...

أدرجت كازاخستان في دستورها عبارة «التاريخ الممتد لألف عام للسهوب العظمى»، وأعلنت نفسها الوريث المباشر للقبيلة الذهبية. لكن خلف الندوات العلمية وترميم الأضرحة التاريخية تجري واحدة من أكثر العمليات السياسية هدوءا في أستانا، وهي تفكيك الرواية الروسية لتاريخ الشعب الكازاخي. الكرملين يرى كل ما يحدث ويلتزم الصمت، لأن الرد العلني قد يكلفه ثمنا باهظا.

في ١٩ مايو ٢٠٢٦، داخل قصر الاستقلال في أستانا، انشغل الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف بمهمة نادرا ما يتولاها رؤساء الدول، وهي شرح الأصول التاريخية للعملة الوطنية. فقد قال أمام علماء وباحثين قدموا من أكثر من عشرين دولة إن عملة التنغي الكازاخستانية تنحدر من «الدانغا»، العملة الفضية التي كانت متداولة في دولة جوجي. ووفقا للخبراء الذين استند إليهم الرئيس، فقد بلغ عدد القطع النقدية الفضية المسكوكة في عهد القبيلة الذهبية نحو ٢٨ مليون قطعة. ومن الصعب التحقق من هذا الرقم بصورة مستقلة، لأنه يستند إلى تقديرات مستخلصة من دراسة الكنوز النقدية ودور السك القديمة. غير أن دلالته السياسية واضحة تماما. فقبل الندوة بفترة وجيزة، أصدر البنك الوطني الكازاخستاني ألف قطعة نقدية فضية تذكارية مخصصة للقبيلة الذهبية. وهكذا بدأت كازاخستان، بالمعنى الحرفي للكلمة، تسك لنفسها نسبا تاريخيا.

وفي الخطاب نفسه، نطق توكاييف بالعبارة التي بدا أن القاعة اجتمعت لسماعها: «بلادنا هي الوريث المباشر للقبيلة الذهبية».

قبل ذلك باثني عشر عاما، وتحديدا في ٢٩ أغسطس ٢٠١٤، كان فلاديمير بوتين يجيب خلال منتدى الشباب «سيليغير» عن سؤال طرحته طالبة بشأن مستقبل كازاخستان. وأشاد الرئيس الروسي بنورسلطان نزارباييف لأنه أنشأ دولة «على أرض لم تكن فيها دولة قط»، ثم أضاف موضحا: «لم تكن للكازاخ دولة». يومها لم تكن قد مرت سوى خمسة أشهر على ضم شبه جزيرة القرم. وفي موسكو، اعتبرت تلك الكلمات إشادة بنزارباييف. أما أستانا، فقد سمعت فيها تحذيرا. واستغرق الرد اثني عشر عاما، إلى أن استقر في مارس ٢٠٢٦ داخل ديباجة الدستور الجديد.

لسنا أمام خلاف بين مؤرخي العصور الوسطى بشأن التواريخ. فكازاخستان تنتزع بصورة منهجية من موسكو احتكار تفسير ماضيها، وفي الوقت نفسه تؤسس لشرعية السلطة القائمة على قاعدة تاريخية أقدم من أي سياسي لا يزال على قيد الحياة.

عبارة سيليغير التي لم تغفرها أستانا

يكشف التسلسل الزمني لأحداث ذلك الشهر أكثر مما تكشفه مذكرات السياسيين. ففي ٢٤ أغسطس ٢٠١٤، أي قبل منتدى سيليغير بخمسة أيام، أجرى نزارباييف مقابلة في أوليتاو، رسم خلالها عمليا خط الاستمرارية التاريخية الذي يربط الكازاخ بالقبيلة الذهبية. وفي المقابلة نفسها، حذر من أن كازاخستان لن تصبح جزءا من أي اتحاد يهدد استقلالها. وكانت معاهدة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي قد وقعت في مايو، على أن يبدأ الاتحاد عمله في الأول من يناير ٢٠١٥. ولم يكن هناك أي غموض بشأن الجهة المقصودة بالتحذير.

جاء تصريح بوتين ليسقط على أرضية كانت قد تهيأت بالفعل. ففي ٣١ ديسمبر ٢٠١٤، أصدرت الحكومة الكازاخستانية القرار رقم ١٤٤٨ بشأن الاحتفال بالذكرى السنوية الخمسين بعد الخمسمئة لتأسيس الخانية الكازاخية. ووضع برنامج يضم نحو مئة فعالية، وكلف منتجون بإعداد مسلسل تلفزيوني من عشرين حلقة، فيما بلغت الميزانية المخصصة لإقامة نصب تذكاري واحد ٥٠١٫٨ مليون تنغي. وعندما أعلن نزارباييف الاحتفال بهذه الذكرى، حرص، كعادته، على ترك هامش للتحفظ. فقد قال إن الخانية ربما لم تكن دولة «بالمفهوم الحديث للمصطلح، وضمن الحدود الحالية». وكان حذر الزعيم الأول مفهوما.

