ثمانية من كل عشرة إنجيليين بيض يصوّتون لترامب، ومعظمهم على يقين بأن سلطته ممنوحة من السماء. وقبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات النصفية، ظهر في هذا البناء المقدّس أول شرخ، وقد مرّ عبر الحرب مع إيران.
في الخامس من مارس 2026، في اليوم السادس من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحوّل المكتب البيضاوي لبضع دقائق إلى قاعة صلاة. جلس دونالد ترامب إلى مكتب «ريزولوت» مغمض العينين، وحوله وقف نحو عشرين قسًّا وضعوا أكفّهم على كتفيه وظهره وساعديه. وقاد الصلاة القس توم مولينز، فسأل للرئيس حكمة من العلاء، وللجنود الأمريكيين الحماية. ونشر المقطع على الشبكة نائب رئيس موظفي البيت الأبيض دان سكافينو، فيما نظّم اللقاء مكتب الإيمان الذي ترأسه الواعظة التلفزيونية باولا وايت-كين. ووقف في الحلقة قس الكنيسة المعمدانية الأولى في دالاس روبرت جيفريس، ومؤسس جماعة «زمالة الحصاد المسيحية» في كاليفورنيا غريغ لوري، ورئيس المؤتمر الوطني للقادة المسيحيين الناطقين بالإسبانية صامويل رودريغيز، وكذلك، بحسب المعطيات المتوفرة، المخضرمان في اليمين الديني رالف ريد وغاري باور.
جاءت الصورة رمزية إلى حدّ يكاد يكون متعمّدًا. فالدولة التي يحظر تعديلها الدستوري الأول على الكونغرس إقامة دين رسمي، كانت تحارب ثيوقراطية شيعية، بينما يُبارَك زعيمها لهذه الحرب وفق طقوس العبادة الكاريزمية. ولم يكن بوسع طهران أن تحلم بلقطة دعائية أفضل: فقد ظل آيات الله أكثر من أربعين عامًا يصوّرون أمريكا صليبيًّا، وها هو الصليبي يقف بنفسه أمام الكاميرا.
لم يكن مشهد الخامس من مارس ارتجالًا. فخلفه آلة ظل اليمين الديني الأمريكي يبنيها على مدى نصف قرن: آلاف الكنائس العملاقة، وقنوات تلفزيونية وبرامج صوتية، وصناديق مليارديرات النفط، وقواعد بيانات تضم عشرات الملايين من الناخبين، ولاهوت قادر على تفسير أي شيء، من الدعاوى القضائية ضد الرئيس إلى قصف إيران. وتُقاس قوتها برقم بسيط: نحو 80 في المئة من الإنجيليين البيض صوّتوا لترامب عام 2024، وقبل ذلك بأربع سنوات كانت النسبة أعلى.
غير أن هشاشة هذه الآلة تظهر في أرقام أخرى. ففي يناير 2026، وبحسب مركز بيو للأبحاث، كان 69 في المئة من الإنجيليين البيض يؤيدون أداء الرئيس، مقابل 78 في المئة في مطلع ولايته الثانية. وبحلول نهاية أبريل، سجّل استطلاع معهد ماريست للرأي العام تأييدًا بنسبة 64 في المئة ورفضًا بنسبة 34 في المئة.
لقد بدأ الممسوح يفقد رعيته.
ملعب بدل الكاتدرائية: كيف تحوّلت جنازة تشارلي كيرك إلى قداس لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»
اغتيل تشارلي كيرك بالرصاص في العاشر من سبتمبر 2025 خلال حديثه أمام طلاب جامعة وادي يوتا، وكان في الحادية والثلاثين من عمره. وبعد أحد عشر يومًا، امتلأ ملعب «ستيت فارم» في غليندايل بولاية أريزونا، الذي يتسع لنحو ثلاثة وستين ألف متفرج، بأناس يرتدون الرموز الحمراء لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا». وعند المدخل كان متطوعو منظمة «نقطة تحوّل الولايات المتحدة» يسجّلونهم، وهي المنظمة التي أسسها كيرك عام 2012 وهو في الثامنة عشرة. ومن على المنصة صدحت الترانيم المسيحية، وعلى المدرجات رفع الناس أيديهم وأغمضوا أعينهم وبكوا، كأنهم في قداس يوم الأحد في كنيسة عملاقة. وبين الترانيم تحدّث ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث.
ووصف شهود العيان ما جرى بأنه صحوة دينية التحمت بمسيرة سياسية. فمن المنصة انطلقت دعوات للحكومة إلى أن تشهر السيف في وجه الشر، ومن المدرجات أقسم الحاضرون أن يحموا ظهر الرئيس. وغُلّف موت الناشط في حكاية من سير القديسين: شهيد سقط في سبيل الإيمان وفي سبيل الرئيس معًا، وقد امّحت نهائيًّا الحدود بين هاتين الخدمتين.
