بين عام 1945 ومنتصف السبعينيات تقريباً، كانت المعادلة شبه مدرسية: ترتفع الإنتاجية، فترتفع الأجور الحقيقية. إذا كان العامل ينتج وحدات أكثر في الساعة بفضل التكنولوجيا والتنظيم، كان من الطبيعي أن يحصل على زيادة تقارب تلك النسبة. هكذا استقر عقد اجتماعي بسيط: نصبح أكثر كفاءة، فنعيش أفضل.
لم تكن عقود ما بعد الحرب «عصراً ذهبياً» لأن السوق كان أكثر رحمة، بل لأن المؤسسات كانت تشدّ نمو الإنتاجية إلى نمو الدخول الجماعية بآلية شبه ميكانيكية. الأحزمة الناقلة كانت واضحة: مفاوضات جماعية قوية ونقابات ذات كثافة عالية، ضرائب تصاعدية صارمة على الدخول العليا، بيئة تنظيمية أقل تساهلاً مع الأرباح الفاحشة، وفترات طويلة من سوق عمل مشدودة ببطالة منخفضة تعزز موقع العمال التفاوضي. في الولايات المتحدة بلغت نسبة الانتساب إلى النقابات ذروتها عام 1954 عند 34.8 في المئة، بينما تدور اليوم حول 10 في المئة فقط. هذا الفارق ليس تجميلياً. حين يضعف الصوت الجماعي للعمل إلى هذا الحد، تتضاءل قدرة العامل العادي على تحويل الكفاءة إلى أجر ومزايا.
كما لعبت البنية الضريبية دور الكابح لسباق المداخيل الفائقة. ففي خمسينيات القرن الماضي، وصلت الشريحة العليا للضريبة الفيدرالية على الدخل في الولايات المتحدة إلى 91 في المئة في بعض السنوات. لم يكن الجميع يدفع 91 في المئة على كل دخله، لكن الرسالة كانت واضحة: اقتناص المداخيل الفائقة بلا سقف لم يكن خياراً مريحاً. في هذا السياق، ظل الربح هدفاً مشروعاً، لكنه توازن غالباً مع الاستثمار والتوظيف وتوسيع الطلب الجماعي.
مع أواخر السبعينيات، دخل العالم مرحلة مختلفة تماماً، يُشار إليها كثيراً بـ«القطيعة الكبرى». الاقتصاد بات أكثر كفاءة، لكن ثمار هذه الكفاءة توزعت بصورة مغايرة. بين عامي 1979 و2022، ارتفعت الإنتاجية في الولايات المتحدة بنحو 64.7 في المئة، فيما لم تزد الأجور بالساعة للعاملين العاديين سوى 14.8 في المئة. قد تختلف الأرقام باختلاف الفترات ومنهجيات القياس، لكن الخلاصة واحدة: بعد السبعينيات، لم يعد ازدهار «محرك الاقتصاد» يعني تلقائياً تحسن «قمرة الأجور».
الآلية هنا بسيطة وقاسية. إذا ارتفعت الإنتاجية ولم تلحق بها أجور الأغلبية، فإن الفارق يذهب إلى حصة رأس المال – أرباحاً وريوعاً – أو إلى دخول الشريحة العليا من المديرين والمهنيين ذوي الأجور المرتفعة، أو إلى الاثنين معاً. هذه هي لبّ القطيعة. المشكلة ليست أن الاقتصاد لا ينمو، بل أنه ينمو بطريقة تجعل القيمة المضافة تصل بدرجة أقل إلى من ينتجونها فعلياً.
لماذا تعطلت الأحزمة الناقلة. أولاً، تراجعت النقابات والمفاوضات الجماعية، ما قلب ميزان توزيع القيمة المضافة لصالح رأس المال. ثانياً، شهدت السياسات الضريبية انعطافة خففت من وطأة التصاعدية، فتعززت جدوى سحب الأرباح إلى الأعلى بدلاً من ضخها في الأجور والاستثمار الطويل الأمد. ثالثاً، تصاعدت «المالَنة» أو تغليب منطق الأسواق المالية، حيث باتت الشركات تُدار أكثر فأكثر لخدمة المساهمين، وترتبط مكافآت الإدارة العليا بأسعار الأسهم، ما يشجع على قرارات قصيرة الأجل تعظم الأرباح والقيمة السوقية أسرع مما تعظم الأجور.
