...

في السادس والعشرين من فبراير شهدت لندن اجتماعًا بصيغة «بريطانيا زائد خمس دول من آسيا الوسطى» — كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان وأوزبكستان — برئاسة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر. لم تكن الصورة التذكارية ولا البيان البروتوكولي هما بيت القصيد. الأهم أن لندن، للمرة الأولى منذ الحقبة ما بعد السوفييتية، جمعت «الخماسية» حول طاولة واحدة، معترفة عمليًا بأن آسيا الوسطى لم تعد مجرد جغرافيا عالقة «بين» القوى، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها سلاسل الإمداد، وهندسة العقوبات، وأمن الجبهة الأفغانية، والسباق الجديد على معادن التحول الطاقي.

قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا بدت السياسة البريطانية في المنطقة أقرب إلى زيارات متباعدة وصفقات انتقائية. لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم وصفت هذا النهج بوضوح قاسٍ: انخراط «غير كافٍ بشكل مؤسف»، تفاعلي وقصير النفس. الرسالة إلى الحكومة كانت واضحة: لا معنى لمجاراة موسكو وبكين في ملعبهما، بل المطلوب تقديم «خيارات أخرى» وبناء رؤية تمتد لسنوات. بلغة بريطانية رصينة كان ذلك أشبه بتشخيص صريح: دولة تطمح إلى دور عالمي تعاملت طويلًا مع المنطقة بوصفها «فناءً خلفيًا» لروسيا، وتركت التخطيط الاستراتيجي يسير على الطيار الآلي.

ما الذي تبدل بهذه السرعة ودفع لندن إلى كسر الانتظار. أولًا حسابات الموارد. آسيا الوسطى، ولا سيما كازاخستان، باتت لاعبًا صاعدًا في سوق المعادن الحيوية التي لا تقوم صناعة السيارات الكهربائية ولا توربينات الرياح ولا البطاريات من دونها. بالنسبة لبريطانيا لا يتعلق الأمر بخطاب بيئي أخضر فحسب، بل بمسألة صلابة اقتصادية. في عام 2025 ارتفع إجمالي الواردات البريطانية من السلع والخدمات بمقدار 35.1 مليار جنيه إسترليني، أي بنسبة 3.9%، فيما زادت الصادرات بـ31 مليارًا، أي 3.5%، واتسع العجز التجاري إلى 21.8 مليار جنيه. في ميزان كهذا تتحول التبعية لأسواق توريد ضيقة إلى ثغرة استراتيجية، ويصبح تنويع مصادر المواد الخام ومسارات العبور جزءًا من الأمن القومي.

ثانيًا المال وبنية النفوذ. تمتلك بريطانيا ما يفتقر إليه كثير من المنافسين: منظومة مالية عالمية وبوابات مفتوحة إلى رأس المال. لذلك لا تنفصل اللقاءات السياسية في لندن عن اجتماعات مع مؤسسات مالية ونقاشات حول الاستثمار ومجالس الأعمال. الأمر ليس ديكورًا دبلوماسيًا. بالنسبة لقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان حتى المبالغ التي تبدو متواضعة بمقاييس لندن تعني الوصول إلى أدوات تأمين المخاطر والامتثال القانوني والهياكل القضائية، وأحيانًا إلى «شهادة ثقة» تفتح الباب أمام مشاريع أكبر. الأرقام تكشف أين تكمن إمكانات الدفع. حجم التجارة بين بريطانيا وكازاخستان في أربعة فصول حتى نهاية الربع الثالث من 2025 بلغ 2.7 مليار جنيه، منها 1.4 مليار صادرات بريطانية و1.3 مليار واردات. الفائض في الخدمات وصل إلى 785 مليون جنيه مقابل عجز في السلع قدره 645 مليونًا. هذا هو التوقيع البريطاني المعتاد: دخول عبر الخدمات والتمويل والهندسة والاستشارات والتعليم، لا عبر الحاويات وحدها.

