...

تكاد كل طائرة «غيران» نفاثة من اثنتين تخترق الدفاعات الجوية الأوكرانية. وتراهن موسكو على أن الظلام في الشقق وخسائر بقيمة 45 مليون دولار عن كل ساعة من صفارات الإنذار ستنتزع من كييف تنازلات عجز المشاة الروس عن انتزاعها طوال أربع سنوات ونصف.

صباح السابع من أكتوبر، أدى صاروخ مجنح من طراز «خ-101» إلى انهيار جزئي لمبنى سكني من خمسة طوابق في مدينة بريلوكي بمقاطعة تشيرنيهيف. كان كثير من السكان لا يزالون نائمين. ولم تنته عمليات البحث والإنقاذ إلا في اليوم التالي، وبحلول صباح الثامن من أكتوبر بلغ عدد القتلى 22 شخصا، بينهم خمسة أطفال، فيما تجاوز عدد الجرحى الخمسين. في ذلك اليوم أتم فلاديمير بوتين عامه الرابع والسبعين. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية حصيلة عملها الليلي في قناتها على «تيليغرام» بعبارة «تُعزف متتالية صاروخية»، وعددت كييف وست مقاطعات قالت إنها لم تضرب فيها سوى منشآت المجمع الصناعي العسكري.

غير أن أكثر ما يبعث على القلق في تلك الليلة كان مخبوءا في بيان بدا للوهلة الأولى أقرب إلى بيان نصر. فقد أعلن العسكريون الأوكرانيون اعتراض أكثر من 80% من المسيّرات النفاثة، وهي أفضل نتيجة منذ أسابيع. لكن روسيا أطلقت في الوقت نفسه عشرات الصواريخ، وكانت أفظع ضربة في تلك الليلة، ضربة بريلوكي، من نصيب صاروخ تحديدا. لقد تحولت الدفاعات الجوية الأوكرانية إلى غطاء أقصر من اللازم: إن غطّيت به رأسك انكشفت قدماك. فما إن تُنقل مجموعات الرماية المتنقلة والمقاتلات لمطاردة المسيّرات النفاثة حتى تنكشف المظلة المضادة للصواريخ، وهي مثقوبة أصلا بسبب النقص المزمن في صواريخ منظومة «باتريوت».

أرى أن الحرب دخلت في خريف 2026 مرحلة جديدة، وأن أداتها الرئيسية باتت شيئا كان كثير من المختصين قبل عام ونصف فقط يصفونه باستخفاف بأنه لعبة باهظة الثمن. لقد تحولت النسخة النفاثة من «غيران» إلى رافعة صُممت لاستغلال نقطة ضعف محددة لدى الخصم. وجعل الكرملين هدف هذه الرافعة المدينة بوصفها منظومة تتشابك فيها الكهرباء والجسور والضرائب والأعصاب في عقدة واحدة. والغاية واضحة: إرغام كييف مع مطلع عام 2027 على التنازل في دونباس عما عجزت القوات عن أخذه بالاقتحام.

الإحصاءات توارت عن الأنظار. وهذا ما كانت تخفيه

منذ الحادي عشر من أغسطس توقفت القوات الجوية الأوكرانية عن النشر المنتظم للبيانات الكاملة بشأن عدد الصواريخ المطلقة والمسقطة. وبالنسبة إلى جيش ظل ثلاث سنوات يحوّل البيانات اليومية عن عمليات الاعتراض إلى حجة أمام المانحين وسلاح في حرب المعلومات، فإن خطوة كهذه أبلغ من أي رقم. فالإحصاءات الجيدة لا تُخفى.

أما ما تسرب رغم ذلك فيرسم صورة مزعجة. فقد أقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن نسبة إسقاط المسيّرات النفاثة تبلغ «نحو 50 إلى 55%، وأحيانا 60% بفضل الطيران الأوكراني». وفي منتصف سبتمبر ذكر الناطق باسم القوات الجوية يوري إهنات رقما قريبا، نحو 60%، وقارنه بالنسبة المعتادة البالغة 90 إلى 95% في حالة طائرات «شاهد» ذات المحرك المكبسي. وفي وقت لاحق قدّر زيلينسكي، بحسب وسائل إعلام أوكرانية، نسبة المسيّرات النفاثة التي لم يُتمكن في سبتمبر من إسقاطها أو تحويل مسارها بوسائل الحرب الإلكترونية بنحو 45%.

والأعداد تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة الأطقم على التكيف. ففي الحادي والعشرين من سبتمبر تحدث إهنات عن 1800 إلى 1900 مسيّرة نفاثة خلال شهر لم يكتمل، وعن نحو 7700 منذ بدء استخدامها. وفي التاسع والعشرين من سبتمبر قدّم هو نفسه الحصيلة: 3177 مسيّرة نفاثة مقابل 2850 في أغسطس. وإذا صح التقديران كلاهما، فإن روسيا أطلقت في الأيام الثمانية الأخيرة من سبتمبر نحو 1300 طائرة من هذا النوع، أي ما يقارب ما أطلقته في الأسابيع الثلاثة السابقة. وأنا أثق بالرقم الثاني أكثر، لأنه رقم ختامي ويسهل مقارنته بأساس أغسطس. وحتى بأكثر القراءات تحفظا، تبقى النتيجة واحدة: مع بداية موسم التدفئة بلغت موسكو وتيرة تتجاوز مئة مسيّرة نفاثة في اليوم.