نشأ كيرك في بيئة إنجيلية، وانصرف في سنواته الأخيرة عن قصد إلى مدّ جسر من منبر الكنيسة إلى مركز الاقتراع. فكان مشروعه الإيماني التابع للمنظمة يجمع القساوسة عام 2024 في قمم يُعرض عليهم فيها أن يصبحوا وكلاء غير رسميين لحملة ترامب، وأن يرسلوا أبناء رعاياهم للدعاية من بيت إلى بيت في الولايات المتأرجحة. وعبر بوابة إلكترونية خاصة وُزّعت على رجال الدين خطط عظات جاهزة ومواد دعائية مصوّرة. فالتقنية السياسية المتنكرة في ثوب الطقوس الدينية أنجع من أي مقر انتخابي، لأن العظة لا تُتلقّى على أنها إعلان.
ورسّخت الجنازة هذا الامتزاج. ففي ديسمبر 2025، تحدّث في المؤتمر السنوي «أمريكا فست» لمنظمة «نقطة تحوّل» القس دوغ ويلسون من ولاية أيداهو. وبعد شهرين سيُدعى ليعظ في البنتاغون.
الملك يسوع في البنتاغون: وزير حلم بحملة صليبية
جاء بيت هيغسيث إلى وزارة الدفاع بسمعة لم يُخفها يومًا. ففي عام 2020 أصدر المذيع التلفزيوني السابق كتابًا بعنوان «الحملة الصليبية الأمريكية» دعا فيه إلى حرب مقدسة على اليسار الأمريكي. وبعد أربعة أشهر من تعيينه، في مايو 2025، افتتح في البنتاغون صلوات مسيحية شهرية تُقام في الوزارة للمرة الأولى على أساس رسمي منتظم، وتُبث عبر الشبكة التلفزيونية الداخلية للمبنى.
قاد القداس الأول بروكس بوتيغر، قسّ هيغسيث من ولاية تينيسي، والمنتمي إلى رابطة الكنائس الإنجيلية المُصلَحة. وشكر بوتيغر الرب لأنه استخدم ترامب لإعادة الاستقرار والوضوح الأخلاقي إلى البلاد. أما الوزير نفسه فتوجّه في صلاته إلى الملك يسوع.
وفي الخامس من فبراير 2026، في إفطار الصلاة الوطني بواشنطن، صاغ هيغسيث العقيدة صراحة: أمريكا أمة مسيحية، وهذا مكتوب في حمضها النووي، وعلى المسؤولين الحكوميين واجب مقدس في تمجيد الله. وبعد اثني عشر يومًا، في السابع عشر من فبراير، اعتلى دوغ ويلسون المنبر في قاعة البنتاغون.
يبلغ ويلسون الثانية والسبعين، ويعيش في بلدة موسكو بولاية أيداهو، وهو من مؤسسي تلك الرابطة نفسها، ويصف نفسه علنًا بأنه قومي مسيحي. وفي جماعاته يُغلق أمام النساء طريق المناصب القيادية، وفي محيطه الكنسي يُشكَّك بجدية في حق المرأة في التصويت. وقد وصف القس آراءه السياسية بأنها تقع إلى يمين جنرال الكونفدرالية بقليل، وتحدّث عن العبودية في الجنوب الأمريكي بعبارات يعدّها خصومه تبريرًا لها، ونعت المسلمين والهندوس المهاجرين إلى الولايات المتحدة بالطفيليات.
دامت العظة نحو ست عشرة دقيقة في قاعة مكتظة، وقد آثر ويلسون بحكمة الصمت عن أطروحاته المثيرة للجدل. لكنه قال الأهم مع ذلك: إنه يودّ أن يرى العالم كله مسيحيًّا. وصعد هيغسيث إلى المنصة، ووضع يده على كتفه، وتلا الصلاة الختامية، ثم أعاد نشر المقطع مرفقًا بشعار ويلسون: «المسيح كله للحياة كلها». ويعبّر هذا الشعار عن فكرة رائجة بين الإنجيليين الأمريكيين، مفادها أن سلطان المسيح يمتد إلى كل مجال، بما في ذلك الدولة والجيش. وردّت المتحدثة باسم البنتاغون كينغسلي ويلسون على أسئلة الصحفيين باقتضاب: الوزير، مثل ملايين الأمريكيين، مسيحي فخور بإيمانه. وكان ويلسون الواعظ العاشر الذي يتحدث في البنتاغون منذ مايو 2025.
وبعد أحد عشر يومًا من هذه العظة، شنّت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية أولى ضرباتها على إيران.
ثمانية من كل عشرة: تشريح أكثر الكتل الانتخابية ولاءً في أمريكا
من الناحية الديموغرافية، لا تزال الولايات المتحدة بلدًا مسيحيًّا يمضي بسرعة نحو العلمنة. فبحسب دراسة واسعة أجراها مركز بيو للأبحاث بين عامَي 2023 و2024، يعرّف 62 في المئة من البالغين الأمريكيين أنفسهم مسيحيين، بعدما كانت النسبة 78 في المئة عام 2007. ولا ينتسب 29 في المئة آخرون إلى أي دين. ويُدرج المركز 23 في المئة من البالغين ضمن التقليد البروتستانتي الإنجيلي، و11 في المئة ضمن الكنائس البروتستانتية التاريخية الرئيسية، و5 في المئة ضمن الجماعات البروتستانتية ذات الغالبية السوداء تقليديًّا، فيما يشكّل الكاثوليك نحو الخُمس.