ثالثًا جغرافيا العقوبات. منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا تحولت آسيا الوسطى إلى «بوابة» للواردات الموازية ومسارات الالتفاف نحو روسيا. هذه ليست مادة سجال إعلامي بل واقع تتعامل معه إدارات الامتثال والهيئات الرقابية. بريطانيا تشدد نظام العقوبات وتطالب بالفاعلية في آن واحد. في مراجعة مكتب تنفيذ العقوبات المالية للأعوام 2024–2025 ارتفعت قيمة الأصول المجمدة المبلغ عنها إلى 37 مليار جنيه مقابل 24.4 مليارًا في العام السابق. كلما اشتدت شبكة العقوبات، زادت الحاجة إلى إغلاق الأنابيب الوسيطة والسلاسل المالية الرمادية، من اللوجستيات وإعادة التصدير إلى قنوات الدفع التي تمر عبر مصارف ووسطاء.

من هنا يمكن فهم دافع إضافي: بريطانيا لا تأتي «بدلًا» من أحد، بل تتحرك «قبل فوات الأوان». الاتحاد الأوروبي سبق إلى تأطير انفتاحه المؤسسي على المنطقة عبر قمة مع دول آسيا الوسطى وإعلان حزمة استثمارية بقيمة 12 مليار يورو ضمن «غلوبال غيتواي»، فيما ارتفع حجم التجارة الأوروبية مع المنطقة إلى 54 مليار يورو خلال سبع سنوات. ألمانيا بدورها نظمت لقاء بصيغة Z5+1. التأخر في هذا السياق لا يعني الحذر، بل خسارة المقعد السياسي على طاولة مزدحمة.

ثم هناك عامل أفغانستان. منذ أغسطس 2021، حين عادت طالبان إلى الحكم في كابول، تقلصت آليات التعاون الغربية مع جوار أفغانستان. غير أن التهديدات العابرة للحدود — من التطرف إلى المخدرات والهجرة غير النظامية — لا تختفي لمجرد تراجع الاهتمام. لندن، الحساسة تقليديًا لأمن المسارات المالية والتجارية، تعود إلى آسيا الوسطى بحساب براغماتي: الاستثمار اليوم في استقرار الحدود والأنظمة الاقتصادية أقل كلفة من إطفاء حرائق الغد.

المفارقة أن أرقام التجارة الثنائية مع معظم دول المنطقة — باستثناء كازاخستان وقفزة أوزبكستان — ما زالت متواضعة. لكن هنا تحديدًا يكمن المعنى. لندن لا تنافس موسكو وبكين على الحجم، بل تبحث عن منافذ ضيقة عالية القيمة تتحول فيها الخبرة البريطانية إلى رافعة نفوذ. مع أوزبكستان بلغ حجم التبادل في أربعة فصول حتى نهاية الربع الثالث من 2025 نحو 2.2 مليار جنيه، منها 545 مليون صادرات بريطانية و1.6 مليار واردات، أي عجز قدره 1.1 مليار. القفزة سريعة الإيقاع، ما يؤكد أن ظهور سلعة محددة أو صيغة مالية جديدة كفيل بتغيير المشهد الإحصائي. وفي تركمانستان بلغ حجم التجارة 102 مليون جنيه، مع فائض بريطاني قدره 82 مليونًا. لندن تعرف كيف تمنح الأرقام الصغيرة دلالات كبيرة عندما يتعلق الأمر بمدخل إلى سوق أو مشروع.

السبب الجوهري لصحوة بريطانيا بسيط وصارم: آسيا الوسطى لم تعد هامشًا. إنها ساحة تتقاطع فيها ثلاثة ضغوط في آن واحد: معادن الاقتصاد الجديد، وممرات العبور بعيدًا عن الاختناقات، وصراع العقوبات لضمان أن القواعد تُطبق لا تُلتف. روسيا والصين ما زالتا في موقع الهيمنة، الأولى عبر الروابط التاريخية وسوق العمل وسلاسل التجارة التي تتجاوز 45 مليار دولار سنويًا، والثانية عبر التجارة والبنية التحتية. غير أن هذه الهيمنة نفسها ترفع الطلب لدى عواصم المنطقة على ركيزة ثالثة تفتح أبوابًا إضافية إلى رأس المال والتكنولوجيا والتعليم والمناورة السياسية. وبريطانيا قررت أخيرًا ألا تكتفي بمراقبة الباب من الممر، بل أن تمسك بالمفتاح.