رابعاً، أعادت العولمة وترحيل الإنتاج تشكيل موقع العامل التفاوضي. حتى مع نمو الإنتاجية محلياً، يبقى خيار نقل السلسلة الإنتاجية أو الاستعانة بمصادر خارجية أو الاستيراد حاضراً بقوة، ما يضعف قدرة العمال على اقتطاع حصة من مكاسب الكفاءة. خامساً، عمّقت التكنولوجيا فجوة هيكلية: فهي ترفع المتوسط العام للإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه تعزز علاوة المهارات النادرة وقوة السوق لقطاعات محددة، فتتركز المكاسب في دوائر ضيقة بينما تنمو الأجور الوسيطة ببطء.
النتيجة أن الطبقة الوسطى لم تعد تحصل تلقائياً على نصيبها من نمو الثروة الوطنية. في نموذج ما بعد الحرب، كان اتساع «الكعكة» يقترن بزيادة متوقعة في حصة الأغلبية. أما في نموذج القطيعة، فالكعكة تكبر، لكن حصة الأغلبية أقل حماية مؤسساتياً. وهنا تتحول المسألة من أخلاقية إلى اقتصادية كلية: الطلب الجماعي يضعف لأن الأثرياء يميلون إلى ادخار جزء أكبر من كل دولار إضافي، أعباء الديون على الأسر تتضخم في محاولة للحفاظ على مستوى العيش، والاستقطاب السياسي يتصاعد لأن التجربة الشخصية للأغلبية لم تعد تتطابق مع أرقام الناتج وتقارير الشركات.
لماذا تبدو وهمية الرفاه مقنعة إلى هذا الحد.
مفارقة النجاح المعاصر أنه حقيقي وخادع في آن واحد. خلال العقود الأخيرة، شهد العالم تراجعاً ملموساً في الفقر المدقع مقارنة بنهاية القرن العشرين. يقدَّر عدد من يعيشون في فقر مدقع اليوم بنحو 700 مليون شخص، أي قرابة 8.5 في المئة من سكان العالم، مع تباطؤ واضح في وتيرة التقدم وابتعاد هدف خفض النسبة إلى 3 في المئة بحلول 2030.
هنا تكمن فخاخ الإدراك. حين يتراجع الجوع بوصفه تهديداً يومياً للأغلبية، يسهل الاعتقاد بأن معضلة الفقر حُلّت وأن المجتمع يسير حتماً نحو الرفاه. لكن اختفاء الجوع لا يعني اتساع الفرص، ولا يضمن صعوداً اجتماعياً، ولا يحمي من تآكل المكانة.
الفقر الكلاسيكي كان يُقاس بالقدرة على شراء الخبز. أما الهشاشة الحديثة فتُقاس بالقدرة على العيش وفق المعيار الاجتماعي السائد: سكن في حي مقبول، رعاية صحية بلا نفقات كارثية، تعليم لا يتحول إلى عبودية ديون، نقل واتصال يتيحان المنافسة في سوق العمل، ورعاية للأطفال وكبار السن تحفظ استقرار الأسرة. قد يبدو الفرد «بخير» ظاهرياً: لا يجوع، يمتلك هاتفاً وملابس وربما سيارة. لكن إذا كان حادث واحد أو مرض أو فقدان وظيفة كفيلاً بإسقاطه فوراً، فهذه ليست متانة، بل هشاشة مقنّعة.
