...

قال وزير النقل التركي عبد القادر أورالوغلو، في مقابلة مع قناة 7، إن مشروع ممرّ زنغزور المعروف بـ"مسار ترامب" سيمنح دفعة قوية لقدرات "الممر الأوسط". وأوضح أن أعمال إنشاء هذا الممر، الممتدّ على طول ٤٣ كيلومتراً، ستنطلق قريباً بعد أن تمّ التوصّل إلى اتفاق بشأنه بوساطة أمريكية.

بالتوازي مع الجهود المبذولة لتعزيز استخدام خطّ باكو – تبليسي – قارص الحديدي، تعمل أنقرة على تنويع مسارات النقل الإقليمي. الهدف المحوري هو إنشاء ربط مباشر بين غرب أذربيجان وجمهورية نخجوان الذاتية الحكم. وأكّد أورالوغلو أن مشروع زنغزور سيكون خطوة إضافية لرفع طاقة الممر الأوسط وتوسيعه.

تركيا على مفترق القارات

قال الوزير التركي إن بلاده تقع في قلب شبكة التجارة العالمية، إذ تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتشكل جسراً استراتيجياً بينها. وأضاف: "أنشأنا الممر الأوسط عبر خطّ باكو–تبليسي–قارص، ونعمل اليوم على استغلال طاقته الكاملة. إلى جانبه نطوّر ممرّ زنغزور، ليؤمّن اتصالاً مباشراً مع أذربيجان والعالم التركي عبر بحر قزوين، مما سيضاعف من قدرة الممر الأوسط".

وأوضح أن تركيا بدأت فعلاً العمل على إنشاء خطّ حديدي داخلي بطول ٢٢٤ كيلومتراً، يربط بين قارص وإغدير وديلوجو. كما ستجري أعمال موازية في نخجوان، فيما أنجزت أذربيجان القسم الأكبر من مشاريعها المرتبطة بالممر. ويبقى العنصر الحاسم هو انطلاق بناء المقطع البالغ طوله ٤٣ كيلومتراً، والمارّ عبر الأراضي الأرمنية، والذي تمّ التوافق بشأنه بدعم أمريكي.

وبحسب وزارة النقل التركية، يُتوقّع أن يُنجز القسم التركي من الممر بنهاية عام ٢٠٢٦، ليكمل شبكة الممر الأوسط من دون أن يحلّ محلّ خطّ باكو–تبليسي–قارص القائم، بل يعزّز فعاليته.

المنطق الجيو–اقتصادي للممر الأوسط

الممر الأوسط، أو "المسار الدولي العابر لبحر قزوين"، بات اليوم شرياناً استراتيجياً يربط الصين بأوروبا متجاوزاً روسيا وإيران. يمرّ هذا المسار عبر الصين وكازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وصولاً إلى تركيا. وقد ازدادت أهميته مع الأزمات الجيوسياسية والعقوبات المفروضة على موسكو وإغلاق المسارات الشمالية.

وفقاً لبيانات اتحاد TITR، ارتفع حجم النقل عبر الممر الأوسط عام ٢٠٢٣ بأكثر من ٨٠٪ ليصل إلى ٢.٨ مليون طن، مع توقعات بمضاعفة الرقم بحلول ٢٠٢٥–٢٠٢٦. لكن العقبة الكبرى تكمن في ضعف القدرة الاستيعابية، خصوصاً بين أذربيجان ونخجوان وتركيا، وهنا تبرز أهمية ممرّ زنغزور كحلقة مفقودة.

الممرّ الاستراتيجي بين آسيا والأناضول

يمتدّ مشروع زنغزور عبر جنوب أرمينيا، رابطاً غرب أذربيجان بنخجوان ثم تركيا. وهو ليس مجرد ممر رمزي للعالم التركي، بل مشروع اقتصادي بامتياز، إذ يؤمّن طريقاً حديدياً وبرياً مباشراً بين آسيا الوسطى والقوقاز والأناضول، ما يقلّص الكلفة والوقت في نقل البضائع.