إذا أزلنا حرير الدبلوماسية وبقي الهيكل العاري للمصالح، يتضح أن انعطافة لندن نحو آسيا الوسطى لا يحركها حنين «اللعبة الكبرى»، بل حسابات دقيقة: أنظمة التجارة بعد بريكست، عجز سوق العمل الداخلي، سباق المعادن الحيوية، ومنافسة القوة الناعمة حيث تتحول الجامعات واللغة والمعايير إلى عقود. اجتماع السادس والعشرين من فبراير كان إشارة خارجية إلى أن لندن لم تعد تنظر إلى المنطقة كفناء خلفي لغيرها، بل كسوق مستقل وعقدة عبور لا يمكن تجاهلها.

التفسير الأول يبدأ فعلًا من بريكست، لكن ليس من الشعارات بل من ميكانيكا التعرفة. خروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة أجبرها على إعادة تفكيك تجارتها وإعادة تركيبها عبر أطر تفضيلية وقواعد منشأ ومسارات تفاوض منفصلة. بالنسبة لآسيا الوسطى فتح ذلك «نافذة مكاسب مبكرة». أوزبكستان أصبحت في 2021 أول مستفيد من الإطار المعزز ضمن نظام الأفضليات البريطاني، وحصلت على تعرفة صفرية لأكثر من 7800 بند سلعي عند التصدير إلى بريطانيا. ليست عبارة أنيقة، بل قائمة عملية بآلاف الخطوط الجمركية التي تحول التعرفة من عائق إلى أداة تحفيز.

أما الدافع الثاني المرتبط ببريكست فيُغفل غالبًا لأنه غير مريح سياسيًا: نقص الأيدي العاملة. هنا تحولت آسيا الوسطى من «إقليم بعيد» إلى مصدر تعبئة بشرية يمكن قياسه بلغة الأرقام. في 2023 أصدرت بريطانيا 32,724 تأشيرة ضمن مسار العامل الموسمي للزراعة. الحصة الأكبر جاءت من آسيا الوسطى: قرغيزستان 7,958 تأشيرة، أي 24.3%، طاجيكستان 5,665 بنسبة 17.3%، كازاخستان 5,014 بنسبة 15.3%، وأوزبكستان 4,091 بنسبة 12.5%. أربع دول فقط قدمت 22,728 تأشيرة، أي نحو 69.4% من الإجمالي. هذه ليست مصادفة عابرة، بل مؤشر إلى أن الرهان البريطاني على آسيا الوسطى يمتد من المعادن وسلاسل الإمداد إلى الحقول الزراعية في الريف الإنجليزي.

في عام 2024 لم يقتصر الاتجاه على الاستمرار، بل تسارع بوتيرة أوضح. فقد أصدرت بريطانيا 35,561 تأشيرة موسمية، بزيادة قدرها 8.5% مقارنة بعام 2023. والأهم أن حصة الدول الأربع من آسيا الوسطى ارتفعت إلى 27,759 شخصًا، أي ما يعادل 78.1% من إجمالي حاملي التأشيرات الموسمية. توزعت الأرقام على النحو التالي: قرغيزستان 9,842 تأشيرة بنسبة 27.7%، أوزبكستان 6,278 بنسبة 17.7%، طاجيكستان 5,828 بنسبة 16.4%، كازاخستان 5,811 بنسبة 16.3%. حتى لو وضعنا الجغرافيا السياسية جانبًا، فإن ديموغرافيا الهجرة العمالية وحدها تشير إلى أين باتت «الجاذبية الاجتماعية والاقتصادية» البريطانية تميل: لم تعد أوروبا وحدها في الصورة، بل آسيا الوسطى أيضًا.