يتجلى التحول أيضاً في بنية الإنفاق. صحيح أن حصة الغذاء من ميزانيات الأسر في الاقتصادات المتقدمة أقل مما كانت عليه سابقاً، لكن الضغط انتقل إلى بنود أخرى، وعلى رأسها السكن والخدمات الأساسية. في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يشكل السكن أكبر بند إنفاق للأسر بمتوسط يقارب 22.5 في المئة من الاستهلاك النهائي، مع اتجاه تصاعدي مقارنة بتسعينيات القرن الماضي. ما يتم توفيره على الطعام يُستنزف في الإيجار أو القروض أو تكاليف الخدمات، حيث تكون التنازلات أكثر إيلاماً وتمسّ جودة الحياة وفرص تكوين أسرة.
في الولايات المتحدة مثلاً، بلغ الدخل الوسيط الحقيقي للأسر في عام 2024 نحو 83 ألفاً و730 دولاراً، وهو رقم يوحي بالاطمئنان. لكن تكاليف الرعاية الصحية هناك من بين الأعلى عالمياً، إذ تصل إلى نحو 12 ألفاً و555 دولاراً للفرد وتمثل قرابة 16.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. بالنسبة إلى الطبقة الوسطى، هذا يعني أقساط تأمين مرتفعة ومخاطر مالية حاضرة دوماً في حال المرض. حين يصبح الأمان الصحي رهناً بعدم تلقي تشخيص سيئ في شهر غير مناسب، فإن الشبع لا يتحول إلى طمأنينة.
تنبع وهمية الرفاه أيضاً من المقارنة مع الماضي البعيد. صحيح أن المواطن المتوسط في بلد متقدم اليوم يستهلك سعرات غذائية أكثر ويملك تنوعاً غذائياً يفوق ما كان متاحاً حتى للطبقات الميسورة في أوروبا القرن التاسع عشر. لكن هذا انتصار على فقر قديم. الفقر الجديد لا يتعلق بالسعرات، بل بإمكانية تحويل العمل إلى استقرار طويل الأمد. حين يضطر الإنسان إلى الادخار على حساب علاج الأسنان أو الوقاية الصحية أو تعليم أطفاله، أو حين يختار بين الإيجار وإجراء طبي ضروري، فإن المجتمع يدفع ثمناً مؤجلاً يتمثل في تآكل رأس المال البشري.
من هنا، قد يؤدي القضاء على الفقر المدقع إلى تعميق العمى عن أزمة الطبقة الوسطى. حين يختفي الجوع، يبدو أن النظام نجح. لكنه قد يكون فشل في الأهم: توسيع أفق الفرص للأغلبية. في هذا السياق، لا تبدو الطبقة الوسطى فقيرة بالمعنى القديم، لكنها تصبح أكثر هشاشة وأقل يقيناً بأن الغد مكفول بالعمل والانضباط. وهذه ليست مسألة سعرات حرارية أو نسب فقر مدقع، بل سؤال عن العقد الاجتماعي ذاته: هل ما زال قادراً على جعل الحياة الكريمة معياراً عاماً لا امتيازاً خاصاً.
هيمنة السوق الجماهيرية على الرفاه لم تُنقذ الحق في المستقبل.
هناك مصدر ثانٍ للوهم، يبدو للوهلة الأولى كأنه انتصار للتقدم على الفقر. ما كان يُعدّ ترفاً بالأمس أصبح اليوم سلعة جماهيرية زهيدة. العولمة، ونقل المصانع، والمنافسة الشرسة داخل سلاسل الإمداد، جعلت الملابس والأجهزة المنزلية والإلكترونيات في متناول شرائح أوسع بكثير. هذه ليست موعظة أخلاقية، بل منطق الصناعة العالمية البارد: حين تتركز الطاقات الإنتاجية حيث اليد العاملة أرخص والبنية التحتية مهيأة، تنخفض الأسعار ويتضخم التنوع.
بهذا المعنى تلاشت العلامات الخارجية للثراء. يمكن للفقير أن يبدو «مثل الجميع»، يستخدم التطبيقات ذاتها، ويتصفح الواجهات نفسها، ويمسك بالمستطيل الذكي ذاته الذي يحمله الثري.
