...

دخلت أوروبا عام 2026 وهي مثقلة بحالة تباطؤ اقتصادي مزمن لم يعد بالإمكان تفسيره بظروف ظرفية عابرة أو بتداعيات أزمة بعينها. نحن أمام ركود بنيوي يتغلغل في العمق. صحيح أن الأرقام الرسمية تشير إلى نمو، لكن هذا النمو هزيل إلى حدّ أنه لا يخلق زخماً استثمارياً، ولا يبعث على التفاؤل الاجتماعي، ولا يمنح الأنظمة السياسية هامش أمان حقيقياً.

حصيلة عام 2025 جاءت باهتة حتى وفق أكثر المعايير تساهلاً. فقد سجل الاتحاد الأوروبي نمواً بنسبة 1.6 في المئة، فيما بلغت النسبة في منطقة اليورو 1.5 في المئة. هذه الأرقام تفوق نتائج 2023 حين لم يتجاوز النمو 0.5 في المئة، ونتائج 2024 التي سجلت 1 في المئة. غير أن الحسابات الجافة تخفي ما هو أعمق. داخل الاتحاد تبدو الصورة شديدة التباين، ونصف الدول تقريباً يقف على حافة الركود.

من بين 18 دولة نُشرت بياناتها للربع الرابع من عام 2025، سجّلت تسع دول نمواً فعلياً يقل عن 1 في المئة بعد احتساب التضخم. وإذا استثنينا إيرلندا، التي تتميز بتقلبات حادة بفعل طبيعة اقتصادها المرتبط بالشركات متعددة الجنسيات ونظامها الضريبي الخاص، فإن ثلاث دول فقط تجاوز نموها 3 في المئة.

هذا يعني أن قسماً كبيراً من القارة يتحرك في نطاق سرعة اقتصادية دنيا. وفي ظل هذه الوتيرة، يصبح من المستحيل الحديث عن تحديث سريع للبنية التحتية، أو قفزة صناعية نوعية، أو تحسن ملموس في مستويات المعيشة.

ذروة مضت وزخم تبدد.

الاقتصاد الأوروبي بلغ بالفعل قمة دورته المصغرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ويمكن تحديد تلك الذروة بدقة في منتصف عام 2025، حين بلغ النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي 1.7 في المئة وفق البيانات المعدلة موسمياً.

منذ ذلك الحين لم يحدث انهيار دراماتيكي، بل بدأ ما يمكن وصفه بـ«التباطؤ الزاحف»، وهو أخطر مما يبدو للوهلة الأولى. ففي الربع الثالث من 2025 تراجع النمو السنوي إلى 1.6 في المئة، ثم إلى 1.5 في المئة في الربع الرابع. لا أزمة معلنة، ولا ركود رسمي، لكن قاعدة النمو تضيق تدريجياً، وتفقد قدرتها على تغذية نفسها ذاتياً.

وعند تفكيك الصورة فصلياً تتبدد أي أوهام. فقد نما اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 0.4 في المئة في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق، ثم 0.3 في المئة في الربع الرابع. أما منطقة اليورو فسجلت 0.3 في المئة في كلا الربعين.

هذه الأرقام تكشف حقيقتين. أولاً، لم يحمل النصف الثاني من 2025 أي تسارع حقيقي، وهذه ليست مبالغة بل حساب بسيط. التسارع يعني ارتفاعاً متتالياً في وتيرة النمو الفصلي أو اتساع مساهمة الاستثمار والصناعة، وهو ما لم يحدث. الاقتصاد تحرك بالقصور الذاتي لا أكثر.

ثانياً، تبدو نسبة 0.3 أو 0.4 في المئة مقبولة على الورق، لكنها متواضعة جداً مقارنة بما اعتبرته أوروبا طبيعياً في دورات سابقة. والأهم أن جزءاً من هذا النمو جاء نتيجة عوامل استثنائية، مثل تقديم الصادرات إلى فترات مبكرة تحسباً لقيود تجارية محتملة، وهي عوامل لا يمكن البناء عليها طويلاً.