غير أن الهجرة والتعرفة الجمركية تفسران نصف القصة فقط. النصف الثاني يبدأ عند اللحظة التي تتجاوز فيها عبارة «التقنيات الخضراء» حدود الشعار البراق لتتحول إلى سؤال صريح عن أمن الموارد. في أواخر عام 2025 ثبّتت لندن إطارًا جديدًا في استراتيجيتها للمعادن الحيوية حتى عام 2035. وفي هذه الوثيقة أرقام تجعل الاهتمام بآسيا الوسطى أقرب إلى الحتمية.

أولًا، وضعت الحكومة هدفًا واضحًا: بحلول 2035 يجب ألا يعتمد أكثر من 60% من أي معدن حيوي على دولة مورّدة واحدة. إنها رسالة مباشرة مفادها أن لندن لا تريد «صنبورًا واحدًا» لا لليثيوم ولا للعناصر الأرضية النادرة ولا للنيكل ولا للتنغستن.

ثانيًا، حددت الاستراتيجية نسبًا للاكتفاء الداخلي: 10% من الطلب عبر الإنتاج المحلي و20% عبر إعادة التدوير. إنها معادلة «تأمين مزدوج» تقلل التبعية الخارجية وتعزز السيطرة التكنولوجية في الداخل.

ثالثًا، ظهرت تقديرات علنية لحجم الطلب المستقبلي: توقع تضاعف الحاجة إلى النحاس تقريبًا وقفزة في الطلب على الليثيوم تصل إلى 1100% في التقديرات بعيدة المدى المرتبطة بالتحول الطاقي والصناعات الجديدة. في سيناريو كهذا لا يمكن لبريطانيا أن تكتفي بسلاسل توريد تقليدية.

هنا تحديدًا تتحول آسيا الوسطى من «وجهة بعيدة» إلى خيار عقلاني ضمن قائمة التنويع. المنطقة قريبة من مصادر المواد الخام وقريبة في الوقت نفسه من ممرات العبور. والمنافسة على هذا الوصول باتت قاعدة دولية. ففي السادس من نوفمبر 2025 عُقد في واشنطن أول قمة رئاسية بصيغة C5+1، حيث استقبل الرئيس الأمريكي قادة الدول الخمس من آسيا الوسطى. وكان ملف المعادن الحيوية وتقليص الاعتماد على الصين حاضرًا بوضوح. بالنسبة إلى لندن كانت الإشارة واضحة: عندما يرتفع مستوى الحوار إلى الرئاسة في واشنطن، فهذا يعني أن المنطقة دخلت «الدوري الممتاز» لدبلوماسية الموارد.

السبب الثالث يبدو أكثر نعومة في الشكل، لكنه أشد أثرًا في المآلات: توظيف «القوة الناعمة» كأداة اقتصادية. لطالما عرفت لندن كيف تحول الجاذبية الثقافية إلى زخم تجاري، غير أن الأمر بات يُقاس بالأرقام. في وثيقة التوصيات الاستراتيجية حول القوة الناعمة البريطانية سُجل أن المشاركة في نشاط ثقافي ترفع نية «ممارسة الأعمال أو التجارة مع بريطانيا» بنسبة 7%، وترتفع النسبة إلى 9% عندما يكون النشاط مرتبطًا بالمجلس الثقافي البريطاني. هذه الأرقام تنقل النقاش عن التعليم واللغة والثقافة من خانة المجاملة إلى خانة التخطيط الاقتصادي: الإعجاب يتحول إلى احتمال صفقة.

لهذا فإن توسع الشراكات الجامعية والتعليمية مع آسيا الوسطى ليس عملًا خيريًا إنسانيًا، بل استثمار في سوق خدمات وتقنيات مستقبلية. بريطانيا لا تصدر سلعًا فحسب، بل تصدر معايير قانونية ومالية وتعليمية وأنظمة امتثال. وعندما تترسخ هذه المعايير عبر التعليم والعلاقات المهنية تتشكل «لزاجة» في العلاقات الاقتصادية، حيث تصبح العقود أسهل إبرامًا والمخاطر أسهل تقييمًا والتمويل أسهل هيكلة.