تكنولوجياً، الصورة أكثر وضوحاً. الهاتف الذكي المعاصر، من حيث سرعة المعالجة والقدرة الحاسوبية، يفوق بأضعاف مضاعفة حواسيب عصر الفضاء. يكفي التذكير بأن الحاسوب الذي وجّه مهمات «أبولو» كان يعمل بترددات تُقاس بعشرات الكيلو هرتز، فيما تُقاس معالجات الهواتف اليوم بالغيغا هرتز. الفارق ليس نسبة مئوية، بل قفزة في مراتب الحجم. وهكذا تحولت «التقنيات العالية» من امتياز نخبوي إلى أداة يومية عادية.
لكن هنا تبدأ الفجوة الجديدة. إتاحة السلع الاستهلاكية لا تعني إتاحة الصعود الاجتماعي. السوق الجماهيرية تشبع الحاجات الواسعة، لكنها لا تشتري المستقبل. الانقسام الحاسم اليوم لا يدور حول «هل تملك هاتفاً»، بل حول «هل تستطيع دفع ثمن بطاقة العبور إلى الغد». وهذه البطاقة تتكون في كل مكان تقريباً من ثلاثة عناصر: السكن، الصحة، التعليم.
هذه العناصر هي التي تمنح الاستقرار وتخفض القلق وتتيح التخطيط وتغيير العمل من دون خوف والانخراط في استثمار طويل الأمد في المهارات والوقت. لكنها أيضاً العناصر التي ترتفع أسعارها بوتيرة تجعل أي وفورات تحققت من رخص السلع اليومية تتبخر فوراً في «سوق التنمية».
على صعيد الدخل، تظهر فخاخ إدراكية أخرى. النمو الاسمي يبدو لافتاً، لكنه لا يبدد الشعور بأن الحياة أصبحت أقل قابلية للتحكم. في الولايات المتحدة، ارتفع الأجر الأسبوعي الوسيط للعاملين بدوام كامل من نحو 473 دولاراً في الربع الأول من 1995 إلى حوالي 1215 دولاراً في الربع الثالث من 2025. على مستوى الشعارات، يمكن القول إن الأجور «تضاعفت مرات». لكن عند احتسابها بالقيمة الحقيقية المعدّلة بالتضخم، تبدو الصورة أكثر تواضعاً: من نحو 313 دولاراً إلى قرابة 376 دولاراً. هناك تقدم، لكنه أقرب إلى عشرات في المئة، لا إلى «قفزة في الرفاه».
الأمر ذاته ينسحب على الأسر. الدخل الوسيط الحقيقي للأسر الأميركية، محسوباً بقوة شراء عام 2024، ارتفع من نحو 65 ألفاً و380 دولاراً في 1995 إلى قرابة 83 ألفاً و730 دولاراً في 2024. هذا تحسن ملموس، لكنه ليس عصراً ذهبياً جديداً. يكفي أن ترتفع فاتورتان أو ثلاث رئيسية بوتيرة أسرع من مؤشر الأسعار العام حتى يتلاشى الأثر بالكامل.
المعضلة أن التضخم لا يتوزع بالتساوي. السلع التي تمنح شعوراً بالراحة قد تبقى رخيصة أو ترتفع ببطء، بينما ترتفع بسرعة تكاليف الخدمات والأصول التي تحدد مسار الحياة. في الصحة مثلاً، حتى لو تذبذب معدل التضخم الطبي في سنة معينة، فإن الاتجاه طويل الأمد في الولايات المتحدة يُظهر تفوقاً مستمراً لأسعار الرعاية الصحية على التضخم العام، وفق مقارنات بين مكون الصحة في مؤشر الأسعار وبقية السلة.
التعليم يسير في مسار مشابه. بيانات «College Board» تُظهر أنه خلال ثلاثين عاماً، من العام الدراسي 1995–1996 إلى 2025–2026، ارتفعت الرسوم المنشورة في الكليات الحكومية ذات الأربع سنوات من نحو 5940 دولاراً إلى 11 ألفاً و950 دولاراً، وفي الجامعات الخاصة غير الربحية من 25 ألفاً و820 دولاراً إلى 45 ألف دولار بأسعار 2025. صحيح أن هناك منحاً وفروقاً بين السعر المعلن والصافي، لكن «السعر المعروض في الواجهة» يحدد التوقعات ويغذي الخوف من الديون ويؤثر في قرار الدخول من الأصل.