عاشت كازاخستان في تسعينيات القرن الماضي فوق حقل ألغام ديموغرافي. فقد أظهر تعداد عام ١٩٨٩ أن الكازاخ كانوا يشكلون ٣٩٫٧ بالمئة من سكان جمهورية كازاخستان السوفيتية، مقابل ٣٧٫٨ بالمئة من الروس. ولم يكن بوسع جمهورية تتقارب فيها نسبة القومية الأصلية مع نسبة من كانوا يوصفون سابقا بأنهم «الأخ الأكبر» أن تتبنى سياسة تاريخية هجومية دون المخاطرة بشق البلاد على أسس عرقية. ويتحدث جاكسليك سابيتوف، المدير الحالي لمعهد البحوث العلمية لدراسة دولة جوجي، عن ذلك بصراحة. فبحسب رأيه، كان أي تصاعد في الوعي القومي خلال تلك السنوات ينذر بحرب أهلية. ولهذا اختار نزارباييف صيغة مختلفة. فقد قدمت كازاخستان باعتبارها دولة فتية ولدت عام ١٩٩١، وكان مؤسسها الرئيس الأول. صيغة مريحة وآمنة.

ويرى سابيتوف أن نقطة التحول جاءت بعد أحداث القرم. فقد أدركت النخبة الحاكمة أن التمسك بأسطورة نزارباييف بوصفه مؤسس الدولة يمثل «رواية بالغة السوء». ولنترجم هذه العبارة من لغة السياسة إلى اللغة العادية. الدولة التي يبدأ تاريخها عام ١٩٩١ يمكن، في أي لحظة مناسبة، وصفها بأنها مجرد مصادفة تاريخية. وقد أظهرت القرم أن موسكو لا تتحرج من إطلاق مثل هذه الأحكام، بل تستطيع إسنادها بالقوة العسكرية.

في غضون ذلك، كانت التحولات الديموغرافية تصب في مصلحة أستانا. فقد أظهر تعداد عام ٢٠٢١ أن نسبة الكازاخ ارتفعت إلى ٧٠٫٤ بالمئة، بينما انخفضت نسبة الروس إلى ١٥٫٥ بالمئة. فالبلد الذي تشكل فيه القومية الأصلية أكثر من ثلثي السكان، والذي تراجعت فيه نسبة الروس إلى أقل من نصف مستواها خلال ثلاثة عقود، يستطيع الحديث عن ماضيه بصوت مختلف، دون أن يظل منشغلا بكيفية استقبال كل كلمة في بيتروبافل وأوست كامينوغورسك وموسكو. وهذا بالضبط هو الصوت الذي بدأ توكاييف يتحدث به.

سلف أقدم من الزعيم الأول: لماذا احتاج توكاييف إلى قبر ابن جنكيز خان؟

وصل قاسم جومارت توكاييف إلى السلطة في مارس ٢٠١٩ بوصفه خليفة اختاره الزعيم المغادر. وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، حكم في ظل نزارباييف، الذي احتفظ بمنصب رئيس مجلس الأمن وبلقب الزعيم الأول. وفي تلك الفترة تحديدا بدأ مشروع إحياء الإرث السياسي للقبيلة الذهبية، بهدوء وتحت واجهة سياحية. ففي كلمة ألقاها خلال منتدى سياحي في أوليتاو، أعرب توكاييف عن أسفه لأن قلة من الناس، داخل البلاد وخارجها، يعرفون أن قبر الابن الأكبر لجنكيز خان يقع على الأرض الكازاخستانية، وطالب بتحويل الضريح إلى مركز جذب للزوار.

وفي يناير ٢٠٢١، نشر مقالته «الاستقلال فوق كل اعتبار»، التي انبثقت منها خطة إعداد موسوعة أكاديمية جديدة لتاريخ كازاخستان في سبعة مجلدات. وفي العام نفسه، وخلال مؤتمر «الدولة العظمى والقبيلة الذهبية» الذي عقد في أتيراو بمناسبة الذكرى الثلاثين للاستقلال، أعلن وزير التعليم والعلوم أسخات أيماغامبيتوف إنشاء معهد البحوث العلمية لدراسة دولة جوجي. وقد حددت الفترة التاريخية التي يتناولها المعهد بطريقة معبرة للغاية، بدءا من ظهور دولة جوجي على أراضي كازاخستان خلال عامي ١٢٢٤ و١٢٢٥، وصولا إلى عام ١٨٤٧، عندما قتل كينيساري، آخر خان حكم الكازاخ جميعا، والذي كان بدوره من أحفاد جوجي. وبالقرب من الضريح، على الضفة اليسرى لنهر كينغير، شيد مجمع «جوجي خان» التاريخي والثقافي، الذي يضم متحفا ونصبا تذكاريا.

ثم انفجرت أحداث يناير ٢٠٢٢. فقد أودت اضطرابات يناير الدامية، المعروفة باسم «قانتار»، بحياة ٢٣٨ شخصا وفقا للبيانات الرسمية. وفي السادس من يناير، دخلت قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى البلاد، للمرة الأولى في تاريخ المنظمة. وانتزع توكاييف من نزارباييف رئاسة مجلس الأمن. وفي الاستفتاء الذي أجري في يونيو من العام نفسه، حذف الوضع الدستوري الخاص بالرئيس الأول، بينما استعادت العاصمة اسم أستانا في سبتمبر. وفي عام ٢٠٢٢ أيضا، حصلت أوليتاو على وضع إقليم إداري مستقل. وكانت الرمزية واضحة. فبينما كان مؤسس دولة عام ١٩٩١ يخرج من الحياة السياسية، ظهرت على الخريطة منطقة تضم قبر مؤسس دولة القرن الثالث عشر.