أما السبب الرابع، الأكثر واقعية وبالتالي الأكثر إقناعًا، فيتعلق بأموال البنية التحتية وضمانات التصدير. في فبراير 2026 أعلن الممثل التجاري البريطاني والمبعوث الخاص للمنطقة اللورد جون ألدردايس في طشقند عن نية دعم مشاريع بنية تحتية في أوزبكستان بضمانات تصدير تصل إلى نحو 4 مليارات جنيه إسترليني. قد تختلف التفاصيل التنفيذية، لكن سقف الدعم المعلن يكشف حجم الطموح: لندن تريد أن تكون شريكًا ماليًا في تحديث العقد اللوجستية وقطاع الطاقة واستخراج الموارد «المسؤول»، لا مجرد مراقب من بعيد.

عند جمع هذه الخطوط في صورة واحدة يتضح سبب التحرك البريطاني الآن تحديدًا. بريكست فرض إعادة هندسة النظام التجاري والبحث عن مكاسب تفضيلية سريعة. نقص اليد العاملة جعل آسيا الوسطى مصدرًا أساسيًا للعمال الموسميين: 32,724 تأشيرة في 2023 و35,561 في 2024، مع 78.1% من الحاصلين في 2024 من قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان. في الوقت ذاته دفع التحول الطاقي بريطانيا إلى سباق الموارد، حيث تنص الاستراتيجية حتى 2035 على عدم تركيز أكثر من 60% من أي معدن في دولة واحدة ورفع إعادة التدوير إلى 20% من الطلب. أما القوة الناعمة فأصبحت رقمًا في معادلة اقتصادية، مع زيادة قابلة للقياس في نية التجارة بنسبة 7%.

الجواب عن سؤال «لماذا الآن» يبدو باردًا ودقيقًا: لأن الأرقام تغيرت، ومعها ارتفعت كلفة الانتظار. آسيا الوسطى باتت ساحة تُحل فيها أربع معادلات بريطانية دفعة واحدة: تنويع التجارة بعد بريكست، سد فجوة اليد العاملة، تأمين المواد الخام لصناعات المستقبل، وتصدير المعايير المالية كأداة نفوذ. ولهذا لم يعد بمقدور لندن الاكتفاء بسياسة الزيارات المتباعدة والصمت المهذب.

غير أن لندن تحب أن تتحدث عن سياستها الخارجية بلغة القيم، وهو جزء أصيل من هويتها: سيادة القانون، الحريات الفردية، المساواة، حماية الأقليات بما فيها مجتمع الميم. لكن آسيا الوسطى منطقة يتحول فيها أي حديث عن القيم سريعًا إلى نقاش عن النفوذ والمال وحجم الرهان. وهنا تبرز معادلة شبه رياضية: إما أن تتحول القيم إلى سياسة مكلفة فعليًا، أو تبقى خطابًا يُستمع إليه بأدب من دون أثر.

لنبدأ بالواقع الأكثر صلابة. وفق تقارير فريدوم هاوس لعام 2025 تُصنف الدول الخمس جميعها ضمن فئة «غير حرة». كازاخستان سجلت 23 من 100، قرغيزستان 26 من 100، أوزبكستان 12 من 100، طاجيكستان 5 من 100، وتركمانستان نقطة واحدة من 100. هذه الأرقام تختصر بيئة تتسم بمخاطر مرتفعة على الصحافة المستقلة والمعارضة السياسية والقضاء والاحتجاجات والمدافعين عن حقوق الإنسان.

هنا تظهر أولى مصائد «النهج القيمي». روسيا والصين تبنيان علاقاتهما بعيدًا عن العظات العلنية. بريطانيا لا تستطيع ولا تريد التخلي عن خطابها القيمي، لكن السؤال: بأي أدوات تسنده. إذا كانت أدوات الضغط محدودة، تتحول القيم إلى محاضرة بلا امتحان.

المعضلة أن لندن قلصت خلال السنوات الماضية جزءًا من أدواتها المالية. في العام المالي 2024–2025 بلغت مساعدات برنامج «آسيا الوسطى» ضمن المساعدات الإنمائية الرسمية 12.543 مليون جنيه، مع خطة لرفعها إلى 16.805 مليون في 2025–2026. للمقارنة، خصصت لأوكرانيا في 2024–2025 نحو 235.776 مليون جنيه. المقارنة هنا ليست انتقاصًا من دعم كييف، بل قراءة في سلم الأولويات: آسيا الوسطى لا تزال ضمن «الميزانيات الذكية» لا «الميزانيات الكبرى».