أما السكن، فيحوّل المعادلة إلى حساب صارم. حين ترتفع أسعار المنازل أسرع من الدخول، يتحول السكن من سقف فوق الرأس إلى حاجز أمام الطبقة الوسطى. تقارير «Joint Center for Housing Studies» في جامعة هارفارد تشير إلى أن السعر الوسيط للمنازل في الولايات المتحدة اقترب من مستوى يعادل نحو خمسة أضعاف الدخل الوسيط للأسرة، بينما كان يُعتبر تقليدياً أن نسبة ثلاثة إلى واحد معيار مقبولاً. هنا يشعر الناس بأن قواعد اللعبة تغيرت. حتى مع العمل والانضباط، بات ثمن الاستقرار أعلى بكثير.
تتراكم هذه التحولات لتظهر بوضوح في بيانات الأجيال. دراسة لـ«راج تشيتي» وزملائه حول الحراك المطلق بين الأجيال أظهرت أن نسبة الأميركيين الذين يحققون في سن الثلاثين دخلاً أعلى من دخل والديهم، بعد تعديل الأسعار، تراجعت من نحو 90 في المئة لمن وُلدوا عام 1940 إلى حوالي 50 في المئة لمن وُلدوا في ثمانينيات القرن الماضي. وعند مقارنة دخول الأبناء بالآباء مباشرة، ينخفض الرقم من 95 في المئة إلى 41 في المئة. هذه ليست قصة «جيل كسول»، بل تحوّل هيكلي عميق.
من هنا يتشكل المزاج العام الذي كثيراً ما يستخف به الساسة. هم يجادلون بالأرقام المتوسطة، بينما يعيش الناس داخل بنية نفقاتهم. حين تصبح البنود التي تحدد جودة الحياة وأمانها بعيدة المنال، يبدو حتى النمو الحقيقي غير كافٍ نفسياً. استطلاعات «Pew Research Center» تشير إلى أن نحو ثلاثة أرباع البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أن أطفال اليوم سيكونون أسوأ حالاً مالياً من آبائهم. هذا ليس ترفاً في التشاؤم، بل قراءة عقلانية لحقيقة أن ما يزداد كلفة هو «المستقبل» نفسه.
لهذا تبدو وهمية الرفاه مقنعة إلى هذا الحد. يمكن للمرء أن يعيش وسط سلع جميلة ورخيصة، ويستخدم هاتفاً فائق السرعة، ويشعر بفيض تكنولوجي هائل، لكنه يظل معزولاً عن المصعد الاجتماعي. يرى واجهات التقدم، لكنه لا يستطيع دفع ثمن الدخول. الفقر الجديد نادراً ما يظهر على هيئة جوع، ويظهر أكثر فأكثر كعجز عن الترسخ: شراء منزل من دون مخاطرة عمر كامل، علاج من دون انهيار مالي، تعليم بلا حلقة ديون. وطالما بقيت كلفة هذه «الأصول الثلاثة» ترتفع أسرع من الدخول الحقيقية، ستظل لغة النمو الاسمي جميلة في الجداول، لكنها غريبة عن قلق الناس اليومي.
أوروبا: نبرة أكثر نعومة، لكن منطق الركود ذاته.
الصورة الأوروبية تبدو بالفعل أقل حدّة من نظيرتها الأميركية، لكنها نعومة ممتصّ الصدمات لا غياب الاصطدام. دولة الرفاه في أوروبا تمنع السقوط الحر، لكنها لا تلغي الآلية الأساسية للإفقار: حين يتباطأ نمو الاقتصاد والإنتاجية، أو حين يُوزَّع العائد بحيث يصل إلى الأسر ضعيفاً ومتأخراً. لذلك تبدو السكينة الظاهرة ستاراً لهشاشة داخلية تتسع بصمت.
