يمتلك الحلف أموالا تزيد ثماني مرات. وتمتلك موسكو عددا أكبر من الرؤوس النووية، فضلا عن اعتيادها المخاطرة. أما أخطر الحروب فقد يشعلها خطأ ارتكبه شخص ما في الحسابات، من دون أن يكون صدور أمر بالهجوم ضروريا أصلا.
في ليلة العاشر من سبتمبر 2025، شهدت سماء بولندا ما لم تعرفه أوروبا منذ زمن الحرب الباردة. فقد عبر نحو عشرين طائرة مسيرة الحدود البولندية، وفتحت مقاتلات هولندية من طراز «إف 35» إلى جانب مقاتلات بولندية، للمرة الأولى في تاريخ الحلف، النار على أهداف روسية فوق أراضي دولة حليفة. وطلبت وارسو إجراء مشاورات بموجب المادة الرابعة من معاهدة شمال الأطلسي. وبعد تسعة أيام، بقيت ثلاث مقاتلات روسية من طراز «ميغ 31» نحو اثنتي عشرة دقيقة داخل المجال الجوي لإستونيا قرب جزيرة فايندلو، فطالبت تالين هي الأخرى بإجراء مشاورات.
لم يسقط قتلى. ولم يعلن أحد الحرب.
ومع ذلك، رأت أوروبا خلال تلك الأيام العشرة، للمرة الأولى، تشريحا حيا لمواجهة كبرى بأبعادها الحقيقية: حادث، ثم رد، ثم تفسير لذلك الرد، ثم خطوة تالية. والسؤال الرئيسي الذي بدأ يناقش بعد ذلك داخل مقار القيادة العسكرية يبدو بسيطا: من سينتصر إذا لم تنقطع هذه السلسلة في يوم من الأيام؟
الحرب بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ممكنة. غير أن إمكانية الحرب، وقرار بدئها، والقدرة على تحقيق النصر فيها، تظل ثلاثة أمور مختلفة. وأخطر الأخطاء في هذا النقاش هو الاعتقاد بأن النتيجة يمكن تحديدها بمجرد عد الدبابات والطائرات أو مليارات الدولارات.
في حرب تقليدية طويلة الأمد ضد حلف شمال الأطلسي المتماسك، ومع مشاركة كاملة للولايات المتحدة، ستكون روسيا في وضع أسوأ بكثير. أما النزاع الإقليمي المحدود فقد يتيح لها تحقيق نجاح أولي ومحاولة تحويله إلى مكسب سياسي. وفي حال تبادل واسع للضربات النووية الاستراتيجية، يفقد مفهوم النصر نفسه معناه. وبين هذه السيناريوهات تمتد مساحة هائلة من عدم اليقين، وفي داخلها تحديدا تتخذ القرارات القادرة على إشعال الحرب.
ثمانية إلى واحد: الرقم الذي يخدع الجميع
لنبدأ بالمال، لأنه نقطة البداية لدى الجميع تقريبا.
تتيح البيانات المنشورة حتى سبتمبر 2026 تقدير نسبة الموارد، لكنها تتطلب قدرا كبيرا من الحذر. فالإحصاءات السنوية الكاملة للإنفاق تتعلق أساسا بعام 2025، فيما لا يزال كثير من مؤشرات عام 2026 عبارة عن خطط وتقديرات أولية.
وفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أنفقت الدول الاثنتان والثلاثون الأعضاء في حلف شمال الأطلسي مجتمعة نحو تريليون و581 مليار دولار على الأغراض العسكرية عام 2025. وقدرت النفقات الروسية بنحو 190 مليار دولار. أي أن الفارق بلغ نحو 8,3 أضعاف.
أنفقت الولايات المتحدة وحدها 954 مليار دولار، أي ما يقرب من خمسة أضعاف إنفاق روسيا. أما الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف، بحسب تصنيف معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فأنفقت 559 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الإنفاق الروسي. وأنفقت ألمانيا 114 مليارا، وبريطانيا 89 مليارا، وفرنسا 68 مليارا، وبولندا 46,8 مليار دولار. وبلغ مجموع نفقات ألمانيا وبريطانيا وفرنسا 271 مليار دولار، متجاوزا الإنفاق الروسي بنحو 43 في المئة. وإذا أضفنا العاملين الديمغرافي والاقتصادي، تصبح الصورة أكثر تباينا: يعيش في دول الحلف ما يقرب من مليار إنسان مقابل نحو 146 مليونا في روسيا، فيما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي المجمع لدول الحلف نظيره الروسي بأكثر من عشرين مرة.
