فرنسا بلا دفتر شيكات: انتفاضة 17 أكتوبر تكتب نعي الماكرونية
نصف مليون شخص في الشوارع، وأكثر من ألفي موقوف، ومبنى بلدية احترق، ووزير داخلية أقرّ بفقدان السيطرة. قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية اكتشف قصر الإليزيه أنه لم يعد يملك المال لشراء الهدوء، ولا الشرطة لفرضه.
اكتمل بناء مبنى بلدية ليموج عام 1883. واتخذ المهندس المعماري شارل ألفريد لوكليرك، الذي شغل ست سنوات منصب كبير مهندسي فرساي، من مقر بلدية باريس نموذجا له: واجهة على طراز عصر النهضة الجديد، وميداليات من الفسيفساء تحمل وجوه أعلام المدينة، ونافورة مكسوة بألواح من الخزف، وبرج أجراس يطل على ساحة ليون بيتول. ويوم السبت 17 أكتوبر 2026 احترق برج الأجراس والسقف وانهارا إلى داخل المبنى. كان الحريق متعمدا. فهذا الصرح، المدرج جزئيا في سجل المعالم التاريخية منذ عام 1975، صمد أمام حربين عالميتين وأمام الاحتلال، لكنه لم يصمد أمام مظاهرة ضد غلاء المعيشة.
وبعد ثمانٍ وأربعين ساعة كان على الرئيس إيمانويل ماكرون أن يطير إلى الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر للتفاوض على الوقود والغاز. وبين صورتين، برج أجراس يحترق في قلب فرنسا وطائرة رئاسية تحلق فوق الخليج، يتسع تشريح الأزمة الفرنسية بأكمله. فالبلد الذي أخمد قبل ثماني سنوات تمرد «السترات الصفراء» بدفتر الشيكات لم يعد اليوم قادرا حتى على ذلك. الرئيس يرد على الحريق في الداخل برحلة بحثا عن النفط، ووزير الداخلية يكتب طلب استقالته. أما مرشح المعارضة الأبرز فيلوذ بالصمت وينتظر.
مدينة الحب، مدينة النهب: ما الذي احترق يوم السبت
لنبدأ بالحساب الجاف. فبحسب بيانات وزارة الداخلية، نزل إلى الشوارع في 17 أكتوبر نحو 550 ألف شخص، منهم 110 آلاف في باريس، بينما أحصت الكونفدرالية العامة للشغل 800 ألف. وتحدثت الحصيلة الأولى التي أعلنها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في وقت متأخر من المساء عن 1200 موقوف، منهم 855 في منطقة باريس، وعن 150 جريحا من عناصر الشرطة والدرك. وبحلول الأحد تجاوز عدد الموقوفين ألفين، وعدد المصابين من قوات الأمن ستمئة.
ولقي شخصان حتفهما. فقد توفي أحد المتظاهرين شمال باريس إثر سكتة قلبية، بحسب ما أعلنته مديرية الشرطة. وفي نانت، بحسب وزير الداخلية لوران نونييس، صدمت سيارة شرطيا في الثانية والعشرين من عمره.
وفي سانت إتيان فقد فتى في السابعة عشرة كفّ يده إثر انفجار قنبلة، وأُحيل التحقيق إلى المفتشية العامة للشرطة الوطنية. وخسرت ليون مكتبها السياحي بعد أن أُضرمت فيه النار. واستولى أشخاص متشحون بالسواد على مبنى بلدية مرسيليا وملأوا جدرانه بشعارات فوضوية. وفي بوردو تعرض مقر إقامة المحافظ للهجوم، وأحصت المحافظة المحلية 55 موقوفا و23 جريحا. أما أحداث باريس فبدأت منذ الصباح، حين حاصر نحو مئة ملثم مقر قناة «سي نيوز» التلفزيونية وإذاعة «أوروبا 1» في الدائرة الخامسة عشرة، ورشقوا الواجهة بالحجارة وحطموا الزجاج. وفي المساء اقتحم حشد مبنى بلدية الدائرة العاشرة، حيث كان نحو مئة شخص يشاركون في فعالية خيرية ضمن حملة «أكتوبر الوردي» لمكافحة سرطان الثدي، فوجدوا أنفسهم محاصرين في الداخل.