أما سياسيًّا، فالمتغير الحاسم هو العِرق لا العقيدة. ففي عام 2024 عرّف 85 في المئة من الناخبين الإنجيليين البيض أنفسهم جمهوريين أو مائلين إلى الجمهوريين، في حين أيّد 84 في المئة من البروتستانت السود الديمقراطيين. والظاهرة التي تحتاج إلى تفسير هي الإنجيلية المحافظة البيضاء، وهي تقوم على شبكة من المؤسسات أكثر بكثير مما تقوم على الكتاب المقدس.
وداخل هذه الشبكة تتعايش تيارات مستعدة في الجدالات اللاهوتية لأن يكفّر بعضها بعضًا. فالإنجيليون التقليديون يركّزون على سلطة الكتاب المقدس، والموت الفدائي للمسيح، والتحول الشخصي إلى الإيمان، وواجب هداية الآخرين. والأصوليون، الذين وُلدوا من الحرب على اللاهوت الليبرالي في مطلع القرن العشرين، يصرّون على الحقيقة الحرفية لمعجزات الكتاب المقدس. والخمسينيون والكاريزميون يؤمنون بمواهب الروح المعاصرة: الشفاء، والنبوءة، والتكلم بالألسنة، وطرد الشياطين. أما الشبكات المستقلة التي يدرجها الباحثون ضمن حركة الإصلاح الرسولي الجديد، فتعترف برسل وأنبياء أحياء يتلقّون، بحسب يقين أتباعهم، رسائل مباشرة من الله. على مستوى الإيمان هذه عوالم مختلفة، لكنها عند صندوق الاقتراع تتحول إلى كيان واحد.
وتكمن قوة هذا النظام البيئي في أفقيته. فآلاف الجماعات المستقلة لا تنتظر توجيهات من أعلى: يظهر القساوسة في بثوث بعضهم بعضًا، والنبوءة التي ينطق بها أحدهم تتردد بعد يوم واحد على قناة آخر وتنتشر في مقاطع الفيديو القصيرة. ومركز الثقل هو الكنيسة العملاقة، أي الجماعة البروتستانتية التي تجمع ما لا يقل عن ألفي مصلٍّ أسبوعيًّا. ويرصد معهد هارتفورد لأبحاث الدين في هذه الكنائس السلطة الفردية للقس الأكبر، ووسائل إعلام خاصة، وطاقمًا من الموظفين المحترفين، وعشرات البرامج الاجتماعية. وحين يؤيد قسّ كنيسة كهذه مرشحًا ما، فالأمر يتعلق بتعبئة مورد، لا برأي شخصي.
وتمثّل باولا وايت-كين نموذجًا مثاليًّا لهذا التداخل. إذ يمكن بالقدر نفسه من الصواب وصفها بأنها إنجيلية، وكاريزمية، ومسيحية غير منتمية إلى طائفة، وواعظة للاهوت الرخاء. ويَعِد هذا الأخير بأن الإيمان والتبرع المالي، أو ما يسمى «البذرة المزروعة»، سيعودان على المؤمن صحةً وثراءً. ويرى كثير من المعمدانيين والمُصلَحين في هذه العقيدة استغلالًا للرعية. أما ترامب فتناسبه تمامًا: فإذا كانت الثروة علامة على الرضا الإلهي، فإن مليارديرًا في البيت الأبيض يبدو برهانًا لا غواية. وتعرف وايت ترامب منذ مطلع الألفية الثالثة، وأصبحت مستشارته عام 2019، ثم ترأست في فبراير 2025 مكتب الإيمان في البيت الأبيض، الذي أُنشئ بمرسوم رئاسي صُمّم لها عمليًّا.
ويكشف علماء الاجتماع عمق هذه الصلة. ففي استطلاع أجراه معهد أبحاث الدين العام بعد الانتخابات، وافق 60 في المئة من البروتستانت الإنجيليين البيض على أن فوز ترامب كان مقدّرًا من الله. ولم تُبدِ أي جماعة دينية كبيرة أخرى يقينًا مماثلًا. وبحسب المعهد نفسه لعام 2025، فإن 29 في المئة من الإنجيليين البيض من المؤيدين الراسخين للقومية المسيحية، و38 في المئة آخرون يتعاطفون معها. أي الثلثان في المجموع.
لم يسأل الباحثون المستطلَعين عن المصطلح نفسه، بل تحرّوا ما إذا كان الشخص يوافق على أن تعلن الحكومة الفيدرالية الولايات المتحدة دولة مسيحية، وأن الله دعا المسيحيين إلى السيادة على المجتمع.