الأرقام مثيرة للإعجاب. لكن تحويلها إلى استنتاج مفاده أن حلف شمال الأطلسي «أقوى من روسيا بثماني مرات» أمر غير جائز.
يحتسب الإنفاق العسكري وفق أسعار الصرف في السوق، في حين تختلف تكاليف العمل والإنتاج والإصلاح والبناء جذريا من دولة إلى أخرى. والمبلغ نفسه يشتري داخل روسيا حجما من العمل والإنتاج يختلف كثيرا عما يشتريه داخل الولايات المتحدة. ويتضح ذلك جيدا من خلال تقديرين صادرين عن مؤسستين مرموقتين. يحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق وفقا لسعر الصرف في السوق. أما المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، فقد أعاد في تقريره السنوي لعام 2024 احتساب الميزانية العسكرية الروسية وفق تعادل القوة الشرائية، فوصل إلى نحو 462 مليار دولار، أي أكثر مما أنفقته جميع الدول الأوروبية مجتمعة. كلا التقديرين مهني وسليم، لكنهما يقيسان شيئين مختلفين: الأول يوضح الوزن داخل الاقتصاد العالمي، والثاني يقترب أكثر من قياس عدد الدبابات والقذائف ورواتب الجنود التي يستطيع الروبل شراءها فعليا داخل البلاد. وفي تقديري، فإن الحقيقة عندما يتعلق الأمر بالحسابات القتالية أقرب إلى الرقم الثاني منها إلى الأول.
إضافة إلى ذلك، تمول الميزانية الأميركية حضورا عالميا. فهي تتحمل نفقات الأساطيل في المحيط الهادئ، والقواعد في الشرق الأوسط، والالتزامات تجاه اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. أما نقل كامل القوة العسكرية الأميركية ذهنيا إلى اتجاه أوروبي واحد، مع تجاهل بقية العالم، فهو تصور خيالي لا يتبناه أحد في وزارة الدفاع الأميركية.
كما أن بنية الإنفاق مهمة. فالمليار الذي يخصص لمنظومة لن تدخل الخدمة إلا بعد عشر سنوات لا يساوي مليارا أنفق على ذخائر تصل إلى الوحدات اليوم. فالمعاشات، وصيانة القواعد، والقوات النووية، وشراء أجهزة الاتصال الميدانية كلها تندرج ضمن الفئة العامة نفسها المسماة الإنفاق العسكري، لكنها تؤثر في نتيجة معركة بعينها بطرق مختلفة تماما.
المال يحدد حدود الممكن. أما جاهزية القوات فتحدد ما يمكن فعله فورا.
اقتصاد الاستنزاف: إلى متى تستطيع موسكو مواصلة الدفع
على الرغم من كل التحفظات، تظل الفجوة الاقتصادية إحدى الحجج الرئيسية لمصلحة حلف شمال الأطلسي في حرب طويلة. فالحرب الكبرى تتطلب تعويضا دائما للخسائر، وإصلاح المعدات، وتدريب الأفراد، وإنتاج الذخائر. المخزونات الأولية تنفد خلال أسابيع، بينما يجب على الصناعة أن تواصل العمل لسنوات.
تتحمل روسيا بالفعل عبئا عسكريا مرتفعا. ووفقا لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وجهت في عام 2025 نحو 7,5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي إلى الأغراض العسكرية. وفي دراسة نشرها المعهد في مارس، قدرت النفقات العسكرية الروسية لذلك العام بنحو 16 تريليون روبل. وكانت الخطة الأولية لعام 2026 تتضمن نحو 14,9 تريليون روبل، أي 6,3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، غير أن الباحثين حذروا من احتمال إدخال تعديلات على الميزانية، ولذلك لا يجوز تقديم الأرقام المخطط لها على أنها نهائية.