ومن السهل تحويل النسب المئوية إلى حديد. فإذا كانت 45% من طائرات سبتمبر البالغ عددها 3177 قد اخترقت الدفاعات، فالحديث يدور عن أكثر من 1400 مسيّرة نفاثة لم تُسقط خلال شهر واحد. بعضها ضل طريقه أو سقط من تلقاء نفسه، لكن إذا بلغ ثلثها على الأقل هدفه، فذلك يعني نحو خمسمئة ضربة، يحمل كل منها، وفق تقديرات الاستخبارات الأوكرانية، ما يصل إلى 90 كيلوغراما من المتفجرات.

جسور لم يمسها أحد طوال أربع سنوات. حتى الأول من أكتوبر

في اليوم التالي لتقرير إهنات، أي في الثلاثين من سبتمبر، انهالت روسيا بضرباتها على كييف وضواحيها. وقال رئيس الوزراء سيرغي كوريتسكي، الرئيس السابق لشركة «نفتوغاز» الذي لم يتسلم رئاسة الحكومة إلا في السادس عشر من يوليو، إن شيئا كهذا لم يُشهد «منذ نهاية موسم التدفئة الماضي». وظلت صفارات الإنذار في العاصمة تدوي بلا انقطاع تقريبا طوال يوم كامل. وتضررت محطة تريبيلسكا الحرارية، وقُتل في كييف ومقاطعتها أربعة أشخاص، بينهم طفل.

ثم وقع ما لم يحدث قط طوال الحرب. ففي الأول من أكتوبر أصابت مسيّرة هجومية الجسر الجنوبي على نهر دنيبرو، وخلال اليوم التالي هاجمته المسيّرات الروسية ثلاث مرات أخرى. وبحسب سلطات المدينة، تضررت إحدى الدعامات والحاجز الواقي وسطح الطريق والسياج الخرساني الواقي لخط المترو. وفي الثالث من أكتوبر جاء دور الجسر الشمالي، جسر موسكو سابقا، حيث تضرر سطح الطريق وشبكة الأسلاك الهوائية لحافلات الترولي. وقيّد رئيس البلدية فيتالي كليتشكو حركة المرور على ثلاثة معابر، فتوقفت المدينة في اختناقات مرورية هائلة. وفي السادس من أكتوبر طالت الضربة جسرا على دنيبرو في زابوريجيا.

أيسر طريقة لفهم منطق اختيار الأهداف هي قراءة الخريطة. ففي كييف تسعة جسور على دنيبرو، باحتساب جسور المشاة والسكك الحديدية. وإلى الشمال من العاصمة لا يعبر النهر سوى جسر واحد للسيارات، أما أقرب معبر جنوبا فيقع على بعد نحو 145 كيلومترا، أي قرابة ساعتين ونصف من السفر. وأعلن وزير البنية التحتية نيكولاي كالاشنيك منذ الثالث من أكتوبر عن بناء معابر احتياطية. فالمدينة التي يقارب عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة ويشطرها النهر مهددة بالانقسام إلى نصفين، لكل منهما اختناقاته المرورية وذعره.

في الثامن من أكتوبر ظهرت في الصحافة البريطانية رواية مفادها أن بوتين كلف الجنرال سيرغي سوروفيكين، الملقب بـ«الجنرال هرمجدون»، بتكثيف الضربات على كييف، وعلى الجسور في المقام الأول. وسارعت مصادر روسية مستقلة إلى الرد بأن سوروفيكين يقضي إجازته مع عائلته في موسكو، وأن أحدا لا ينوي إعادته إلى القيادة في أوكرانيا. وأعدّ الروايتين كلتيهما غير مؤكدتين. لكن اللافت أمر آخر: لقد اختير الاسم بدقة لا تخطئ. فقبل أربع سنوات بالتمام، في الثامن من أكتوبر 2022، عُيّن سوروفيكين قائدا للمجموعة الموحدة للقوات، وفي العاشر من أكتوبر بدأت الموجة الكبرى الأولى من الضربات على قطاع الطاقة الأوكراني. وأيا كان من يقود الحملة الحالية، فبصمتها مألوفة.

والبصمة مألوفة حتى في التفاصيل الصغيرة. ففي الثلاثين من سبتمبر ألحقت المسيّرات أضرارا بمتجرين قرب كييف، وفي اليوم التالي اقتحمت مسيّرة مدرسة في حي سولوميانسكي بالعاصمة، وفي مقاطعة أوديسا أصيب مركز أعمال، وفي الثامن من أكتوبر ضربت مسيّرة حرم مجمع مدرسي يضم روضة أطفال في منطقة بوتشا. وتصر وزارة الدفاع الروسية على أنها لا تستهدف سوى المنشآت العسكرية والعسكرية الصناعية، وتفسر إصابة المباني المدنية بأنها كانت تُستخدم لإنتاج الأسلحة أو تخزينها. ويتضح حجم هذه «التفسيرات» من إحصاءات المفوض الأوكراني لحقوق الإنسان دميترو لوبينيتس: ففي الفترة من يناير إلى أغسطس 2026 قُتل وجُرح جراء الضربات الروسية 15280 مدنيا، بزيادة 55% عن الفترة نفسها من العام الماضي.