بعد ذلك، انتقل المشروع إلى العمل المنهجي المنظم. ففي عام ٢٠٢٣، قرر الفريق المكلف بإعداد الموسوعة التاريخية ذات المجلدات السبعة تخصيص المجلد الثالث بالكامل للقبيلة الذهبية. وترأس الفريق الأكاديمية ميرويرت أبوسيتوفا، بينما تولى يرلان كارين، أحد أبرز المنظرين السياسيين في الإدارة الرئاسية، رئاسة هيئة التحرير. وعند إقرار المخطوطة، أعلن كارين أن «كازاخستان تشهد تشكل مدرسة علمية تاريخية مستقلة خاصة بها لدراسة القبيلة الذهبية». وفي يناير ٢٠٢٤، ذكر توكاييف بأن ثمانمئة عام قد مرت على تأسيس دولة جوجي في أراضي البلاد. أما الندوة العلمية التي عقدت في مايو ٢٠٢٦ تحت عنوان «القبيلة الذهبية بوصفها نموذجا لحضارة السهوب: التاريخ والآثار والثقافة والهوية»، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فقد افتتحها الرئيس شخصيا.

وجاءت الذروة في مارس. ففي ٢١ يناير ٢٠٢٦، أنشئت لجنة دستورية بمرسوم رئاسي، ونشر مشروع الدستور في ١٢ فبراير، ثم طرح للاستفتاء في ١٥ مارس. ومن بين ١٢٫٤٨ مليون مواطن يحق لهم التصويت، شارك ٧٣٫٢٤ بالمئة، وأيد المشروع ٨٧٫١٥ بالمئة من المشاركين. وتبدأ ديباجة الدستور الجديد بهذه الكلمات: «نحن، شعب كازاخستان الموحد، إذ نعزز دولتنا على الأرض الكازاخية الأصيلة، ونحافظ على استمرارية تاريخ السهوب العظمى الممتد لألف عام، ونؤكد الطابع الموحد للدولة وحرمة حدودها وسلامة أراضيها...».

تأملوا تجاور هذه العبارات. فالتاريخ الممتد لألف عام يأتي ملاصقا لمبدأ حرمة الحدود. وفي هذا التجاور تحديدا يكمن المغزى القانوني الأساسي للحملة بأكملها لاستعادة الإرث السياسي للقبيلة الذهبية.

وفي الرابع من يونيو، خلال مراسم رفع العلم الوطني، صرح توكاييف بما كان لا يزال ضمنيا في الندوة العلمية: «إن النموذج الرئاسي الحديث للحكم، الذي ترسخ بقوة في كازاخستان، تعود جذوره إلى النظام السياسي الذي نشأ في عهد القبيلة الذهبية». وفي تقديري، تكمن في هذه العبارة مفاتيح فهم المشروع كله. فقد كانت شرعية نزارباييف شخصية، تقوم على تصور الدولة باعتبارها من صنع رجل واحد. أما شرعية توكاييف فتستند إلى المؤسسة والتقاليد، بعدما أصبحت السلطة الرئاسية القوية تقدم باعتبارها استمرارا لممارسة سياسية عمرها ثمانمئة عام، لم تعد بحاجة إلى الكاريزما الشخصية لمن يتولاها. لقد استبدل توكاييف بالأب المؤسس جدا مؤسسا من الماضي السحيق، لا يمكن تشويه سمعته ولا إحالته إلى التقاعد.

ما لم تذكره الكتب المدرسية السوفيتية: القبيلة الذهبية بلا نير الاستعباد

تعلم جيلي تاريخ القبيلة الذهبية من خلال ثلاثة تواريخ. معركة كالكا عام ١٢٢٣، ومعركة كوليكوفو عام ١٣٨٠، والمواجهة على نهر أوغرا عام ١٤٨٠. وبين هذه المحطات امتد ما كان يسمى «النير التتري المغولي»، مع جباة الضرائب والغارات والرحلات المهينة التي كان الأمراء الروس يضطرون إلى القيام بها نحو سراي للحصول على مراسيم تثبيت سلطتهم. وقد ترسخ مصطلح «النير» في الكتابة التاريخية الروسية في مرحلة متأخرة نسبيا، إلى حد كبير بفضل المؤرخ كارامزين في مطلع القرن التاسع عشر. وورثت المدرسة السوفيتية هذا المصطلح، ومعه المنظور الأساسي نفسه، وكأن القبيلة الذهبية لم توجد إلا لكي تتحرر روسيا من سلطتها.

أما الرواية الكازاخية فتنظر إلى الخريطة نفسها من الضفة الأخرى لنهر الفولغا. ففي حدود عامي ١٢٢٤ و١٢٢٥، منح جنكيز خان ابنه الأكبر جوجي إقليما واسعا في سهوب كازاخستان الحالية. وفي عام ١٢٦٩، خلال اجتماع الحكام والأمراء في تالاس، نجح الخان منكو تيمور عمليا في إخراج دولة جوجي من تبعيتها لقراقورم. ومن هنا جاءت الحسابات التاريخية التي تستند إليها الاحتفالات الكازاخستانية. فقد احتفل بالذكرى السنوية الخمسين بعد السبعمئة لتأسيس القبيلة الذهبية في عام ٢٠١٩، وكان نزارباييف قد أعلن هذا التاريخ في نوفمبر ٢٠١٨، ضمن مقالته «الأوجه السبعة للسهوب العظمى». وفي عهد الخان أوزبك، الذي حكم من عام ١٣١٣ إلى عام ١٣٤١، اعتنقت القبيلة الذهبية الإسلام وبلغت ذروة ازدهارها الاقتصادي. ووفقا للتقديرات التي استشهد بها توكاييف، تجاوزت مساحة دولة جوجي في أوج قوتها ستة ملايين كيلومتر مربع، وكانت تسيطر على الفرع الشمالي من طريق الحرير العظيم. وقد وصف الرئيس هذه المنظومة بأنها «سوق ذات طابع عالمي في مرحلة مبكرة».

