...

طالب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بالتخلي عن القوالب الجاهزة والفعاليات الشكلية. ويقف وراء هذا المطلب حساب واقعي دقيق: ففي عصر الهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي، يسهم في حماية البلاد ذلك الفتى الذي يعرف كيف يتحقق من المصدر ويحسب النسب المئوية. أما العلم في صورة معدة سلفا، فلا يجدي هنا شيئا.

في الثاني من أكتوبر عام ٢٠٢٦، اجتمع في مركز حيدر علييف ٩٦٠ مندوبا لحضور المؤتمر الثامن لحزب «أذربيجان الجديدة». وللمرة الأولى في تاريخ الحزب، انعقد المؤتمر في بلد استعاد وحدة أراضيه وسيادته بالكامل. وكانت مناسبة الاحتفاء لا تشوبها شائبة. فقد ذكر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الحاضرين بالنصر الذي وصفه بأنه لا سابقة له في العالم، وأضاف: «وأكرر، بمفردنا». ثم اتخذ رئيس الدولة منحى لا يتوقعه المرء عادة في خطاب احتفالي بالنصر.

تحدث عن التهديدات.

قال الرئيس: «المخاطر الأيديولوجية لا تعرف حدودا، ولا سيما في عالم اليوم، عالم الإنترنت والهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي». ثم حدد رئيس الدولة خللا داخليا يعرقل التصدي لهذه المخاطر: «لقد حان الوقت لتنظيم العمل الأيديولوجي على نحو صحيح، والتخلي عن القوالب الجاهزة والفعاليات ذات الطابع الشكلي».

تبدو المفارقة على النحو التالي: دولة انتصرت في حرب ظل خصومها يعلنون لعقود استحالة كسبها، تعترف، وهي في ذروة قوتها، بأن أدوات التنشئة القديمة استنفدت أغراضها. قاعة احتفالات، صف أمامي، علم في يد تلميذ، كلمة مكتوبة مسبقا، وصورة ترفق بالتقرير. كان كل ذلك يؤدي وظيفة طقوس الانتظار ما دامت المهمة الوطنية لم تكتمل. وبعد عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٣، فقدت هذه الطقوس معناها. فالمهمة الجديدة تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يعملون، لا كيف يستعرضون المشاعر المطلوبة أمام الكاميرا.

تحقق النصر، والخصم يأتي الآن عبر الهاتف الذكي

يفسر تسلسل الأحداث سبب بدء هذا النقاش في هذه اللحظة تحديدا. فقد أعادت حرب الوطن، التي استمرت أربعة وأربعين يوما، من ٢٧ سبتمبر إلى ١٠ نوفمبر عام ٢٠٢٠، معظم الأراضي المحتلة إلى أذربيجان. واستكملت إجراءات مكافحة الإرهاب في ١٩ و٢٠ سبتمبر عام ٢٠٢٣ استعادة السيادة. وفي الثامن من أغسطس عام ٢٠٢٥، وقع زعيما أذربيجان وأرمينيا بالأحرف الأولى في واشنطن اتفاق إرساء السلام والعلاقات بين الدولتين. وبعد أسابيع قليلة، اتخذت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قرارا بحل مجموعة مينسك، وفي الأول من ديسمبر عام ٢٠٢٥، انتهى وجود هذا الكيان الذي ظل ثلاثة وثلاثين عاما يحاكي الوساطة دون أن ينجزها.

انتهت المرحلة العسكرية، لكن المرحلة الإعلامية مستمرة وتتصاعد حدتها. وقد اختبرت أذربيجان ذلك بنفسها في نوفمبر عام ٢٠٢٤، عندما استضافت باكو الدورة التاسعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. فقد قابل قسم من الصحافة الغربية وعدد من السياسيين الأوروبيين المؤتمر المناخي بحملة لم تكن البيئة فيها سوى واجهة. وظلت باريس سنوات تدعم أجندة مناهضة لأذربيجان داخل المؤسسات الأوروبية، وردت باكو بطرح قضية الإرث الاستعماري الفرنسي في كاليدونيا الجديدة وغيرها من أقاليم ما وراء البحار علنا. وتدور مثل هذه المواجهات على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث يقل عمر المستهلك الرئيسي للمعلومات عن ثلاثين عاما.

وثمة تفصيل دال: ففي اليوم نفسه، الثاني من أكتوبر، أصدر جهاز أمن الدولة الأذربيجاني تحذيرا من الاحتيال السيبراني باستخدام الذكاء الاصطناعي. صوت مصطنع، ومقطع فيديو مزور، ورسالة تبدو موثوقة تحمل اسم جهة رسمية. والتقنية القادرة على استدراج متقاعد إلى تسليم مدخراته قادرة بسهولة على استدراج طالب إلى تصديق خبر كاذب. وصف الرئيس التهديد، وفي الساعات نفسها أظهر جهاز الأمن تجلياته العملية.