وللمقارنة، كانت النفقات الدفاعية في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفييتي، بحسب تقديرات مختلفة، تتراوح بين 15 و25 في المئة من الناتج القومي الإجمالي السوفييتي. وما زلت أتذكر جيدا كيف انتهى ذلك السباق. فالجيش الذي كان يوصف قبل سنوات قليلة فقط بأنه ثاني أقوى جيش في العالم كان يتفكك أمام الأعين حرفيا، بينما كان الضباط في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات يبحثون عما يطعمون به أسرهم. العبء الحالي بعيد عن العبء السوفييتي، والمقارنة هنا ليست مباشرة. لكنها تذكرنا فقط بأن لكل اقتصاد عسكري ثمنا لا يدفع فورا.
ولا يعني العبء المرتفع في حد ذاته انهيارا تلقائيا. فالدولة تستطيع إعادة توزيع الموارد لمصلحة الجيش فترة طويلة. لكن الإنفاق العسكري الإضافي يزيد في الوقت نفسه حدة المنافسة على العمال المهرة، والآلات، والمكونات، والائتمان، وأموال الميزانية. الاستمرار في الحرب مهمة. وخوضها من دون تكاليف اقتصادية متصاعدة مهمة مختلفة تماما.
لدى حلف شمال الأطلسي احتياط مالي أوسع، لكن استخدامه يتوقف على قرارات عشرات الحكومات. ففي قمة لاهاي في يونيو 2025، اعتمد الحلفاء هدفا حتى عام 2035 يتمثل في تخصيص 3,5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي الأساسي، إضافة إلى 1,5 في المئة للمجالات المرتبطة بالدفاع والأمن. ولا ينوي أحد إنفاق كامل نسبة الخمسة في المئة على شراء الأسلحة. ووفقا لتحديث صادر عن الحلف في يوليو، كانت خمس دول أعضاء تتوقع بلوغ الهدف الأساسي البالغ 3,5 في المئة بالفعل في عام 2026. واللافت هو هوية من يتقدم الصفوف: بولندا، ودول البلطيق، والدول الإسكندنافية. كلما اقتربت العاصمة من الحدود الروسية، تسارع نمو ميزانيتها الدفاعية.
تفصل سنوات بين إقرار الميزانية وظهور وحدة عسكرية قادرة فعليا على القتال. فالمصنع يحتاج إلى المعدات والمهندسين. والطائرة تحتاج إلى طيار مدرب وطواقم فنية. واللواء يحتاج إلى قادة ونقل واتصالات ووحدات إصلاح ومخزونات.
ولهذا فإن التفوق المحتمل لحلف شمال الأطلسي لا يلغي قابليته للضعف في المرحلة الأولى.
ستون ساعة إلى تالين: تشريح الضربة الأولى
لا تحتاج روسيا، كي تحقق نجاحا محدودا، إلى هزيمة الحلف بأكمله في وقت واحد. فمن الناحية النظرية، يكفي حشد القوات في اتجاه واحد، وتحقيق نتيجة قبل وصول التعزيزات، ووضع الخصم أمام خيارين: قبول الأمر الواقع أو توسيع الحرب.
الحديث هنا عن منطق محتمل للتحرك، وليس دليلا على وجود قرار متخذ بشن هجوم.
قبل عشر سنوات، أجرت مؤسسة «راند» الأميركية سلسلة من المناورات القيادية بشأن الدفاع عن دول البلطيق. وكانت النتيجة التي نشرت عام 2016 صادمة لبروكسل: ففي ظل انتشار القوات آنذاك، كانت الوحدات الروسية تصل إلى أطراف تالين وريغا خلال 36 إلى 60 ساعة. ورأى الباحثون أن الدفاع الموثوق يتطلب نحو سبعة ألوية، ثلاثة منها ألوية ثقيلة. ومنذ ذلك الحين تغير الكثير. فقد نشرت مجموعات قتالية متعددة الجنسيات للوجود المتقدم في دول البلطيق وبولندا، وبدأت ألمانيا تشكيل لواء مدرع دائم في ليتوانيا، في أول انتشار لوحدة كبيرة خارج أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي فبراير 2025، نشرت الاستخبارات العسكرية الدنماركية تقييما حدد أطر زمنية افتراضية لاستعادة روسيا قدراتها بعد وقف الحرب في أوكرانيا أو تجميدها. وقدرت أن موسكو تحتاج نحو ستة أشهر للاستعداد لحرب محلية مع دولة مجاورة، ونحو عامين لحرب إقليمية ضد عدة دول في منطقة البلطيق، ونحو خمسة أعوام لحرب واسعة في أوروبا من دون مشاركة الولايات المتحدة. وكانت هذه المدد مرتبطة بشروط مهمة: أن تتمكن روسيا من تحرير الموارد، وألا يزيد حلف شمال الأطلسي قدراته بوتيرة مماثلة. وكان التقرير يقدر تطور الإمكانات، ولم يحدد موعدا لهجوم مستقبلي.
القدرة على بدء الحرب لا تثبت وجود نية لبدئها. غير أن الثقة الخاطئة بضعف الخصم قد تقرب اتخاذ مثل هذا القرار.
في المرحلة الأولى ستحسم الأمور القوات الموجودة بالفعل في منطقة الأزمة. فإجمالي عدد الوحدات العسكرية في جميع دول حلف شمال الأطلسي لا يساوي عدد الوحدات التي يمكن زجها في القتال فورا. فاللواء المنتشر مسبقا واللواء الذي لا يزال بحاجة إلى استكمال أفراده وتسلم معداته وعبور عدة حدود على خطوط سكك حديدية مكتظة، لا يملكان القيمة نفسها خلال الأيام الأولى من الحرب. أما أكثر النقاط هشاشة، فهي معروفة منذ زمن لدى جميع القيادات: ممر سوالكي، وهو شريط من الحدود البولندية الليتوانية يبلغ طوله نحو 65 كيلومترا بين مقاطعة كالينينغراد وبيلاروس. وقطع هذا الممر قد يعزل دول البلطيق عن الإمداد البري. ولهذا تحديدا تابعت وارسو وفيلنيوس تدريبات «الغرب 2025» التي جرت في سبتمبر من العام الماضي على أراضي بيلاروس ساعة بساعة.
ومع ذلك، تغيرت الجغرافيا أيضا لمصلحة حلف شمال الأطلسي. فقد انضمت فنلندا إلى الحلف في 4 أبريل 2023، والسويد في 7 مارس 2024. وأصبحت الحدود الفنلندية مع روسيا، التي يبلغ طولها نحو 1340 كيلومترا، حدودا للحلف، فتضاعف تقريبا إجمالي طول الحدود البرية بين الحلف وروسيا. وتحول بحر البلطيق إلى ما يشبه بحيرة داخلية للحلف، في حين أصبحت سانت بطرسبورغ وقاعدة أسطول البلطيق في كرونشتادت ضمن مدى الضرب من ضفتي البحر. كما جلبت فنلندا معها واحدة من أكبر قوات المدفعية في أوروبا، ونظاما شاملا لإعداد الاحتياط لم تتخل عنه عاما واحدا منذ الحرب الباردة. لكن توسيع الحلف يعني كذلك التزامات إضافية، إذ بات عليه الدفاع عن خط أطول بكثير.
واستخلص الحلف أيضا دروسه من حوادث سبتمبر. ففي 12 سبتمبر 2025، أطلق حلف شمال الأطلسي عملية «الحارس الشرقي»، معززا الدوريات الجوية على الجناح الشرقي. وقبل ذلك، في قمة مدريد عام 2022، اعتمد نموذجا جديدا للقوات، ينص على أن يكون أكثر من 300 ألف عسكري في حالة استعداد مرتفعة، وقادرين على الانتقال إلى اتجاه مهدد خلال ثلاثين يوما. لكن الجاهزية على الورق تختلف عن النقل الفعلي بقدر اختلاف الميزانية عن اللواء. فقد اصطدمت التدريبات في السنوات الأخيرة مرارا بالعقبات نفسها: جسور غير مصممة لتحمل أوزان الدبابات الحديثة، ونقص منصات السكك الحديدية، وإجراءات الترخيص عند عبور الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي. ويسمي العسكريون هذه المشكلة «الحركة العسكرية»، وتخصص بروكسل مليارات اليورو لمعالجتها.