الصناعة: المشكلة ليست في شهر سلبي بل في جمود لزج.

البيانات الصناعية في النصف الثاني من 2025 رسمت صورة واضحة: لا انهيار حاداً، لكن لا اتجاه صاعداً متماسكاً أيضاً. في أكتوبر ونوفمبر 2025 ارتفع الإنتاج الصناعي في الاتحاد الأوروبي بنسبة 0.2 في المئة فقط على أساس شهري، فيما بلغت الزيادة في منطقة اليورو 0.7 في المئة. هذه هي الديناميكية شبه الصفرية عملياً: حركة بطيئة لا تولّد زخماً صناعياً قادراً على دفع النمو العام.

صحيح أن المتوسط السنوي لعام 2025 يبدو أفضل، مع ارتفاع بنحو 1.5 في المئة مقارنة بعام 2024، سواء في الاتحاد أو في منطقة اليورو. غير أن المتوسطات السنوية كثيراً ما تخفي البنية الداخلية. فقد تُبنى على بضعة أشهر قوية أو على تأثير قاعدة المقارنة، فيما يكون الاقتصاد في النصف الثاني قد اصطدم بسقف الطلب، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتشدد شروط الائتمان، وتفاقم حالة عدم اليقين.

الاستثمار: العصب الحساس للدورة الاقتصادية.

المؤشر الأكثر إثارة للقلق في هذا التباطؤ المتأخر يتمثل في الاستثمار. فهو الذي يحدد ما إذا كان النمو سيتحول إلى تقدم تكنولوجي وإنتاجي، أم سيظل نمواً استهلاكياً مدعوماً بالإنفاق العام.

تقديرات عام 2025 تشير إلى نمو شبه رمزي في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي لا يتجاوز 0.6 في المئة. هذه إشارة واضحة إلى أن الشركات لا ترى طلباً مستقراً في الأفق، ولا تثق تماماً بقواعد اللعبة في ملفات الطاقة والتنظيم والتجارة، وبالتالي تؤجل التوسع وتبطئ التحديث.

المفوضية الأوروبية بدورها رسمت في توقعاتها لخريف 2025 مشهداً لنمو بلا اندفاعة، متوقعة أن يدور الناتج المحلي للاتحاد حول 1.4 في المئة في 2025 و2026، مع تحسن طفيف في 2027. إنها صيغة مؤسسية تقول بصراحة: نحن ننمو، لكننا لا نتقدم خطوة إلى الأمام.

لماذا يصبح الضعف أخطر حين يكون النمو قائماً شكلياً.

القلق لا ينبع من ركود صريح، بل من نمو هش. ففي حالات التعافي الحقيقي، تتزامن ثلاثة عناصر: انتعاش صناعي واضح، توسع استثماري ملموس، وتسارع في الإنتاجية والدخول.

أما اليوم، فالصورة مختلفة. نمو موجود لكنه متواضع وغير متوازن بين الدول. صناعة تتحرك ببطء متقطع. استثمارات ضعيفة، أي أن وقود المستقبل لا يصل إلى المحرك.

سوق العمل يوفر بعض الدعم، إذ ارتفعت العمالة في الربع الرابع من 2025 بنسبة 0.2 في المئة مقارنة بالربع السابق، وبلغت الزيادة السنوية نحو 0.5 في المئة في الاتحاد الأوروبي. هذا يساند الاستهلاك ويقلل احتمال الانهيار المفاجئ، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة: ضعف الاستثمار.

مخاطر الصدمات الخارجية: كيف يتحول التباطؤ المعتدل إلى ركود.

حين ينمو الاقتصاد على طبقة رقيقة من الزخم، فإن أي صدمة خارجية تتحول إلى رافعة تضخّم المخاطر. ولا يشترط أن تكون كارثية. يكفي أن تصيب أحد ثلاثة مسارات.