وقدّر رئيس اتحاد التجارة والتوزيع والرئيس التنفيذي لمجموعة «كارفور» ألكسندر بومبار عدد المتاجر المنهوبة والمحطمة بنحو 1500، فيما تتوقع غرف التجارة والصناعة أن يتجاوز الرقم النهائي ألفين. ولا تزال الأضرار التي لحقت بقطاع التجارة توصف بعبارة «عدة مئات من ملايين اليوروهات»، وهي عبارة تتنقل من بيان إلى آخر من دون أي تدقيق. وللمقارنة، قدّرت الحكومة كلفة أعمال الشغب التي أعقبت مقتل نائل في صيف 2023 بـ730 مليون يورو من تعويضات التأمين عن 15.6 ألف حالة، ثم رفعت الجمعية المهنية «تأمينات فرنسا» التقدير لاحقا إلى 793 مليونا. والفارق بين التقديرين يوحي بالاتجاه الذي سيسلكه الرقم الحالي.
ووصف عمدة باريس إيمانويل غريغوار «شوارع كاملة أُفرغت بشكل ممنهج». وتركزت الضربة على متاجر السلاسل القريبة من الأحياء السكنية ومحلات الهواتف المحمولة. وجاء النهب انتقائيا، يكاد يخضع لمنطق السوق.
سرية واحدة لمرسيليا: كيف خسرت وزارة الداخلية الشارع واعترفت بذلك علنا
جاء أخطر اعتراف صباح الاثنين 19 أكتوبر. فقد قال لوران نونييس، المحافظ السابق لشرطة باريس والمدير السابق للمديرية العامة للأمن الداخلي المكلفة بمكافحة التجسس، وهو رجل يصعب اتهامه بالليونة، في بث إذاعي: «نعم، يوم السبت فقدنا السيطرة في بعض المدن الكبرى». وقدّم استقالته. غير أن ماكرون رفضها، متذرعا بضرورة «استمرارية قيادة قوات الأمن». وفي البيان نفسه اعترف قصر الإليزيه بـ«إخفاقات في الاستباق والاستخبارات»، وطالب الوزير بأن يعتمد «في أسرع وقت ممكن» «أساليب عمل جديدة» في مواجهة المخربين.
ويتجلى حجم الإخفاق بأوضح صورة في التسلسل الزمني. فمساء السبت أصرّ نونييس على أن «انتشار القوات لم يكن دون المستوى المطلوب». وبعد يوم ونصف تحدث الرجل نفسه عن «نقص في الاستباق فيما يخص القوات المتاحة». وبين هذين التصريحين تقع مرسيليا.
فقد روى عمدة مرسيليا بونوا بايان، الذي أعيد انتخابه في مارس 2026 بنسبة 54.34% من الأصوات في الجولة الثانية، أن ثانية مدن البلاد لم يُخصص لها صباح 17 أكتوبر سوى سرية واحدة من سرايا الأمن الجمهوري، أي نحو 80 عنصرا. وذكّر بأن مساحة مرسيليا تفوق مساحة ليون بخمس مرات، ومساحة باريس بمرتين ونصف. واضطر العمدة إلى استجداء التعزيزات بنفسه، عبر الهاتف، من الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الداخلية. وقال بايان يوم الأحد في مؤتمر صحفي: «لم أرَ قط طريقة كهذه في حفظ النظام»، وطالب الدولة بالتعويض عن الأضرار «حتى آخر سنتيم». واختُتم البيان المشترك لعُمد باريس ومرسيليا وليون، غريغوار وبايان وغريغوري دوسيه، بعبارة تؤكد أن ما جرى لا يمكن ولا يجوز أن يتكرر.