تمتلك روسيا على هذا المسرح ورقة قوة خاصة بها ونقطة ضعف خاصة بها أيضا. فمقاطعة كالينينغراد، المكتظة بمنظومات الدفاع الجوي ومجمعات صواريخ «إسكندر»، قادرة على تعقيد عمليات الطيران والأسطول التابعين للحلف فوق جنوب بحر البلطيق. لكنها محاطة من جميع الجهات البرية بأراضي دول الحلف، وسيصبح إمدادها في حرب طويلة مهمة شديدة الصعوبة. أما الميزة الرئيسية للحلف في الحرب التقليدية فما زالت تكمن في الجو: آلاف الطائرات القتالية الحديثة، بما فيها مئات الطائرات من الجيل الخامس. غير أن تجربة أوكرانيا تظهر أن دفاعا جويا كثيفا ومتعدد الطبقات قادر على حرمان حتى أقوى سلاح جو من السيطرة على السماء لفترة طويلة.
ليس هناك أساس موثوق للاعتقاد بسهولة تقدم روسي وانهيار حتمي لدفاع دول البلطيق. والوعد المعاكس بسحق القوات الروسية بسرعة ليس أكثر استنادا إلى الوقائع.
كما أن التقدم الأولي يحتاج إلى تثبيت. فالأراضي التي تمت السيطرة عليها تتطلب الإمداد والحماية. ويحتفظ الخصم بقدرته على جلب الاحتياطيات، وضرب المناطق الخلفية، وتغيير طبيعة الحرب نفسها.
جيش يتعلم بالدم
لا يمكن تقييم الخبرة القتالية الروسية بطريقة أحادية. فالحرب في أوكرانيا تستنزف القوات المسلحة، لكنها تجبرها في الوقت نفسه على التعلم. ووفقا لتقديرات غربية، اقترب إجمالي الخسائر الروسية بين قتيل وجريح من مليون شخص بحلول منتصف عام 2025. وفي الوقت نفسه، أتقن الجيش الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع في الزمن الحقيقي، وأساليب جديدة لاستخدام المدفعية. وفي ليلة 7 سبتمبر 2025، ووفقا لبيانات القوات الجوية الأوكرانية، أطلقت روسيا على أوكرانيا أكثر من 800 طائرة هجومية مسيرة وهدف خداع في هجوم واحد. ولم يسبق لأي جيش من جيوش حلف شمال الأطلسي أن تصدى لغارة بهذا الحجم. كما لا تمتلك الجيوش الأوروبية خبرة مماثلة في حرب عالية الكثافة.
وفي دراسة صدرت عام 2025، رجح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن تكون القوات البرية الروسية، بفضل الإنتاج وإعادة التأهيل والتغييرات التنظيمية، قد اقتربت من المستوى الذي كانت عليه كمية معداتها قبل الحرب. وقدر أن سد النقص في تجهيز الوحدات القائمة بالفعل قد يتحقق بين نهاية 2026 وبداية 2027. أما تجهيز القوات الموسعة المخطط لها فقد يتطلب وقتا حتى الفترة ما بين 2030 و2035 إذا استمرت الوتيرة الحالية. وبموجب مرسوم صدر عام 2024، رفعت القوة النظامية للقوات المسلحة الروسية إلى مليون ونصف المليون عسكري. غير أن هذه كلها توقعات مشروطة وأرقام تخطيطية، وليست تأكيدا على اكتمال عملية استعادة القدرات.
ومن ثم، فإن الخسائر الكبيرة لا تجعل روسيا خصما آمنا. كما أن استعادة عدد الآليات لا تعني استعادة نوعية الجيش. فالقائد الخبير، والطاقم المنسجم، والكتيبة المتماسكة لا تخرج من المصنع مع الدبابة الجديدة.