«غيران-5»: المسيّرة التي لم تعد مسيّرة

ظهرت أولى التقارير عن النسخ النفاثة من عائلة «شاهد» و«غيران» مطلع عام 2024، وبدأ استخدامها الواسع منذ منتصف عام 2025. وقابل كثير من المحللين العسكريين هذا الجديد آنذاك بالتشكيك، وكانت حججهم وجيهة. فالمحرك النفاث كان يرفع كلفة الطائرة أضعافا مقارنة بالنسخة ذات المحرك البنزيني ثنائي الأشواط، في حين لم تكد نسبة الإصابات وحجم الأضرار ترتفع إلا بقدر ضئيل. وبدا أن اقتصاد الحرب يعمل لصالح الدفاع.

فردّت روسيا بالتطوير المتتابع. وأفسحت النسختان الانتقاليتان «غيران-3» و«غيران-4» المجال أمام «غيران-5» المختلفة جذريا، وهي أقرب في مظهرها وخصائصها إلى الصاروخ المجنح منها إلى الطائرة المسيّرة. وتورد مديرية الاستخبارات الرئيسية التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، التي فحصت حطامها، المواصفات التالية: كتلة إقلاع تبلغ نحو 850 كيلوغراما، وسرعة تطواف بين 450 و600 كيلومتر في الساعة، ومدة طيران نحو ساعتين، ومدى يصل إلى 950 كيلومترا، ورأس حربي بنحو 90 كيلوغراما. والمحرك صيني من إنتاج شركة «تيليفلاي»، من النوع نفسه المركّب على «غيران-3» لكن بقوة دفع أكبر. والطائرة مصممة وفق المخطط الديناميكي الهوائي التقليدي، وهي بحسب استنتاجات المديرية قريبة إنشائيا من المسيّرة الإيرانية «كرار». كما يجري اختبار إطلاقها من طائرة الهجوم الأرضي «سو-25».

أما قنوات «تيليغرام» العسكرية الروسية المتخصصة في الاستخدام القتالي لطائرات «غيران» فتقدم أرقاما أكثر تواضعا: مدى يتجاوز 600 كيلومتر، ورأس حربي يزيد على 60 كيلوغراما، وسرعة تفوق 350 كيلومترا في الساعة، وتوجيه بواسطة الرؤية الآلية، وتبديل شبه عشوائي للترددات لمواجهة الحرب الإلكترونية. والفارق في المدى والحمولة المتفجرة يقارب مرة ونصف. ولدى الطرفين دوافعهما: فمن مصلحة الاستخبارات الأوكرانية أن تُظهر للشركاء التهديد بكامل حجمه، ومن غير مصلحة الدعائيين الروس كشف القدرات الحقيقية للمنتج. غير أن هذا الخلاف ثانوي بالنسبة إلى الدفاع الجوي. فأي من المديات المذكورة يغطي بسخاء المسافة من الحدود الروسية إلى كييف، والسرعة حتى وفق أدنى التقديرات الروسية تقارب ضعف تلك التي اعتادتها مجموعات الرماية المتنقلة سنوات طويلة.

وليست «غيران» النفاثة سوى أبرز ممثلي عائلة من الصواريخ البديلة الرخيصة. فالصناعة الدفاعية الروسية تنتج بالتوازي «إس 8000 باندرول» وسلسلة «دان» بتعديليها «إم» و«تي»، وتطورها استنادا إلى خبرة الاستخدام القتالي. كما جرى، على أساس صاروخ هدفي وصواريخ مضادة للطائرات خرجت من الخدمة، تجميع صاروخ «إر إم-48 يو» بمدى يصل إلى 400 كيلومتر، وأُعيد تجهيز جزء من منصات «إس-400» لإطلاقه. وفي الوقت ذاته يُرفع إنتاج صواريخ «إسكندر»، وتُشترى نظائرها «كيه إن-23» من كوريا الشمالية.

وجاءت المفاجأة المنفصلة من مجال الاتصالات. فقد روى الرئيس السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، الذي أصبح من أكبر المستثمرين الأجانب في القطاع الدفاعي الأوكراني، في مقابلة حديثة أن روسيا استغنت عن قناة الأقمار الصناعية. وبحسب قوله، بنت شبكة اتصال متشابكة من مكونات صينية: زوج من طائرات «شاهد» يحوم بين بيلاروسيا وكييف بوصفه مرحّلات إشارة، يرى عبرها المشغلون الأهداف بدقة «8 كيه». ويؤكد شميدت أن مسيّرة وُجهت بهذه الطريقة مباشرة إلى النافذة المركزية لمقر جهاز الأمن الأوكراني. وينبغي التحفظ على كلام مستثمر يستفيد تجاريا من إثارة القلق. لكن الغنيمة هنا تؤكد أقواله: فقد استولى العسكريون الأوكرانيون على طائرة «غيران-3» سليمة مزودة بكاميرا ووحدة اتصال شبكي.

لماذا يعجز الرشاش ولا يلحق «ستينغ» بالهدف

ليس في «غيران» النفاثة ما هو خيالي. فالمحرك التوربيني النفاث ظاهر بوضوح على شاشات الرادار، ومن السهل رصد الهدف وتتبعه. لكن الرؤية وحدها لا تكفي، بل ينبغي اللحاق بالوقت. فالسرعة تضيّق نافذة الرصد البصري والإصابة، ولا سيما في المرحلة الأخيرة من المسار، كما أن مجموعات الرماية المتنقلة المزودة بالرشاشات والمدافع المضادة للطائرات، التي قامت عليها الحماية من طائرات «شاهد» المكبسية في عامي 2024 و2025، تكاد تكون عديمة الجدوى أمام هدف يطير بسرعة 500 كيلومتر في الساعة.

