...

تحصد أنقرة تصفيق الشارع العربي. لكن عندما جرى توزيع الادوار الحقيقية في غزة، تبين أن المقعد التركي زائد عن الحاجة، وهذه الواقعة تفسر حدود الطموحات التركية افضل من أي نظرية.

في عام 1908 وصل اول قطار من دمشق إلى المدينة المنورة. استغرق بناء سكة حديد الحجاز ثماني سنوات، ومولت بتبرعات جمعت في مختلف انحاء العالم الإسلامي. وكان السلطان عبد الحميد الثاني يرى فيها العمود الفقري الحديدي للإمبراطورية: فالحجاج والجنود والبريد واوامر إسطنبول كان يفترض أن تصل إلى المدن المقدسة في غضون ايام بدل رحلة القوافل التي كانت تستغرق اكثر من شهر. وبعد عشر سنوات فقط، كانت قوات البدو التابعة لشريف مكة، برفقة ضباط بريطانيين، تفجر قضبانها بصورة منهجية. ماتت السكة مع الإمبراطورية.

في يونيو 2026 وقعت تركيا والمملكة العربية السعودية مذكرات بشأن إحياء الخط عبر سوريا والاردن، مع احتمال تمديده إلى عمان. ورمزية الصفقة اعمق مما تبدو عليه. فالسكة العثمانية تعود، لكن الرياض هذه المرة شريك في الملكية، وهي التي تقرر بنفسها إلى اين ومتى ستسير القطارات.

تختصر هذه القصة كلها الاجابة عن سؤال يتكرر على نحو متزايد في الشرق الاوسط: هل يستطيع رجب طيب اردوغان، الذي جعل الدفاع عن فلسطين راسماله الرئيسي في السياسة الخارجية، أن يصبح زعيما للعالم العربي؟ موقفي بسيط. تستطيع تركيا أن تصبح القوة غير العربية الاكثر نفوذا في المجال العربي، لكنها لن تقوده. والعائق ليس تلك «الكراهية الابدية للعرب تجاه الاتراك» التي يروج لها البعض، فالدراسات الاجتماعية تفند هذه الاسطورة. المشكلة مختلفة: لم يعد هناك عالم عربي موحد يمكن لاحد أن يتزعمه.

اربعة قرون تحت الهلال: ذاكرة اعاد كل طرف كتابتها بطريقته

في 24 اغسطس 1516 هزمت قوات السلطان سليم الاول المماليك في معركة مرج دابق شمال حلب. وفي يناير 1517 سقطت القاهرة. وعلى مدى القرون الاربعة التالية، كانت سوريا ولبنان وفلسطين والعراق ومصر والحجاز وجزء كبير من شمال افريقيا، بصيغ متفاوتة، ضمن المجال السياسي لإسطنبول.

وصف هذا البناء بانه «إمبراطورية استعمارية تركية» إسقاط تاريخي متاخر. فقد كانت علاقة دمشق في القرن السابع عشر بإسطنبول مختلفة جذريا عن علاقة الجزائر في القرن التاسع عشر بباريس. خدم العرب قضاة وولاة وضباطا وجباة ضرائب، وادارت سلالات محلية مساحات شاسعة، بينما كانت الشرعية الإسلامية المشتركة تربط النظام باقوى مما كانت تفعل الحاميات العسكرية.

بدأت القومية في تفكيك هذه المنظومة من الجانبين في آن واحد. بعد ثورة تركيا الفتاة عام 1908، اعتبر جزء من النخبة العربية المثقفة سياسة المركزية وتعزيز اللغة التركية في الإدارة محاولة للتتريك. ثم حولت الحرب العالمية الاولى الخلاف إلى مشانق. جمال باشا، احد اعضاء الثلاثي الحاكم في نظام تركيا الفتاة وقائد الجيش الرابع في سوريا، ارسل عشرات الناشطين العرب إلى الإعدام. وفي صباح 6 مايو 1916 نفذت عمليات شنق متزامنة في بيروت ودمشق. والساحة التي اعدم فيها المحكومون في بيروت لا تزال تسمى ساحة الشهداء، فيما اصبح السادس من مايو يوم الشهداء في لبنان وسوريا.