وفق هذا التصور، لم تنشأ الخانية الكازاخية من فراغ. فمؤسساها، كيري وجانيبك، كانا من سلالة جوجي، وتحديدا من أحفاد توقا تيمور. وفي أواخر خمسينيات القرن الخامس عشر، قادا عشائرهما بعيدا عن الخان أبو الخير إلى منطقة الأنهار السبعة. ويعتبر عام ١٤٦٥ التاريخ الرسمي لتأسيس الخانية. وظل أفراد طبقة «توره» المنحدرة من جنكيز خان يمثلون الأرستقراطية العليا في السهوب الكازاخية حتى ألغت الإمبراطورية الروسية نظام الخانات في عشرينيات القرن التاسع عشر.

ثمة تفصيل لا يمكن اكتشافه خلال دقيقة واحدة من البحث، رغم أنه يغير الكثير. فعلى مدى عقود، صورت الكتابة التاريخية السوفيتية، وجزء من الكتابة التاريخية التي تلت الحقبة السوفيتية، «القبيلة البيضاء» باعتبارها دولة منفصلة على أراضي كازاخستان، أشبه بملحق إقليمي تابع للقبيلة الذهبية «الحقيقية» القائمة على نهر الفولغا. لكن سابيتوف وزميله أيبولات كوشكومباييف أظهرا أن تعبير «القبيلة البيضاء» في المصادر التركية كان يشير إلى مقر إقامة الخان، وليس إلى دولة مستقلة. وقد يبدو هذا التصحيح مجرد تفصيل لغوي ضئيل الأهمية. لكنه، في الحقيقة، ينقل السهوب الكازاخية من هامش عالم القبيلة الذهبية إلى مركزه.

وأعترف بصراحة بأن منتقدي أستانا يمتلكون حججا تستحق النظر. فقد بدأ الغزو المغولي للأراضي الكازاخية بتدمير أوترار خلال عامي ١٢١٩ و١٢٢٠، وكان أسلاف الكازاخ من بين الشعوب التي خضعت للغزاة قبل أن تصبح جزءا من الدولة الجديدة. ولذلك فإن المطالبة بوراثة إرث الفاتح تحمل دائما قدرا من الازدواجية. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك بديلا واضحا لهذه الازدواجية. فالإنجليز لا يتبرؤون من وليام الفاتح، رغم أن حملة «تخريب الشمال» خلال عامي ١٠٦٩ و١٠٧٠ ألحقت دمارا هائلا بسكان مقاطعات بأكملها. ولا يزال النظام الملكي البريطاني حتى اليوم يبدأ تسلسل ملوكه من عام ١٠٦٦. وقد اختصر كاتب كازاخستاني الفكرة نفسها خلال سجال دار في يونيو، فقال إن إنكار الصلة بين الكازاخ والقبيلة الذهبية يشبه إنكار الصلة بين الأوروبيين والعصور القديمة.

وهناك سابقة أخرى أقرب من حيث الدم واللغة. ففي يوليو ١٩٣٢، عقد في أنقرة المؤتمر التاريخي التركي الأول، الذي أقر ما عرف باسم «أطروحة التاريخ التركي». فقد قامت جمهورية أتاتورك، التي قطعت صلتها السياسية بماضيها العثماني، ببناء سلسلة نسب تاريخية تربطها بحضارات السهوب والأناضول القديمة. وفي عام ١٩٣٦، أضيفت إلى تلك الأطروحة «نظرية لغة الشمس»، التي زعمت أن التركية هي اللغة الأم للبشرية، قبل التخلي عنها بسرعة وهدوء نسبيين. والدرس هنا مزدوج. فالسياسة التاريخية قادرة على توحيد الأمة، لكنها قد تنزلق بالسهولة نفسها إلى محاكاة ساخرة لذاتها.

ويبدو أن توكاييف، استنادا إلى خطابه في مايو، قد استوعب هذا الدرس. فقد حذر بصورة خاصة من أن التاريخ لا يغفر الكذب من أجل تمجيد الذات، كما لا يغفر محاولات تحويل التراث المشترك إلى ملكية قومية حصرية. وبعد يومين، وخلال تكريم العاملين في المجال الثقافي، ذهب الرئيس أبعد من ذلك، محذرا من «حملات الهيجان الإعلامي الجاهلة» المحيطة بموضوع القبيلة الذهبية. وكان لهذا التحذير جمهوران مستهدفان. أولهما المتحمسون داخل بلاده، المستعدون لإعلان الكازاخ ورثة لكل حضارات العالم. وثانيهما الجيران في الشمال، المستعدون للسخرية من أي محاولة لاستعادة هذا الإرث.