الطاقة. أوروبا تأقلمت مع أسعار أعلى وأكثر تقلباً، لكن قدرتها التنافسية الصناعية لم تتعزز بالقدر الكافي. أي ارتفاع جديد في تكاليف الطاقة سيضغط سريعاً على هوامش القطاعات كثيفة الاستهلاك، ويدفع إلى تأجيل الاستثمارات.

التمويل وتكلفة رأس المال. حتى مع تيسير نسبي في السياسات النقدية، تظل الأموال طويلة الأجل للمشاريع الصناعية مكلفة، فيما ترفع حالة عدم اليقين معدلات العائد المطلوبة، ما يضغط مباشرة على الإنفاق الرأسمالي.

الجيوسياسة والتجارة. الاحتكاكات التجارية قد تضرب أوروبا بصورة غير مباشرة عبر الصادرات وسلاسل التوريد وتوقعات المستثمرين. وفي أجندة 2026 تُناقش بالفعل سياسات صناعية وإجراءات توطين قد تعيد تشكيل هيكل الطلب والمنافسة.

في اقتصاد قوي، تُمتص الصدمات عبر الطلب الداخلي والاستثمار. أما في اقتصاد ينمو ببطء، فإن الضربة تصيب نقطة الضعف: توقعات الشركات. أول رد فعل يكون تقليص خطط الاستثمار والتوظيف، وسرعان ما يتحول النمو الهش إلى ركود تقني.

الخلاصة أن أوروبا تجاوزت على الأرجح ذروة نموها المحلية في منتصف 2025، ودخلت مرحلة يستمر فيها النمو شكلياً لكن تتآكل فيه المتانة. المشكلة ليست أن كل شيء ينهار، بل أن كل شيء بات هشاً أكثر مما ينبغي. وفي ظل هذه المعادلة، لا تحتاج القارة إلى صدمة كبرى كي تنزلق من نمو رسمي إلى دينامية ركودية.

الركود بوصفه عاملاً اجتماعياً.

الركود الاقتصادي ليس مجرد منحنيات بيانية وجداول إحصائية. إنه تراجع في فرص الترقّي المهني، وحذر متزايد في أوساط الأعمال، وانكماش في البرامج الاستثمارية، وتباطؤ في نمو الدخول.

رواد الأعمال يواجهون طلباً داخلياً فاتراً. الأسر تقلّص إنفاقها وتؤجل المشتريات الكبرى. الشركات ترجئ خطط التوسع. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة: استهلاك ضعيف يقيّد الاستثمار، واستثمار خافت يحدّ من خلق الوظائف، وغياب وظائف جديدة يكبح نمو الدخل.

في المقابل، تجد الحكومات نفسها محاصَرة داخل ممرّ مالي ضيق. الإنفاق العام يرتفع، لكن القاعدة الضريبية تتوسع ببطء. أي زيادة في الضرائب تشعل غضباً اجتماعياً، وأي خفض في النفقات يفتح الباب أمام احتجاجات واسعة.

الدفاع في مواجهة الدولة الاجتماعية.

يتجلّى هذا التناقض بحدة في معركة توزيع الموازنة.

خلال الأعوام الأخيرة ارتفعت نفقات الدفاع في دول الاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ. غير أن النموذج الأوروبي قام تاريخياً على دولة رفاه متينة: معاشات تقاعد، أنظمة صحية شاملة، إعانات بطالة، واستثمار واسع في التعليم.

كلما ضعف النمو الاقتصادي، أصبح الاختيار بين الإنفاق الدفاعي والإنفاق الاجتماعي أكثر إيلاماً.

الحكومات مطالَبة بتحقيق معادلة شبه مستحيلة:
تمويل تحديث الجيوش.
الحفاظ على مستوى الضمانات الاجتماعية.
الالتزام بالانضباط المالي.
إبقاء الدين العام ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.