وبعد شهر، في يونيو 1916، رفع الشريف حسين بن علي راية الثورة في مكة. وهنا تبدأ صناعة الاساطير. فاغلبية عرب الإمبراطورية لم يشاركوا في الثورة، وعشرات الآلاف واصلوا القتال بالزي العثماني حتى نهاية الحرب. ومع ذلك، خرج من هذه الاحداث سرديتان متقابلتان. السردية التركية تتحدث عن خنجر عربي في الظهر غرس بتحريض بريطاني. اما السردية القومية العربية فتروي قصة احتلال تركي دام اربعة قرون. كلتاهما ابسط بكثير من التاريخ الحقيقي، وكلتاهما لا تزال حية على نحو لافت.

ويضاف إلى ذلك جرح لا تحب تركيا تذكره. ففي عام 1939 سلمت فرنسا إلى انقرة لواء إسكندرون الذي اصبح ولاية هاتاي. وعلى مدى عقود كانت الخرائط المدرسية السورية ترسم هذه الاراضي ضمن حدود سوريا. وبالنسبة للقومي السوري، لم تنته قصة الوجود التركي على الارض العربية عام 1918.

عبد الناصر بنى بيتا لم يخصص فيه غرفة للاتراك

بعد الحرب العالمية الثانية اصبحت القومية العربية اللغة الرئيسية للسياسة الإقليمية. وفي تلك اللحظة وجدت تركيا نفسها في الجهة المقابلة من المتراس بكل المعاني. ففي مارس 1949 كانت اول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل. وبعد ثلاث سنوات انضمت إلى حلف شمال الاطلسي. وفي عام 1955 اصبحت من مؤسسي حلف بغداد الذي وصفته القاهرة بانه اداة للسيطرة الغربية على المنطقة. وفي خريف 1957 حشدت القوات التركية قرب الحدود السورية، واعتبرت دمشق ذلك استعدادا لغزو بطلب من واشنطن.

بعد ازمة السويس عام 1956 اصبح جمال عبد الناصر الصوت الذي يصغى إليه من الدار البيضاء حتى البصرة. وفي 1 فبراير 1958 اعلنت مصر وسوريا قيام الجمهورية العربية المتحدة. وكانت منطقية المشروع حاسمة: العرب يشكلون امة واحدة، وهم من يقرر مصيرها بانفسهم.

في مثل هذا البناء لا مكان لتركيا بحكم التعريف، لا من حيث اللغة ولا الهوية ولا التحالفات ولا الذاكرة. ومن هنا ينشأ الفارق الاساسي الذي ينبغي تذكره في كل حديث عن الطموحات التركية. تستطيع انقرة بصورة مبررة أن تطمح إلى موقع احدى القوى الكبرى في العالم الإسلامي. اما المطالبة بقيادة الدول الاثنتين والعشرين الاعضاء في جامعة الدول العربية فتصطدم بسؤال لا توجد له إجابة مريحة: لماذا يمنح العرب تفويضا لدولة غير عربية؟

دقيقة واحدة في دافوس كلفت عشر سنوات من الدبلوماسية

المفارقة أن اردوغان اقترب من هذا الحاجز اكثر من أي زعيم تركي منذ عهد السلاطين الاخيرين.

في 29 يناير 2009، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي حول غزة، دخل في مشادة مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، وطالب مدير الجلسة بمنحه «دقيقة واحدة»، ثم غادر المنصة. واستقبلته في إسطنبول حشود تحمل الاعلام. وظلت القنوات العربية تعرض المشهد لاسابيع: زعيم تركي قال لإسرائيل علنا ما لم يكن معظم الحكام العرب يجرؤون على قوله حتى داخل الغرف المغلقة.