وتكشف الأرقام القطرية مزيدًا من الدلالة. طاجيكستان تلقت 2.677 مليون جنيه في 2019، ثم 4.462 مليون في 2020، قبل أن تتراجع إلى 0.347 مليون فقط في 2023. أوزبكستان انخفضت من 4.945 مليون في 2019 إلى 1.460 مليون في 2023. تركمانستان من 0.608 مليون في 2019 إلى 0.158 مليون في 2023. هذه ليست مجرد أرقام حسابية، بل مؤشر إلى مدى ثقل الحضور المالي البريطاني. وعندما يكون «وسادة النفوذ» أرق من منافسين آخرين، يصبح السؤال مشروعًا: إلى أي حد يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يكون فاعلًا إذا لم يُدعّم بأدوات ملموسة.

ومن هنا تتعقد العقدة الثانية في المعضلة البريطانية. لندن تريد أن تكون صوتًا أخلاقيًا، لكن الصوت الأخلاقي في آسيا الوسطى يصطدم حتمًا بملف «الأموال القذرة» والالتفاف على العقوبات، لأن المال والسلطة في كثير من بلدان المنطقة متداخلان إلى حد يصعب فصلهما، حتى تصبح الممارسات المالية امتدادًا للنظام السياسي نفسه. لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم وصفت مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة بأنها جزء جوهري من انخراط بريطانيا، لأن الأموال المشبوهة التي تمر أحيانًا عبر لندن تُعد عنصرًا من عناصر الحكم الاستبدادي في بلدان المنشأ. هنا لا نتحدث عن فلسفة، بل عن أمن داخلي بريطاني: سمعة «السيتي»، أنظمة الامتثال، فعالية العقوبات، والثقة بالقضاء البريطاني.

اللجنة أوردت مثالًا يكاد يكون سينمائيًا: محاولة الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في عام 2020 استخدام أوامر «الثروة غير المبررة» ضد عقارات في لندن مرتبطة بشخصيات رفيعة من كازاخستان بقيمة تتجاوز 80 مليون جنيه إسترليني. المحكمة رفضت القضية لأسباب إجرائية وضعف في البنية الإثباتية. من زاوية القيم يبدو الأمر إخفاقًا مؤلمًا: تطالب شركاءك علنًا بالإصلاح وسيادة القانون، بينما تعجز أحيانًا في الداخل عن تثبيت ما تعلنه مبدأً. وكلما تكررت مثل هذه القصص، بات من الأسهل على نخب المنطقة الرد بعبارة جاهزة: «رتبوا بيتكم أولًا».

يضاف إلى ذلك عامل ثالث يجعل «النهج القيمي» هشًا. عصر العقوبات حوّل آسيا الوسطى إلى مفترق طرق جيو-اقتصادي. لجنة مجلس العموم تحدثت عن «أدلة ظرفية قوية» على أن العقوبات المفروضة على روسيا بعد فبراير 2022 جرى الالتفاف عليها عبر بعض دول المنطقة، مستندة إلى تحليلات للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أظهرت تراجع الصادرات المباشرة للسلع الخاضعة للعقوبات إلى روسيا بالتوازي مع ارتفاع حاد في الصادرات إلى اقتصادات مجاورة، قبل أن يُعاد توجيه جزء من هذه التدفقات. المعنى واضح: أي خطاب بريطاني عن القيم سيُختبر فورًا في جداول الجمارك، وفي إعادة تغليف البضائع، وفي سلاسل المدفوعات، وفي قدرة لندن على فرض قواعدها الخاصة.