موسكو تتعرف إلى نفسها في المرآة: إعادة تقديم إرث القبيلة الذهبية تضرب أكثر نقاط الأيديولوجيا الروسية حساسية

موسكو الرسمية تلتزم الصمت. فلا وزارة الخارجية الروسية ولا الكرملين أصدرا تعليقات علنية بشأن السياسة التاريخية الكازاخستانية. وبدلا منهما، يتحدث الخبراء والكتاب السياسيون الروس، ويمكن تقسيم حججهم إلى نوعين.

النوع الأول يتسم بالتعالي والاستخفاف. فقد كتب أحد المحللين الروس المتخصصين منذ سنوات طويلة في شؤون آسيا الوسطى، بعد وقت قصير من ندوة مايو، أن الكازاخ ليس لديهم ما يدعو إلى الفخر. ووفقا لروايته، جلبت القبيلة الذهبية خلال عصر الفتوحات الإبادة الجماعية لأسلاف الكازاخ، ثم أصبح هؤلاء ضمن أعداد لا تحصى من دافعي الجزية والفئات الاجتماعية الدنيا، ولم تبدأ نهضتهم الثقافية الحقيقية إلا في القرن التاسع عشر، بعد انضمام أراضيهم إلى الإمبراطورية الروسية. وأرى أن هذا النص يستحق الحفظ بوصفه وثيقة معبرة عن عصره. فنحن أمام نموذج نقي تماما للرؤية التي وصفها توكاييف بأنها تجاوزها الزمن: السهوب مرادف للبربرية، وروسيا صاحبة رسالة حضارية، وكل ما سبق وصول الإمبراطورية ليس سوى مرحلة تمهيدية للتاريخ.

أما النوع الثاني، فيقوم على إثارة المخاوف والتحذير من الأخطار. فبعض المعلقين الروس يرون في الخطاب المتعلق بالقبيلة الذهبية مطالبة مبطنة بأراض تقع حاليا ضمن الاتحاد الروسي. وعند النظر إلى الخريطة، يمكن فهم منطق هذا الخوف. فقد كانت سراي، عاصمة القبيلة الذهبية، تقع في المجرى الأدنى لنهر الفولغا، وكانت قازان وأستراخان وشبه جزيرة القرم جزءا من دولة جوجي، بينما تنتمي الشعوب الأصلية لهذه المناطق إلى العالم الناطق باللغات التركية. لكن أيا من المسؤولين الكازاخستانيين لم يطالب بهذه الأراضي، كما أن ديباجة الدستور، بتأكيدها «حرمة الحدود»، تحمل من الناحية القانونية معنى معاكسا تماما.

لقد صاغ العبارة الخاصة بالحدود أشخاص يتذكرون جيدا أحداث ديسمبر ٢٠٢٠، عندما تحدث فياتشيسلاف نيكونوف، عضو مجلس الدوما الروسي، عن أراضي كازاخستان باعتبارها «هدية»، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية الكازاخستانية إلى تسليم الجانب الروسي مذكرة احتجاج. لكن خوف المعلقين في موسكو يكشف حقيقة أخرى. فروسيا تعرف جيدا كيف يمكن تحويل التاريخ إلى حجة لإعادة رسم الحدود، لأنها مارست ذلك بنفسها.

والأكثر إثارة للاهتمام يأتي بعد ذلك. فروسيا نفسها تطالب بوراثة إرث القبيلة الذهبية، وقد بدأت هذه المطالبة قبل الآخرين بزمن طويل. فقد عمل إيفان الرهيب، بعد استيلائه على قازان عام ١٥٥٢ وأستراخان عام ١٥٥٦، على جمع أراضي القبيلة الذهبية السابقة وألقاب خاناتها. وفي عام ١٩٢٥، نشر الأمير نيكولاي تروبيتسكوي، خلال وجوده في المنفى، كتابا بعنوان «إرث جنكيز خان»، أعلن فيه صراحة أن روسيا هي وريثة الدولة المغولية. وفي أواخر الحقبة السوفيتية، حول ليف غوميليوف هذه الفكرة إلى نظرية واسعة الانتشار عن التعايش والتكامل التاريخي بين الروس وشعوب السهوب. وفي رسالته إلى الجمعية الفيدرالية عام ٢٠١٢، تحدث بوتين عن مفهوم «الاندفاع الحضاري الحيوي»، وهو مصطلح مستمد من أفكار غوميليوف. أما الجامعة الرئيسية في كازاخستان، الجامعة الوطنية الأوراسية في أستانا، فتحمل اسم غوميليوف منذ عام ١٩٩٦.

وتكشف اللغة نفسها عن هذه القرابة بصورة أكثر وضوحا. فالكلمة الروسية الدالة على النقود تعود إلى الجذر التركي نفسه الذي اشتقت منه تسمية العملة الكازاخستانية، التنغي. كما أن المصطلحات الروسية الدالة على الخزانة والجمارك، التي يرتبط أصل الأخيرة منها بمفهوم «التمغة» في القبيلة الذهبية، انتقلت من سراي إلى موسكو، إلى جانب نظام البريد والمحطات المخصص لنقل الرسائل والرسل. وكان بإمكان توكاييف، وهو يربط التنغي بالدانغا، أن يذكر محاوريه الروس أيضا بالأصل التاريخي للكلمة التي يستخدمونها للدلالة على الأموال الموجودة في محافظهم. لكنه لم يفعل. وهذا التحفظ أكثر تعبيرا من أي سجال علني.

على مدى سنوات طويلة، شكلت الأوراسية بالنسبة إلى الكرملين وسيلة لتفسير لماذا تعد روسيا أكبر من أوروبا، ولماذا تتمتع بحقوق خاصة في آسيا الوسطى. لكن الرواية الكازاخستانية تنتزع الأساس من هذا البناء الفكري. فإذا كانت القبيلة الذهبية هي السلف التاريخي للدولة الكازاخية، فإن كازاخستان تصبح وريثتها المباشرة، بينما تتحول روسيا إلى واحدة من الشظايا العديدة الناتجة عن تفككها، بل وإلى دولة كانت تدفع لها الجزية في الماضي. وهكذا تتحول الإمبراطورية التي تقدم نفسها بوصفها محررة للشعوب إلى إقليم سابق تابع لدولة أخرى.

لكن لماذا تلتزم موسكو الصمت؟ تكمن الإجابة في الإحصاءات التجارية. فوفقا لبيانات وزارة التجارة والتكامل الكازاخستانية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام ٢٠٢٥ نحو ٢٧٫٤ مليار دولار، بانخفاض قدره ٣ بالمئة، بينما يقدر الجانب الروسي الرقم بنحو ٢٨٫٧ مليار دولار. والفارق البالغ ١٫٣ مليار دولار ليس أمرا غير مألوف في الإحصاءات المتبادلة بين الدول المتجاورة، ولا يغير جوهر الصورة. فقد ارتفع العجز التجاري الكازاخستاني مع روسيا خلال عام واحد من ٩ مليارات إلى ١١٫١ مليار دولار. وفي المقابل، تجاوزت الصين روسيا لتصبح الشريك التجاري الأكبر لأستانا، بحجم تبادل بلغ ٣٤٫٢ مليار دولار. ومع ذلك، لا يزال نحو ٨٠ بالمئة من صادرات النفط الكازاخستانية يمر عبر خط أنابيب اتحاد بحر قزوين إلى نوفوروسيسك، ما يعني الاعتماد على محطة تصدير سبق لمحكمة روسية أن حاولت وقف عملها في صيف ٢٠٢٢ بذريعة بيئية شكلية.

تعتمد أستانا على موسكو من الناحية المادية والجغرافية، بينما تعتمد موسكو على أستانا من الناحية السياسية. فكازاخستان لا تزال الشريك الأكبر لروسيا في آسيا الوسطى، وعضوا محوريا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي. ومن شأن خلاف علني بسبب باتو خان وتوقتمش أن يكلف الطرفين أكثر بكثير مما تستحقه القضية التاريخية نفسها.

ويمكن التعرف بسهولة إلى أسلوب توكاييف القائم على ضبط النفس من خلال واقعة أخرى. ففي يونيو ٢٠٢٢، خلال المنتدى الاقتصادي في سانت بطرسبورغ، جلس توكاييف على المنصة نفسها إلى جانب بوتين، لكنه رفض الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، واصفا إياهما بأنهما «كيانات شبه دولية». وبعد أربع سنوات، طالب في أستانا بالتوقف عن وصف إمبراطوريات السهوب بأنها «ما يسمى بأشباه الدول». ومن الصعب الاعتقاد أن هذا التشابه العكسي في المصطلحات مجرد مصادفة. فتوكاييف ينفي صفة الدولة عما أنشأته موسكو بالقوة، ويطالب بالاعتراف بصفة الدولة لما ظلت موسكو تصفه طوال قرون بأنه نير استعباد.

إمبراطوريتان لسهوب واحدة: طشقند تختار تيمورلنك وأستانا تختار عدوه اللدود

بدأت أوزبكستان السير في هذا الطريق قبل كازاخستان بنحو ربع قرن. ففي عام ١٩٩٣، أقيم في وسط طشقند تمثال للفارس الأمير تيمور مكان نصب كارل ماركس، وأعلن عام ١٩٩٦ عاما لتيمور. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأيديولوجيا الرسمية الأوزبكية تعتبر تيمورلنك مؤسس التقليد الوطني للدولة. ويحذر أحد علماء الأنثروبولوجيا والفلاسفة السياسيين الأوزبك من أن إعادة الاعتبار للإرث الإمبراطوري في طشقند كانت تحديدا من العوامل التي أعاقت التكامل في آسيا الوسطى خلال التسعينيات، وأن المنطقة قد تواجه الآن روايتين إمبراطوريتين متنافستين بدلا من رواية واحدة.

يبدو هذا التخوف منطقيا، إلى أن نتذكر طبيعة العلاقة بين بطلي العاصمتين. فقد كان تيمور عدوا لدودا لتوقتمش، آخر الخانات الكبار للقبيلة الذهبية الموحدة. وفي أبريل ١٣٩٥، هزم تيمور قوات توقتمش على نهر تيريك، ثم أحرق سراي. وهكذا اختارت طشقند وأستانا سلفين تاريخيين خاضا ضد بعضهما حربا ضارية حتى النهاية.

ولا تنتهي المفارقة عند هذا الحد. فالسلالة الشيبانية، التي حكمت بلاد ما وراء النهر في القرن السادس عشر، وجلبت إلى المنطقة اسم «الأوزبك» بمعناه الحالي، كانت هي الأخرى تنحدر من جوجي، عبر ابنه شيبان. وقد ولدت الخانية الكازاخية نتيجة الانشقاق عن أبو الخير، جد محمد شيباني. وبذلك نشأ الشعبان من جذع تاريخي واحد يعود إلى القبيلة الذهبية، لكن الأساطير المؤسسة لدولتيهما تبنى اليوم على فرعين مختلفين من ذلك الجذع.