كورش الكبير وأستير وصواريخ كروز: لاهوت يفسّر أي حرب
في عام 2016 وجد الواعظ الكاريزمي لانس والناو صيغة رفعت عن الإنجيليين المعضلة الأخلاقية الكبرى في المرشح ترامب. فالقطب المالي المتزوج ثلاث مرات، والذي وُجّهت إليه اتهامات بالتحرش الجنسي، لم يكن يصلح لدور حامي الأخلاق المسيحية. فشبّهه والناو بالملك الفارسي كورش الكبير. ففي الإصحاح الخامس والأربعين من سفر إشعياء، يُسمّى الوثني كورش مسيح الرب: اختاره الله ليعيد اليهود من السبي البابلي إلى أورشليم. وليس على كورش أن يكون صالحًا، بل عليه أن يكون أداة.
تحوّلت الصيغة إلى مفتاح يفتح كل الأبواب. فلم يعد للسلوك الأخلاقي للرئيس أي أهمية، لأن المهمة أهم من حاملها، والمهمة بدت تحريرًا للمؤمنين من أسر الليبراليين العلمانيين والنسوية والدولة المعادية للمسيحية كما يزعمون. ومنذ ذلك الحين بات لكل إخفاق تفسيره. فالملاحقات القضائية لترامب وصفها الوعّاظ التلفزيونيون بأنها هجوم من قوى شيطانية، وهزيمة 2020 بأنها انتصار مؤقت للظلام.
وفي ربيع 2026 شهدت الحكاية الفارسية انعطافة غير متوقعة. ففي فعالية أسبوع الآلام في البيت الأبيض، ذكّر فرانكلين غراهام، نجل الأسطورة بيلي غراهام، ترامبَ بسفر أستير، حيث تُحاك في بلاط الملك الفارسي مؤامرة لإبادة اليهود جميعًا، وأضاف أن الله أقام الرئيس ترامب لهذه الساعة. وشبّه بنيامين نتنياهو في عيد الفصح اليهودي الحرب المشتركة مع ترامب بخروج اليهود من مصر. وفي غداء عيد الفصح في البيت الأبيض، شبّهت باولا وايت-كين ترامب بيسوع.
والحصيلة لاهوت تكون فيه فارس منقذة ومُهلِكة في آن واحد. فقبل عشر سنوات كان ترامب كورشًا جديدًا، المحرّر الفارسي. وفي 2026 يحارب وريثة فارس ذاتها وينال البركة عبر سفر أستير. منطق يتهاوى عند أول لمسة، لكن ذلك لا يزعج الجمهور: فالحرب الروحية لا تحتاج إلى اتساق، بل إلى عدو.
أما العالم الكاثوليكي فكان ردّه مختلفًا. ففي التاسع والعشرين من مارس، في أحد الشعانين، قال البابا لاوُن الرابع عشر، أول حبر أعظم من الولايات المتحدة، في ساحة القديس بطرس إن الله لا يستمع إلى صلوات من يخوضون الحروب، بل يرفضها. ويصعب تخيّل ردّ أكثر مباشرة على مشهد المكتب البيضاوي. وفي الثالث من أبريل اتصل البابا بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ودعا إلى فتح كل سبل الحوار.
سبعة جبال وقمة واحدة: لماذا يستحيل جدال هؤلاء بالوقائع
يحمي خطابَ اليمين الديني من التمحيص مفهومان. يُسمّى الأول الحرب الروحية، ومؤداه أن أحداث العالم المرئي تعكس معركة موازية بين الملائكة والشياطين، رهانها السيطرة على المدن والحكومات والجامعات والدول بأسرها. فتتحول الصلاة إلى سلاح، والخصم السياسي إلى أداة في يد الشياطين. ولا جدوى من مجادلة خصم كهذا، بل ينبغي طرده.
أما المفهوم الثاني، عقيدة الجبال السبعة، فيرسم برنامج العمل. فبحسبه يتعيّن على المسيحيين أن يُخضعوا لسيطرتهم سبعة مجالات من الحياة الدنيا: الحكومة، والإعلام، والتعليم، والأعمال، والأسرة، والدين، والفنون وصناعة الترفيه. ويروّج والناو لهذه الفكرة منذ سنوات، وبحلول 2026 لم تعد نظرية هامشية. فوزير دفاع يصلي للملك يسوع في البنتاغون يبدو كراية مرفوعة فوق إحدى القمم.
وتتجلى حصانة هذا النظام على أوضح وجه في إخفاقاته. ففي خريف 2020 انتشرت عبر الشبكات الكاريزمية نبوءات بفوز مضمون لترامب. لم تتحقق النبوءات، لكن محاسبة أصحابها كانت مستحيلة: فليس للشبكة أسقف ولا مجمع كنسي ولا آلية عزل. والرسول لا يُعيَّن من أعلى، وسلطته قائمة على اعتراف زملائه ومتابعيه، وقد صمد هذا الاعتراف أمام الخطأ دون خسائر.