من هنا يتضح منطق الخطاب. فأمن البلاد بعد النصر يعتمد على قدرة ملايين المواطنين على كشف التلاعب. ولن ينفع في هذا الميدان رتل من الدبابات. ما ينفع هو المدرسة والجامعة والقواعد العادلة والقدوة الشخصية التي يقدمها الكبار.

من بلغ الثامنة عشرة كان في الثانية عشرة: حساب ينساه الكبار

عملية حسابية بسيطة تغير زاوية النظر. فالمواطن الأذربيجاني الذي بلغ الثامنة عشرة بحلول خريف عام ٢٠٢٦ ولد في عام ٢٠٠٧ أو ٢٠٠٨. وفي خريف عام ٢٠٢٠، كان في الصف السادس أو السابع. أما التلميذ الذي يبلغ العاشرة اليوم، فكان عمره آنذاك نحو أربع سنوات. وبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، فإن تحرير شوشا في الثامن من نوفمبر عام ٢٠٢٠ حدث من كتاب التاريخ، بعيد عن تجربتهم بقدر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عن تجربة آبائهم.

كثيرا ما يخاطب الكبار المراهقين كما لو كانوا يتذكرون شخصيا خوجالي في ٢٦ فبراير عام ١٩٩٢، وسقوط شوشا في الثامن من مايو من العام نفسه، ومخيمات الخيام في ساعاتلي وبيلاسوفار. لكن المراهقين لا يتذكرون ذلك. ونحو مليون لاجئ ونازح داخليا، ظلت باكو تتحدث عنهم طوال ثلاثة عقود في جميع المحافل الدولية، ليسوا بالنسبة إلى التلميذ سوى رقم. ولا تتحول ذاكرة الآخرين إلى ذاكرة يتبناها المرء إلا بالشرح والجهد الشخصي.

كتب صحفيو جيلي عن قره باغ أكثر من ثلاثين عاما. وكان كل نص من هذه النصوص تقريبا ينتهي بنبرة انتظار: العدالة مؤجلة، والسلام لم يحل، ومفتاح الشقة في أغدام أو فضولي معلق على مسمار في غرفة مستأجرة في باكو. أما مراهق عام ٢٠٢٦، فيعيش في بلد انتهى فيه الانتظار. ويجب أن نشرح له الثمن الذي استلزمه ذلك، دون أن نحاول إجباره على معايشة صدمة الآخرين كما لو كانت صدمته الشخصية.

يكمن الحل في المنهج. يمكن بناء مشروع مدرسي حول واقعة واحدة من تاريخ الأسرة أو حول بلدة واحدة. يبحث التلميذ عن الوثائق، ويسجل مقابلة مع جدته، ويعد تسلسلا زمنيا، ويقارن الشهادات. ويحرص على بيان ما تأكد وما بقي في نطاق الافتراض. ثم تحفظ المادة في الأرشيف المدرسي. وهكذا يتولى المراهق دور الباحث الذي اؤتمن على عمل جاد، ويعرف بعد عام من العمل تاريخ النزوح أكثر مما كان سيعرفه بعد عشرة طوابير احتفالية.

أربعة قرارات لم ينفذها أحد: أفضل درس في القانون لطالب المرحلة الثانوية

يقدم تاريخ قره باغ مادة فريدة لتدريس القانون الدولي. ففي عام ١٩٩٣، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أربعة قرارات: القرار ٨٢٢ الصادر في ٣٠ أبريل بعد الاستيلاء على كلبجار، والقرار ٨٥٣ الصادر في ٢٩ يوليو بعد احتلال أغدام، والقرار ٨٧٤ الصادر في ١٤ أكتوبر، والقرار ٨٨٤ الصادر في ١٢ نوفمبر. وطالبت القرارات الأربعة جميعها بالانسحاب الفوري لقوات الاحتلال. ولم ينفذ أي منها طوال سبعة وعشرين عاما.