ولا أتوقع نشوب صراع على هذا الأساس. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين كازاخستان وأوزبكستان عام ٢٠٢٥ نحو ٤٫٨ مليار دولار. كما نجح توكاييف وشوكت ميرضيائيف في بناء علاقات يمكن وصفها بأنها الأكثر دفئا بين أستانا وطشقند طوال سنوات الاستقلال. وستظل المنافسة بين الروايتين الإمبراطوريتين محصورة في المتاحف والمسلسلات التلفزيونية والنقاشات التاريخية. أما على الحدود، فسيكون الاهتمام منصبا على مياه نهر سيرداريا وحركة العبور التجاري.

أما قازان، فتتعامل مع المسألة بهدوء أكبر مما كان متوقعا. فقد وصف مؤرخ من تتارستان اهتمام كازاخستان بماضي القبيلة الذهبية بأنه ظاهرة طبيعية، وقال إن عصر دولة جوجي ربما يمثل الصفحة الأكثر إشراقا في التاريخ الكازاخي. وكان معهد التاريخ الذي يحمل اسم مرجاني قد أصدر عام ٢٠٠٩ المجلد الثالث من موسوعة «تاريخ التتار» المؤلفة من سبعة مجلدات، وخصصه بالكامل لدولة جوجي. وخلال كلمة ألقاها في قازان، رفض سابيتوف من حيث المبدأ فكرة التنافس على الميراث التاريخي. فالحملة الكازاخستانية تصب موضوعيا في مصلحة التتار. وكلما ارتفع صوت الحديث عن القبيلة الذهبية في دولة مجاورة ذات سيادة، ازدادت صعوبة تصوير موسكو هذا الموضوع على أنه هامشي داخل حدودها.

ويرى محللون أوكرانيون أن التحول الذي تشهده أستانا يمثل، قبل كل شيء، محاولة للابتعاد عن مفهوم «العالم الروسي». لكن حجتهم الثانية، المتعلقة بالداخل الكازاخستاني، تبدو لي أكثر أهمية بكثير. فقد كان الإطار السياسي للقبيلة الذهبية موجودا قبل انقسام الشعوب إلى كازاخ ونوغاي وتتار وأوزبك، كما سبق انقسام الكازاخ إلى اتحاداتهم القبلية الثلاثة. والأسطورة التاريخية التي تستند إلى هذا الإرث قادرة على جمع النخب التي لا تزال تتذكر جغرافيا أصولها العشائرية، وتوزع المناصب وفقا لهذه الانتماءات.

ختم الخان لدولة ذات قوة متوسطة

يمكن قراءة البعد الخارجي لهذا المشروع في المفردات السياسية التي يستخدمها توكاييف. فالرجل الذي شغل سابقا منصب المدير العام لمكتب الأمم المتحدة في جنيف يعمل منذ سنوات بإصرار على ترسيخ صورة كازاخستان بوصفها قوة متوسطة. وفي مقابلة أجراها بمناسبة حصيلة عام ٢٠٢٤، قال توكاييف إن كازاخستان توصف «في الغرب، وفي العالم كله» بأنها قوة متوسطة، وإن هذا الوضع يفرض عليها سلوكا مسؤولا على الساحة الدولية. وقد ربط جومارت جينيس، نائب مدير معهد التاريخ والإثنولوجيا، بين المسألتين بصورة مباشرة. فبحسب رأيه، أصبحت البلاد أخيرا قادرة على تحديد توجهها الأيديولوجي بنفسها، بما يتناسب مع مكانتها بوصفها قوة إقليمية، بعد سنوات طويلة من هيمنة المنظور المتمركز حول أوروبا.

تحتاج القوة المتوسطة إلى عمق تاريخي بقدر حاجتها إلى النفط والممرات التجارية. فتركيا تسوق إرثها العثماني، وإيران إرثها الفارسي، والصين حضارة تمتد خمسة آلاف عام، والهند جذورها الحضارية الفيدية القديمة. أما كازاخستان، فقد ظلت حتى وقت قريب تقدم للعالم قاعدة بايكونور الفضائية واحتياطيات اليورانيوم.

وتبدو القبيلة الذهبية، في تفسير توكاييف، هوية تاريخية مثالية لبلد يجني عائداته من حركة النقل والعبور. فالإمبراطورية التي حولت السهوب إلى ممر آمن بين الشرق والغرب تصلح نموذجا تاريخيا جاهزا للترويج للممر الدولي للنقل عبر بحر قزوين، الذي ينطلق من الصين مرورا بكازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا، وصولا إلى تركيا وأوروبا. كما أن عقد ندوة تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، بمشاركة باحثين من الصين ومنغوليا والولايات المتحدة والهند وباكستان واليابان ومصر، يحول التاريخ الوطني إلى قضية مدرجة على جدول الأعمال العلمي الدولي. وجدول الأعمال العلمي الدولي يوفر حماية قد تفوق فاعلية أي مذكرة دبلوماسية.