ومن هنا جاءت رواية المؤامرة التي راجت على شبكات التواصل الاجتماعي الفرنسية طوال يوم الأحد، ومفادها أن الشرطة اختفت من الشوارع عمدا لتلقين البلاد درسا. لا دليل على هذه الرواية، لكن لها أرضية. فقد أمضت الشرطة الأسابيع الأربعة السابقة في مواجهات مع التلاميذ، وراكمت الإرهاق والشكاوى ومقاطع الفيديو، ثم وجدت نفسها في اليوم الحاسم موزعة على امتداد البلاد بصورة هزيلة. وتتباين تقديرات حجم هذه المواجهات تباينا جذريا. فبعض المصادر نقلت عن وزارة الداخلية 625 توقيفا منذ بدء الاحتجاجات المدرسية، في حين أحصى المدافعون عن حقوق الإنسان، استنادا إلى بيانات الوزارة نفسها، أكثر من خمسة آلاف توقيف في الفترة من 21 سبتمبر إلى 2 أكتوبر وحدها. ووفقا لإحصاءات المنظمات الشبابية المعنية، احتُجز أكثر من 4400 قاصر، وأصيب 215 تلميذا. لقد غدت قوات الأمن الهدف الرئيسي لغضب الشباب قبل يوم السبت بوقت طويل. وفي اليوم الذي كانت الحاجة إليها في الشوارع ماسة فعلا، تبيّن أن عددها أقل مما ينبغي بكثير.
ثانوية في كريتاي: من هنا بدأ كل شيء
لهذا التمرد عنوان دقيق: ثانوية أنطوان دو سانت إكزوبيري في كريتاي، إحدى ضواحي باريس، التي تضم نحو 1500 تلميذ. ففي 17 سبتمبر أضرب فيها المعلمون لأن جزءا من الوظائف بقي ببساطة شاغرا. ومنذ 21 سبتمبر بدأ التلاميذ يغلقون مداخل الثانوية. وبعد أسبوع امتدت الإغلاقات إلى منطقة إيل دو فرانس، ثم إلى البلاد كلها، قبل أن تنتقل إلى بلجيكا وإيطاليا واليونان وألبانيا.
قائمة المطالب تبدو عادية، ولهذا السبب بالذات تبدو قاتلة. مبانٍ متهالكة. معلمون يقعدهم المرض من دون أي بديل. جداول دراسية مكتظة. فصول ارتفعت فيها الحرارة في سبتمبر إلى 39 و40 درجة، لأن المباني المدرسية لم تُصمم لحرّ صار هو القاعدة. ومنصة «باركورسوب» لتوزيع المتقدمين إلى التعليم العالي، التي يراها المراهقون آلة غامضة لإنتاج التوتر.
وخلف هذه القائمة يقف منطق الميزانية. فللعام الدراسي 2026-2027 خططت الحكومة لإلغاء 3256 وظيفة تعليمية: 1891 في المرحلة الابتدائية و1365 في المدارس الإعدادية والثانوية. وبعد ضغط النقابات أمكن إنقاذ جزء من المناصب، لكن نحو 90% من التخفيضات بقيت سارية. وترد السلطة بالإشارة إلى زيادة الإنفاق على التعليم بالقيمة الحقيقية بنحو 5% منذ 2019، وإلى زيادة قدرها 1.2 مليار يورو في العام المقبل. وفي الوقت ذاته، وبحسب المعطيات المتوفرة، تقرر لعام 2027 إلغاء نحو 1600 وظيفة تعليمية دائمة أخرى، فيما يذهب قرابة ثلث ميزانية وزارة التربية الوطنية إلى المعاشات التقاعدية. مراهق كريتاي لا يقرأ هذه الجداول. إنه يرى قاعة الفيزياء خاوية.
والتقى وزير التربية إدوار جوفري قادة اتحادات تلاميذ الثانويات في 2 أكتوبر، فخرج هؤلاء من اللقاء غير راضين ودعوا إلى مواصلة التحرك. وأطلقت الحكومة منصة إلكترونية قال ماكرون إنها جمعت أكثر من 100 ألف مقترح. والمنصة منتج نموذجي للماكرونية: إجراء بدل الحل، و«حوار وطني كبير» في نسخة مصغرة. قبل ثماني سنوات نجحت هذه الحيلة مع «السترات الصفراء». أما في 2026 فاصطدمت بجيل يعرف منذ طفولته أن كل نقاش على الإنترنت ينتهي إلى لا شيء.
وبحلول منتصف أكتوبر اندمجت الأجندة المدرسية بأجندة أخرى أشد قابلية للانفجار بكثير. فقد انضم إلى الصفوف «سترات صفراء» سابقون ونقابات ومزارعون ومتقاعدون وصيادون كانوا يحاصرون مستودعات الوقود في جنوب البلاد منذ سبتمبر. وصار الهدف كلفة المعيشة، وكان مضيق هرمز يذكي نارها.
فاتورة هرمز: لماذا صار لتر الديزل أغلى من الثقة بالسلطة
الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026 أصابت أوروبا عبر محطة الوقود. فقبل الحرب كان نحو 20% من التجارة العالمية في النفط والغاز المسال يمر عبر مضيق هرمز. وبعد أن أغلقت طهران المضيق فعليا، ارتفع سعر خام برنت في مارس إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل. وفي أكتوبر، إثر موجة جديدة من الهجمات على ناقلات النفط، عاد السعر ليستقر في حدود 104 إلى 107 دولارات. وبين 28 سبتمبر و4 أكتوبر، بحسب بيانات جهات الرصد المتخصصة، أصيبت عشر ناقلات في المضيق.
وبالنسبة إلى السائق الفرنسي، تُرجم كل ذلك إلى مبلغ محدد. ففي سبتمبر سجل سعر الديزل رقما قياسيا تاريخيا جديدا بلغ 2.41 يورو للتر. وفي 5 أكتوبر بلغ متوسط السعر 2.355 يورو، مقابل متوسط قدره 2.149 يورو في الاتحاد الأوروبي. وقبل عام كان اللتر يكلف نحو 1.55 يورو، أي أن الارتفاع تجاوز 50%. ويلتهم ملء الخزان 4.4% من متوسط الراتب الشهري الصافي. وبالنسبة إلى فرنسا الريفية وفرنسا الضواحي، حيث لا سبيل من دون سيارة إلى بلوغ العمل أو الطبيب، تعني هذه الأرقام إذلالا يوميا.
وفي 12 أكتوبر أعلنت حكومة لوكورنو بيع 10 ملايين برميل من الديزل من الاحتياطيات الاستراتيجية بسعر الكلفة. وقد اشتُريت هذه المخزونات قبل الحرب، وتبلغ كلفتها محسوبة باللتر 28 سنتا من اليورو. أما التخفيض الموعود فيتراوح بين 12 و18 سنتا للتر اعتبارا من 1 نوفمبر، أي نحو عشرة يوروهات لكل تعبئة. وأضاف ماكرون إلى ذلك في خطابه يوم 18 أكتوبر اتفاقات مع شركات الوقود وجولته الخليجية.
وهنا يمتد خط الصدع الأول. فماكرون محق حين يقول إن فرنسا لم تشارك في الحرب لكنها تدفع ثمنها. غير أن الناخب ليس ملزما بالخوض في الأسباب وهو يسدد كل يوم فاتورة العواقب. فخلال ثماني سنوات تعلّم الفرنسي درسا واحدا: في عهد ماكرون يصبح الوقود ذريعة للتمرد. في 2018 كانت الذريعة ضريبة بيئية على الديزل، واليوم تؤدي هذا الدور حرب الآخرين. ويبدو تخفيض الأول من نوفمبر لفتة متأخرة بشهر كامل وبألفي واجهة محطمة.
الخزينة مغلقة: لم يعد لدى ماكرون ما يشتري به الصمت
في العاشر من ديسمبر 2018 وزّع ماكرون في خطاب متلفز على «السترات الصفراء» نحو 10 مليارات يورو: زيادة قدرها 100 يورو لأصحاب الحد الأدنى للأجور، وإعفاء الساعات الإضافية من الضرائب، وإلغاء زيادة المساهمة الاجتماعية لغالبية المتقاعدين. لم تختفِ الاحتجاجات فورا، لكنها فقدت زخمها. يومها نجحت الطريقة الفرنسية العريقة في إخماد الشارع بالمال، وكانت الدولة لا تزال تملك هذا المال.
أما في أكتوبر 2026 فلا مال. فمشروع ميزانية 2027، الذي عُرض على مجلس الوزراء في 1 أكتوبر، يبدأ باعتراف: العجز الذي كان يُفترض أن يتقلص سيرتفع في 2026 من 5.1% إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي. ولإعادته إلى 5% في 2027 تقترح الحكومة «جهدا» بقيمة 54 مليار يورو، منها 43 مليارا عبر إجراءات جديدة. ومع ذلك سيرتفع الدين العام من 119.3% إلى 121.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وستزداد كلفة خدمة الدين 10 مليارات يورو في عام واحد. وبحسب لوكورنو نفسه، لولا التقشف لاقترب عجز 2027 من 6.5%.
ويتوقع المشروع الحكومي نموا بنسبة 1% في 2027، بينما يقدّره بنك فرنسا بـ0.9%، والمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية بـ0.7%. وبلغ التضخم في سبتمبر 3% على أساس سنوي. نحن أمام ميزانية تُكتب لسوق السندات لا للشارع. بل إن لوكورنو عرض على «فرنسا الأبية» صفقة: التخلي عن العرقلة البرلمانية مقابل التعهد بعدم تمرير الميزانية عبر المادة 49.3 من الدستور. فميزانية 2026 لم تُقرّ إلا في 2 فبراير، بعد أربعة أشهر من الجمود وتصويتين فاشلين على حجب الثقة.
وداخل هذا البناء يصطدم كل وعد جديد بسؤال بسيط عن الجيب. فكل مليار للمدارس أو للوقود سيتعين اقتراضه بفائدة متصاعدة، والتعويضات المخصصة للتجار ستُضاف إلى الحساب نفسه. والدولة التي ظلت ثماني سنوات تشتري السلم الاجتماعي باتت مضطرة الآن إلى استجدائه. ومن هنا نبرة الخطاب الرئاسي: كثير عن «الحوار» و«المنصات» و«الإجابات»، ولا شيء تقريبا عن المال.
البحث عن مذنب: ميلانشون وأقصى اليسار والهدف المريح
لجأت السلطة المحرومة من المال إلى أداتها المعتادة: البحث عن مذنب سياسي. ففي خطابه يوم 18 أكتوبر وصف ماكرون المحرضين بأنهم «متمردون من جماعات أقصى اليسار انضم إليهم مجرمون كثر». وكان لوكورنو قد هاجم يوم السبت جان لوك ميلانشون، زعيم «فرنسا الأبية»، الذي يتهمه منذ منتصف سبتمبر بتأجيج الاحتجاج، قائلا: «لا يمكن الدعوة إلى وقف العنف والتماس الأعذار في الوقت نفسه لمن يرتكبونه، فهذه مسؤوليتكم السياسية أنتم».
ورد ميلانشون، الذي سار بنفسه في الموكب الباريسي، بدعوة إلى الهدوء: من يشاركوننا نضالنا لا مكان لهم بين أعمال النهب والتخريب. وظل موقف الخطيب البالغ من العمر 75 عاما يتأرجح طوال عطلة نهاية الأسبوع بين الاتهامات الموجهة إلى الحكومة والشرطة والدعوات المتأخرة إلى التهدئة. ويبدو عرضه الانتخابي محددا للغاية: سقف لسعر البنزين عند 1.70 يورو للتر، وللديزل عند 1.80 يورو. وطالبت زعيمة حزب الخضر مارين توندولييه باستقالة نونييس، فرد عليها الوزير لائما إياها على أنها لم تجد كلمة إدانة واحدة للمخربين.
ولرواية «مؤامرة أقصى اليسار» سند من الوقائع. ففي فبراير 2026 قُتل في ليون الناشط اليميني المتطرف كانتان ديرانك، وحمّل نونييس يومها أقصى اليسار المسؤولية صراحة. وقد تحركت يوم 17 أكتوبر بالفعل مجموعات منظمة متشحة بالسواد وفق مخطط مألوف، مستهدفة مباني البلديات والمحافظات. وترددت على شبكات التواصل دعوات إلى اقتحام البرلمان وقصر الإليزيه، لم يُكتب لها النجاح لحسن الحظ.
لكن لهذه الرواية نقطة ضعف أيضا. فهي تفسر من أشعل النار، لكنها تصمت عن سبب خروج نصف مليون شخص إلى الشارع، وعن سبب اعتبار آلاف المراهقين من الضواحي النهبَ امتدادا مقبولا للاحتجاج. فقد خلصت بعثة المفتشية العامة للإدارة والمفتشية العامة للعدل، بعد أعمال شغب 2023، إلى أن أقل من 8% من المدانين أشاروا ولو إشارة إلى مقتل نائل دافعا لهم، وأن 36% منهم عرّفوا أنفسهم بأنهم عاطلون عن العمل. انتهازية لا عقيدة سياسية. ولا أساس حتى الآن للاعتقاد بأن الصورة في 2026 مختلفة جذريا. ميلانشون يذكي اللهب، لكنه ليس من يشعله.
ترامب وماديار وطهران: من يصفق للحريق
جاءت ردود الفعل الدولية أكثر دلالة من الفرنسية. ففي يوم الأحد 18 أكتوبر، عند الساعة 8:11 بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة، نشر دونالد ترامب على منصة «تروث سوشيال»: «فرنسا تحترق! هجرة أناس من عالم مختلف تماما، أناس تملأ الكراهية قلوبهم، دمرت بلدا كان عظيما ذات يوم. أغلقوا الحدود واستعيدوا السيطرة قبل فوات الأوان!» ولم تربط السلطات الفرنسية بأي شكل بين أعمال الشغب والهجرة، لكن ترامب لا يحتاج إلى مثل هذه الروابط. فالرئيس الأمريكي، الذي رفعت حربه على إيران الأسعار في محطات الوقود الفرنسية، اقترح على الفرنسيين البحث عن المذنبين في مكان آخر.
وجاء الصوت الأكثر مفاجأة من بودابست. فقد كتب بيتر ماديار، السياسي الوسطي الذي خلف فيكتور أوربان في أبريل 2026 بعد فوز ساحق في الانتخابات، أن الجميع بات يدرك على ما يبدو، بعد «الدمار العبثي والعنف غير المبرر»، لماذا تتمسك المجر بأشد السياسات صرامة في ملف الهجرة. وفي الاتجاه ذاته تحدث رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك. والتحول هنا جوهري: فمقولة «فرنسا تحترق بسبب الهجرة» لم تعد حكرا على الشعبويين القوميين، بل دخلت قاموس التيار الأوروبي السائد.
وكانت طهران قد سبقت الجميع. ففي 6 أكتوبر استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الفرنسي، متهمة باريس بـ«معاملة وحشية» للمتظاهرين وبانتهاكات جماعية لحقوق الإنسان، وأخذت الحسابات الرسمية للوزارة تنشر المحتوى الموافق لذلك على نطاق واسع. وردت باريس باستدعاء السفير الإيراني، ووصف المتحدث الرسمي باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو ما يجري بأنه «استفزازات غير لائقة» يجب أن تتوقف.
وكاتب هذه السطور لا يتابع مثل هذه الوقائع للمرة الأولى. ففي مايو 2024، حين كانت كاليدونيا الجديدة تحترق، اتهمت الحكومة الفرنسية أذربيجان بصخب بالتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية، وراحت تبحث عن يد خارجية حيث كانت الأسباب محلية. أما الآن فقد تبادلت الأدوار. فباريس، المعتادة على إلقاء الدروس في حقوق الإنسان والتدخل الأجنبي، وجدت نفسها هدفا لحملة إعلامية خارجية ولمواعظ الآخرين. ولا يجعل ذلك مواعظ طهران أصدق. لكن الدبلوماسية الفرنسية، التي ظلت سنوات توزع الأحكام على الآخرين، لا يمكنها أن تعوّل على تعاطف من كانوا يتلقون تلك الأحكام.
لوبان ليست بحاجة إلى فعل شيء
المستفيد الأكبر من يوم السبت لم يكد يظهر على الشاشات. فقد اكتفت مارين لوبان بصيغتين. الأولى أن المطالب الاجتماعية المشروعة «أُخذت رهينة» مرة أخرى على يد أقصى اليسار ونواب ميلانشون الساعين إلى إغراق البلاد في الفوضى. والثانية أن فرنسا تمر بأزمة ثقة وهيبة عميقة تهدد الديمقراطية. وتولى دعائيو «التجمع الوطني» الباقي، فجمعوا أشد اللقطات عنفا تحت شعار يقول إن عقد ماكرون ينتهي بفوضى شاملة.
وترسم استطلاعات الرأي أمامها صورة تكاد تخلو من الغيوم. فبحسب بيانات مؤسسة «يوغوف» المنشورة في 18 أكتوبر، تحصل لوبان في الجولة الأولى على 34.1%، ويحصد إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب «آفاق» المنتمي إلى يمين الوسط، 17.6%، وميلانشون 14.8%. أما رافائيل غلوكسمان، الفائز في 11 أكتوبر بالانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي، فيحصل على 12.3%. وفي الجولة الثانية تتغلب لوبان على ميلانشون بنتيجة 69 مقابل 31 (مؤسسة «إيلاب»، من 14 إلى 16 أكتوبر)، وعلى غلوكسمان بنتيجة 55 مقابل 45 («يوغوف»، من 12 إلى 15 أكتوبر)، وعلى فيليب بنتيجة 52 مقابل 48. والمرشح الوحيد الذي يبقي الفارق في حدود بضع نقاط هو أول رئيس وزراء في عهد ماكرون، وسيتعين عليه أن يشرح للناخب لماذا لا يتحمل مسؤولية الماكرونية.
كما ضعف العائق القانوني. ففي 7 يوليو 2026 دانت محكمة الاستئناف في باريس لوبان باختلاس أموال البرلمان الأوروبي، وحكمت عليها بالسجن ثلاث سنوات، منها سنة تحت المراقبة بالسوار الإلكتروني، وبغرامة قدرها 100 ألف يورو، وبحرمانها من تولي المناصب الانتخابية 45 شهرا، منها 30 شهرا مع وقف التنفيذ. واستندت المحكمة صراحة إلى «حرية الناخب في الاختيار». واحتفظت لوبان بإمكانية الترشح، فيما تعود الكلمة الفصل إلى محكمة النقض. ويسود بين الحقوقيين الفرنسيين رأي مفاده أنه كلما تأخرت المحكمة في إصدار قرارها، ازداد عليها صعوبة إلغاء ترشيح المرشحة الأوفر حظا في السباق.
ويحتل «التجمع الوطني» في هذا الوضع موقعا مثاليا، لأن كل ليلة جديدة تحترق فيها السيارات تصب في مصلحة حزب لا يتحمل مسؤولية الميزانية ولا الشرطة، ويكرر منذ عقود المقولة ذاتها عن دولة فقدت السيطرة على أراضيها. لا حاجة به إلى أن يقترح شيئا. يكفيه أن يقف بجوار مبنى البلدية المحترق وأن يصمت عن حقيقة أن حفظ النظام في الشوارع، في بلد بلا مال، تحكمه القيود المالية ذاتها التي سيصطدم بها أي رئيس قادم.
ظل عام 1968: لماذا لن يكون هناك ديغول آخر
الجميع اليوم يقارنون بمايو 1968، ولهذه المقارنة مضمون سياسي. يومها شلّ التمرد الطلابي والإضراب العام البلاد، فحلّ شارل ديغول الجمعية الوطنية، وحصل الديغوليون في انتخابات يونيو على 293 مقعدا من أصل 487، أي على أغلبية مطلقة بمفردهم. لقد منح الشارع الذي أرعب المواطن العادي اليمينَ برلمانا.
وأوجه الشبه مع عام 2026 واضحة لكنها غير دقيقة. ففي 1968 كان اليمين في السلطة، ونجح ديغول في تقديم نفسه ضامنا للنظام في وجه الفوضى. أما الآن فالمعارضة هي التي تبدو ضامنة للنظام، والسلطة تبدو مصدرا للفوضى. ولا يستطيع ماكرون أن يؤدي دور ديغول، لأن قراره بالذات حل البرلمان في صيف 2024 هو الذي أفرز الجمعية الوطنية الحالية بلا أغلبية، وسلسلة من خمسة رؤساء وزراء منذ 2022، وحكومة أقلية بالكاد تمرر الميزانيات. ولوكورنو، الذي تولى رئاسة الوزراء في 9 سبتمبر 2025، ثم استقال في 6 أكتوبر، وأعيد تعيينه في 10 أكتوبر، هو التجسيد الحي لهذا الاضطراب.
وثمة تشابه آخر نادرا ما يُذكر. فالسلطة السوفيتية في سنواتها الأخيرة ظلت هي الأخرى طويلا تعتقد أن أي احتجاج اجتماعي يمكن تقسيمه إلى «مطالب مشروعة» و«محرضين»، ثم الرد على الأولى باللجان وعلى الثانية بالهراوات. وكاتب هذه السطور، الذي عاصر نهاية تلك الحقبة، يعرف جيدا النبرة التي تعد بها الحكومة في آن واحد بـ«الإصغاء إلى الغضب» وبالبقاء «حازمة لا تلين». والتجربة تقول إن هذه المعادلة تنجح ما دامت الدولة تملك موارد لأحد شطريها على الأقل. أما الإليزيه الحالي فموارده تنفد في الشطرين كليهما.
ستة أشهر حتى 18 أبريل: ثلاثة طرق إلى صناديق الاقتراع
حُددت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 18 أبريل 2027، والثانية في 2 مايو. ماكرون في الثامنة والأربعين من عمره، وهو يغادر بسمعة رئيس لم يفِ بأي من وعدَي 2017 الرئيسيين: إصلاح المالية العامة ووقف صعود لوبان.
السيناريو الأساسي ممل. فعطلة عيد جميع القديسين المدرسية، التي بدأت في 17 أكتوبر، ستكسر موجة إغلاق الثانويات. وسيمنح خفض سعر الديزل في 1 نوفمبر الحكومة أسبوعين أو ثلاثة لالتقاط الأنفاس. وسيصمد لوكورنو خلال الخريف، لأن خصومه لا مصلحة لهم في تحمل ميزانية 2027 قبل ستة أشهر من الانتخابات. ولن تختفي احتجاجات الشارع، لكنها ستنكمش بحلول ديسمبر إلى نواة من النقابات وتلاميذ الثانويات والمتشددين. وسيرسّخ «التجمع الوطني» في استطلاعات الجولة الأولى مستوى يفوق 33%.
والسيناريو الثاني أخطر. فإذا واصلت إيران في نوفمبر هجماتها في مضيق هرمز وعاد خام برنت إلى ما فوق 110 دولارات، فسيذوب تخفيض الـ12 إلى 18 سنتا في موجة غلاء جديدة. وسيلتقي تلاميذ الثانويات العائدون من العطلة بالسائقين الغاضبين، وستنزل الشرطة، التي كلّفها ماكرون بالبحث عن «أساليب عمل جديدة»، إلى الشوارع بأوامر تقضي بمنع تكرار عار يوم السبت. ومثل هذا المزيج يُنتج ضحايا جددا، وكل ضحية تصبح ذريعة لعطلة نهاية الأسبوع التالية.
أما السيناريو الثالث فيفترض انهيار الحكومة سياسيا. فحجب الثقة، الذي يبدو اليوم مستبعدا، سيغدو واقعا إذا قررت «فرنسا الأبية» و«التجمع الوطني» في وقت واحد أن سقوط لوكورنو يخدمهما معا. ولا يستطيع ماكرون أن يسمح لنفسه بحل الجمعية مجددا قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وهذه حقيقة يعرفها جميع اللاعبين.
ماذا سيبقى بعد ماكرون
سأجازف بأربعة توقعات قابلة للتحقق. لن يحل ماكرون الجمعية الوطنية قبل 2 مايو 2027. وسيغادر لوران نونييس ساحة بوفو قبل 31 ديسمبر 2026، مهما كتب الإليزيه اليوم. ولن ينخفض متوسط سعر الديزل في فرنسا حتى نهاية العام إلى ما دون يوروين للتر. وستبلغ مارين لوبان الجولة الثانية في 2 مايو، وسيكون منافسها الأرجح إدوار فيليب.
ما تبقى أقل قابلية للتنبؤ، وفي هذا الغموض تكمن الحصيلة الرئيسية للعقد. لقد وعدت الماكرونية فرنسا بطريق ثالث بين اليمين واليسار، بحكم أهل الكفاءة بدل حكم العقائد. فانتهت إلى دولة عاجزة عن توفير معلم لكل فصل وشرطي لكل مدينة. ولم يبقَ لها من أدوات سوى الكلمة. كان خطاب 18 أكتوبر محكم الصياغة، وفيه فقرات صائبة عن الشباب والتجار. لكن الكلمات لم تعد تتحول إلى هدوء، لأنه لا مال وراءها ولا قوة.
ويوم الاثنين اتجهت الطائرة الرئاسية نحو الكويت. وفي الأثناء بدأوا في ليموج رفع الأنقاض في موقع برج الأجراس الذي شُيّد في عهد الجمهورية الثالثة. أما إعادة بنائه فستكون من نصيب رئيس آخر.