وتعمل تركيا بالتوازي على إنشاء خطّها الداخلي من قارص إلى إغدير وديلوجو بطول ٢٢٤ كيلومتراً، على أن يتصل بالشقّ الأذري للمشروع بحلول نهاية ٢٠٢٦.

المبادرة الأمريكية و"مسار ترامب"

اللافت في تصريحات الوزير التركي هو قوله إن الاتفاق حول الممرّ تمّ "بمبادرة أمريكية". وتشير هذه العبارة إلى نشاط دبلوماسي متزايد لواشنطن ضمن مبادرة "Middle Corridor+" التي تُطرح في محافل مجموعة السبع، في سياق تعزيز الروابط التجارية بين آسيا وأوروبا بعيداً عن الطرق الروسية والإيرانية.

تعبير "مسار ترامب" يبدو توصيفاً إعلامياً يرمز إلى التحرك الأمريكي لتشجيع بنية تحتية بديلة تربط الشرق بالغرب، انسجاماً مع استراتيجية واشنطن طويلة الأمد لدعم توازن جيو–اقتصادي جديد في جنوب القوقاز.

الأثر الاقتصادي والمخاطر السياسية

من شأن افتتاح ممرّ زنغزور أن يحرّر نخجوان من عزلتها، ويحوّل أذربيجان إلى محور رئيسي للتجارة الأوراسية. ويقدّر خبراء أذربيجانيون أن عوائد البلاد من العبور قد ترتفع بنسبة ٣٠ إلى ٣٥٪ خلال أول خمس سنوات من التشغيل.

أما بالنسبة لتركيا، فيمنحها المشروع موقعاً أقوى في التواصل مع آسيا الوسطى ويعزّز من مكانة قارص كمركز لوجستي حيوي. كما تستفيد كازاخستان وأوزبكستان من تقليص مسافة النقل نحو أوروبا بأكثر من ألف كيلومتر، فيما تظل جورجيا لاعباً مكمّلاً في المسارات البديلة.

لكن العقبة تكمن في الموقف الأرمني، إذ تخشى يريفان فقدان السيطرة على ممرّها الجنوبي، وتطالب بضمانات قانونية ومعاملة بالمثل في العبور. من دون تفاهم دبلوماسي وضغط دولي متوازن، قد يتعطل تنفيذ المشروع.

نحو جغرافيا تجارية جديدة

في حال إنجاز ممرّ زنغزور، سيصبح الممر الأوسط بديلاً حقيقياً للمسار الشمالي عبر روسيا وبيلاروسيا. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حجم البضائع المنقولة عبر المسار الصيني–الأوروبي مروراً بجنوب القوقاز قد يبلغ ١٥ إلى ١٧ مليون طن بحلول ٢٠٣٠، مما سيجعل حوض قزوين مركزاً محورياً في شبكة التجارة العالمية.

اقتصادياً، ستتحول أذربيجان من مجرد دولة عبور إلى مركز تشغيل رئيسي للتجارة الأوراسية، حيث تتقاطع مصالح الصين وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وهو ما يمنح باكو فرصة لترجمة موقعها الجغرافي إلى مكاسب سياسية وتكنولوجية دائمة.

خاتمة

ممرّ زنغزور ليس مشروعاً هندسياً فحسب، بل رمز جيو–اقتصادي لعصر التعددية الجديدة، حيث تُحدَّد موازين القوى بخطوط النقل لا بالتحالفات. بالنسبة لتركيا، هو طريق لترسيخ زعامتها الإقليمية؛ ولأذربيجان، وسيلة لتأكيد استقلالها الاستراتيجي؛ وللولايات المتحدة، أداة لإعادة رسم موازين الطاقة والنقل في أوراسيا.

وإذا اكتمل المشروع بين عامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٧، فسيغدو الممر الأوسط محور التفاعل الأوراسي في القرن الحادي والعشرين، تُبنى عليه طرق تجارة جديدة وتحالفات ومجالات ثقة بين الشرق والغرب.

الوسوم: