...

طلاب الثانويات في مواجهة الدائنين: فرنسا تخوض امتحانها

في غضون ثلاثة أسابيع فقط، التحمت حركة إغلاق المدارس احتجاجًا على شغور وظائف المعلمين بقنابل الشرطة، وبميزانية تقشف صارمة، وبهروب المستثمرين من الدين الفرنسي، وبسعر للديزل بلغ 2.3 يورو للتر. لم يبقَ على الانتخابات الرئاسية سوى نصف عام، وقد اتضحت بالفعل ملامح المستفيد الأكبر من هذا الخريف.

في 21 سبتمبر 2026، أغلق تلاميذ ثانوية أنطوان دو سانت إكزوبيري في كريتاي، إحدى ضواحي باريس في مقاطعة فال دو مارن، مدخل مدرستهم بأنفسهم. بدا السبب محليًا بحتًا، إذ ظلت وظائف تدريسية في الثانوية شاغرة لأشهر. وبعد ثلاثة أسابيع، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، أحصت وزارة الداخلية في شوارع فرنسا 161 ألفًا و500 متظاهر، فيما تحدثت النقابات عن 480 ألفًا. وأمام ثانوية بول إيلوار في سان دوني انضمت إلى الحصار غريتا تونبرغ، التي قالت للصحفيين إن مستقبل الشباب يُسرق منهم. وسار زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون في الموكب الباريسي. وشهدت نانت وليون ولانس وستراسبورغ وتولوز وبوردو ومرسيليا مسيرات ضمت الآلاف. وفي باريس وليون استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، فيما أحرق ملثمون سيارات وحاولوا إقامة متاريس.

وفي يوم الثلاثاء ذاته، بدأت الجمعية الوطنية مناقشتها العامة لميزانية عام 2027. فحكومة سيباستيان لوكورنو تطلب من البلاد «جهدًا» بقيمة 54 مليار يورو، وفي إطاره تجمّد مؤشر رواتب موظفي الدولة، بمن فيهم أولئك المعلمون أنفسهم الذين يفتقر إليهم طلاب الثانويات. ويقترح المشروع نفسه جعل الالتحاق بالأقسام التحضيرية وببرامج شهادة التقني العالي مدفوعًا للطلاب غير الحاصلين على منح. إن تزامن التواريخ رمزي إلى حد فاضح. فالشارع يطالب بأموال لا تملكها الدولة، والدولة تطالب بتضحيات لا تملك تفويضًا سياسيًا لفرضها.

أطروحتي بسيطة. لقد غدا الخريف المدرسي الفرنسي لعام 2026 أول احتجاج جماهيري تكتسب فيه أزمة ديون الجمهورية الخامسة وجهًا إنسانيًا، وهو وجه في السادسة عشرة من عمره. فكل الصراعات السابقة في عهد ماكرون، من «السترات الصفراء» إلى إصلاح نظام التقاعد عام 2023، كانت السلطة تخمدها بالمال أو بالوقت. أما الآن فلا تملك هذا ولا ذاك.

شرارة كريتاي: كيف أشعلت الوظائف التدريسية الشاغرة أربعمئة ثانوية

يكشف التسلسل الزمني للأيام الأولى السرعة التي تحولت بها مظلمة محلية إلى قضية وطنية. يوم الاثنين 28 سبتمبر، طال الحصار 180 مؤسسة تعليمية. وفي اليوم التالي أضرب موظفو الدولة في أنحاء البلاد احتجاجًا على تجميد الرواتب، ودعا اتحاد طلاب الثانويات إلى إغلاق شامل للمدارس. وصاغ الاتحاد مطالبه بدقة متناهية: نقص المعلمين، والمباني المتهالكة، والجداول الدراسية المكتظة، والضغط النفسي الذي تسببه منصة «باركورسوب» لتوزيع المتقدمين إلى التعليم العالي. وفي 30 سبتمبر، وفق بيانات الإدارة التعليمية، كانت 356 ثانوية تحت الحصار أو شهدت محاولة لحصارها، أي ما يقارب ثانوية من كل عشر من أصل 3700 في البلاد، وأُغلقت 45 منها إغلاقًا تامًا، واعتقلت الشرطة خلال يوم واحد 625 شخصًا. وبحلول 2 أكتوبر كانت نحو 400 مؤسسة تعليمية قد أغلقت أبوابها.

ثمة رواية أخرى لبداية الأحداث، مفادها أن أولى عمليات الحصار جرت منذ منتصف سبتمبر في ثانوية قرب مدينة رين، وأن كريتاي لم تكن سوى نقطة التبلور بعد إضراب المعلمين. لم أجد لها تأكيدًا في البيانات الرسمية، ولذلك أعدّها رواية معقولة لكنها غير مثبتة. والأهم بالنسبة إلى التحليل أمر آخر. ففي الأيام الأولى وصل إلى كريتاي النائب عن «فرنسا الأبية» لوي بويار ودعا إلى «توسيع» الحركة. ومنذ تلك اللحظة عاش الاحتجاج حياة مزدوجة: في داخله بقي مراهقون يحملون مطالب ملموسة تخص فصولهم الدراسية، ومن حوله اصطف سياسيون رأوا فيهم وقودًا لانتخابات أبريل.

بلغت الحركة ذروتها يوم الثلاثاء 6 أكتوبر. أعلنت وزارة الداخلية مشاركة 256 ألف شخص في نحو ثلاثين تظاهرة، منهم 56 ألفًا في باريس، بينما تحدثت مصادر حكومية أخرى عن 266 ألفًا. وفي المساء عقد إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه اجتماعًا طارئًا مع رئيس الوزراء وكبار الوزراء. وقبل ذلك بيوم، فقد مراهق في الخامسة عشرة من عمره في لانس كفّ يده بعدما التقط قنبلة صوتية ضوئية ألقتها الشرطة. وفي باريس، حطمت عبوة غاز مسيل للدموع أُطلقت من مسافة شبه ملاصقة عدة أسنان لتلميذ في الرابعة عشرة، ووُجّه في 6 أكتوبر اتهام إلى الشرطي المعني. وقبل ذلك، في 30 سبتمبر، أصيب طالب ثانوي في تور بإصابة بالغة في عينه.

حساب الغضب: لماذا تتباين أرقام وزارة الداخلية والنقابات بمقدار ثلاثة أضعاف

هنا لا بد من تحفظ تفتقر إليه معظم التقارير الصحفية. فالقول بأن الاحتجاج «يتسع» صحيح بنصفه فقط. يبدو المنحنى الرسمي كما يلي: نحو 256 ألفًا في 6 أكتوبر، و71 ألفًا و500 يوم الخميس 8 أكتوبر. ويوم الثلاثاء 13 أكتوبر أحصت وزارة الداخلية 161 ألفًا و500. أي أن الحركة شهدت تراجعًا ثم ارتدادًا، ولم يكن ثمة نمو متواصل.

ويُفسَّر الفارق الذي يقارب ثلاثة أضعاف بين رقم وزارة الداخلية ورقم النقابات البالغ 480 ألفًا بمنهجية العدّ. فالنقابات تجمع تقليديًا كل من خرج إلى الشارع ولو مرة واحدة خلال اليوم في مدينته، بينما تعدّ الشرطة الأشخاص في المواكب لحظة مرورهم بنقاط المراقبة. غير أن الطرفين يقرّان بالاتجاه العام: بعد هبوط قصير امتلأ الشارع من جديد، وامتلأ هذه المرة بطلاب الجامعات الذين كادوا يغيبون عن المواكب قبل أسبوعين. ويؤكد «الاتحاد الطلابي» أن 90 في المئة من جامعات البلاد أغلقت تضامنًا. وأتعامل مع هذا الرقم بوصفه تصريحًا لطرف في النزاع لا إحصاءً. والأكثر دلالة هو جغرافيا العنف، ففي 13 أكتوبر فقد المنظمون السيطرة على المواكب في باريس وليون معًا.

ويثير ميزان القوة الذعر لدى كل الأطراف. فوفق البيانات التي أوردها رئيس الوزراء لوكورنو، أصيب منذ 28 سبتمبر 215 تلميذًا و89 معلمًا و761 شرطيًا ودركيًا، واعتُقل 6629 شخصًا. والغالبية الساحقة من المعتقلين، وفق وزارة الداخلية، من القاصرين. وأفادت وزارة العدل حتى 7 أكتوبر بأكثر من 1800 ملاحقة جنائية، منها 1483 بحق قاصرين. وأحصت الإدارة التعليمية نحو عشرين مدرسة أُحرقت أو خُرّبت و147 موظفًا مصابًا. وفي 13 أكتوبر ظلت 214 مؤسسة تعليمية مغلقة، أغلبها ثانويات.

في 7 أكتوبر علّق وزير الداخلية لوران نونيز استخدام القنابل الصوتية الضوئية في احتجاجات المدارس. وحتى تلك اللحظة كانت الشرطة تجري 18 تحقيقًا داخليًا، ارتفعت بعد أسبوع إلى 34. وتصرّ وزارة الداخلية على أن رجال الشرطة كانوا في حالات كثيرة يدافعون عن أنفسهم، وتدعم هذه الحجة مقاطع مصورة لمراهقين ملثمين يقلبون سيارات الدوريات ويقذفون الزجاجات الحارقة. وكان رئيس الوزراء قد وصف في الجمعية الوطنية يوم 6 أكتوبر الحديث عن تعليمات سياسية بقمع الاحتجاج بأنه «كذب». إن باريس التي اعتادت توزيع الدرجات على الحكومات الأخرى في طريقة تعاملها مع المتظاهرين، تقضي أسبوعها الثالث في شرح كيف فقد مراهق في الخامسة عشرة في لانس كفّ يده لمواطنيها أنفسهم.

مدرسة تبعث على الخجل: أين تذهب أموال تكفي من الناحية الرسمية

يقتضي الإنصاف تقديم تنازل لخصوم المحتجين، وإلا تحول التحليل إلى منشور دعائي. ففرنسا لا تُجوّع مدارسها. ووفق المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي، يبلغ الإنفاق الحكومي على التعليم 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل متوسط أوروبي قدره 4.8 في المئة، وتتقاسم البلاد المرتبة الثالثة عشرة في أوروبا مع هولندا وسلوفاكيا. أما وزارة التربية الوطنية، التي تحتسب أيضًا أموال الأقاليم والشركات والأسر، فتقدّر إجمالي الإنفاق لعام 2025 بنحو 199.2 مليار يورو، أي 6.7 في المئة من الناتج المحلي. وفي مشروع ميزانية 2027 يحظى التعليم بثاني أكبر زيادة بعد الدفاع، بنسبة 1.4 في المئة لتصل إلى 90.9 مليار يورو.

فلماذا إذن تنقص الكراسي في الثانويات؟ يكمن الجواب في البنية وفي الديناميكية. فوفق اليونسكو، انخفضت حصة الإنفاق على التعليم من 5.5 في المئة من الناتج المحلي عام 2017، وهو العام الأول من ولاية ماكرون، إلى 5.3 في المئة عام 2022. ويُظهر أحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نحو 11 في المئة من معلمي التعليم الثانوي في فرنسا لا يتمتعون بمؤهلات كاملة، بينما تقل هذه النسبة في التعليم الابتدائي عن 3 في المئة. ويضم الفصل في المرحلة الإعدادية في المتوسط 26 تلميذًا مقابل متوسط قدره 23 في دول المنظمة. أما الرقم الأشد فتكًا فيتعلق بالحالة المعنوية للمهنة، إذ لا يرى سوى 4 في المئة من المعلمين الفرنسيين أن المجتمع يقدّر عملهم، مقابل متوسط قدره 22 في المئة في دول المنظمة، لتحتل فرنسا ذيل هذا الترتيب.

المال موجود في المنظومة، لكنه يمر بعيدًا عن الفصل الدراسي. فقد كفّت مهنة التدريس عن اجتذاب الخريجين المتميزين، وصارت الوظائف الشاغرة تُسدّ بأشخاص بلا إعداد. وترميم المباني، التي تعود ملكيتها إلى الأقاليم والمقاطعات، يعلق سنوات بين مستويات السلطة المختلفة. وبعد صيف من الحر المنهك، استقبلت مدارس كثيرة بلا أجهزة تكييف شهر سبتمبر في حالة يصفها التلاميذ أنفسهم بأنها غير صالحة للدراسة. وقد جمعت المنظمات الطلابية مطالبها في قائمة من عشرة بنود وقدّرت كلفتها بمليار يورو. وإلى جانب الـ54 مليارًا من التقشف يبدو المبلغ أشبه بالمضحك. ولهذا بالذات يرى الشارع في رفض الحكومة مناقشته بجدية قرارًا سياسيًا متسترًا بالمحاسبة.

ميزانية الـ54 مليارًا: الدولة تقتطع من الذين نزلوا إلى الشارع

أُودع مشروع قانون المالية لعام 2027 لدى الجمعية الوطنية في 1 أكتوبر. وهدفه خفض العجز من 5.4 في المئة من الناتج المحلي عام 2026 إلى 5.0 في المئة عام 2027. وأذكّر بأن العجز بلغ في نهاية 2025 نسبة 5.1 في المئة، ما يعني أن البلاد تراوح مكانها فعليًا منذ عامين. ومن أصل «الجهد» المعلن البالغ 54 مليار يورو، تشكّل الإجراءات الجديدة 43 مليارًا: 25 مليارًا خفضًا للنفقات و18 مليارًا إيرادات إضافية. أما الباقي فهو الأثر التراكمي لقرارات اتُّخذت سابقًا.

لننظر على من تقع الفاتورة. لن يُعاد النظر في مؤشر رواتب موظفي الدولة عام 2027، وهو ما يوفّر بحسب التقديرات نحو ملياري يورو ويصيب كل معلم. ويُقلَّص عدد العاملين في جهاز الدولة والهيئات العامة التابعة لها بمقدار 1076 وظيفة صافية. ولن تُربط الإعانات العائلية ومساعدة السكن الشخصية بالتضخم. وتنتظر المعاشات التي تتجاوز 1260 يورو شهريًا زيادة تقل عن نسبة التضخم أو تجميدًا، فيما يُخفَّض سقف الخصم الضريبي البالغ 10 في المئة للمتقاعدين من 4439 إلى 3000 يورو. وتُجمَّد اعتمادات الوزارات بقيمتها الاسمية باستثناء وحيد، إذ يحصل الدفاع على 6.5 مليار يورو إضافية. ويأتي في بند مستقل جعل الالتحاق ببرامج شهادة التقني العالي والأقسام التحضيرية مدفوعًا للطلاب غير الحاصلين على منح.

يستحق البند الأخير حديثًا منفصلًا. فالأقسام التحضيرية هي المصعد الاجتماعي الرئيسي في نظام الجدارة الفرنسي، والطريق إلى المدرسة متعددة التقنيات والمدرسة العليا للأساتذة. ولا يُقدم على فرض رسم للدخول إلى هذا المصعد، في اللحظة ذاتها التي يخرج فيها طلاب الثانويات إلى الشوارع مطالبين بتكافؤ فرص التعليم، إلا سلطة فقدت حسّها السياسي. وقد أقرّ وزير الاقتصاد رولان ليسكور في أسبوع الاحتجاجات بإمكان إيجاد متسع لنفقات مدرسية إضافية. أما إدوار جيفراي، وزير التربية الوطنية، فوعد في 8 أكتوبر خلال بث تلفزيوني قائلًا: «في الساعات القادمة سيصل 3000 معلم إلى هذه المؤسسات التعليمية». ووُزّعوا على مدارس ذات أولوية بين الجمعة والثلاثاء، وفوق ذلك أذن الوزير بتوظيف «بضع مئات» آخرين.

وتجعل الحسابات البرلمانية مصير الميزانية غير قابل للتنبؤ. فقد رفضت لجنة المالية منذ 7 أكتوبر عددًا من الإجراءات، منها تقليص الخصم الضريبي للمتقاعدين وخفض الإعفاء الضريبي على تعويضات إنهاء الخدمة الذي كان يُفترض أن يدرّ نحو 800 مليون يورو. وبدأ النواب في الجلسة العامة من النص الأصلي، لكن الإشارة وصلت. وحُدّد التصويت على شق الإيرادات في 20 أكتوبر، وعلى ميزانية الضمان الاجتماعي في 27 أكتوبر. أما التصويت النهائي على الوثيقة برمتها فمقرر في 17 نوفمبر.

اقترح لوكورنو كتابيًا على النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الاشتراكيين تكرار تسوية العام الماضي، حين امتنعوا عن إسقاط الحكومة مقابل تعليق إصلاح نظام التقاعد. غير أن السكرتير الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور ورئيس الكتلة الاشتراكية بوريس فالو لمّحا علنًا إلى إمكان التصويت على حجب الثقة. ووعد رئيس الوزراء «فرنسا الأبية» بعدم اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور، التي تتيح إقرار الميزانية دون تصويت، ما لم يحدث تعطيل متعمد. وصرحت مارين لوبان بأن البلاد تحتاج إلى ميزانية ولو كانت منقوصة، فيما اقترحت الحكومة فرض فترة انتظار قبل صرف عدد من الإعانات للأجانب، وهو ما يبدو غمزة صريحة باتجاه التجمع الوطني.

وإذا لم تُقرّ الميزانية قبل 31 ديسمبر، فستواجه فرنسا قانونًا استثنائيًا يتيح جباية الضرائب القائمة لكنه لا يسمح بتنفيذ سياسات جديدة. وبهذه الصيغة دخلت البلاد عامي 2025 و2026. ولم تُعتمد ميزانية 2026 في نهاية المطاف إلا بقانون صادر في 19 فبراير 2026.

السوق يصوّت قبل الناخبين: فرنسا تقترض بكلفة أعلى من إيطاليا

بينما يتجادل النواب حول الخصومات الضريبية، أصدر المستثمرون حكمهم الخاص. ففي 1 أكتوبر، يوم تقديم الميزانية، ارتفع عائد سندات الخزينة الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى 4.95 في المئة، وتجاوز فارق العائد مع السندات الألمانية 130 نقطة أساس للمرة الأولى منذ أزمة منطقة اليورو عام 2012. وفي اليوم التالي كاد العائد يبلغ 4.99 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002، بينما وصل الفارق وفق بيانات السوق إلى 152 نقطة. وكان هذا الفارق قد ظل بين يونيو 2022 ويونيو 2024 في نطاق 40 إلى 50 نقطة. وبحلول 12 أكتوبر خفّ التوتر قليلًا: 4.86 في المئة مقابل 3.46 في المئة لألمانيا، بفارق يقارب 140 نقطة.

أما المقارنة الأكثر إذلالًا فتخص إيطاليا، التي ظلت باريس عقدين تعدّها التلميذ المشاغب في منطقة اليورو. ففي 6 أكتوبر كانت السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات تدرّ نحو 4.61 في المئة، والفرنسية 4.85 في المئة. بل إن إسبانيا كانت تقترض بفائدة 4.10 في المئة. فرنسا تقترض بكلفة أعلى من روما، في حين أن مجرد تساوي عوائد البلدين في سبتمبر 2025 استقبلته السوق بوصفه حدثًا مدويًا. ووفق توقعات الحكومة، سيبلغ الدين العام بنهاية 2027 نسبة 121.7 في المئة من الناتج المحلي، أي بزيادة 13.6 نقطة عن المستوى الذي نص عليه قانون برمجة المالية العامة للفترة 2023 إلى 2027.

ووصف المجلس الأعلى للمالية العامة في رأيه الرسمي عودة العجز إلى ما دون 3 في المئة بحلول 2029 بأنها «مستبعدة جدًا»، وحذّر من خطر كرة ثلج الدين، إذ باتت كلفة الاقتراض تفوق وتيرة النمو الاقتصادي. واعتبر المجلس توقع نمو بنسبة 1 في المئة لعام 2027 متفائلًا. وبحسب حساباته أيضًا، سيلتهم ارتفاع نفقات الفوائد عام 2027 نحو 12 مليار يورو، أي أكثر من ربع الحجم المعلن للإجراءات الجديدة.

وكانت وكالات التصنيف قد حذرت مسبقًا. فقد خفّضت وكالة فيتش تصنيف فرنسا إلى درجة «إيه زائد» في 12 سبتمبر 2025، ولحقت بها ستاندرد آند بورز في أكتوبر. أما موديز فتحتفظ حتى الآن بدرجة «إيه إيه 3» لكن مع نظرة مستقبلية سلبية. وكل ميزانية لاحقة تُكتب تحت أنظارها، وكل تنازل للشارع يُترجم فورًا إلى نقاط أساس. وهنا تكمن الآلية الجوهرية للأزمة. فالأموال التي يطالب بها طلاب الثانويات لا تستطيع الحكومة منحها دون موافقة السوق، وموافقة السوق مرهونة بقدرة الحكومة على ضبط الشارع. لقد اكتملت الحلقة.

فاتورة هرمز: كيف وصلت الحرب على إيران إلى محطة الوقود الفرنسية

أما الموجة الثانية من الغضب، التي يُتوقع أن تجتاح البلاد يوم السبت 17 أكتوبر، فلم تولد في المدرسة أصلًا. مصدرها الخليج العربي. فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي اندلعت في 28 فبراير 2026، وإغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، أشعلا الأسعار. وفي ذروة النزاع تجاوز سعر برميل خام برنت 110 دولارات. ولم تصمد هدنة أبريل ومذكرة إنهاء الحرب الموقعة في 17 يونيو طويلًا، ففي 12 يوليو أعلنت طهران مجددًا إغلاق المضيق «حتى إشعار آخر»، وفي 30 أغسطس أعادت الضربات الأمريكية على منصات الإطلاق في جزيرة لارك النزاع إلى مرحلته الساخنة. ومطلع سبتمبر تخطى البرميل مجددًا حاجز المئة دولار.

