فقط. أما تقديرات عام 2024 فقد أشارت إلى إمكانية بلوغ مستوى يتراوح بين 4 و4.5 ملايين طن. وفي المدى البعيد، تنص الأهداف الاستراتيجية التي وردت في البيانات المشتركة للدول المشاركة في المشروع على الوصول إلى مستوى يتراوح بين 10 و11 مليون طن بحلول عام 2030. كما تشير تقديرات عدد من المؤسسات التحليلية، من بينها بنك التنمية الآسيوي، إلى أن القدرة الاستيعابية المحتملة للممر قد تصل إلى 20 مليون طن سنويًا في حال استكمال تحديث البنية التحتية بالكامل.

في هذه المنظومة تحتل أذربيجان موقعًا فريدًا يكاد يكون غير قابل للاستبدال. فالجغرافيا تجعل من أراضيها الجسر البري الوحيد الذي يربط آسيا الوسطى بجنوب القوقاز، وهو ما يحول البلاد إلى حلقة عبور إلزامية لأي طريق تجاري يسعى إلى تجاوز الأراضي الروسية من الجنوب. ميناء باكو الدولي للتجارة البحرية في منطقة ألات، وهو الأكبر على بحر قزوين، يمتلك قدرة معالجة تبلغ 15 مليون طن من البضائع سنويًا، بينها نحو مئة ألف حاوية. ويضم الميناء مرافق حديثة لعبّارات الشحن قادرة على استقبال سفن تصل حمولتها إلى تسعة آلاف طن، إضافة إلى شبكة سكك حديدية متصلة مباشرة بالأرصفة تسمح بنقل الحاويات من السفن إلى القطارات دون عمليات وسيطة. هذا الميناء ليس مجرد منشأة لوجستية، بل يشكل عقدة مركزية في منظومة التجارة الأوراسية، إذ إن عمل الممر الأوسط يعتمد عليه بشكل مباشر.

شركة الشحن البحري الأذربيجانية في بحر قزوين تدير أسطولًا يزيد على ستين سفينة من مختلف الفئات، وقد شرعت في السنوات الأخيرة في توسيع هذا الأسطول بسفن جديدة مخصصة للنقل عبر بحر قزوين. ففي عامي 2022 و2023 أبرمت الشركة عقودًا لبناء سفن إضافية تتجاوز قيمتها الإجمالية 200 مليون دولار، وهو استثمار يعكس الطلب المتزايد على خدمات النقل في هذا المسار البحري. بالتوازي مع ذلك، تستثمر أذربيجان في رقمنة الإجراءات الجمركية واللوجستية، إذ أدى نظام النافذة الواحدة لتخليص البضائع إلى تقليص زمن الإجراءات الجمركية من نحو 72 ساعة إلى أقل من أربع ساعات، وهو عامل حاسم في تعزيز تنافسية الممر مقارنة بالطرق البديلة.

خط السكك الحديدية باكو – تبليسي – قارص، الذي دخل الخدمة في عام 2017، يشكل حلقة الوصل المباشرة بين البنية اللوجستية على بحر قزوين وشبكة السكك الحديدية التركية ومنها إلى أوروبا. يبلغ طول الخط نحو 826 كيلومترًا، وتصل طاقته التصميمية إلى 6.5 ملايين طن من البضائع سنويًا مع إمكانية رفعها إلى 17 مليون طن بعد استكمال التحديثات. وخلال عام 2023 ارتفع مستوى استخدام هذا الخط بأكثر من 40 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما تستمر المشاورات بين إدارات السكك الحديدية في أذربيجان وجورجيا وتركيا لزيادة القدرة الاستيعابية للمسار.

البعد المؤسسي لهذا التكامل يتجسد في صيغة الحوار المعروفة باسم "سي 6"، وهي منصة للتنسيق المنتظم بين أذربيجان وخمس دول في آسيا الوسطى: كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. ويشمل هذا الإطار مجالات التجارة والنقل والطاقة والاقتصاد الرقمي والتعاون الإنساني. ويبلغ إجمالي الناتج المحلي للدول الست المشاركة في هذا الحوار أكثر من 600 مليار دولار، بينما يصل عدد سكانها إلى نحو 85 مليون نسمة. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين أذربيجان ودول آسيا الوسطى في عام 2023 بنسبة 34 في المئة مقارنة بالعام السابق، ليبلغ نحو 1.2 مليار دولار، مع استمرار الاتجاه التصاعدي في السنوات المقبلة.

أما الإطار الأوسع للتكامل بين الدول الناطقة بالتركية فيتمثل في منظمة الدول التركية التي تضم أذربيجان وتركيا وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان أعضاء كاملين، بينما تتمتع تركمانستان والمجر بصفة مراقب. ويتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء 1.5 تريليون دولار، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 170 مليون نسمة. وخلال قمة المنظمة التي عقدت في أستانا عام 2024 اعتمدت الدول الأعضاء مفهوم إنشاء صندوق الاستثمار التركي برأس مال أولي يبلغ 500 مليون دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية المشتركة. كما أن غرفة التجارة التركية التي تأسست عام 2021 باتت تضم بحلول عام 2024 أكثر من 2500 شركة من دول المنظمة.

في هذا السياق الأوسع ينسجم تطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان بشكل طبيعي مع منطق التكامل الإقليمي. ففتح ممر زنغزور سيؤدي إلى إنشاء اتصال بري مباشر يربط الدول التركية في آسيا الوسطى بأذربيجان وتركيا، ما يخلق حزامًا نقلًا متواصلًا يمتد من حدود الصين حتى البحر المتوسط. والأهمية الجيوستراتيجية لهذه الشبكة بالنسبة لهيكل التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين يصعب المبالغة في تقديرها.

الثقة بوصفها المورد الأكثر ندرة.

مع ذلك، سيكون من الخطأ التحليلي تصوير اللحظة الراهنة بصورة مثالية. فالعلاقات بين المجتمعين الأذربيجاني والأرميني لا تزال تعاني نقصًا كبيرًا في الثقة، وهو إرث مباشر لثلاثة عقود من الاحتلال وما رافقها من خطاب دعائي معاد لأذربيجان في الفضاء الإعلامي الأرميني. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى مستويات متدنية للغاية من التعاطف المتبادل بين الشعبين، وهو ما يفرض قيودًا داخلية على القيادة الأرمينية في حال سعت إلى دفع مسار التطبيع قدمًا.

لكن منطق المؤسسات والاقتصاد غالبًا ما يتقدم على المزاج الشعبي في المدى القصير. تجربة التكامل الأوروبي تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، إذ إن الاعتماد الاقتصادي المتبادل سبق تغير المواقف المجتمعية ولم يكن نتيجة لها. فالمصالحة الفرنسية الألمانية بدأت أساسًا كمشروع اقتصادي ومؤسسي قبل أن تتحول لاحقًا إلى تحول عميق في الوعي الجماعي.

جنوب القوقاز يقف اليوم على أعتاب مسار مشابه، وإن كان يحمل خصوصيته الخاصة. وتمتلك أذربيجان من الوزن الاقتصادي والسياسي ما يكفي لتحديد معالم هذا التحول بما يتوافق مع مصالحها الوطنية ويعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي في المرحلة المقبلة.