وفي الوقت ذاته، تشدد بريطانيا قواعدها. في مراجعة مكتب تنفيذ العقوبات المالية للأعوام 2024–2025 بلغت قيمة الأصول المبلغ عنها كمجمدة 37 مليار جنيه مقابل 24.4 مليارًا في العام السابق. الرسالة مزدوجة بالنسبة للمنطقة. من جهة، تؤكد لندن جديتها في تطبيق العقوبات. ومن جهة أخرى، فإن أي اقتصاد يمر عبره استيراد موازٍ أو ترتيبات عبور رمادية سيجد نفسه تحت مجهر التدقيق، مع ما يحمله ذلك من مخاطر امتثال مشدد وخسائر سمعة. وهنا يتجسد الصدام بين القيم والبراغماتية: لندن تحتاج إلى الوصول والنفوذ، لكنها كلما ضغطت أكثر في اتجاه «النظافة المالية»، زادت حساسية الأنظمة المعتادة على اقتصاد سياسي قائم على قاعدة «لا تطرح أسئلة كثيرة».

من المفيد التذكير بأن بريطانيا اختبرت هذا التوتر سابقًا في الملف الأوزبكي مطلع الألفية، حين اتهم السفير البريطاني كريغ موراي السلطات الأوزبكية علنًا بممارسة التعذيب وأثار مسألة استخدام معلومات استخباراتية منتزعة تحت الإكراه، قبل أن تنفجر أزمة انتهت بإبعاده من منصبه. لم تكن القصة عن شخص فحسب، بل عن ثمن الموقف المبدئي. في بيئة تعتبر الأمن والسيطرة حجر الزاوية في شرعية النظام، قد يقود الضغط العلني إلى قطيعة وإغلاق قنوات، لا إلى إصلاحات، وإلى ارتماء أعمق في أحضان شركاء لا يلقون محاضرات.

ومع ذلك، ليس «النهج القيمي» محكومًا بالسذاجة. يمكن أن يتحول إلى أداة فاعلة إذا تحركت لندن على أكثر من مستوى، وكل مستوى مسنود بموارد قابلة للقياس. أولًا، ترجمة القيم إلى برامج مؤسسية لا إلى بيانات فقط: دعم إصلاح القضاء، تطوير الممارسات القانونية، بناء مجتمعات مهنية، مسارات تعليمية، تعزيز قدرات مكافحة الفساد وغسل الأموال، وترسيخ شفافية الملكية المستفيدة. لجنة مجلس العموم أوصت صراحة بتقديم مساعدة لدول آسيا الوسطى في تقوية قدراتها في مجال مكافحة الفساد وغسل الأموال، وإلا فإن بريطانيا تخاطر بأن تصبح جزءًا من المنظومة التي تنتقدها. ثانيًا، تقوية «الجبهة الداخلية» في مواجهة التدفقات غير المشروعة، لأن لندن بالنسبة للمنطقة ليست منصة وعظ، بل مغناطيس مالي. وإذا كان المغناطيس يجذب أموالًا مشبوهة، فإن خطاب حقوق الإنسان يفقد بريقه.

ويبقى السؤال السياسي الحاسم الذي لا تحجبه البلاغة: هل ستوجه بريطانيا انتقادات علنية لشركائها في القمم بشأن حقوق الإنسان والتعذيب والضغط على الإعلام والعنف القائم على النوع الاجتماعي واستقلال القضاء، أم ستكتفي بالقنوات المغلقة حفاظًا على المصالح الاقتصادية والوصول إلى الموارد وممرات العبور. في عالم يفضّل فيه كثير من القادة «الصفقة على الأخلاق»، إغراء الصمت كبير. لكن كلفة الصمت في الحالة البريطانية قابلة للحساب أيضًا. فإذا تخلت لندن عن تميزها القيمي، فإنها تفقد الميزة التنافسية الوحيدة التي لا تستطيع موسكو وبكين استنساخها بالكامل: الثقة في القانون والمؤسسات والسمعة.

آسيا الوسطى اليوم تختبر نضج بريطانيا. هل ستظل القيم زينة خطاب، أم تتحول إلى تكنولوجيا نفوذ مدعومة بالميزانية وتطبيق القانون ونَفَس طويل. إن لم يحدث ذلك، سيبقى «النهج القيمي» شعارًا أنيقًا، وستواصل عواصم المنطقة الإصغاء إلى لندن بالطريقة التي تجيدها الأنظمة المتمرسة: باهتمام، بلباقة، ومن دون التزامات.