شعر السائق الفرنسي بذلك فورًا. ففي أواخر فبراير كان لتر البنزين والديزل يكلف نحو 1.72 يورو، وفي مارس تجاوز الديزل للمرة الأولى عتبة اليوروين. وفي 14 سبتمبر بلغ متوسط سعر الديزل 2.314 يورو، وبعد أيام قليلة، وفق حساب يستند إلى أسعار أكثر من 9 آلاف محطة وقود، تجاوز 2.39 يورو محطمًا الرقم القياسي المسجل في يونيو 2022. ورفضت وزارة الاقتصاد في 9 سبتمبر خفض ضرائب الوقود للجميع، متذرعة بوضع المالية العامة. وقدّر الوزير المكلف بالحسابات العامة دافيد أميال كلفة المساعدات الموجهة منذ بداية الحرب بنحو 1.4 مليار يورو.

في 7 سبتمبر ظهر على منصة تيك توك مقطع يدعو إلى النزول إلى الشوارع في 17 أكتوبر، أول أيام عطلة الخريف. ثم تلقف التاريخ ناشطون سابقون في «السترات الصفراء»، وانضمت إلى الدعوة الكونفدرالية العامة للعمل. وكان الصيادون في جنوب البلاد قد شرعوا بالفعل في محاصرة مستودعات النفط.

المقارنة مع عام 2018 تفرض نفسها. يومها، في 17 نوفمبر، خرجت «السترات الصفراء» إلى الطرق احتجاجًا على رفع ضريبة الوقود، وفي 10 ديسمبر كان ماكرون قد وجّه خطابًا متلفزًا وأعلن حزمة إجراءات بكلفة نحو 10 مليارات يورو. اشترى الرئيس الهدوء على حساب الميزانية. أما في 2026 فلا يملك هذا الخيار، إذ ستحوّل سوق السندات كل مليار من التنازلات فورًا إلى نقاط أساس. ولهذا بالتحديد يثير اندماج الاحتجاجين المدرسي والنفطي، الذي تراهن عليه النقابات علنًا، فزع قصر الإليزيه أكثر من أي موكب منفرد.

من المستفيد من الحريق: ميلانشون يتدفأ ولوبان تتريث

في خطابه المتلفز يوم 7 أكتوبر، نطق لوكورنو بعبارة تصالحية مفادها أن على الدولة الإصغاء إلى التلاميذ، ثم انقضّ فورًا على القادة السياسيين الذين يوظفون هذا الغضب في معاركهم الانتخابية. ولم يكن تخمين المقصود عسيرًا. فقد دعا ميلانشون إلى مواصلة المسيرات، وكان نائبه بويار منذ الأيام الأولى يدعو إلى توسيع الحصار. كما أعلن الحزب رسميًا دعمه لتظاهرات 13 أكتوبر. والحساب واضح: فالشباب الذين ينزلون إلى الشارع للمرة الأولى يمثلون أكثر شرائح الناخبين تقلبًا في البلاد، ومن يصبح صوتهم الآن سيحصد بطاقات اقتراعهم في أبريل. وفي استطلاعات سبتمبر وأكتوبر يحصل ميلانشون على ما بين 16 و18 في المئة، ويطمح جديًا إلى بلوغ الجولة الثانية.

أما المستفيد الأكبر فيبقى بعيدًا عن المتاريس. ففي 7 يوليو 2026 أيدت محكمة الاستئناف في باريس حكم الإدانة بحق مارين لوبان في قضية مساعدي النواب الأوروبيين، لكنها خفّضت مدة الحرمان من الأهلية إلى 15 شهرًا، ما فتح أمامها الطريق إلى الانتخابات. وفي مساء اليوم ذاته أعلنت في بث تلفزيوني: «إذن سأخوض حملتي من دون سوار إلكتروني». ووعدت محكمة النقض بالسعي إلى إصدار قرارها قبل 1 أبريل 2027، أي قبل 17 يومًا من الجولة الأولى. وفي الأثناء تحصل لوبان في الجولة الأولى على ما بين 33 و35 في المئة، أي نحو ضعف ما يحصل عليه أي منافس. وفي استطلاعات الصيف كانت تفوز في الجولة الثانية على إدوار فيليب بنسبة تتراوح بين 51 و54 في المئة، وعلى ميلانشون بنسبة تصل إلى 70 في المئة.

منطق سلوكها بسيط. فالمدارس المشتعلة والميزانية التي تقتطع من المعاشات والإعانات تعملان لصالحها في آن واحد: الأولى تغذّي الطلب على النظام، والثانية تعزز الخطاب الاجتماعي للحزب. واستعدادها لدعم ميزانية «منقوصة» يمنحها صورة القوة المعارضة المسؤولة الوحيدة في نظر الأسواق ذاتها التي تخشى فوزها. في هذه اللعبة لا تكاد تحتاج إلى القيام بأي نقلة.