وفي 31 مايو 2010 اقتحمت القوات الخاصة الإسرائيلية سفينة «مافي مرمرة» المتجهة إلى غزة ضمن «اسطول الحرية». قتل تسعة مواطنين اتراك، ثم توفي عاشر لاحقا متاثرا بجراحه. عندها اكتملت صورة اردوغان بوصفه مدافعا عن الفلسطينيين.

وتحت هذا الراسمال الرمزي كانت توجد قاعدة مادية قوية. نما الاقتصاد التركي بوتيرة اثارت حسد الاوروبيين. وفي عام 2008 جذب مسلسل «نور»، وفقا للتقديرات المتاحة، عشرات الملايين من المشاهدين العرب، وتحولت إسطنبول إلى الوجهة السياحية الحلم للطبقة الوسطى العربية. كانت تركيا تروج لنموذج يجمع الإسلام والانتخابات والسوق والدولة القادرة على العمل. وبالنسبة إلى شارع عربي انهكته الانظمة المتقادمة، بدت هذه الواجهة اقرب إلى الوحي.

الرهان على «الإخوان»: كيف ربحت انقرة عام 2011 وخسرت مصر

فتح الربيع العربي امام انقرة نافذة كان احمد داود اوغلو، وزير الخارجية آنذاك وصاحب عقيدة «العمق الاستراتيجي»، يعدها تاريخية. كانت الحسابات واضحة. فإذا حلت قوى الإسلام السياسي المعتدل، القريبة فكريا من حزب العدالة والتنمية الحاكم، محل الانظمة التي سقطت في تونس ومصر وليبيا وسوريا، فستتحول تركيا إلى مركز طبيعي لمجال جغرافي هائل.

كانت مصر المفتاح. فقد فتح فوز محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية عام 2012 افق قيام محور تركي مصري قادر على إعادة تشكيل البنية الإقليمية كلها.

لكن في 3 يوليو 2013 عزل الجيش المصري مرسي. وبعد عام اصبح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي رئيسا. رفض اردوغان الاعتراف بما حدث، ووصف السيسي علنا بالطاغية، وتحولت إسطنبول إلى ملاذ للمعارضة الإسلامية المصرية التي امتلكت قنواتها التلفزيونية. انهارت العلاقات.

وسجلت الاستطلاعات السنوية التي اجراها احد ابرز مراكز الابحاث في إسطنبول كلفة هذا الرهان. ففي عام 2011 كان 78 في المئة من المستطلعين في ست عشرة دولة في المنطقة ينظرون بإيجابية إلى تركيا، ثم تراجعت النسبة إلى 69 في المئة عام 2012 و59 في المئة عام 2013. اما في مصر فكان الانهيار حادا: 86 في المئة عام 2011، و84 في المئة عام 2012، ثم 38 في المئة فقط عام 2013.

كان الدرس قاسيا. جاذبية تركيا كانت هائلة، لكنها كانت هشة ايضا، وكانت تعتمد قبل كل شيء على هوية القوى التي تتحالف معها انقرة داخل دول الآخرين.

القاهرة: كبرياء لا يتنازل عن الصدارة

تبقى مصر عقبة اساسية امام أي طموح تركي للزعامة. اكثر من 107 ملايين نسمة، واكبر جيش في العالم العربي، والازهر، والمركز التاريخي للصحافة العربية والسينما والادب والدبلوماسية. تأسست جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1945، ولا يزال مقرها هناك باستثناء فترة انتقاله إلى تونس بين عامي 1979 و1990 بعد كامب ديفيد. والقاهرة تعتبر ذلك الترتيب طبيعيا منذ البداية.