لقد أتقنت أوكرانيا الإنتاج الواسع للمسيّرات الاعتراضية، لكن معظمها طائرات رباعية المراوح صُممت لمواجهة طائرات «غيران» الأولى البطيئة. وأسرعها، مثل «ستينغ» من إنتاج شركة «وايلد هورنت» أو «سبايس» من إنتاج الشركة الألمانية الأوكرانية «كوانتوم دبليو آي واي إندستريز»، تتجاوز سرعتها 400 كيلومتر في الساعة وقادرة على إسقاط «غيران-5» في مسار تقابلي. ويؤكد منتج «ستينغ» تحقيق نسبة اعتراض ناجحة بين 80 و90% للأهداف المكبسية. أما في مواجهة الأهداف النفاثة، فبحسب بيانات اتحاد «القوى التكنولوجية لأوكرانيا»، لم تحقق المسيّرات الاعتراضية المتخصصة في الاختبارات الأولى سوى 35 إلى 40%. وفي الرابع من أكتوبر، خلال مؤتمر صحفي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قدّر زيلينسكي فعالية المسيّرات الاعتراضية «بارس» في مواجهة المسيّرات النفاثة بنحو 30%، وأعلن عن إنتاج مشترك مع ألمانيا. ومنذ أغسطس تصل إلى القوات مسيّرات اعتراضية نفاثة من قبيل «أليكسا سباتيوم»، غير أن نتائج عملية لاستخدامها لم تظهر بعد. وبحسب زيلينسكي، تعمل 67 شركة على وسائل تدمير «غيران-5»، في حين يحصي شميدت ما لا يقل عن خمس شركات تختبر بالفعل حلولا جاهزة.

والطيران المأهول الذي يستشهد به زيلينسكي ليس دواء لكل داء هو الآخر. فالطائرات قليلة، والمطارات المحمية جيدا أقل. وطائرات «إف-16» التي سلمتها الدول الغربية تحتاج إلى صيانة ولا تكون دائما في الخدمة. والسلاح الرئيسي للقتال الجوي القريب، صاروخ «إيه آي إم-9 سايدوايندر»، يكلف مئات الآلاف من الدولارات، أي أضعاف ثمن «غيران» النفاثة. وإسقاط مسيّرة بصاروخ كهذا أشبه بدفع أجرة سيارة الأجرة بسبائك الذهب. أما الحلول الرخيصة، كالمدافع الجوية الموجهة بالرادار أو بالوسائل البصرية والقذائف التي تنفجر في الجو، فلا تزال قيد الدراسة.

ولهذه المعضلة نظير تاريخي. ففي الثالث عشر من يونيو 1944 سقطت على لندن أول قنبلة «في-1»، وهي قنبلة طائرة بمحرك نفاث نبضي كانت تحلق على ارتفاع نحو 550 مترا بسرعة تقارب 530 كيلومترا في الساعة، أي في منتصف نطاق سرعة «غيران-5» تقريبا. وكان رماة المدفعية المضادة للطائرات البريطانيون ينفقون في البداية نحو 2500 قذيفة لإسقاط هدف واحد، وفي الأسبوع الأول لم تدمر المدافع على الساحل سوى 17% من القنابل. وجاء التحول بفضل ابتكارين أمريكيين: رادار «إس سي آر-584» المزود بالتوجيه الآلي للمدافع، الذي طُوّر في مختبر الإشعاع بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والقذائف ذات الصاعق اللاسلكي. وبحلول الثالث والعشرين من أغسطس باتت المدافع تسقط 60% من قنابل «في-1»، وفي الأسبوع الأخير من الشهر بلغت النسبة 74%. وفي أفضل الأيام وصلت إلى 82%، وانخفض الاستهلاك إلى مئة قذيفة للهدف الواحد.

ومن التجربة اللندنية يُستخلص استنتاجان غير مريحين لكييف. فالحل كان رخص الطلقة الواحدة، لا صاروخا أغلى ثمنا. وقد جاء هذا الحل من مصانع حليف وراء المحيط، واستغرق إدخاله نحو عشرة أسابيع. أما التهديد فلم تُنهه نهائيا إلا الجيوش البرية، حين سيطر الحلفاء في سبتمبر 1944 على منصات الإطلاق في الساحل الفرنسي، فأعاد الألمان توجيه قنابل «في-1» نحو أنتويرب، التي سقطت عليها حتى مارس 1945 قرابة 2448 قنبلة.

تأخر لعامين: البرلمان الأوكراني يبحث عن المذنبين

في السادس من أكتوبر عقدت لجنة التحقيق المؤقتة في البرلمان الأوكراني، المعنية بالانتهاكات المحتملة للتشريعات في المجال الدفاعي، جلسة مثل أمامها نائب قائد القوات الجوية العقيد يوري تشيريفاشينكو، المسؤول عن منظومات الدفاع الجوي غير المأهولة. وطُرح السؤال بحدة: لماذا وجد الجيش نفسه عمليا غير مستعد للمسيّرات النفاثة الكثيفة، إذا كان معروفا بأمرها منذ يناير 2024؟ وبعدما شدد على أنه يعبر عن رأي شخصي، أجاب تشيريفاشينكو: «رأينا أن العدو استخدم نحو أربعة أنواع من المحركات النفاثة، وفهمنا أنه لم يكن يملك حلا جاهزا. ربما كانت لدى بعض الأجهزة الخاصة معلومات أكثر، لكنني أعتقد أن سبب هذا التأخر هو قصور التواصل بين الوحدات التي كانت تملك المعلومات».