والخاسرون في المشهد الراهن أكثر عددًا. فحزب ماكرون «النهضة» يرشح غابرييل أتال، غير أن حكومة زميله الحزبي لوكورنو باتت في هذه الأسابيع مرتبطة في الأذهان بالقنابل وتجميد الرواتب. وفاز رافائيل غلوكسمان في 11 أكتوبر بالانتخابات التمهيدية للاشتراكيين الديمقراطيين من الجولة الأولى بنسبة 66.13 في المئة. شارك في هذه الانتخابات نحو 120 ألف شخص، بينما نزل إلى الشوارع بعد يومين مئات الآلاف، ولا يملك غلوكسمان حتى الآن ما يقدمه لهم. أما غريتا تونبرغ في سان دوني فأضفت على الاحتجاج بريقًا دوليًا، وقدّمت في الوقت ذاته للسلطات حجة مريحة عن ناشطين دخلاء التحقوا بالحركة المدرسية.

شبح عام 1986: الاسم الذي يخشاه كل رئيس وزراء فرنسي

يعرف التاريخ الفرنسي قاعدة بسيطة. فالحركات الشبابية في هذا البلد تنتصر في حالتين: حين تتراجع السلطة في الوقت المناسب، أو حين يظهر للحركة شهيد. في أواخر عام 1986 خرج الطلاب احتجاجًا على مشروع قانون وزير التعليم العالي ألان دوفاكيه لإصلاح الجامعات. وفي ليلة 6 ديسمبر توفي في باريس الطالب مالك أوسكين، البالغ 22 عامًا، بعد أن ضربه رجال الشرطة. فاستقال دوفاكيه، وفي 8 ديسمبر سحبت حكومة جاك شيراك مشروع القانون. ومنذ ذلك الحين يظل اسم أوسكين تذكيرًا لكل وزير داخلية بالحد الذي لا يجوز تجاوزه.

وفي عام 2006 قاد رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان البلاد إلى احتجاجات حاشدة بسبب «عقد التوظيف الأول» المخصص للشباب، وفي 10 أبريل دفن جاك شيراك فعليًا القانون الذي كان قد أُقرّ. أما فرانسوا ميتران فاستقبل شخصيًا في نوفمبر 1990، خلال الموجة الكبرى السابقة من احتجاجات الثانويات، وفدًا من التلاميذ في قصر الإليزيه، وخصصت الحكومة للثانويات أموالًا طارئة. وترك ديسمبر 2018 درسًا مختلفًا تمامًا، حين أرغمت الشرطة في مانت لا جولي 151 طالبًا ثانويًا على الجثو على ركبهم. جابت الصور البلاد، لكن الحركة ذابت في «السترات الصفراء»، وبقيت الإصلاحات التي احتج عليها التلاميذ سارية.

استوعبت السلطة الحالية هذا الدرس بنصفه. فحظر القنابل، والوعد بثلاثة آلاف معلم، والمنصة الإلكترونية للتشاور مع طلاب الثانويات، ومحاور العمل الخمسة ذات الأولوية مع تقرير مرحلي في 16 أكتوبر وخطة بنهاية الشهر، كلها تشكّل تكتيكًا كلاسيكيًا لكسب الوقت. ودعا ماكرون يوم الاثنين 12 أكتوبر المحتجين إلى ضبط النفس، وقال إن القضايا التي أثاروها «تتطلب وقتًا وتشاورًا ونقاشًا واحترامًا». والمشكلة أن الوقت تحوّل إلى أندر الموارد. فالمراهق في لانس الذي فقد كفّ يده نجا بحياته. وقد لا يحالف الحظ من يليه، وعندئذ لن تعود ثمة حاجة إلى أي مشاورات.

والخلفية الدولية تعمل بدورها ضد باريس. ففي بلجيكا، وفي الأيام ذاتها، اعتُقل أكثر من مئة شخص خلال احتجاجات طلابية على ارتفاع رسوم الدراسة، وحددت المنظمات الطلابية يوم 20 نوفمبر يومًا أوروبيًا لتعبئة الشباب. وتُظهر تجارب بلدان أخرى ما قد يتحول إليه احتجاج مدرسي على إجراء مالي صغير. ففي أكتوبر 2019 بدأ طلاب المدارس الثانوية في تشيلي يقفزون جماعيًا فوق بوابات مترو سانتياغو احتجاجًا على رفع أجرة الركوب بمقدار 30 بيزو. وفي 25 أكتوبر نزل إلى شوارع العاصمة أكثر من مليون شخص، وبعد عام بالتمام صوّتت البلاد في استفتاء لصالح صياغة دستور جديد.