بالنسبة إلى الدولة المصرية، بدا احتضان تركيا لجماعة الإخوان المسلمين تهديدا للنظام نفسه. ثم تحول الصراع إلى المجال العسكري. ففي نوفمبر 2019 وقعت انقرة مع الحكومة في طرابلس مذكرتين حول الامن والحدود البحرية، وفي يناير 2020 ارسلت قوات وطائرات مسيرة إلى ليبيا. ودعمت مصر والإمارات المعسكر المقابل بقيادة خليفة حفتر. وفي صيف 2020 اعلن السيسي علنا خط سرت الجفرة خطا احمر يمكن بعده أن يتدخل الجيش المصري.

استغرقت المصالحة نحو عقد. ففي 20 نوفمبر 2022 صافح اردوغان والسيسي بعضهما خلال افتتاح كاس العالم في قطر. وفي يوليو 2023 اعادت الدولتان السفراء. وفي 14 فبراير 2024 زار اردوغان القاهرة للمرة الاولى منذ اثني عشر عاما، وفي 4 سبتمبر من العام نفسه قام السيسي باول زيارة له إلى انقرة بصفته رئيسا، وكتب أن الزيارة تعكس إرادة مشتركة لبدء مرحلة جديدة من الصداقة والتعاون. ووضع الطرفان هدفا لرفع التبادل التجاري من نحو تسعة مليارات دولار المسجلة عام 2024 إلى خمسة عشر مليارا.

خلف الصيغ الدبلوماسية كان هناك واقع بسيط. توقفت انقرة عن محاولة تغيير النظام المصري وبدأت تتعامل معه تجاريا. قبلت القاهرة استثمارات تركية تقدرها الحكومة المصرية بنحو اربعة مليارات دولار، وادخلت الطائرات التركية المسيرة إلى جدول المفاوضات. لكنها لم تتنازل عن موقعها القيادي ولو بمقدار مليمتر واحد.

الرياض وابوظبي: للمنافسين مشاريعهم الخاصة للعظمة

مع السعودية تقع المنافسة في مستوى لا تستطيع تركيا الفوز فيه من حيث المبدأ. فالملك يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين. ومكة والمدينة تمنحان الرياض مكانة دينية لا يمكن شراؤها ولا انتزاعها بالقوة. وفي كل مرة تتحدث فيها انقرة عن قيادة العالم السني، تدخل مجالا من المنافسة الرمزية تملك فيه السعودية الورقة الاقوى منذ البداية.

واضاف محمد بن سلمان إلى البعد الديني طموح تحويل المملكة إلى مركز مالي وتقني للمنطقة. مرت العلاقات بين البلدين بازمة عميقة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 اكتوبر 2018، حين ظلت تركيا لاشهر تنشر تفاصيل التحقيق على دفعات. وفي ابريل 2022 زار اردوغان جدة، وفي يونيو زار ولي العهد انقرة، وفي يوليو 2023 وقعت الرياض مع شركة «بايكار» التركية عقدا لشراء طائرات «اقنجي» الهجومية المسيرة، ووصفته انقرة بانه اكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ البلاد.

اما الإمارات العربية المتحدة بقيادة محمد بن زايد فقد بنت نموذجا للنفوذ يكاد يكون معاكسا للنموذج التركي: رفض صارم للإسلام السياسي، واعتماد على راس المال والموانئ والخدمات اللوجستية. دعمت الاموال الإماراتية خصوم انقرة من القاهرة إلى بنغازي. وجاء التحول في نوفمبر 2021 عندما زار بن زايد انقرة واعلن صندوقا بقيمة عشرة مليارات دولار للاستثمار في تركيا. وفي يوليو 2023 بلغت القيمة المعلنة لحزمة الاتفاقات بين البلدين 50.7 مليار دولار.

تحتل قطر موقعا مختلفا. فعندما فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارا على الدوحة في 5 يونيو 2017، سارع البرلمان التركي إلى إقرار إرسال قوات إضافية إلى القاعدة التركية في الإمارة. والدوحة لم تنس ذلك. لكن التحالف مع دولة تدير هي نفسها سياسة إعلامية ووساطية مستقلة يجعل تركيا شريكا لاحد مراكز القوة العربية، لا حكما فوق هذه المراكز.