لا فائدة من حفظ الأرقام عن ظهر قلب. والأجدى بكثير وضع نصوص القرارات إلى جانب خريطة العمليات العسكرية لعام ١٩٩٣ وتحليل صياغاتها. لماذا ظلت وثيقة اعتمدتها أعلى هيئة في الأمم المتحدة حبرا على ورق، ولماذا لم تستطع مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي أنشئت عام ١٩٩٢ وضمت رئاستها المشتركة ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إعادة قرية واحدة إلى أذربيجان خلال ثلاثة عقود من المفاوضات؟ سيجد طالب المرحلة الثانوية الإجابة بنفسه إذا أتيحت له المواد: صدور القرار الدولي وتنفيذه عمليتان مختلفتان، والثانية تسندها قوة الدولة واقتصادها ودبلوماسيتها وجيشها.

ينشأ من هذا الدرس فهم لمصلحة الدولة. كان الموقف القانوني لأذربيجان سليما تماما منذ عام ١٩٩٣. لكن الجيش هو الذي أعاد الأراضي، ذلك الجيش الذي بني بعائدات مشروعات النفط والغاز، وتعلم من هزائم مطلع التسعينيات. والشاب الذي يستوعب هذه الصلة لن يصدق بعد ذلك أن الأمن يتحقق بإعلان أو بوعد من راع نافذ. اختبرت أرمينيا وعود رعاتها بنفسها في عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٣. أما التلميذ الأذربيجاني، فيستطيع استيعاب هذا الدرس من دون خسائر.

الكذب دفاعا عن الحقيقة أشد كلفة من أي دعاية معادية

من هنا يأتي مطلب صارم ينبغي أن يظل صارما: التربية الوطنية تحتاج إلى موثوقية مطلقة. فالاقتباس المختلق، والصورة المنتزعة من سياق آخر، والرقم المضخم، والاتهام غير المثبت، تلحق بالموقف العادل ضررا أكبر مما تلحقه دعاية الخصم. والتزوير حين يفتضح يسقط الثقة في التأكيدات المجاورة له، حتى لو كانت صحيحة تماما. والشباب المعتادون على تداول ما يكشف التضليل خلال ثوان يلاحظون هذه الأمور أسرع من الكبار.

صاغ الرئيس هذا المبدأ في المؤتمر بإيجاز: «لسنا بحاجة إلى اختلاق الأساطير». وأذربيجان لا تحتاج إلى ذلك حقا. فقرارات الأمم المتحدة موجودة. وأغدام المدمرة، التي سماها صحفيون أجانب هيروشيما القوقاز، موجودة. وحقول الألغام التي قتل وأصيب فيها مئات المدنيين بعد عام ٢٠٢٠ موجودة. الحقيقة في صالح باكو، وأي تهاون في التعامل مع الوقائع لا يمنح الخصوم سوى ذريعة لتغيير الموضوع.

حب البلاد لا يعفي الكاتب من التحقق. بل يزيد مسؤوليته: فمن ينشر مادة مزيفة دفاعا عن الوطن يجازف بالثقة في القضية التي يدافع عنها.

تأخر بمقدار خمس وسبعين نقطة وقفزة بثلاث وستين: ماذا حدث لمدارس باكو؟

يتعلق النقاش الأكثر إحراجا بجودة التعليم، وقد ظهرت لدى أذربيجان في هذا المجال معطيات جديدة تستند إليها. ففي البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام ٢٠٢٢، حصل تلاميذ باكو البالغون خمسة عشر عاما على متوسط ٣٩٧ نقطة في الرياضيات، و٣٦٥ في القراءة، و٣٨٠ في العلوم الطبيعية. وبلغت المتوسطات في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ٤٧٢ و٤٧٦ و٤٨٥ نقطة على التوالي. ووصل إلى المستوى الثاني الأساسي على الأقل في الكفاءة الرياضية ٣٨ في المئة من المشاركين من باكو، مقابل متوسط بلغ ٦٩ في المئة في المنظمة. ووفقا للمقياس التقريبي المعتمد لدى المنظمة، تعادل عشرون نقطة نحو عام دراسي، ولذلك كانت فجوة الخمس والسبعين نقطة في الرياضيات تعني تأخرا يتجاوز ثلاثة أعوام.

في الثامن من سبتمبر عام ٢٠٢٦، نشرت نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام ٢٠٢٥. وتغيرت الصورة جذريا. فقد حسنت باكو نتيجتها في الرياضيات بمقدار ٦٣ نقطة، وفي العلوم الطبيعية بمقدار ٦٠ نقطة، وفي القراءة بمقدار ٤٠ نقطة. ومن حيث مجموع التحسن في المجالات الثلاثة، احتلت أذربيجان المرتبة الثانية بين ٩١ مشاركا في الدراسة. وللمقارنة، لم يتمكن من تحسين نتائجه في الرياضيات سوى ١٦ نظاما تعليميا من مجموع المشاركين. وفي الفترة نفسها، انخفض متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ٤٦٣ نقطة في الرياضيات و٤٦١ نقطة في القراءة.

إذا انطلقنا من نتيجة عام ٢٠٢٢ البالغة ٣٩٧ نقطة، فإن تلاميذ باكو يصلون في الرياضيات إلى نحو ٤٦٠ نقطة، أي إلى مستوى يقترب كثيرا من المتوسط الجديد للمنظمة. وخلال ثلاثة أعوام، قلصت مدارس العاصمة الفجوة مع الدول المتقدمة من أكثر من ثلاثة أعوام دراسية إلى بضعة أشهر. وقدر وزير العلوم والتعليم أمين أمر الله ييف أن الأثر الحقيقي لهذه التحولات سيظهر خلال عشرة إلى خمسة عشر عاما، عندما يدخل من يبلغون الخامسة عشرة اليوم إلى سوق العمل.

لماذا ترتبط هذه الأرقام بالوطنية؟ لأن من يجد صعوبة في فهم النص الذي يقرؤه يصعب عليه اكتشاف تحريف المعنى. ونقص الكفاءة الرياضية يعيق فهم النسب المئوية والميزانيات والمقارنات الإحصائية التي تقوم عليها الحصة الأكبر من التلاعب بالمعلومات. وقد صاغ إيمانويل كانط، منذ عام ١٧٨٤، مطلب التنوير بقوله: «لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك بنفسك!» وتبدو هذه العبارة اليوم كأنها تكليف تنفيذي لمنظومة التعليم. فمناعة البلاد في المجال المعلوماتي تبدأ في حصة رياضيات عادية.

وهذا توقع يمكن اختباره لاحقا. فقد وقعت أذربيجان بالفعل اتفاق المشاركة في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام ٢٠٢٩. وإذا استمر المسار الحالي، فسيتجاوز تلاميذ باكو متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الرياضيات في نتائج تلك الدورة، التي ستصدر قرب نهاية عام ٢٠٣٠. وسيكون بلوغ هذه العتبة حجة أثقل وزنا في النقاش حول مستقبل البلاد من أي قرار احتفالي.

الوصفة الفنلندية والنهج السنغافوري: ما الذي ستأخذه باكو وما الذي ستتركه؟

آلية التدريب معروفة. يعطى التلاميذ ثلاثة أخبار عن حدث واحد: خبر موثوق، وآخر محرف جزئيا، وثالث مختلق. والمهمة هي العثور على المصدر الأصلي، والتحقق من التاريخ، وفصل الوقائع عن التقييمات، واكتشاف السياق المحذوف. ثم شرح سبب ظهور الخطأ بمظهر مقنع. ويقيم مسار الاستدلال، لا الإجابة التي أصابها التلميذ بالتخمين. وبعد عام من هذه الدروس، تتكون لدى المراهق عادة تلقائية للتحقق قبل إعادة الإرسال. وفي بلد يعيد فيه ملايين الأشخاص يوميا إرسال الرسائل عبر تطبيقات التراسل، تتحول هذه العادة إلى عنصر من عناصر الأمن الوطني.

حولت فنلندا هذه الممارسة إلى منظومة متكاملة. فالوكالة الوطنية للتعليم تتعامل مع الثقافة الإعلامية بوصفها كفاءة عابرة للمواد الدراسية، ويوزع المنهج الأساسي، الذي بدأ تطبيقه عام ٢٠١٦، التعامل مع النصوص والصور والرسوم البيانية والإحصاءات ومقاطع الفيديو على مواد مختلفة. والنتيجة قابلة للقياس: فالبلاد تتصدر منذ سنوات التصنيفات الأوروبية للقدرة على مقاومة التضليل، رغم أنها تجاور دولة تمارس عليها ضغوطا إعلامية منذ عقود.

لا معنى لنقل النموذج الفنلندي بكامله. لكن مبدأ الممارسة المنتظمة قابل للنقل من دون أن يفقد قيمته. ففي الرياضيات يمكن تحليل التلاعب بالنسب المئوية وبالرسوم البيانية ذات المحاور المبتورة، وفي التاريخ دراسة أصول الوثائق، وفي الأدب تحليل الأثر العاطفي للغة، وفي المعلوماتية فهم آليات الحسابات المزيفة والصور المولدة اصطناعيا. ويتطلب ذلك معلمين مؤهلين ومواد تعليمية وحصصا في الجدول الدراسي. أما التكليف بلا موارد، فسيتحول إلى سطر إضافي في الخطة، وهو تحديدا نوع السطور الذي دعا الرئيس إلى التخلي عنه.

وتقدم سنغافورة إطارا آخر. فقد جمع مفهوم الدفاع الشامل، المعتمد عام ١٩٨٤، بين الأبعاد العسكرية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وفي عام ٢٠١٩، أضيف إليها الدفاع الرقمي. وتحيي البلاد سنويا، في الخامس عشر من فبراير، ذكرى سقوط سنغافورة عام ١٩٤٢، بوصفها يوم الدفاع الشامل. وفي ذلك اليوم يدرس التلاميذ سيناريوهات الأزمات، لا المشاهد الاحتفالية. وسلكت إستونيا مسارا مشابها بعد الهجمات السيبرانية في أبريل عام ٢٠٠٧، وأنشأت في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي وحدة تطوعية للدفاع السيبراني انضم إليها مبرمجون ومهندسون مدنيون.

وتستخلص أذربيجان من هذه الأمثلة فهما واسعا للواجب المدني. فالمختص الذي يحمي النظام المعلوماتي لمستشفى في كنجه يؤدي مهمة وطنية. ومهندس الطاقة العامل في محطة ضغط بممر الغاز الجنوبي، الذي يتدفق عبره الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا منذ عام ٢٠٢٠، يصون سمعة البلاد بوصفها موردا موثوقا. ورجل الأعمال الذي ينفذ العقود في مواعيدها يقوي الاقتصاد الذي تستند إليه السياسة الخارجية المستقلة. ومن المفيد أن يرى الشاب موضعه المحدد على هذه الخريطة. عندئذ تمتد الوطنية إلى المهنة التي يختارها وإلى جودة العمل الذي يؤديه.

مسابقة بلا اتصال نافذ: لماذا تربي المنحة العادلة أكثر من درس عن الشجاعة؟

كتب شارل لويس مونتسكيو في مؤلفه «روح القوانين» الصادر عام ١٧٤٨: «في الحكم الجمهوري تحديدا، تصبح قوة التربية بأكملها ضرورة». وقد ربط الفضيلة السياسية بحب القوانين والوطن معا. والاستنتاج بالنسبة إلى موضوعنا مباشر: كل قرار يبين مدى إلزام القواعد للجميع يربي الشباب أكثر من أي درس.

يراقب المراهقون باهتمام كيفية توزيع المنح الدراسية، وإجراء المسابقات، وإتاحة فرص التدريب. والإجراءات الشفافة تعلمهم الثقة بجهدهم الشخصي: فالفائز يعرف لماذا حصل على الفرصة، ومن لم يفز يفهم المهارات التي يحتاج إلى تطويرها. وقد راكمت أذربيجان تجربة قوية في هذا المجال. فالامتحانات المركزية للقبول، التي يجريها مركز الامتحانات الحكومي، استبعدت منذ زمن العامل البشري من عملية القبول الجامعي. وجمعت شبكة «آسان للخدمات»، التي أنشئت عام ٢٠١٢، عشرات الخدمات الحكومية ضمن إطار موحد وشفاف، وحصلت عام ٢٠١٥ على جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة. وهذا هو المنطق الذي يقترح الرئيس تعميمه على العمل الأيديولوجي: النتيجة بدل محاكاة الإنجاز.

يسهم كل موظف حكومي ومعلم ومسؤول في التنشئة، حتى لو لم ينص توصيفه الوظيفي على ذلك. فالوعد المنجز، والرفض المعلل، والخطأ المصحح، والرد المحترم على الشكوى، تشكل صورة الدولة لدى شخص كان بالأمس يستمع في الصف إلى حديث عن المسؤولية المدنية. ويقارن المراهق ما سمعه في الفصل بما رآه في المؤسسة. وتطابق القول والممارسة يعزز الثقة على نحو أرسخ من أي دعوة إلى التحلي بالوعي.

وتظل الأسرة المدرسة الأولى للمواطنة. فالطفل يراقب كيف يتعامل والداه مع الجيران والعمل والممتلكات العامة والوعود التي يقطعانها. والأب الذي يتفق أمام ابنه على تجاوز دوره في طابور العيادة يمحو أثر عشر حصص عن الأمانة. والأم التي تسدد فاتورة الكهرباء في موعدها ولا تلقي القمامة من الشرفة تشرح قواعد البيت المشترك من دون شعار واحد. ويمكن للبرامج الحكومية دعم هذه المعايير، لكن القدوة الشخصية للكبار تحتفظ بقوتها الخاصة بفضل تكرارها اليومي، وهو ما لا تستطيع أي فعالية توفيره.

وتقدم الثقافة الوطنية مادة غنية جدا لهذا العمل: اللغة والأدب وفن المقام وعمارة الأحياء القديمة في شوشا وشكي والتاريخ المحلي لكل منطقة. ومن المفيد أن يتعامل الشباب مع هذا التراث بإبداع، فيصوروا أفلاما وثائقية، ويسجلوا شهادات كبار السن، ويترجموا روائع الأدب إلى الإنجليزية لأقرانهم في الخارج. ويجب أن تكون معايير الجودة هنا مهنية، لأن المونتاج الرديء والخطأ التاريخي لا يتحولان إلى ميزتين لمجرد سلامة الموضوع، ولأن احترام الثقافة الوطنية يقتضي التشدد في جودة تقديمها إلى العالم.

المحارب القديم ليس قطعة ديكور: إعداد عسكري بلا مسرحية تمويه

يحتفظ الجانب العسكري من التنشئة بأهميته، ولا سيما في بلد أثبت جيشه فاعليته للتو. لكن مضمونه يتطلب احترافا. فاللياقة البدنية، وتحديد الاتجاهات في الميدان، والانضباط، والعمل الجماعي، والإسعافات الأولية تحت إشراف مدربين مؤهلين، مهارات تنفع في الزلازل والحرائق والحوادث بقدر ما تنفع في الجيش. والزي المموه في صورة لا يدل على الاستعداد للتصرف وقت الأزمات. أما القدرة على تنفيذ التعليمات، والحفاظ على رباطة الجأش، ومساعدة الجريح من دون مخاطرة غير ضرورية، فتكتسب بالتكرار، لا باتخاذ وضعية أمام الكاميرا.

وتحتاج اللقاءات مع قدامى محاربي حرب الوطن وأسر الشهداء إلى قدر خاص من المراعاة. ينبغي أن تكون المشاركة طوعية، والأسئلة معدة، والحوار محترما. فالمحارب القديم ليس قطعة ديكور تزين بها فعالية لاستدرار المشاعر. والحديث عن التكاتف في خندق قرب فضولي، وعن مسؤولية القائد، وعن صعوبات العودة إلى الحياة المدنية، يشرح ثمن النصر بصدق يفوق أي ملصق. وتتعمق الذاكرة حين تظهر وراء الاسم على اللوحة التذكارية سيرة إنسان: مهنته وهوايته وموسيقاه المفضلة ورسائله إلى أسرته.

أربعون ألف متطوع وثمانية وعشرون مليار مانات: حيث تجد الوطنية عملا تؤديه

تحتاج الوطنية إلى تجربة فعل نافع، ولدى أذربيجان نموذج يعمل بالفعل. فمنظمة «متطوعي آسان»، التي تأسست في ديسمبر عام ٢٠١٣، تستقبل شبابا تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وستة وعشرين عاما للعمل بعقود مدتها شهران في مراكز خدمة المواطنين. ووفقا لبيانات المنظمة نفسها، مر بها أكثر من أربعين ألف متطوع، ونظمت ما يزيد على خمسة آلاف وخمسمئة دورة تدريبية وأكثر من ثمانمئة وخمسين مشروعا محليا ودوليا، وحصل أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمئة من خريجيها على عمل عبر بوابة «آسان للكوادر». والمتطوع الذي يساعد مراجعا مسنا على فهم خدمة إلكترونية يتعلم الصبر. وحين يعمل ضمن مناوبة، يفهم كلفة التأخر. وتنشأ لديه تجربة اعتماد متبادل تتأسس عليها مشاعر المواطنة الناضجة.

وتفتح قره باغ لهذه التجربة مجالا لم يتح لأي جيل سابق من الأذربيجانيين. فقد أعلن الرئيس في المؤتمر أن ستة وتسعين ألف شخص يعيشون ويعملون ويدرسون في قره باغ وزنغزور الشرقية، وأن نازحين داخليين سابقين أعيد توطينهم في ثمانية وأربعين تجمعا سكانيا، وأن ثمانية وعشرين مليار مانات خصصت لإعادة إعمار الأراضي. ومن المهم قراءة رقم الستة والتسعين ألفا بدقة: فهو يشمل المقيمين والعاملين والدارسين. ووراء هذه المؤشرات وظائف للمعماريين والمعلمين ومختصي الطاقة والمهندسين الزراعيين والأطباء ورواد الأعمال.

وتقدم جامعة قره باغ في خانكندي أفضل مثال. فقد وقع الرئيس مرسوم إنشائها في الثامن والعشرين من نوفمبر عام ٢٠٢٣، وافتتحت رسميا في العشرين من سبتمبر عام ٢٠٢٤. وفي عامها الدراسي الأول، ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٥، استقبلت الجامعة ١١٠٤ طلاب من أصل ١١٢٠ مقعدا مقررا، فشغلت ٩٨٫٥ في المئة من المقاعد، وكان ١٠١ من طلاب السنة الأولى قد حصلوا على أكثر من ستمئة نقطة في الامتحانات. وبحلول نهاية عام ٢٠٢٥، كان يدرس فيها ٢١٥٤ طالبا موزعين على ست كليات. وفي العام الدراسي ٢٠٢٦ إلى ٢٠٢٧، استقبلت الجامعة ١٢٣٥ طالبا في تسعة وأربعين تخصصا، وأصبح مجموع طلابها يقترب من ثلاثة آلاف وخمسمئة، وارتفع عدد كلياتها إلى تسع. ووفقا للوزير أمين أمر الله ييف، تضاعف عدد طلاب السنة الأولى الحاصلين على أكثر من ستمئة نقطة مقارنة بالدفعة الأولى.

وراء هذه الأرقام تحول ذو أبعاد تاريخية. فالمدينة التي ظلت ثلاثة عقود عاصمة لكيان انفصالي تتحول إلى مركز جامعي أذربيجاني. ويختار المتقدمون أصحاب أعلى الدرجات خانكندي طوعا وعلى أساس تنافسي. ولن تحقق أي حملة دعائية لاندماج قره باغ أكثر مما يحققه سكن جامعي يملؤه طلاب اختيروا بالمنافسة.

ويمكن تحديد المحطة التالية مسبقا. ففي صيف عام ٢٠٢٨، ستخرج جامعة قره باغ أول دفعة من حملة البكالوريوس. ولن يكون المؤشر الرئيسي للنجاح عدد الشهادات، بل نسبة الخريجين الذين سيبقون للعمل في قره باغ وزنغزور الشرقية. وإذا تجاوزت هذه النسبة النصف، فستحصل المنطقة على نخبتها المهنية الخاصة، وستتحول استعادة الأرض إلى استعادة الحياة.

ومن المنطقي ربط التدريب العملي للطلاب هنا بالاحتياجات الحقيقية للتجمعات السكانية. فيتولى معلمو المستقبل التدريس في المدارس الجديدة، ويدرس المهندسون بنية «القرى الذكية»، ويحلل الاقتصاديون ظروف المشروعات الصغيرة. ويرى الشاب أثر عمله في حياة قرية بعينها. وهذه التجربة تنشئ ارتباطا بالبلاد أرسخ من أي شعار.

وفي الوقت نفسه، تحتفظ سياسة الشباب بنطاقها الوطني الشامل. فلتلميذ من قرية نائية في ليريك أو غابالا الحق نفسه في مختبر ونشاط رياضي ومرشد كفء الذي يتمتع به قرينه في باكو. وإذا كانت المشاركة في البرنامج تستلزم نفقات سفر وإقامة، فإن الفرصة المتاحة على الورق لا تصل إلا إلى بعض الأسر. ولذلك ينبغي تقييم مدى إتاحة البرامج فعليا، لا مجرد ورودها في الخطة.

تعثر المتعلم إخفاق لمرشده: كيف نقيس ما لا يمكن تصويره؟

لاحظ فريدريش نيتشه في «هكذا تكلم زرادشت»: «من يظل تلميذا إلى الأبد لا يحسن مكافأة معلمه». وعند تطبيق هذه العبارة على التنشئة، فإنها تحدد مهمة المرشد: إعداد الإنسان لاتخاذ قرارات مستقلة. وفي المنظمة الشبابية، يعني ذلك الحق في اقتراح مشروع، وتبرير ميزانيته التقديرية، وتشكيل فريق، وتحمل مسؤولية النتيجة. أما حين يرسم الكبار كل خطوة مسبقا، فلا يكتسب المشارك خبرة اتخاذ القرار.

وتستطيع المنظمات الإقليمية لحزب «أذربيجان الجديدة»، بشبكتها الواسعة، أن تصل تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بالمعلمين ورجال الأعمال وقدامى المحاربين والمهندسين. والصيغة واضحة: مشكلة محلية، وفريق صغير، ومرشد، ومشروع مكتمل، ومناقشة مفتوحة للنتائج. وقد تكون اقتراحات الشباب غير مكتملة. والعمل على تصحيح الأخطاء هو ما يحول الحضور في فعالية إلى مشاركة في حياة البلاد.