وتحت ذلك كله يرقد بناء يُسمّى في أمريكا القيم العائلية. وهو ليس عقيدة كتابية، بل جُمع سياسيًّا في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، حين اجتاحت البلاد في آن واحد إلغاء الفصل العنصري، والنسوية، والثورة الجنسية، وإلغاء الصلوات الإلزامية في المدارس الحكومية. ولا يوجد رأي موحّد حول ما كان الشرارة. وتشير إحدى الروايات المؤثرة إلى هجوم السلطات الفيدرالية على الإعفاءات الضريبية للمدارس المسيحية التي مارست الفصل العنصري: ففي عام 1983 أكدت المحكمة العليا نهائيًّا حرمان جامعة بوب جونز من هذه الإعفاءات. أما الإجهاض، الذي غدا لاحقًا دافع التعبئة الرئيسي، فلم يكن في البداية يوحّد القادة الإنجيليين.
وكان أنجع مسوّقي الأيديولوجيا الجديدة عالم نفس لا قسًّا. فقد أسس جيمس دوبسون عام 1977 منظمة «التركيز على الأسرة»، وراح في برنامجه الإذاعي يُحمّل التربية الليبرالية للأطفال وتآكل الأدوار الجندرية مسؤولية انحطاط الأمة. فالنساء العاملات بأجر، ووسائل منع الحمل، والمساكنة، والإجهاض، والزواج المثلي، كانت تتراكب عنده في كارثة أخلاقية واحدة. وكان رونالد ريغان يصغي إلى رأيه، وبحلول 2005 كان الدخل السنوي للمنظمة، بحسب المعطيات المتوفرة، يقترب من 140 مليون دولار. وصارت القيم العائلية لاهوتًا ومنتجًا إعلاميًّا وهوية انتخابية للحزب الجمهوري في آن واحد.
وقد حوّل ترامب هذه الهوية إلى رصيد. ففي 2016 وعد بتعيين قضاة يُلغون الحكم في قضية رو ضد وايد. وفي الرابع والعشرين من يونيو 2022، أمّن ثلاثة قضاة عيّنهم الأغلبية في قضية دوبس، فزال الحق الدستوري الفيدرالي في الإجهاض وانتقلت المسألة إلى الولايات. وحين سُئل ترامب عن فضله في ذلك، نسبه إلى الله. وفي اليوم الأول من ولايته الثانية، في العشرين من يناير 2025، وقّع مرسومًا لا يعترف إلا بجنسين بيولوجيين. كانت الصفقة تُنفَّذ من الطرفين، والرعية رأت ذلك.
زرع البذرة: من يموّل الصحوة الكبرى
يحظر القانون الأمريكي على الكنائس المعفاة من الضرائب الدعاية للمرشحين. غير أن البنية التحتية اللامركزية تلتف على هذا الحظر عبر منظمات غير ربحية مستقلة شكليًّا، ولجان عمل سياسي، ومجموعات ناشطين.
ورأس حربة هذا النظام «تحالف الإيمان والحرية» الذي يقوده رالف ريد، ويربط الإنجيليين والكاثوليك المحافظين بالحزب الجمهوري. وبحسب تصريحات قيادته، بلغت الميزانية التشغيلية للتحالف في الدورة الانتخابية لعام 2024 نحو 60 مليون دولار، وجرى العمل عبر ثلاثة عشر ألف كنيسة، وزار الناشطون قرابة عشرة ملايين أسرة. وعشية الاقتراع كانت المنظمة تعوّل على الوصول إلى ما بين سبعة عشر وثمانية عشر مليون ناخب في الولايات المتأرجحة. فالبنية التحتية الدينية الدائمة تراكم على مدى سنوات قواعد البيانات والصلات الشخصية بالمؤمنين، ولا يستطيع أي مقر انتخابي يُنشأ لستة أشهر أن ينافسها.
وخلف القساوسة تقف طبقة من كبار المانحين. فشبكة «زيكلاغ» المغلقة تضم عائلات مسيحية بالغة الثراء، من بينها مالكو سلسلة متاجر «هوبي لوبي» وشركة التوزيع «يولاين». وكشفت وثائق داخلية للشبكة سُرّبت عام 2024 عن خطة لإنفاق نحو 12 مليون دولار على تعبئة الناخبين المؤيدين للجمهوريين، والطعن في تسجيل أكثر من مليون ناخب في الولايات المتأرجحة. وخصصت «زيكلاغ» 700 ألف دولار أخرى لـ«جولة الشجاعة» التي يقودها لانس والناو، صاحب التشبيه بكورش نفسه. وفي إحدى محطات الجولة في بنسلفانيا، أُدرجت فعالية رسمية لجي دي فانس مباشرة بين الجلسات الدينية، وكانت الشاشة خلف المنصة تتنقل بتزامن بين شعار الجولة وشعار حملة ترامب وفانس.
وفي تكساس يعيش الإنجيليون والنفط منذ زمن طويل تحت سقف واحد. فمليارديرا النفط تيم دَن وفاريس ويلكس يعملان واعظَين علمانيَّين، ويموّلان في الوقت ذاته شبكة متشعبة من اللجان ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والمنظمات غير الربحية. وبحسب تحقيقات صحفية، تبرّع دَن وزوجته منذ عام 2000 بأكثر من 29 مليون دولار لمرشحين في تكساس، وويلكس وزوجته بستة عشر مليونًا أخرى. وفي 2024 انتقل دَن إلى المستوى الفيدرالي، فوجّه خمسة ملايين دولار لدعم حملة ترامب الرئاسية.