سوريا: انتصار تركي كان لا بد من اقتسامه

قضى النزاع السوري نهائيا على صورة تركيا كقوة ناعمة فقط. قبل عام 2011 كان اردوغان وبشار الاسد يعقدان اجتماعات حكومية مشتركة ويقضيان العطلات مع عائلتيهما. وبعد اندلاع الانتفاضة اصبحت انقرة العمق الخلفي الرئيسي للمعارضة. ثم جاءت عملية «درع الفرات» عام 2016، و«غصن الزيتون» في عفرين عام 2018، و«نبع السلام» في اكتوبر 2019. وبالتوازي، ينفذ الجيش التركي منذ 2019 سلسلة عمليات «المخلب» في شمال العراق، فيما اصبحت عشرات النقاط العسكرية التركية في كردستان العراق جزءا دائما من المشهد.

ولدى بغداد شكوى اخرى من انقرة نادرا ما تذكر عند الحديث عن فلسطين: المياه. ينبع دجلة والفرات من تركيا، وتمنح منظومة السدود ضمن مشروع جنوب شرق الاناضول انقرة ورقة لا تمتلكها أي عاصمة عربية. وعندما بدأ ملء خزان سد إليسو في صيف 2018، اثار انخفاض منسوب دجلة عند بغداد غضبا عراقيا كبيرا إلى درجة دفعت انقرة إلى تأجيل عملية الملء. وبالنسبة إلى المزارع العراقي في جنوب البلاد، يقاس النفوذ التركي بالامتار المكعبة لا بخطابات اردوغان عن غزة.

من وجهة نظر انقرة، يتعلق الامر بالامن القومي ومحاربة حزب العمال الكردستاني. اما قطاع واسع من البيئة السياسية العربية فيرى جنودا اجانب على ارض عربية. تركيا نفسها تبدو مدافعة في غزة، ومنقذة في الدوحة، وحليفة للإسلامي المصري، وعدوا لرجل الامن المصري، ومحتلة في نظر القومي العراقي. لا يوجد موقف عربي موحد من تركيا اصلا.

في 8 ديسمبر 2024 انهار نظام الاسد تحت ضربات «هيئة تحرير الشام» التي كانت تعمل لسنوات في إدلب تحت المظلة التركية. وسارع كثيرون إلى إعلان سوريا محمية تركية. لكن الواقع كان اكثر تعقيدا. فقد اختار احمد الشرع، المولود في الرياض، السعودية لتكون وجهة اول زيارة خارجية له بصفته رئيسا. ووصل وزير الخارجية السعودي الامير فيصل بن فرحان إلى دمشق في 24 يناير 2025 قبل معظم نظرائه. وفي 7 فبراير 2026 وقعت المملكة مع دمشق حزمة استثمارات تقارب قيمتها 5.3 مليارات دولار، شملت تحديث مطارات حلب وإنشاء شركة طيران منخفضة التكلفة سورية سعودية.

تجاوزت الصادرات التركية إلى سوريا ثلاثة مليارات دولار عام 2025، وفي يونيو 2026 قال وزير التجارة عمر بولاط، خلال المنتدى الاقتصادي بين غازي عنتاب وحلب، إن الهدف هو الوصول إلى خمسة مليارات دولار من التبادل التجاري خلال عامين. الارقام كبيرة، لكنها تقارن بالارقام السعودية ولا تطغى عليها. والشرع يدير سياسة توازن خاصة به بين واشنطن وانقرة والدوحة والرياض، بما يستبعد هيمنة منفردة لاي طرف. ويضاف إلى ذلك العامل الإسرائيلي: ففي 18 اغسطس 2026 قصفت الطائرات الإسرائيلية قاعدة ابو الظهور الجوية بعد ساعات من مغادرة وفد تركي لها. اصبحت سوريا ساحة نفوذ لانقرة، لكنها لم تصبح تابعا لها.