وعندما يدور النمو حول 1 إلى 1.5 في المئة، يصبح الجمع بين هذه الأهداف أقرب إلى السير على حبل مشدود.

الكلفة السياسية للتباطؤ.

الركود لا يبقى في دفاتر الاقتصاد، بل ينتقل سريعاً إلى ساحة السياسة.

كلما تباطأ النمو، ازدادت حساسية المجتمعات تجاه أي إعادة توزيع للموارد. رفع الضرائب يتحول إلى مقامرة سياسية. تقليص البرامج الاجتماعية يصبح أكثر خطورة.

في هذه البيئة، تصعد الأحزاب التي تطرح حلولاً حادة ومباشرة. النزعة المحافظة الوطنية تتقدم بوصفها رد فعل على شعور بفقدان السيطرة الاقتصادية والاجتماعية.

هكذا تتكوّن حلقة مؤسسية مغلقة: ركود اقتصادي يغذي التشرذم السياسي، وتشرذم سياسي يعرقل الإصلاحات البنيوية القادرة على تسريع النمو.

إنها معادلة أشبه بـ«المأزق المزدوج»:
الركود يعمّق الانقسام.
والانقسام يمنع تجاوز الركود.

سرعات مختلفة داخل القارة.

في المشهد الأوروبي المتباطئ، تظهر بعض الاقتصادات كاستثناءات لافتة.

قبرص تبدو في السنوات الأخيرة «اقتصاداً صغيراً بتدفقات كبيرة». الجزيرة لا تعتمد على تصدير صناعي تقليدي، بل على تصدير الخدمات: السياحة، الخدمات المالية والشركات، قطاع تكنولوجيا المعلومات، العقارات، والأنشطة اللوجستية والبحرية. لهذا السبب استطاعت، رغم البيئة الخارجية الصعبة، تسجيل معدلات نمو تفوق ما تحققه معظم دول منطقة اليورو.

تقديرات المفوضية الأوروبية تشير إلى نمو يقارب 3.4 في المئة عام 2025. المحرك الأساسي هو الاستهلاك الخاص المدعوم بارتفاع الدخل الحقيقي وتدفّق العمالة الأجنبية، التي تصحب انتقالها عادة موجة إنفاق جديدة. الاستثمارات بدورها مدفوعة ببرامج أوروبية وتدفّقات رأسمال أجنبي، خصوصاً في قطاع العقارات.

اللافت أن نيقوسيا تجمع بين نمو سريع وفائض مالي قوي. ففي 2024 سجلت فائضاً في الموازنة بنحو 4.1 في المئة من الناتج المحلي، مع توقع استمرار الفائض عند نحو 3.3 في المئة عام 2025. غير أن لهذه المعادلة وجهاً آخر: جزء من القيمة المضافة يغادر البلاد عبر تحويل أرباح الشركات الأجنبية، ما يحدّ من تراكم الثروة الوطنية.

بلغاريا تقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الطلب الداخلي وتسارع الاستثمار كلما تسارعت وتيرة امتصاص أموال البرامج الأوروبية. النمو بلغ نحو 3.4 في المئة عام 2024 بدفع من الاستهلاك العام والخاص. لكن الدورة الاستثمارية هناك شديدة الارتباط بالموازنة والتدفّقات الأوروبية، ما يجعل الأداء عرضة لتقلبات سريعة عند أي تأخير أو فجوة تمويلية. حتى الصادرات تتأثر بعوامل قطاعية ضيقة، بحيث يكفي توقف تقني في عدد محدود من الشركات الكبرى لإحداث أثر واضح على الأرقام الوطنية.

بولندا تبدو الاستثناء الأكثر صلابة بين اقتصادات شرق الاتحاد الكبيرة. النمو المتوقع لعام 2025 يقارب 3.2 في المئة، مدفوعاً باستهلاك خاص قوي واستثمارات عامة متزايدة وامتصاص أسرع لأموال الاتحاد الأوروبي. سوق العمل مستقرة نسبياً، والبطالة تدور حول 3 في المئة، فيما يرتفع متوسط الأجور الاسمية بوتيرة ملحوظة، ما يعزز الطلب الداخلي كعازل ضد الصدمات الخارجية.