وترجمة ذلك من اللغة العسكرية إلى لغة البشر بسيطة. رأى العسكريون الأوكرانيون أن الروس يجربون المحركات واحدا تلو الآخر، فظنوا أن الخصم لا يزال يبحث. أما الخصم فقد وجد ضالته في تلك الأثناء.

كان الخطأ مفاهيميا. فطوال أربع سنوات عاش الفكر الدفاعي الأوكراني والغربي على مخطط مريح: أوكرانيا تبتكر، وروسيا تنسخ وتوسع الإنتاج، لكن ببطء. وقد وصف شميدت انهيار هذا المخطط بدقة تفوق كثيرا من الجنرالات: «كان الافتراض الدائم أن أوكرانيا تبتكر الجديد، وأن روسيا كبيرة وبطيئة. شيء ما تغير. الآن تتطور روسيا بالسرعة نفسها تقريبا التي تتطور بها أوكرانيا، لكنها تملك موارد أكبر بكثير». ويسجل المعلقون العسكريون الأوكرانيون أن تعديلات جديدة للمسيّرات النفاثة باتت تظهر مرة كل يومين أو ثلاثة، وأن تكتيكات استخدامها تتغير باستمرار.

والموارد فعلا غير متكافئة. ففي الشتاء الماضي قال القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية أولكسندر سيرسكي إن روسيا تنتج 404 طائرات «شاهد» و«غيران» من مختلف الأنواع يوميا، وتعتزم في عام 2026 الوصول إلى استخدام ما يصل إلى ألف مسيّرة في اليوم. ووفق بياناته، يُفترض أن يرتفع عديد قوات المنظومات غير المأهولة الروسية من 80 ألفا إلى 165.5 ألف عنصر. وبحسب هيئة الإحصاء الروسية، ارتفع إنتاج المسيّرات والمنظومات الجوية المرتبطة بها في أبريل 2026 بنسبة 117% مقارنة بأبريل من العام السابق. ووفق استنتاجات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، فإن مكونات «غيران-5» مطابقة لوحدات طائرات «غيران» الأخرى المنتجة في المنطقة الاقتصادية الخاصة «ألابوغا» في تتارستان. لقد بلغت مصانع الدبابات سقف طاقتها، أما مصانع المسيّرات فلم تبلغه.

«باتريوت» بلا صواريخ: حرب الخليج أفرغت الترسانات الأوكرانية

لم يكن التصدي للصواريخ الباليستية سهلا على أوكرانيا يوما. فمنظومات «باتريوت» ونظيرتها الأوروبية «سامب/تي» القادرة على إسقاط صواريخ «إسكندر» كانت قليلة منذ البداية، والصواريخ الاعتراضية لم تكن كافية قط. وفي صيف 2026 بلغ النقص حده المطلق. فبحسب معلومات القوات الجوية، نشأ في يونيو نقص حاد في صواريخ «باك-3» الاعتراضية، وبحلول الأول من يوليو نفدت مخزوناتها تماما. وقد أقر زيلينسكي منذ يناير بأن بعض بطاريات «باتريوت» ظلت معطلة بلا صواريخ. وعلى مدى ثلاث سنوات تسلمت أوكرانيا أكثر من 1600 صاروخ اعتراضي من مختلف التعديلات، وتملك وفق التقديرات المفتوحة نحو عشر منظومات. وكان نحو 95% من الصواريخ يصل عبر آلية قائمة الاحتياجات الأوكرانية ذات الأولوية، أي بأموال الشركاء ضمن منظومة التوريد الأمريكية.

أما السبب الرئيسي لخلو المنصات من الصواريخ فيقع بعيدا خارج أوكرانيا. ففي الثامن والعشرين من فبراير 2026 بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات إلى إيران، وردّت طهران بصواريخ على إسرائيل وعلى المنشآت الأمريكية في دول الخليج. وكلفت الأيام السبعة الأولى من العملية واشنطن، وفق تقدير قدمته وزارة الدفاع الأمريكية إلى الكونغرس، نحو 6 مليارات دولار، ذهب منها نحو 4 مليارات إلى الذخائر، والصواريخ الاعتراضية في المقام الأول. واستنزفت ممالك الخليج مخزوناتها الخاصة من الصواريخ الأمريكية المضادة للصواريخ. واعترف نائب رئيس شركة «لوكهيد مارتن» براين دَن علنا بأن الشركة المصنعة لا تتحكم في توزيع صواريخ «باك-3» بين الزبائن ولا تستطيع أن تضمن لحلفاء الولايات المتحدة مواعيد تسليم محددة. ووجدت كييف نفسها في آخر طابور يقف فيه الأغنياء الخائفون.