ارقام تدفن اسطورة «العداء الابدي»

عندما يخضع الادعاء بان العرب لا يتقبلون الاتراك تاريخيا لاختبار علم الاجتماع، فإنه يتهاوى.

اظهر مؤشر الراي العام العربي لعام 2025، وهو اكبر دراسة من نوعها في تاريخ المنطقة وشملت 40130 مقابلة شخصية في خمس عشرة دولة عربية، بينها اول استطلاع مماثل في سوريا بعد سقوط الاسد، أن 49 في المئة من المشاركين قيموا سياسة تركيا تجاه فلسطين إيجابيا، مقابل 33 في المئة قيموها سلبيا. وللمقارنة، نظر 76 في المئة بسلبية إلى السياسة الامريكية في المسالة نفسها. وفي الاردن، وفقا للموجة السابقة من «الباروميتر العربي» لعامي 2023 و2024، عبر 79 في المئة عن راي إيجابي في تركيا، ووافق 71 في المئة على السياسة الخارجية لاردوغان.

الذاكرة التاريخية موجودة. لكنها ليست حاجزا عرقيا.

في المقابل، تكشف احدث البيانات من فلسطين عن تصدع في الاساس التركي. فقد سجلت الموجة التاسعة من «الباروميتر العربي»، التي اجريت بين 8 و26 اكتوبر 2025 على عينة من 1655 شخصا في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، تراجعا في التعاطف مع تركيا من 65 في المئة عشية 7 اكتوبر 2023 إلى 51 في المئة. وخلال الفترة نفسها ارتفعت نسبة إيران من 28 إلى 42 في المئة، وهي اكبر زيادة. وفسر معدو الدراسة التحول بوضوح: كافا الفلسطينيون من راوا فيهم دعما ماديا للمقاومة، وعاقبوا الوسطاء.

والفجوة داخل فلسطين نفسها كبيرة. ففي غزة ينظر 70 في المئة بإيجابية إلى تركيا، مقابل 38 في المئة في الضفة الغربية. ويؤيد 71 في المئة من سكان غزة السياسة الخارجية لاردوغان، مقابل 43 في المئة في الضفة، ولا يزال يتصدر قائمة القادة الاجانب من حيث الشعبية. لكن السؤال الاهم في الاستطلاع لم يكن عن التعاطف، بل عن الثقة: من القادر على التوسط بعدالة في التسوية؟ اختار 31 في المئة مصر، و30 في المئة قطر، ولم يختر تركيا سوى 19 في المئة.

هذه هي معادلة المشكلة التركية. الناس يحبون اردوغان، لكنهم لا يمنحونه تفويضا، حتى اولئك الذين يحبونه.

كلمات مرتفعة وتجارة هادئة

يستمع الشارع العربي إلى النبرة، ثم ينظر إلى الفاتورة. وقعت تركيا اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل عام 1996، ودخلت حيز التنفيذ عام 1997. وفي عام 2023 بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 6.8 إلى سبعة مليارات دولار، وكانت تركيا من ابرز موردي الفولاذ والاسمنت لمشاريع البناء الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه كان اردوغان يصف بنيامين نتنياهو بالجزار، وإسرائيل بالدولة الإرهابية.

جاء التحول متاخرا. ففي ابريل 2024 حظرت انقرة تصدير 1019 سلعة ضمن 54 فئة، وفي 2 مايو اعلنت وقف التجارة بالكامل. وبعد عام قدرت مصادر إسرائيلية تدفق السلع التركية بصورة غير رسمية عبر دول ثالثة بما بين مئة ومئتي مليون دولار شهريا، بينما رفض الجانب التركي هذه التقديرات. ومن الصعب التحقق من الحقيقة هنا، والادق الاعتراف بان لكل طرف مصلحة في الارقام التي يقدمها. وفي 29 اغسطس 2025 اعلن وزير الخارجية هاكان فيدان، خلال جلسة طارئة للبرلمان، إغلاق الموانئ التركية امام السفن الإسرائيلية، وإغلاق المجال الجوي امام الطائرات الحكومية الإسرائيلية والشحنات العسكرية.