لكن هذا الزخم له ثمن مالي. العجز في القطاع الحكومي يُتوقع أن يقترب من 6.8 في المئة من الناتج المحلي عام 2025، في ظل توسع البرامج الاجتماعية وارتفاع كلفة خدمة الدين وزيادة الإنفاق الدفاعي. وارسو تكسب في وتيرة النمو، لكنها تدفع مقابله ضغطاً مالياً متزايداً.

غير أن هذه النماذج، رغم أهميتها، لا تكفي لتغيير المسار العام. الوزن الحقيقي في المعادلة الأوروبية يبقى بيد الاقتصادات الكبرى في قلب منطقة اليورو وشمال القارة.

السويد تسجل نمواً يقارب 1.5 في المئة عام 2025، وهو رقم متواضع يعكس تعافياً حذراً بعد فترة ضغط فيها التضخم وارتفاع الفوائد على الأسر والشركات. العجز المالي يظل تحت السيطرة نسبياً، والدين العام منخفض مقارنة بالمتوسط الأوروبي، ما يمنح ستوكهولم هامش تحرك، لكن التعافي لا يزال معتمداً إلى حد كبير على عودة الاستهلاك الخاص.

أما ألمانيا فتمثل قطب القلق الحقيقي. المشكلة لا تكمن في ربع ضعيف، بل في فتور استثماري يطال جوهر اقتصاد صناعي ثقيل. صحيح أن بعض الفصول شهدت نمواً طفيفاً في تكوين رأس المال، إلا أن قطاع البناء يعاني من كلفة تمويل مرتفعة ونقص في العمالة وتعقيدات تنظيمية. وعندما يتراجع البناء والبنية التحتية، تفقد أكبر قوة صناعية في أوروبا جزءاً من سرعتها المستقبلية.

المسألة ليست أرقاماً سالبة بمليارات اليورو فحسب، بل دلالة استراتيجية: استثمارات أقل اليوم تعني طاقة إنتاجية أقل غداً، ومصانع أقل تحديثاً، وأنظمة رقمية أبطأ، وكفاءة طاقية أضعف. وبما أن ألمانيا هي القلب الصناعي لمنطقة اليورو، فإن أي تباطؤ استثماري فيها يمتد أثره عبر سلاسل التوريد إلى القارة بأسرها.

خلاصة الصورة أن أوروبا ليست كتلة واحدة تسير بالسرعة نفسها. قبرص وبلغاريا وبولندا تكشف أن النمو ممكن عبر مسارات مختلفة. السويد تحاول استعادة توازنها عبر الاستهلاك. ألمانيا تواجه تحدياً أعمق يتعلق بجودة الاستثمار ومستقبل الصناعة.

لكن الاتجاه العام تحدده الاقتصادات الكبرى. وإذا لم يُكسر الجمود الاستثماري في المركز الأوروبي، فستبقى النجاحات الطرفية لافتة لكنها غير كافية لتعديل المسار العام. أوروبا تنمو، نعم، لكنها تنمو على أرضية هشّة، حيث أي هزة قد تعيد القارة إلى نقطة الصفر.

فقدان المبادرة الاستراتيجية.

في مطلع الألفية الجديدة بدا الاتحاد الأوروبي كأنه «قوة معيارية عظمى». كان يضع القواعد، وجيرانه يسعون للاقتداء به، وشركات العالم تتبنى تشريعاته كمرجع تنظيمي. بروكسل لم تفقد حتى اليوم حماسها الرقابي، فالتوجيهات واللوائح والأطر الإشرافية تتكاثر بلا توقف. لكن الوزن الاقتصادي الفعلي للقارة تغيّر. بقيت المعايير، وتراجعت الجاذبية. أوروبا لا تسقط في هاوية، بل تغوص ببطء في أخاديدها الخاصة.