وحساب الدفاع المضاد للصواريخ الباليستية لا يرحم. فصاروخ «باك-3 إم إس إي» يكلف نحو 4 ملايين دولار، والعقيدة الأمريكية تقتضي إطلاق صاروخين على كل هدف باليستي، ما يعني أن كل صاروخ «إسكندر» يُعترض يكلف الدفاع نحو 8 ملايين دولار. وأوكرانيا تبحث عن الصواريخ أينما أمكن: فبحسب وسائل إعلام يونانية، طلبت كييف من أثينا تسليمها ما يصل إلى 200 صاروخ «باك-2». وصرح وزير الخارجية أندري سيبيها بأن كييف مستعدة للحصول من الشركاء على أي صواريخ اعتراضية متاحة بأي وسيلة ممكنة، بما في ذلك المقايضة. وفي الثاني عشر من فبراير وعد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بخمسة وثلاثين صاروخا من طراز «باك-3»، ثلاثون منها من شركاء مجموعة «رامشتاين» وخمسة من برلين، موضحا أن الأمر مسألة أيام لا أسابيع. ووفق العقيدة، لا تكفي خمسة وثلاثون صاروخا إلا لنحو سبعة عشر هدفا باليستيا.

وترى كييف المخرج من هذا الفخ في صاروخ مضاد للصواريخ من صنعها. فمشروع «فريا» تتولاه شركة «فاير بوينت» المعروفة بصاروخها المجنح «فلامينغو». ويُقدَّر أن يكلف صاروخها الاعتراضي من عائلة «إف بي-7» نحو 700 ألف دولار مقابل 4 ملايين لصاروخ «باك-3». ويشارك في المشروع عشر دول وشركات أوروبية كبرى، منها «كونغسبرغ» و«ساب» و«تاليس» و«ليوناردو»، كما وقعت «فاير بوينت» اتفاقيات مع 13 شركة أوروبية لتوريد الرادارات وأنظمة التوجيه. وفي منتدى استراتيجية يالطا الأوروبية قال زيلينسكي إن أوكرانيا تأمل كثيرا في بدء اختبار المنظومة الأولى أواخر ديسمبر، وأضاف: «يجب أن نفعل ذلك في الشتاء». أما المديرة العامة لشركة «فاير بوينت» إيرينا تيريخ فتحدد موعدا أكثر تحفظا لأول اعتراض لهدف باليستي: حتى منتصف عام 2027.

45 مليون دولار في الساعة: الكرملين يضرب دفاتر الحسابات

حسب وزير الاقتصاد والبيئة أولكسندر كرافتشينكو كم تكلف صفارة الإنذار البلاد. فكل ساعة يتوقف فيها النشاط التجاري بسبب الإنذار الجوي تكلف الاقتصاد نحو 45 مليون دولار. وأوضح في أواخر سبتمبر، في مقابلة مع صحيفة بريطانية: «إذا كان الناس في الملاجئ، يتوقف العمل». وفي بعض الأيام تدوي صفارات الإنذار ما يصل إلى عشر ساعات. وقدّر الوزير الأضرار المباشرة في الأصول الثابتة منذ بداية العام وحده بنحو 10 مليارات دولار.

وفي سبتمبر حاولت الحكومة تقليص الخسائر، فاعتمدت نظام إنذار من مستويين: «أصفر» عند هجوم المسيّرات و«أحمر» عند التهديد الصاروخي أو المشترك. وفي أثناء المستوى الأصفر، بحسب كرافتشينكو، يواصل أكثر من نصف المؤسسات العمل. وتبدو «غيران» النفاثة كأنها صُممت خصيصا لكسر هذه التسوية. فهي رسميا مسيّرة تندرج تحت المستوى الأصفر، لكنها تطير بسرعة صاروخ مجنح. وفي الثامن والعشرين من سبتمبر، وخلال إنذار أصفر تحديدا، ضربت مسيّرة مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في وسط كييف.

ويُظهر حساب تقريبي حجم المسألة بوضوح. فقد قدّر زيلينسكي العجز في موازنة 2026 بنحو 27 مليار دولار، ويحدد كرافتشينكو حاجة عام 2027 إلى التمويل الخارجي بـ52.6 مليار دولار. وبتعرفة 45 مليون دولار في الساعة، يعادل هذا المبلغ نحو 49 يوما من الإنذار المتواصل. لا تستطيع موسكو أخذ كييف، لكنها تستطيع أن تقدم لها الفاتورة، وهي تقدمها كل ليلة.

ويسوق المحللون العسكريون الغربيون أربعة أسباب لتغيير الاستراتيجية الروسية، ومن الصعب مجادلة هذا التصور. الأول هو الجبهة: فالخسائر الهائلة مع تقدم ضئيل تستدعي صورة نجاح مختلفة للجمهور الداخلي ولمعجبي الكرملين في الخارج. والثاني هو الإكراه: فروسيا عاجزة عن أخذ كييف أو حتى دونباس بكاملها، لكنها قادرة على جعل الحياة في المدن الأوكرانية لا تطاق هذا الشتاء. والثالث هو الاقتصاد الذي يتحدث عنه كرافتشينكو. والرابع هو الظروف المواتية: فالمسيّرات النفاثة تطير أعلى وأسرع، وأوكرانيا لا تملك صواريخ لمنظومة «باتريوت». ويضاعف البرد أثر كل محطة تخرج من الخدمة. ويقول مسؤولون أوكرانيون رفيعو المستوى صراحة إن موسكو تريد شل كييف قبل حلول الصقيع وإرغامها مطلع عام 2027 على التنازل عن أراض في دونباس.