اصبحت الصرامة في النهاية حقيقية. لكن الراي العام العربي يعرف كيف يحسب الوقت، وقد سجل في ذاكرته الاشهر السبعة تقريبا بين 7 اكتوبر والحظر الكامل. وكل قوة تطمح إلى قيادة اخلاقية تقع في هذا الفخ: كلما ارتفع سقف الكلمات، ارتفع سقف المحاسبة على النتائج.

غزة: ضامن سلام لم يسمح له بتجاوز العتبة

كان يفترض أن يصبح خريف 2025 لحظة انتصار تركي. ففي 13 اكتوبر في شرم الشيخ وقع اردوغان، إلى جانب دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي وامير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وثيقة تثبت وقف إطلاق النار في غزة وفق الخطة الامريكية المكونة من عشرين بندا. ودخلت تركيا دائرة الضامنين، رسميا على قدم المساواة مع مصر وقطر.

لكن عندما بدأت التفاصيل اليومية، بدأ الموقع التركي يتآكل. ففي 27 اكتوبر قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بودابست إنه لن يكون للجنود الاتراك مكان في قوة الاستقرار الدولية. وفي نوفمبر منعت إسرائيل فريق إنقاذ تركيا من دخول غزة. وبعد شهر اعترف فيدان في مقابلة مع قناة تركية بان انقرة مستعدة للمشاركة في قوة الاستقرار، لكن الإسرائيليين يعارضون ذلك علنا.

وجاءت الخلاصة في 19 فبراير 2026 في واشنطن، خلال الاجتماع الاول لما سمي «مجلس السلام». خمس دول مسلمة اعلنت رسميا تخصيص قوات للقوة الدولية: البانيا وإندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو والمغرب. لم تكن تركيا ضمن القائمة. واسندت مهمة إعادة بناء الشرطة الفلسطينية إلى مصر والاردن. اما انقرة فاقتصرت مهمتها اساسا على الخدمات اللوجستية.

هذه الواقعة تساوي مئات الاستطلاعات. فعندما حان وقت توزيع الادوار الحقيقية، اعتمد الوسيط الامريكي على الدول العربية المجاورة لغزة، وكان الاعتراض الإسرائيلي على وجود القوات التركية اثقل من تصفيق الشارع العربي. منحت الخطابات التركية اردوغان مكانا في الصورة في شرم الشيخ. اما مفاتيح غزة فبقيت في القاهرة وعمان.

شرق متعدد المراكز لا يبحث عن سلطان جديد

الشعبية والهيمنة فئتان مختلفتان. يمكنك أن تحظى بمحبة الاردنيين من دون أن تؤثر في قرارات عمان. ويمكن لمحبوب غزة أن يبقى خارج المفاوضات حول مستقبلها. ويمكن التصالح مع القاهرة، لكن لا يمكن إجبارها على الاعتراف باولوية انقرة.

والاهم أن العالم العربي اليوم متعدد المراكز، ولا توجد فيه ببساطة وظيفة شاغرة باسم «زعيم العرب». السعودية تملك المقدسات والمال. مصر تستند إلى السكان والجيش والازهر وثقلها التاريخي. الإمارات قوية براس المال والموانئ، وقطر بالإعلام والوساطة. وكل عاصمة من هذه العواصم تحرس سيادتها بغيرة، ولا تحتاج إلى سلطان جديد ولا إلى عبد ناصر جديد.