17 أكتوبر و2 نوفمبر و31 ديسمبر: روزنامة الانهيار الفرنسي

سيأتي الاختبار الأول يوم السبت. فإذا اندمج التلاميذ والطلاب والنقابات وورثة «السترات الصفراء» فعلًا في موكب واحد، ستواجه الحكومة ما تخشاه أكثر من أي شيء آخر، أي احتجاجًا عابرًا للأجيال ذا أجندة اجتماعية. وتوقعي أكثر تواضعًا من آمال النقابات. فيوم العطلة الأسبوعية وبداية الإجازة سيُضعفان المكوّن المدرسي في المواكب، ولن يتجاوز تحرك السبت، وفق أرقام وزارة الداخلية، ذروة 6 أكتوبر. غير أن هذا التراجع وحده لن يحسم شيئًا.

سيبدأ الامتحان الحقيقي في 2 نوفمبر، حين تفتح الثانويات أبوابها بعد العطلة. وبحلول تلك اللحظة يتعين على الحكومة تقديم الخطة الموعودة. أتوقع أن تتضمن برنامجًا متعدد السنوات لتوظيف المعلمين وصندوقًا لترميم المباني، لكن تجميد مؤشر رواتب موظفي الدولة سيبقى قائمًا، لأن إلغاءه يكلف نحو ملياري يورو، وهي أموال لا يملكها لوكورنو ما لم يكن مستعدًا لاختبار صبر حملة السندات الفرنسية مرة أخرى. ولن تقبل نقابات المعلمين خطة كهذه، وفي الأسبوع الأول من نوفمبر سيُستأنف الحصار في ما لا يقل عن مئة ثانوية.

ويحلّ الموعد الثالث في 31 ديسمبر. وهنا رهاني حاسم: لن تكون لدى فرنسا في ذلك اليوم ميزانية مُقرّة نهائيًا لعام 2027، وستدخل البلاد للعام الثالث على التوالي شهر يناير بقانون استثنائي بدلًا من خطة مالية متكاملة. فالاشتراكيون، الذين نال مرشحهم للتو تفويض الانتخابات التمهيدية، لا مصلحة لهم إطلاقًا في مدّ يد العون لحكومة يربطها الناخبون الشباب بالقنابل وتجميد الرواتب. ولن ينخفض فارق العائد بين السندات الفرنسية والألمانية إلى ما دون 100 نقطة أساس قبل الجولة الأولى في 18 أبريل 2027.

يبقى سؤال لا أملك جوابًا عنه. لمن ستذهب في أبريل أصوات الخريجين الذين سيبلغون الثامنة عشرة بحلول الانتخابات، والذين يقفون اليوم خلف متاريس من حاويات القمامة؟

الفاتورة مرسلة إلى الأبناء

بدأ عقد ماكرون بوعد تحديث فرنسا وترتيب ماليتها. وها هو ينتهي بدين ارتفع من نحو 98 في المئة من الناتج المحلي عشية الجائحة إلى 121.7 في المئة متوقعة بنهاية 2027، وبعائد سندات يفوق نظيره الإيطالي، وبديزل يتجاوز سعره 2.3 يورو للتر، وبمدارس يحاصرها المراهقون لأنه لا يوجد فيها من يلقي الدروس. لقد استنفد النموذج الذي كان يُشترى فيه السلم الاجتماعي بالدَّين نفسه في اللحظة ذاتها التي وُجّهت فيها الفاتورة إلى جيل لم يقترض هذا الدَّين. طلاب الثانويات يطلبون مليارًا. والسوق يطالب بأربعة وخمسين.

لا تستطيع حكومة لوكورنو إرضاء الطرفين. ولا تجرؤ على اختيار أحدهما. ولذلك فهي تماطل، والوقت في فرنسا أكتوبر 2026 يعمل لصالح مارين لوبان.

في 2 نوفمبر ستفتح الثانويات الفرنسية أبوابها بعد العطلة. وبوابات ثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي، حيث بدأ كل شيء، إما أن تُفتح للدروس، وإما أن تُسدّ مجددًا بحاويات القمامة. وما سيختاره أبناء السادسة عشرة في ذلك الصباح بات يتوقف عليه أكثر مما يتوقف على تصويت الجمعية الوطنية في 17 نوفمبر.