الصورة ليست كارثية ظاهرياً. الاتحاد الأوروبي ينمو، وسوق العمل متماسك نسبياً، والتضخم انخفض مقارنة بذروته. غير أن الوتيرة أبطأ بكثير من حجم التحديات: منافسة الولايات المتحدة والصين، الفجوة التكنولوجية، تضخم الإنفاق الدفاعي، الشيخوخة الديموغرافية، وإعادة هيكلة منظومة الطاقة.

المؤشر الأوضح ظهر عام 2024، حين نما الناتج المحلي الحقيقي للاتحاد بنسبة 1 في المئة فقط مقارنة بعام 2023، في وقت تراجع فيه تكوين رأس المال الثابت رغم تحسن بعض مكونات الطلب. وهذه إشارة بالغة الدلالة: حين يعطي الاستثمار، وهو قلب النمو، مساهمة سلبية، يمكن للاقتصاد أن يتحرك بفضل الاستهلاك والإنفاق العام، لكن حركته تصبح هشّة وقابلة للاهتزاز عند أول صدمة.

الأرقام لعام 2025 تكشف تبايناً داخلياً لافتاً. ألمانيا عند 0.2 في المئة، فرنسا 0.7، إيطاليا 0.4، النمسا 0.3، فنلندا 0.1، بلجيكا 1.0، هولندا 1.7، إسبانيا 2.9، بولندا 3.2. المتوسط العام للاتحاد يقارب 1.4 في المئة.

وفق هذه الخريطة، تنقلب المعادلة السياسية التقليدية. الجنوب الذي فُرضت عليه قبل عقد سياسات تقشف صارمة يسجل اليوم معدلات نمو أعلى نسبياً، كما في إسبانيا واليونان والبرتغال. في المقابل، يقبع «القلب» الصناعي للقارة في نطاق أرقام بالكاد تتجاوز الصفر. وعلى لغة الأعمال، هذا يعني شيئاً واحداً: الحذر، تجميد المشاريع، وتغليب السيولة قصيرة الأجل على الرهانات البعيدة.

ألمانيا بوصفها ميزان الضغط.

أكبر اقتصاد في الاتحاد ليس رقماً ضمن قائمة، بل هو العمود الفقري لسلاسل الإمداد الأوروبية ومركز الصناعات الثقيلة. وهنا تكمن الإشارة الأشد إزعاجاً: الاستثمار.

بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي تشير إلى تراجع الاستثمارات في الربع الأول من 2025 بنحو 1 في المئة على أساس سنوي بعد احتساب التضخم، في استمرار لمسار انكماشي يمتد لعامين. الأكثر دلالة هو هبوط الإنفاق على الآلات والمعدات بنحو 3.8 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

هذه ليست مجرد دورة طلب ضعيف. إنها إرجاء لتحديث خطوط الإنتاج، وتأجيل لتجديد المعدات، وتعليق لمشاريع التوسع. ومن دون ذلك لا تتحقق زيادة في الإنتاجية، ولا طفرة صناعية، ولا قدرة حقيقية على مجابهة المنافسة الخارجية.

الاستهلاك يتنفس ولا يركض.

الطلب الداخلي في أوروبا لا ينهار، لكنه لا يتحول إلى قاطرة تسارع. التوقعات الرسمية تشير إلى نمو يدور حول 1.4 في المئة في 2025 و2026 للاتحاد الأوروبي، ونحو 1.3 ثم 1.2 في المئة لمنطقة اليورو. هذا هو التعريف العملي لحالة التعثر: اقتصاد لا يسقط، لكنه لا يندفع إلى الأمام.