والمرحلة الأخيرة من هذه العملية هي الكوادر. فـ«مشروع 2025»، الذي أدارته مؤسسة «هيريتدج» بالتعاون مع ائتلاف من المنظمات العلمانية والمتشددة دينيًّا، كان يبني قاعدة بيانات للمعيَّنين الموثوقين أيديولوجيًّا وبرنامجًا لإعدادهم. وعبر مصافٍ كهذه يدخل الجهاز الفيدرالي أناس يرون في مكتب الإيمان وقاعة الصلاة في البنتاغون جزءًا طبيعيًّا من الدولة.
تعديل لم يعد أحد يلاحظه
من الناحية الشكلية، لا يزال تعديل جونسون الحاجز الرئيسي بين المنبر وصندوق الاقتراع. فقد مرّره عبر الكونغرس عام 1954 السيناتور ليندون جونسون، ومنذ ذلك الحين تجازف أي منظمة غير ربحية، بما فيها الكنيسة، بوضعها الضريبي إن هي أيّدت مرشحًا أو هاجمته.
وقررت إدارة ترامب هدم هذا الحاجز. ففي يوليو 2025، شبّهت دائرة الإيرادات الداخلية الأمريكية، في وثيقة قُدّمت إلى محكمة فيدرالية في تكساس في دعوى رفعتها الرابطة الوطنية للمذيعين الدينيين وكنيستان محليتان، تأييدَ المرشحين من على المنبر بحديث عائلي، واقترحت تسوية ودية. وفي الحادي والثلاثين من مارس 2026 رفض قاضي المقاطعة جيه كامبل باركر في مدينة تايلر المصادقة عليها، مستندًا إلى انعدام الاختصاص. فأعلنت الرابطة الاستئناف، وطلبت وزارة العدل من محكمة الاستئناف إلغاء الحكم.
من الناحية القانونية، القانون حيّ. أما فعليًّا، فقد تراجعت دائرة الإيرادات في ظل الإدارة الحالية عن تطبيقه على الكنائس، فيما رصد صحفيون استقصائيون خلال عامين ما لا يقل عن عشرين حالة انتهاك من جانب الكنائس، أي أكثر مما حققت فيه الدائرة طوال العقد السابق بأكمله. والمجتمع في الأثناء يرى غير ذلك: فمنذ عام 2019 كان 76 في المئة من الأمريكيين يرون أن على رجال الدين ألا يؤيدوا المرشحين من على المنبر.
توقّعي: لن تُصدر محكمة الاستئناف حكمها قبل الثالث من نوفمبر، وسيخوض القساوسة حملة الخريف في منطقة قانونية رمادية لا يوجد فيها القانون إلا على الورق.
أيقونة حُذفت بعد اثنتي عشرة ساعة: أين تصدّع الدرع
مساء الثاني عشر من أبريل 2026، شنّ ترامب هجومًا على البابا لاوُن الرابع عشر، واصفًا إياه بالضعيف في مكافحة الجريمة والمريع في السياسة الخارجية. وبعد أقل من ساعة ظهرت على حسابه في منصة «تروث سوشيال» صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي: الرئيس في ثياب بيضاء وحمراء يلمس جبين رجل مريض، والنور ينبعث من يده ورأسه، ويرفرف فوقه العلم الأمريكي.
وجاء الرد من حيث لم يُتوقع. فقد تحدث معلّقون مسيحيون محافظون موالون عن تجديف، وطالبوا بحذف المنشور والتوبة أمام الله. وبعد ما يزيد على اثنتي عشرة ساعة اختفت الصورة. وفي الثالث عشر من أبريل شرح ترامب للصحفيين أنه رأى نفسه في الصورة في دور طبيب له صلة بالصليب الأحمر.
وسجّل استطلاع وطني أُجري بين الرابع والعشرين والثامن والعشرين من أبريل حجم الإخفاق: فقد تلقّى المنشور بسلبية 87 في المئة من الأمريكيين، و80 في المئة من ناخبي ترامب عام 2024، ونحو تسعة من كل عشرة بروتستانت إنجيليين بيض. وللمرة الأولى منذ عقد رفضت الرعية علنًا لفتة من ممسوحها.
كانت الصورة عَرَضًا لا سببًا. والسبب هو الحرب. فقد استمرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية ثمانية وثلاثين يومًا، وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفاعًا حادًّا، وقبل الهدنة التي أُعلنت في السابع من أبريل لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، هدّد ترامب إيران بفناء حضارة بأكملها. وتبيّن أن الهدنة هشة، والمفاوضات تراوح مكانها، ومضيق هرمز لا يزال موضع مساومة. وفي الثاني والعشرين من سبتمبر أعلن ترامب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه يختار بين صفقة مع طهران وتدمير الجمهورية الإسلامية، وافترض أن إيران تنتظر نتائج الانتخابات النصفية. وفي اليوم ذاته تبيّن أن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عقدا مع وفد إيراني لقاءً دام ثلاث ساعات على هامش أعمال الأمم المتحدة.