وسيتعين قياس النتائج بطريقة جديدة. تبدأ العملية بتسجيل المعارف والمهارات الأولية، ثم تنفيذ البرنامج، وبعد ستة أشهر التحقق مما بقي من أثره. وينبغي فحص أربعة أمور: هل تعلم المشاركون تمييز الرسائل غير الموثوقة؟ وهل يستطيعون التعامل مع الوثائق؟ وهل أتموا مشروعاتهم الخاصة؟ وهل يواصلون العمل المجتمعي بعد عام من انتهاء البرنامج؟ جمع هذه المؤشرات أصعب من إحصاء عدد الحاضرين في القاعة، لكنها تبين ما إذا كان الوقت والمال قد أنفقا على نحو مجد. والبرنامج الذي لم يحقق نتيجة يجب تحليله: ربما كان العمر المستهدف غير مناسب، أو كان المرشدون ضعفاء، أو الجدول مثقلا، أو المهمة الحقيقية غائبة. فالمنظومة التي تعلن نجاح كل فعالية تفقد قدرتها على التعلم. والتخلي عن القوالب الجاهزة الذي تحدث عنه الرئيس يبدأ بالحق في الاعتراف بفشل صيغة العمل.

استفتاء يومي: من يخسر إذا نجحت باكو؟

في محاضرته «ما الأمة؟»، التي ألقاها في السوربون في الحادي عشر من مارس عام ١٨٨٢، وصف إرنست رينان وجود الأمة بأنه استفتاء يومي، أي رغبة تتجدد باستمرار في مواصلة الحياة المشتركة. وتكتسب هذه الصيغة دقة خاصة في أذربيجان المتعددة القوميات. فقد شارك الليزغيون والطالش والأوار والأوديون والروس ويهود الجبال في بناء الدولة، وقاتلوا من أجلها عام ٢٠٢٠. وينبغي للطفل أن يجد أسرته في تاريخ الوطن المشترك. وعلى هذا الاعتراف تحديدا يقوم الانتماء الأذربيجاني بوصفه أيديولوجية للدولة.

وينطبق المنطق نفسه على الشباب الذين غادروا للدراسة في الخارج. فمن الأجدى أن نسأل عن الكفاءات التي اكتسبها الإنسان، بدلا من الحكم على قناعاته من عنوان إقامته. ويستطيع خريج جامعة أوروبية أو أمريكية أن يجلب تعاونا علميا أو تقنية أو عقدا. ونادرا ما تعوض الدعوة إلى حفل استقبال رسمي عرض عمل يلائم مؤهلاته.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل تحليل جاد: من يستفيد ومن يخسر؟ الرابح الأول هو الدولة، التي تحصل على مواطنين لا يمكن قلب قناعاتهم في أمسية واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويربح الاقتصاد أيضا، إذ يحصل على متخصصين لقره باغ ولمشروعات الطاقة. أما الخاسرون فهم الذين راهنوا على هشاشة المجتمع الأذربيجاني أمام التلاعب بالمعلومات: الأوساط الساعية إلى الثأر التي لم تتقبل بعد نتائج عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٣، والقوى الخارجية التي اعتادت الضغط على باكو عبر الحملات الإعلامية. ويخسر كذلك البيروقراطي الذي تعلم تقديم عدد الفعاليات بوصفه حصيلة عمله. فلن تعود تقاريره مقبولة باعتبارها نتائج.

وثمة سؤال واحد ما زال بلا جواب. كم من الوقت سيحتاج النهج الجديد ليصل من منبر المؤتمر إلى المدرسة الريفية التي ظل معلمها سنوات ينظم الطوابير الإلزامية وفق السيناريو نفسه؟ إن سرعة هذا الانتقال ستحدد ما إذا كان جيل عام ٢٠٢٦ سيتشكل داخل المنظومة الجديدة، أم سيمضي قبل أن تدركه.

ستظهر النتيجة الحقيقية للتنشئة في أفعال لا يصورها أحد. مهندس يرفض التوقيع على قرار فني خطر. وصحفي يعيد التحقق من خبر يخدم موقفه. وخريج من جامعة قره باغ يبقى للعمل في أغدام رغم عرض أجر أعلى عليه في باكو. ولا تزال آلاف الأسر الأذربيجانية تحتفظ بمفاتيح شقق تعذرت العودة إليها ثلاثين عاما. وبالنسبة إلى الجيل المولود بعد عام ٢٠٠٧، لم يعد هذا المفتاح رمزا للفقد. إنه يتحول إلى غرض عادي يستطيع الحفيد أن يضعه على طاولة في الفصل المدرسي، ويروي أي باب كان يفتحه. والبلاد التي يروي أطفالها هذه القصة بدقة، بالتواريخ والوثائق، محمية على نحو أرسخ مما يوفره أي إعلان.