طهران 1988، كنجة 2020. ما الذي يعرفه التاريخ عن حرب المدن

وُلد مصطلح «حرب المدن» نفسه في الحرب العراقية الإيرانية. ففي التاسع والعشرين من فبراير 1988 أطلق العراق لأول مرة على طهران صواريخ «الحسين»، وهي نسخة مطوّلة من صاروخ «سكود» السوفيتي باتت قادرة أخيرا على بلوغ العاصمة الإيرانية. وكان قسم كبير من سكان طهران يغادر المدينة كل ليلة، ما خلق للنظام مشكلات سياسية جدية. وثمة تفصيل نادرا ما يُذكر: فمنذ مارس 1988 كان الإيرانيون يؤكدون أن الصواريخ العراقية تتفكك في الجو، لأن الهيكل المطوّل لم يكن يحتمل أحمالا لم يُصمم «سكود» لها قط.

والأمانة تقتضي الاعتراف بأن الإكراه نجح حينها. ففي الثامن عشر من يوليو 1988 وافقت طهران على وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأمن الدولي، ودخل حيز التنفيذ في العشرين من أغسطس. غير أن الصواريخ على المدن لم تكن سوى إحدى أدوات الضغط، وليست أهمها بأي حال. ففي أبريل 1988 استعاد الجيش العراقي شبه جزيرة الفاو، وفي الشهر ذاته ألحقت البحرية الأمريكية خلال عملية «فرس النبي» أضرارا جسيمة بالأسطول الإيراني، وفي الثالث من يوليو أسقط الطراد «فينسينز» فوق الخليج طائرة ركاب إيرانية من طراز «إيه 300» كان على متنها 290 شخصا، وكان العراق قد استخدم السلاح الكيميائي بصورة منهجية بحلول ذلك الوقت. لقد انكسرت إيران حين كانت الجبهة تنهار والبلاد في عزلة دولية.

ولا يتوفر أي من هذين الشرطين في أوكرانيا عام 2026. فروسيا عاجزة حتى عن أخذ دونباس بكامله، والجبهة لا تنهار. وأوروبا تدفع ثمن صواريخ «باتريوت» وتسد ثغرات موازنة كييف. والرهان على أن المدن ستنكسر قبل الجيش، من دون انهيار الجبهة، رهان خاسر تاريخيا.

أكتب هذه السطور في الحادي عشر من أكتوبر، بعد ست سنوات بالتمام من ليلة لن ينساها أذربيجان. أتذكر ذلك الخريف جيدا. ففي ليلة الحادي عشر من أكتوبر 2020، وبعد أقل من يوم على دخول الهدنة الإنسانية المتفق عليها في موسكو حيز التنفيذ، شنت القوات المسلحة الأرمينية ضربة صاروخية على مبنى سكني في وسط كنجة. قُتل تسعة أشخاص وجُرح أكثر من ثلاثين. وفي السابع عشر من أكتوبر أودت ضربة جديدة على كنجة بحياة 13 شخصا وأصابت 52 آخرين. وفي المجموع قُتل في كنجة خلال الحرب 27 مدنيا وأصيب أكثر من 120. كان الحساب هو نفسه حساب الأركان الروسية اليوم: ترهيب العمق لإيقاف الجبهة. لكن الجبهة لم تتوقف. وفي العاشر من نوفمبر 2020 وقّعت أرمينيا البيان الثلاثي الذي غدا وثيقة استسلامها.

لقد كفّت سماء هذه الحرب منذ زمن عن أن تكون أوكرانية فحسب. ففي الخامس والعشرين من ديسمبر 2024 أصابت الدفاعات الجوية الروسية، أثناء تصديها لهجوم مسيّرات أوكرانية، فوق غروزني طائرة ركاب من طراز «إمبراير 190» تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية كانت تؤدي رحلة قادمة من باكو. وسقطت الطائرة قرب أكتاو. ومن أصل 67 شخصا كانوا على متنها لقي 38 حتفهم. ولم يعترف بوتين إلا في التاسع من أكتوبر 2025 في دوشنبه، خلال حديثه مع رئيس أذربيجان إلهام علييف، بأن صاروخين من الدفاع الجوي الروسي انفجرا على بعد أمتار قليلة من الطائرة. وفي الخامس عشر من أبريل 2026 أكدت وزارتا خارجية البلدين في بيان مشترك وقوع إطلاق غير مقصود للدفاعات الجوية وتسوية مسألة التعويضات. ومنذ ذلك الحين تضاعفت كثافة النيران في سماء المنطقة مرات عديدة، ومعها تضاعف ثمن أي خطأ بالنسبة إلى الجيران.

هدنة لم يرها سوى ترامب

تحاول واشنطن وقف حرب المدن بطريقتها المعتادة: بتصريح مدوٍّ. ففي أواخر يناير 2026 أعلن دونالد ترامب أنه طلب من بوتين وقف الضربات على كييف وغيرها من المدن لمدة أسبوع خلال موجة الصقيع الشديد. وأكد الكرملين موافقته، لكن حتى الأول من فبراير فقط. وعلّق زيلينسكي حينها ساخرا بأنه «إما أن روسيا تعتقد أن الأسبوع أربعة أيام، وإما أنها تراهن على الحرب». فرد ترامب بأن بوتين وفى بوعده.

وفي الرابع عشر من سبتمبر أعلن الرئيس الأمريكي عبر منصته «تروث سوشيال» أن أوكرانيا وروسيا تخلتا بشكل متبادل عن ضرب منشآت الطاقة. لم تؤكد موسكو ذلك، وطالب زيلينسكي بضمانات من الشركاء. وفي الثاني والعشرين من سبتمبر، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كرر أن أوكرانيا مستعدة لهدنة طاقة كاملة إن كانت متبادلة. وفي ربيع 2025 انهار تعليق مماثل لثلاثين يوما بعد ساعات قليلة من إعلانه.