عيّنتان مستقلتان تعطيان أرقامًا مختلفة واتجاهًا واحدًا. فقد سجّل مركز بيو في يناير تراجع التأييد بين الإنجيليين البيض من 78 في المئة إلى 69 في المئة، علمًا أن 40 في المئة منهم فقط واثقون من أخلاقية سلوك الرئيس. وأظهر استطلاع ماريست في نهاية أبريل 64 في المئة. وللمقارنة، كان 37 في المئة من البالغين على مستوى البلاد يؤيدون ترامب في يناير.
وهنا لا بد من تحفّظ أمين. فنسبة 64 في المئة تبقى رقمًا لا يملك أي سياسي آخر في الولايات المتحدة إلا أن يحلم به، ولن يحدث انتقال جماعي للإنجيليين البيض إلى الديمقراطيين. فالخطر على الحزب الجمهوري في موضع آخر: المؤمن الخائب الأمل لا يصوّت للخصم، بل يبقى ببساطة في بيته. والسابقة معروفة. فقد تزامن فتور الإنجيليين البيض تجاه حرب العراق مع نوفمبر 2006، حين خسر الجمهوريون مجلسَي الكونغرس كليهما. وبحلول أغسطس 2007 لم يعد يرى في غزو العراق قرارًا صائبًا سوى 58 في المئة منهم، مقابل 71 في المئة في استطلاع سبتمبر السابق.
تصدير النعمة: من برازيليا إلى سيول
يعمل اليمين الديني الأمريكي منذ زمن بعيد للتصدير. وأقرب نظير له البرازيل، حيث عرّف 47.4 مليون شخص أنفسهم إنجيليين في تعداد 2022، أي نحو 26.9 في المئة من السكان. وكثيرًا ما تحلّ الجماعات الخمسينية والكاريزمية هناك محل الدولة الضعيفة: تساعد المدمنين، وتطعم الفقراء، وتحل المشكلات المعيشية. وتتجاوز سلطة القس في أحياء كهذه حدود العبادة بكثير.
وقد استثمر جايير بولسونارو هذا المورد بمنهجية. ففي يوليو وأغسطس 2022، كانت 40 في المئة من ظهوراته العلنية خارج العاصمة في فعاليات دينية، وتجاوز تأييده بين الإنجيليين، بحسب الاستطلاعات، 60 في المئة. وحذّر القساوسة رعاياهم من أن لولا دا سيلفا سيغلق الكنائس ويفتح الطريق أمام القوى الشيطانية، مع أن لولا كاثوليكي ونفى مرارًا أي نية من هذا القبيل. وأصدرت الكنيسة العالمية لملكوت الله بيانًا عن عدم توافق المسيحية مع الأفكار اليسارية. وفي الثامن من يناير 2023 اقتحم آلاف من أنصار بولسونارو الخاسر مباني الكونغرس والقصر الرئاسي والمحكمة العليا وعاثوا فيها تخريبًا، وكان بعضهم يرتل المزامير وهو يحطّم النوافذ. وفي سبتمبر 2025 حكمت المحكمة الاتحادية العليا في البرازيل على الرئيس السابق بالسجن سبعة وعشرين عامًا وثلاثة أشهر بتهمة محاولة الانقلاب. وكانت واشنطن قد فرضت قبل ذلك رسومًا جمركية بنسبة 50 في المئة على السلع البرازيلية، وربطتها علنًا بملاحقة بولسونارو.
وأثبتت كوريا الجنوبية أن هذه التقنية قابلة للنقل إلى أي تقليد مسيحي. فبعدما أعلن الرئيس يون سوك يول الأحكام العرفية في الثالث من ديسمبر 2024 وخضع لإجراءات العزل، أعلن قساوسة بروتستانت متشددون أن ما يجري كفاح مقدس ضد الشيوعيين. وكانت منظمة «أنقذوا كوريا» تحشد في تجمعاتها أكثر من خمسين ألف شخص تحت شعار «أوقفوا السرقة» المستعار من أنصار ترامب. وفي التاسع عشر من يناير 2025 اقتحم ناشطون مبنى محكمة منطقة غرب سيول. وفي الرابع من أبريل صادقت المحكمة الدستورية بالإجماع على عزل يون، وفي الثالث من يونيو أصبح خصمه لي جاي ميونغ رئيسًا.
والمال يتبع الأفكار. فبحسب تقديرات صحفيين استقصائيين، أنفقت ثمانٍ وعشرون منظمة أمريكية، مسيحية في معظمها، منذ عام 2007 أكثر من 280 مليون دولار في الخارج، منها نحو 90 مليونًا في أوروبا. وتدخّلت مجموعات قانونية مرتبطة باليمين الأمريكي في قضايا تتعلق بالإجهاض وحقوق المثليين في النمسا وإيطاليا وبولندا وفرنسا وأمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. والتأثير متبادل: فقد زوّد النموذج المجري لفيكتور أوربان المحافظين الأمريكيين بمخطط جاهز للسيطرة على المحاكم ووسائل الإعلام والجامعات مع الإبقاء الشكلي على الانتخابات.