الأرقام اليومية تلتقط هذه الهشاشة بوضوح. استطلاع أجرته «Ipsos» في يونيو 2023 شمل عشرة بلدان أوروبية وعشرة آلاف مشارك كشف أن 29 في المئة يصفون أنفسهم بأنهم في وضع مادي هش، و56 في المئة «يصمدون» لكن بحذر دائم في الإنفاق، فيما لا يرى أوضاعه جيدة فعلاً سوى 15 في المئة. 55 في المئة أفادوا بتراجع قدرتهم الشرائية خلال ثلاث سنوات، و48 في المئة يخشون الانزلاق إلى وضع أسوأ قريباً. هذه ليست مزاجية استهلاكية، بل اقتصاد معيشة: 80 في المئة واجهوا على الأقل أزمة مالية واحدة، 30 في المئة اضطروا لتخطي وجبات وهم جائعون، و36 في المئة من الأهالي قالوا إنهم عجزوا عن تلبية احتياجات أطفالهم الأساسية.
على المستوى الكلي، تتضح البنية العميقة للمشكلة. النمو في أوروبا أبطأ، وبالتالي فإن تحويل التقدم الاقتصادي إلى دخول في «الأسفل» و«الوسط» أضعف. البنك المركزي الأوروبي يشير إلى أن إنتاجية العمل بالساعة ارتفعت بين 1995 و2019 بنحو 50 في المئة في الولايات المتحدة، مقابل 28 في المئة فقط في منطقة اليورو. وبعد الجائحة اتسعت الفجوة: من الربع الرابع 2019 إلى الربع الثاني 2024 نمت الإنتاجية 6.7 في المئة في الولايات المتحدة مقابل 0.9 في المئة في منطقة اليورو. هذه هي كلفة «الاستقرار بلا دينامية»: شبكات الأمان تخفف الصدمة، لكنها لا تخلق نمواً إضافياً.
الفجوة الجيلية في هذا السياق ليست استثناءً بل نتيجة منطقية. في المملكة المتحدة، تُظهر بيانات «Social Mobility Commission» أن 56 في المئة من المولودين عام 1975 كانوا يكسبون أكثر من آبائهم، بينما انخفضت النسبة إلى 33 في المئة لدى مواليد 1985. ليست مسألة كسل، بل حسابات عصر: نمو أبطأ، مساكن أغلى قياساً إلى الدخل، منافسة أشد على الوظائف الجيدة، وهامش خطأ أضيق للأسرة.
السويد تُقدَّم كثيراً كاستثناء، وهو استثناء مفهوم بنيوياً. دراسات الحراك المطلق بين الأجيال هناك تشير إلى أن 84 في المئة من الرجال و86 في المئة من النساء يكسبون أكثر من آبائهم. التفسير يرتبط بتدني عدم المساواة في جيل الآباء، وتوزيع أكثر توازناً لرأس المال البشري، ومؤسسات تمنع تركز الدخل في القمة. المصعد يعمل حيث لا تبدأ الرحلة بحواجز.
الخلاصة أن «النعومة» الأوروبية لا تنفي الواقع الصلب. حين تعيش نسبة كبيرة في وضع رقابة دائمة على الإنفاق، فذلك ليس اعتدالاً بل تآكلاً في الوسادة المالية. وحين تتباطأ الإنتاجية مقارنة بالمنافسين، يتحول ذلك إلى ركود في الدخول الحقيقية وقلق سياسي. دولة الرفاه تشتري الوقت، لكنها لا تستبدل محرك النمو. من دون تسريع الإنتاجية والاستثمار والتحديث التكنولوجي وتقليص عدم المساواة في نقطة الانطلاق، سيبقى المشهد يتكرر: ظاهرياً كل شيء مقبول، وداخلياً كل شيء معلّق على خيط رفيع.
وهم النمو: لماذا لم يعد «المتوسط» يقنع.