وبالنسبة إلى الكرملين، فإن هدنة الطاقة أداة ذات استخدام مزدوج. فالتوقف يتيح تكديس الصواريخ، وموضوع الهدنة نفسه يصبح ورقة مساومة في مواجهة الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية وناقلات «أسطول الظل». لقد صارت حرب المدن منذ زمن حربا في الاتجاهين: ففي ليلة العشرين من أغسطس، بحسب رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين، كانت 250 مسيّرة أوكرانية متجهة نحو العاصمة الروسية. ويلفت المعلقون العسكريون الأوكرانيون إلى أن روسيا أطلقت في سبتمبر صواريخ عسيرة الاعتراض أقل مما أطلقته في أغسطس، رغم أن الإنتاج لم ينخفض. الصواريخ لم تختف. إنها تُكدَّس. وقبل الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر يحتاج البيت الأبيض إلى عنوان عن السلام، وموسكو تدرك ذلك تمام الإدراك.

سباق حتى فبراير: من يسبق أولا

تحل أوكرانيا اليوم المسألة ذاتها التي واجهتها بريطانيا صيف 1944: إيجاد وسيلة رخيصة لقتل هدف سريع بصورة مضمونة. وبالنظر إلى عدد الشركات التي تختبر المسيّرات الاعتراضية، فإن الحل قريب، وبحلول الربيع ستُسقط «غيران» النفاثة بالثقة ذاتها التي تُسقط بها نظيرتها المكبسية. لكن روسيا تُعد بحلول تلك اللحظة نقلتها التالية. ففي الثالث والعشرين من مارس 2026 انطلقت من قاعدة بليسيتسك الفضائية أولى الأقمار الصناعية التسلسلية الستة عشر لكوكبة «راسفيت» التابعة لشركة «المكتب 1440»، وفي التاسع عشر من يوليو أضيف إليها ستة عشر قمرا آخر. وترتبط الأقمار فيما بينها بقنوات ليزرية. وإلى جانب أكثر من 9800 قمر من أقمار «ستارلينك» تبدو هذه قطرة في بحر، لكن التحكم بالمسيّرات فوق أوكرانيا لا يتطلب تغطية عالمية. وما إن تبدأ «راسفيت» العمل حتى تنتفي الحاجة إلى طائرات «شاهد» المرحِّلة، وتحصل المسيّرة على قناة لا يمكن إسقاطها بمسيّرة ثانية.

ويضاف إلى ذلك الصواريخ الباليستية التي لا توجد صواريخ لمواجهتها، والقنابل الانزلاقية القوية. وفوق ذلك كله تخيم تعبئة واسعة محتملة في روسيا. ويرى شميدت أن أوكرانيا كانت ستتغلب على كل تهديد من هذه التهديدات منفردا، لكن مواجهتها جميعا دفعة واحدة من دون مساعدة الغرب شبه مستحيلة. وهنا أتفق معه تماما.

واستنتاجي أشد مما هو مألوف في التحليلات الحذرة. فمن الناحية التقنية كان الخريف لروسيا: لقد وجدت الثغرة ورفعت وتيرة الضربات إلى أكثر من مئة مسيّرة نفاثة في اليوم. أما من الناحية الاستراتيجية فقد راهن الكرملين على نموذج لم ينجح في التاريخ إلا مقرونا بانهيار الجبهة وعزلة الضحية. ولا يملك موسكو هذا ولا ذاك. سيكون شتاء 2026-2027 الأقسى على المدن الأوكرانية منذ بدء الحرب، لكن روسيا لن تحصل على النتيجة السياسية التي يُدبَّر من أجلها.

وأسجل موقفي في أربعة توقعات قابلة للتحقق. قبل العشرين من ديسمبر 2026 ستنفذ روسيا هجوما واحدا على الأقل تطلق فيه أكثر من مئة صاروخ في ليلة واحدة، لأن المخزون المتراكم خلال الخريف لا بد أن يُفرَّغ في مكان ما. وفي حصيلة نوفمبر سيتجاوز عدد المسيّرات النفاثة المطلقة على أوكرانيا 3500. وستتأجل اختبارات «فريا» المقررة في ديسمبر، ولن يتحقق أول اعتراض مؤكد لهدف باليستي بهذه المنظومة قبل يونيو 2027. وحتى الأول من أبريل 2027 لن توقع كييف أي وثيقة بشأن سحب قواتها من الجزء المتبقي تحت سيطرتها من مقاطعة دونيتسك.

والصورة الأخيرة من عام 1944 أيضا. ففي السابع من سبتمبر أبلغ دنكان سانديز، رئيس اللجنة الحكومية البريطانية لمكافحة قنابل «في»، الصحفيين بأن معركة لندن قد انتهت، باستثناء بضع طلقات أخيرة. وفي مساء اليوم التالي، الثامن من سبتمبر، سقط أول صاروخ «في-2» على شارع ستافلي رود في حي تشيزيك اللندني وقتل ثلاثة أشخاص. ولم يكن لدى بريطانيا أي شيء في مواجهة الصاروخ الباليستي.

وفي كييف، في هذه الأثناء، يبنون معابر احتياطية على نهر دنيبرو.