موعظة قره باغ التي لم تنجح
ثمة منطقة واحدة غدت للآلة العابرة للحدود التابعة لليمين الديني ساحة هزيمة خالصة، وهي ذات دلالة خاصة للقارئ في جنوب القوقاز.
في يونيو 2023، أعلن السفير الأمريكي المتجول السابق لشؤون الحرية الدينية الدولية سام براونباك أن الوضع حول قره باغ محاولة تطهير ديني للمسيحيين، وطالب الكونغرس بإقرار قانون خاص لحقوق الإنسان لصالح السكان الأرمن في المنطقة. وفي وقت لاحق وجّهت مجموعة من الناشطين الدينيين رسالة إلى ترامب تطالب بالإفراج عمّن سمّتهم السجناء السياسيين المسيحيين في أذربيجان. والمقصود القادة السابقون للنظام الانفصالي وتشكيلاته المسلحة الذين يُحاكَمون في باكو. ووقّع الرسالة براونباك، ومؤدي الموسيقى المسيحية شون فويخت، ورئيس الرابطة الوطنية للمذيعين الدينيين ذاتها تروي ميلر، وعضو لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية ديفيد كاري.
تحطّم الإطار الطائفي على صخرة الواقع. فأذربيجان دولة علمانية ذات غالبية شيعية، تنشط فيها الطوائف الأرثوذكسية والكاثوليكية واليهودية والألبانية الأودية، وقد زار البابا فرنسيس باكو عام 2016. وكان النزاع على قره باغ نزاعًا إقليميًّا من يومه الأول إلى يومه الأخير، ومحاولة إعادة كتابته فصلًا في كتاب اضطهاد المسيحيين تطلبت عمى متعمّدًا.
اختار ترامب الصفقة. ففي الثامن من أغسطس 2025، وفي البيت الأبيض وبحضور ترامب، وقّع رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان بالأحرف الأولى على اتفاق سلام، ومن المقرر أن يربط مشروع «طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين» البرَّ الرئيسي لأذربيجان بناختشيفان. وفي اليوم ذاته وقّع ترامب القرار الرئاسي رقم 2025-08 بتمديد الإعفاء من تطبيق التعديل 907 لقانون دعم الحرية، الذي قيّد المساعدات الأمريكية لأذربيجان منذ عام 1992. وكان رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف قد وصف هذا التعديل بالظالم، فوافقته واشنطن عمليًّا.
والدرس يتجاوز القوقاز بكثير. فاللوبي الإنجيلي قوي حيث تلتقي أجندته مع مصالح ترامب، وعاجز حيث يحتاج ترامب إلى ممرات النقل والطاقة وحليف له حدود طويلة مع إيران. وفي عام الحرب مع طهران، تبيّن أن أذربيجان العلمانية ذات الغالبية الشيعية أثمن لواشنطن من أي موعظة عن الاضطهاد.
الثالث من نوفمبر
بعد أربعة وعشرين يومًا سينتخب الأمريكيون مجلس النواب بكامل أعضائه وثلث مجلس الشيوخ. وقد ربط ترامب بنفسه، من على منبر الأمم المتحدة، مصير الصفقة الإيرانية بنتيجة هذا الاقتراع. ويدخل اليمين الديني الحملة ببنية تحتية غير مسبوقة: مكتب الإيمان في البيت الأبيض، وقاعة صلاة في البنتاغون، ودائرة ضرائب تراجعت عن تعديل جونسون، وشبكات تعبئة اختُبرت في 2024.
توقّعي: في الثالث من نوفمبر سيمنح الإنجيليون البيض المرشحين الجمهوريين لمجلس النواب ما بين 75 و80 في المئة من أصواتهم، ولن يكفي ذلك لأن يحتفظ حزب ترامب بالأغلبية فيه. فالنتيجة لن تحسمها أرقام التأييد بل نسبة المشاركة، وسيكون البنزين بأسعاره الحالية أثقل وزنًا فيها من أي موعظة.
ومع ذلك لن تختفي الآلة. فقد بُنيت قبل ترامب بزمن طويل وستُستغل بعده، لأن تقديس السياسة أثبت أنه أرخص وسيلة للإمساك بالناخب: المرشح الخاسر يصبح شهيدًا، والحقيقة المزعجة تتحول إلى هجوم شيطاني، والتسوية تُعادل الردة. وقد أظهرت البرازيل في الثامن من يناير 2023 وسيول في التاسع عشر من يناير 2025 إلى أين ينتهي هذا المنطق حين يخسر الممسوح.
ومكتب «ريزولوت»، الذي جلس إليه ترامب في الخامس من مارس تحت أكفّ القساوسة، مصنوع من عوارض البلوط لسفينة شراعية بريطانية هجرها طاقمها وسط جليد القطب الشمالي عام 1854. وظلّت السفينة أكثر من عام تنجرف بلا بشر، حتى عثر عليها صائدو حيتان أمريكيون. واليوم تستقر على هذا الخشب أيدي من هم على يقين بأنهم يعرفون الوجهة.