وللقارئ الأذربيجاني بعد خاص في هذا الموضوع. فقد امتدت الحدود الجنوبية لدولة جوجي إلى منطقة دربند، وخاضت القبيلة الذهبية حروبا امتدت عقودا ضد الدولة الإيلخانية التي أسسها أحفاد هولاكو، للسيطرة على مراعي أذربيجان. وفي يناير ١٢٦٣، هزمت قوات الخان بركة جيش هولاكو على نهر تيريك. وبعد نحو قرن، وتحديدا في عام ١٣٥٧، استولى الخان جانيبك على تبريز، قبل أن يتعرض مركزها للخراب مجددا على يد توقتمش عام ١٣٨٥. وبالنسبة إلينا، تمثل القبيلة الذهبية تاريخ جار كان يأتي من الشمال عبر ممر دربند.

لكن المنهج الذي تتبعه أستانا مفهوم تماما في باكو، ولا يحتاج إلى ترجمة. فأذربيجان عاشت هي الأخرى عقودا داخل إطار كتابة تاريخية كانت تجعل بداية دولتها مرتبطة بقرارات اتخذت في عواصم أجنبية، وهي تدرك جيدا ثمن هذا الاعتماد. فالشعب الذي لا يروي تاريخه بنفسه يتحول إلى موضوع لخرائط الآخرين ومطالباتهم. وقد أظهرت المخططات الأرمنية الرامية إلى مراجعة التاريخ والحدود خلال تسعينيات القرن الماضي هذه الحقيقة بمنتهى الوضوح. واليوم، تنقل العبارات البحرية القادمة من أكتاو وكوريك البضائع إلى باكو عبر المسار الذي حاول خانات القبيلة الذهبية والحكام الإيلخانيون السيطرة عليه بالقوة. أما الآن، فتجري السيطرة على هذا المسار وتنظيمه من خلال الاتفاقيات، وأصبح التاريخ يعمل في خدمة هذه الاتفاقيات.

وأشار عالم سياسة كازاخستاني، خلال سجال مع منتقدين روس، إلى أن تفسيرات الشعوب التركية والمغولية في أوراسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي لتاريخها، من الكازاخ والتتار إلى الأذربيجانيين والبوريات، ظلت طوال عقود تعتبر ثانوية ومدفوعة بأهداف سياسية. وكان استنتاجه حاسما: لقد أصبحت إعادة النظر في إرث القبيلة الذهبية جزءا من الواقع التاريخي للمنطقة، ولن تتمكن أي أطر تفسيرية مفروضة من الخارج من إيقاف هذه العملية. وأنا أتفق تماما مع هذا الاستنتاج.

ضريح بطلاء خزفي مستعار

يمكن التنبؤ بالاتجاه الذي يسير فيه المشروع من خلال الآليات التي بدأ تنفيذها بالفعل. فستصدر الموسوعة التاريخية المؤلفة من سبعة مجلدات، وبحلول الأول من سبتمبر ٢٠٢٧، سيحصل تلاميذ المدارس الكازاخستانية على كتب تاريخ تقدم القبيلة الذهبية باعتبارها السلف المباشر للخانية الكازاخية، لا مجرد مرحلة عابرة بين الغزوات. ولن يصدر الكرملين، حتى نهاية عام ٢٠٢٧، أي بيان رسمي بشأن هذه القضية على مستوى الرئيس أو وزارة الخارجية، بينما ستأتي الردود عبر الكتب المدرسية الروسية والبرامج التلفزيونية ومقالات الخبراء. وسيبدأ في أستانا، قبل نهاية النصف الأول من عام ٢٠٢٧، تشييد المنشأة المخصصة لتكريم حضارة السهوب العظمى، التي أعلن عنها توكاييف في الرابع من يونيو. وإذا لم يتحقق واحد على الأقل من هذه التوقعات، فسيعني ذلك أنني بالغت في تقدير تصميم أستانا، أو قللت من قدرة موسكو على التحمل.

لكن هناك سؤالا لا أملك له إجابة. فهناك خمسة أطراف على الأقل تتقاسم إرث القبيلة الذهبية: كازاخستان وروسيا وتتارستان وأوزبكستان ومنغوليا. ماذا سيحدث عندما يطلب اثنان منها، في الوقت نفسه، من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة الاعتراف بهما حارسين للمعلم التاريخي نفسه؟

ورد أول ذكر لضريح جوجي خان، الواقع على ضفة نهر كينغير، في مذكرات حافظ تانيش خلال القرن السادس عشر. وفي عام ١٩٩٨، رمم الضريح بكلفة قاربت مليون دولار. وحتى اليوم، لا يزال علماء الآثار ينتقدون القائمين على عملية الترميم، لأنهم اختاروا الطلاء الخزفي الأزرق للقبة دون مراعاة البلاطات الأصلية. وفي أبريل ٢٠٢٠، حصل الضريح على صفة معلم تاريخي ذي أهمية وطنية. وبعد سنوات قليلة، اضطر المسؤولون إلى تقديم تفسيرات بشأن تسرب الرطوبة إلى جدرانه.

واليوم، تتألق القبة التي تعلو قبر الابن الأكبر لجنكيز خان بألوان أكثر سطوعا مما كانت عليه في عهد جوجي نفسه. وكازاخستان تبني صورتها الخاصة للقبيلة الذهبية بالطريقة ذاتها: فوق أساس تاريخي أصيل، ولكن تحت طبقة جديدة من الطلاء الخزفي، صممت لكي تبدو مبهرة لمن ينظر إليها من بعيد.