في مثل هذا السياق، تكفي صدمة خارجية متوسطة، سواء كانت قيوداً تجارية أو ارتفاعاً جديداً في أسعار الطاقة أو توتراً جيوسياسياً، لتحويل «نمو متواضع» إلى ركود فعلي.

فخ مؤسسي لا نقص في الشعارات.

المعضلة ليست في غياب الخطاب الطموح. المصطلحات من قبيل «الاستقلالية الاستراتيجية» و«السيادة التكنولوجية» و«السياسة الصناعية الأوروبية» أصبحت جزءاً من القاموس اليومي. لكن بين اللغة والاقتصاد تقف بنية مؤسسية كانت في زمن الاستقرار مصدر قوة، وأصبحت في زمن الصدمات عامل إبطاء.

أولاً، سرعة القرار لا تواكب سرعة المنافسة. الاتحاد يحتاج إلى توافقات معقدة بين عدد كبير من الدول. في عالم يتحرك وفق منطق «سريع، مكلف، واسع النطاق» في الاستثمار بالرقائق والذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة، يتحول الإجماع البطيء إلى عبء هيكلي.

ثانياً، الفجوة بين سوق موحدة للسلع وسوق مجزأة لرأس المال. السوق الأوروبية تعمل نسبياً بكفاءة في تداول البضائع، لكن رأس المال ما يزال محكوماً بأطر وطنية مختلفة: أنظمة إفلاس متباينة، حوافز ضريبية غير موحدة، أسواق مالية بعمق متفاوت. النتيجة أن الشركات الناشئة تجد صعوبة في التوسع أوروبياً، والمشاريع الكبرى تواجه عقبات في الحصول على تمويل سريع وكافٍ.

ثالثاً، فجوة الاستثمار في قلب القارة. استمرار تراجع الاستثمارات في ألمانيا لعامين، مع انخفاض ملموس في المعدات، يعني أن الحديث عن سياسة صناعية لم يتحول بعد إلى دورة صناعية فعلية.

رابعاً، هشاشة الطاقة بوصفها ضريبة تنافسية. رغم تراجع أسعار الجملة للكهرباء مقارنة بذروة أزمة 2022 و2023، فإن اعتماد أوروبا على الواردات وذاكرة الصدمة السعرية لا يزالان يضغطان على توقعات الأعمال. بالنسبة للصناعة، ليست الأسعار الحالية وحدها المهمة، بل اليقين بأن تكاليف الطاقة ستكون قابلة للتنبؤ خلال ثلاث إلى خمس سنوات. هذا اليقين لم يترسخ بعد.

خامساً، محدودية التفوق التكنولوجي وتشتت الموارد. الاتحاد الأوروبي أنفق في 2024 نحو 2.24 في المئة من ناتجه المحلي على البحث والتطوير، أي ما يقارب 403 مليارات يورو. الرقم كبير في حد ذاته، لكن المشكلة في التوزيع والتنسيق. البرامج الوطنية المتعددة، وتباين الأولويات، وغياب أسواق رأسمال موحدة عميقة، كلها تعني أن الأفكار البحثية لا تتحول بسهولة إلى سلاسل إنتاج صناعية واسعة النطاق.

النتيجة أن أوروبا لا تعاني من عجز في الكلمات أو في النوايا، بل من فجوة بين الطموح والقدرة التنفيذية. القارة لا تنهار، لكنها تفقد تدريجياً زمام المبادرة. وفي عالم تتسارع فيه موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، قد يكون البطء أخطر من السقوط.

الكلفة السياسية للسرعات البطيئة: التوتر كخلفية دائمة.

اقتصاد يعيش على نمو ضعيف مزمن يُنتج، بصورة شبه حتمية، توتراً سياسياً دائماً. ليس لأن المجتمعات «لا تفهم التعقيد»، بل لأن الوتيرة البطيئة تجعل أي نقاش حول توزيع الموارد معركة مفتوحة.