ويبدو أن انقرة نفسها فهمت ذلك قبل أن تعترف به علنا. فتركيا السنوات الاخيرة تختلف جذريا عن تركيا 2011. تصالحت مع مصر، وطَبعت العلاقات مع الإمارات، ووقعت صفقات دفاعية مع الرياض، وحافظت على تحالفها الاستراتيجي مع الدوحة. وحل مكان الرسالية الايديولوجية توقيع عقود للطائرات المسيرة والبناء والطاقة والنقل. ويهدف مشروع «طريق التنمية»، الذي تبلغ قيمته نحو سبعة عشر مليار دولار ووقعت تركيا والعراق وقطر والإمارات مذكرة بشأنه في ابريل 2024، إلى ربط ميناء الفاو العراقي بالحدود التركية. كما تعود سكة الحجاز بالتعاون مع السعودية. واللافت أن كلا المشروعين يبنى بالشراكة مع العواصم العربية، لا من فوق رؤوسها.

ويظهر جنوب القوقاز كيف يبدو النفوذ التركي حين يقوم على القرابة والمساواة. فقد ثبت إعلان شوشا الذي وقعه في 15 يونيو 2021 رئيس اذربيجان إلهام علييف واردوغان علاقات التحالف بين دولتين مستقلتين تنتميان إلى شعب واحد. وتنجح صيغة «امة واحدة، دولتان» لانها لا تتضمن طرفا اكبر وآخر اصغر. اما في العالم العربي فلا تملك انقرة مثل هذه القرابة، كما أن شركاءها غير مستعدين لقبول حتى التلميح إلى هرمية تظهر احيانا في الخطاب التركي. ومن هنا ياتي الحد الاقصى.

ومع ذلك تملك تركيا اوراقا قوية، ومن السذاجة التقليل منها. اكثر من 85 مليون نسمة، وثاني اكبر جيش عددا في حلف شمال الاطلسي، وصناعة دفاعية تبيع الطائرات المسيرة والمدرعات والسفن والصواريخ من الخليج العربي حتى شمال افريقيا. وهي عقدة عبور بين اوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الاوسط. كما اصبحت المسلسلات والمنتجعات التركية جزءا من الحياة اليومية العربية. ولديها قائد يصعب أن ينافسه كثيرون في مستوى الشهرة داخل المنطقة. وتمنح فلسطين انقرة، اخيرا، القدرة على مخاطبة الشارع العربي من فوق رؤوس الحكومات العربية.

كل ذلك يجعل تركيا القوة غير العربية الاكثر نفوذا في المجال العربي. لكنه لا يجعلها زعيمة لهذا المجال.

يمكن تقديم توقع قابل للاختبار. حتى نهاية 2027 لن تدخل القوات التركية غزة ضمن قوة دولية، ولن تحصل انقرة في التسوية الفلسطينية على دور وسيط مستقل يعادل الدور المصري أو القطري، في حين سيستمر نمو تجارتها مع القاهرة والرياض. ستزداد استفادة تركيا الاقتصادية من السوق العربية، لكنها ستبقى خارج الباب الذي يحسم خلفه العرب قضاياهم العربية.

القطار إلى المدينة المنورة

حكمت الإمبراطورية العثمانية المشرق العربي لان هرما إمبراطوريا كان قائما، وكانت إسطنبول في قمته. في القرن الحادي والعشرين لا يوجد مثل هذا الهرم. توجد بدلا منه دول ذات سيادة، لكل منها جيوشها وصناديقها ونخبها وحساباتها مع الماضي.

ويبدو أن اردوغان يدرك هذا الفارق افضل من كثير من مؤيديه. فحكومته توقع مع الرياض مذكرة بشأن سكة كانت قطارات السلطان تسير عليها يوما، وتقبل بان يتم الاتفاق بين العاصمتين على المسار والتعرفة والمحطات النهائية على قدم المساواة.

وإذا وصل القطار من إسطنبول إلى المدينة المنورة بعد اعوام، فلن يكون في استقباله على الرصيف باشا عثماني، بل موظف حدود سعودي يتفحص بهدوء تاشيرات الركاب الاتراك.