لننظر إلى ثلاث قوى غربية كبرى: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا. نماذج مختلفة، لكن المفارقة واحدة. الولايات المتحدة اقتصاد ليبرالي بمرونة عالية وسقف تدخل حكومي منخفض. فرنسا نموذج اجتماعي ديمقراطي بضرائب تصاعدية وتنظيمات صارمة وسخاء في الإنفاق الاجتماعي. ألمانيا تقع في الوسط، أقرب إلى النموذج الفرنسي من الأميركي.
خلال الثلاثين عاماً الماضية ارتفعت الأجور الاسمية في الدول الثلاث. في الولايات المتحدة ارتفع متوسط الراتب السنوي من نحو 35 ألف دولار عام 1995 إلى أكثر من 81 ألفاً عام 2023، أي بزيادة تقارب 130 في المئة. في فرنسا من 25 ألف يورو إلى 43.5 ألفاً، وفي ألمانيا من 42 ألفاً إلى 48.3 ألف يورو. حتى في القيم الحقيقية المعدلة بالتضخم، تحقق نمو متواضع يتراوح بين 5 و15 في المئة. المنطق البسيط يقول إن الناس يفترض أن يكونوا أكثر ثراءً.
لكن المفارقة السياسية تبدأ هنا. رغم ارتفاع الأجور، أصبحت السلع الأساسية والخدمات والسكن أقل قابلية للتحمل خلال العقدين الأخيرين. حتى في الولايات المتحدة، يحتاج شراء سيارة اليوم إلى عدد أكبر من الرواتب المتوسطة مقارنة بما كان عليه قبل عشرين عاماً. المال موجود، لكن «ثمن الحياة الطبيعية» يرتفع أسرع.
السكن هو الحلقة الأضعف. في الاتحاد الأوروبي ارتفعت أسعار العقارات بنحو 50 في المئة بين 2010 و2025، والإيجارات بنحو 25 في المئة، ما رفع نسبة السعر إلى الدخل 20 إلى 30 في المئة. في الولايات المتحدة تضاعف مؤشر أسعار المنازل منذ 1995 بنسبة تراوح بين 100 و150 في المئة. في 2022 بلغ تضخم أسعار المساكن في الاتحاد الأوروبي ذروة 23.3 في المئة. اليوم ينفق واحد من كل عشرة أوروبيين أكثر من 40 في المئة من دخله على السكن. هذه ليست رفاهية، بل أساس الحياة.
أما الخدمات، فالصورة أكثر تعقيداً، لكن الاتجاه العام واضح: حتى الرعاية السنية، وهي من أكثر الخدمات الطبية شيوعاً، أصبحت أقل يسراً. الغلاء لا يطال الكماليات، بل «الحياة العادية».
الافتراق الأخير: تريليونير في الأفق ورهن عقاري مدى الحياة.
لا يمكن لهذه الفجوة ألا تنعكس في المزاج العام. بينما يقترب إيلون ماسك من لقب أول تريليونير في التاريخ، تدرك الأسرة المتوسطة أن سداد الرهن العقاري قد يستغرق عمرها كله. الفارق بين واجهة النجاح وحياة الأغلبية لم يعد رقماً في تقرير، بل تجربة شعورية يومية. الناس لا يقارنون أنفسهم بقرن مضى، بل بوالديهم، ويرون أن المسار انكسر.
موجة التضخم الأخيرة، الناتجة عن جائحة كورونا وارتفاع أسعار الطاقة في سياق الحرب في أوكرانيا، سلطت الضوء على تراكمات عقود. النمو موجود في الجداول، لكن الطمأنينة غائبة.
وهنا يكمن الأثر السياسي. حين لا يجوع المجتمع لكنه يفقد الوصول إلى السكن والتعليم والصحة، فإنه لا يعيش فقراً تقليدياً بل تآكلاً في مشروع الحياة نفسه. في مثل هذه اللحظات، لا يبحث الناس عن أيديولوجيا، بل عن جواب بسيط يعيد لهم شعور العدالة والقدرة على التحكم بمصيرهم. وإذا عجزت المؤسسات عن تقديم هذا الجواب، فإن الفراغ يملؤه من يعدون بتبسيط المعقد، حتى لو كان الثمن باهظاً.