عندما يبلغ النمو 2.9 أو 3.2 في المئة، كما في إسبانيا أو بولندا عام 2025، يتولد شعور بالحركة إلى الأمام. يستطيع السياسيون حينها الحديث عن تحديث وإصلاح، وعن تقاسم ثمار التحسن.

أما عندما يدور النمو بين 0.2 و0.7 في المئة، كما في ألمانيا وفرنسا، فإن المعادلة تختلف جذرياً. الدخل يكاد يراوح مكانه، والشركات تتصرف بحذر، وأي أولوية جديدة تُقرأ كتهديد مباشر. إما المناخ أو المصانع. إما الدفاع أو الرعاية الاجتماعية. إما دعم الأطراف أو تخفيف الضرائب عن دافعيها.

هكذا يتشكل التناقض الأوروبي الصارخ: قارة تتحدث بلغة الوحدة، لكنها تعيش عملياً في حالة مساومة داخلية دائمة.

استعادة الدينامية: ليس شعاراً بل مفترق طرق.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على الصمود. الأرجح أنه قادر. السوق ضخمة، والمؤسسات راسخة، ورأس المال البشري متقدم، والخبرة التصديرية عميقة، والثروة المتراكمة كبيرة.

السؤال هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على كسر الفخ الذي صنعته لنفسها. وهذا يعني عملياً مواجهة مفترقات حاسمة.

أولاً، إعادة إطلاق دورة الاستثمار في قلب القارة. من دون انتعاش استثماري واضح في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ستبقى أي «استراتيجية أوروبية» حبراً على ورق. الإشارة التحذيرية صدرت بالفعل مع تراجع الاستثمارات وانخفاض الإنفاق على المعدات في ألمانيا.

ثانياً، الانتقال من ريادة تنظيمية إلى ريادة قائمة على الحجم والسرعة. المعايير مهمة، لكن عالم «الرهانات الكبرى» يكافئ من يستطيع حشد الموارد سريعاً، وبناء أسواق رأسمال عميقة، ومنح الصناعة أفقاً طويلاً من اليقين.

ثالثاً، استكمال اتحاد أسواق رأس المال بوصفه شرطاً للسيادة التكنولوجية. من دون سوق تمويل أوروبية موحدة وعميقة، ستستمر القارة في إنتاج الأفكار ثم تصدير نموها إلى الخارج عبر انتقال الشركات، والإدراج في بورصات غير أوروبية، وعمليات الاستحواذ الأجنبية.

رابعاً، ترسيخ قابلية التنبؤ في مجال الطاقة كأساس لأي سياسة صناعية. الصناعة لا تخطط وفق المؤتمرات الصحافية، بل وفق العقود طويلة الأجل، والشبكات، والتعريفات، وآفاق استرداد الكلفة. ما لم يتحول أمن الطاقة إلى معادلة مستقرة، ستظل الاستثمارات الكبرى مؤجلة.

الخلاصة: أوروبا ليست في حالة انهيار، لكنها عالقة في وقفة طويلة تتحول تدريجياً إلى عادة.

تشبه القارة عداء ماراثون مخضرماً لم يسقط أرضاً، لكنه أبطأ خطواته لأنه اعتاد مساراً يحتاج في كل كيلومتر إلى توافق مع رفاق الطريق. لا يزال في السباق، نعم. لكن إذا أصبح المشي هو القاعدة، فسيكتشف متأخراً أن المنافسين لم يسبقوه بدقائق، بل بعصر كامل.

الجدل الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون حول ما إذا كانت «الاستقلالية الاستراتيجية» ضرورية. بل حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحويل هذا المفهوم من عبارة رنانة إلى آلية اقتصادية ملموسة: استثمارات فعلية، إنتاج متقدم، تفوق تكنولوجي، وسرعة قرار.

إن نجحت، استعادت ديناميتها. وإن أخفقت، سيتكرس نموذج اقتصاد النمو الضعيف المزمن، حيث لا يكون التوتر السياسي أزمة عابرة، بل مناخاً دائماً.