هل تنسحب أميركا؟ المجهول الأكبر في الدفاع الأوروبي
بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي، تبقى مشاركة الولايات المتحدة ذات أهمية حاسمة. فالمساهمة الأميركية تعني القوات القتالية، والاستخبارات، والأقمار الاصطناعية، ومعالجة البيانات، والتزود بالوقود في الجو، والإمداد اللوجستي للعمليات الكبرى. وفي دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية صيف عام 2026، ورد أن غياب الدعم الاستخباراتي الأميركي سيجعل مراقبة ميدان القتال أقل استمرارا، ويضعف الإنذار المبكر، ويعرقل بدرجة خطيرة استخدام وسائل الضرب بعيدة المدى.
ومن هنا يأتي الفرق الجوهري. فالحرب ضد حلف شمال الأطلسي بأكمله مع مشاركة أميركية كاملة، والحرب ضد الحلفاء الأوروبيين مع دعم محدود من واشنطن، نزاعان مختلفان بفرص مختلفة.
وفي الحالة الثانية، لا تصبح أوروبا بلا دفاع. لكنها ستضطر إلى سد ثغرات حاسمة أثناء الأزمة نفسها، وهذا أسوأ توقيت للارتجال. وفي تقديري، فإن المشاركة الأميركية المحدودة سترفع أولا احتمال تحقيق روسيا نجاحا في المرحلة الأولى. لكنها لن تضمن لموسكو النصر في حرب طويلة.
المادة الخامسة: وعد بلا تشغيل آلي
لا يقل التماسك السياسي أهمية. فالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تنص على تقديم المساعدة للحليف الذي يتعرض لهجوم، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة. غير أن المعاهدة تترك لكل دولة الحق في أن تحدد بنفسها الإجراءات «التي تراها ضرورية». ولا يتضمن النص استجابة عسكرية آلية موحدة لكل حادث. وخلال 76 عاما من وجود الحلف، جرى تفعيل هذه المادة مرة واحدة فقط، في 12 سبتمبر 2001، أي في اليوم التالي للهجمات على نيويورك وواشنطن.
هذا لا يجعل الالتزامات وهمية. لكنه يخلق مساحة لخطأ خطير: فقد يقرر الخصم أن الحلفاء سيقضون وقتا طويلا في الجدل أو أنهم سيرفضون المخاطرة من الأساس.
وقد تبدأ الحرب تحديدا نتيجة مثل هذا الخطأ في الحساب.
سلم بلا درابزين: كيف تبدأ الحروب التي لم يردها أحد
الحرب الكبرى لا تحتاج إلى أمر أولي ببدء هجوم واسع. قد يكفي اصطدام طائرتين، أو حادث مسلح في البحر، أو ضربة تسقط عددا كبيرا من القتلى على أراضي دولة حليفة، أو توسيع متدرج لسلسلة من الأعمال الانتقامية.
كل خطوة تالية تبدو للطرف الذي يتخذها محدودة. أما الطرف الآخر فيراها استعدادا لهجوم واسع. وغياب الرد يفسر على أنه ضعف، والرد يتحول إلى ذريعة للضربة التالية.
السوابق معروفة جيدا. ففي نوفمبر 1983، اعتبرت موسكو تدريبات حلف شمال الأطلسي «آيبل آرتشر»، التي كانت تحاكي إجراءات توجيه ضربة نووية، غطاء محتملا لهجوم حقيقي، فوضع جزء من القوات السوفييتية في حالة تأهب مرتفعة. ومر العالم آنذاك بمحاذاة الكارثة من دون أن يلاحظ ذلك تقريبا. وهناك مثال معاكس أيضا. ففي 24 نوفمبر 2015، أسقطت مقاتلة تركية من طراز «إف 16» قاذفة روسية من طراز «سوخوي 24» قرب الحدود السورية، وقتل الطيار. تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وروسيا قوة نووية، وانهارت العلاقات بينهما. لكن الحرب لم تقع، وبعد نصف عام بدأت الدولتان في استعادة اتصالاتهما. وهذا يعني أن التصعيد ليس قانونا من قوانين الطبيعة، وأن الدبلوماسية والردع قادران على وقفه.
الخطاب العلني خلال العام الأخير يجعل هذا السلم أكثر انحدارا. ففي 2 ديسمبر 2025، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «نحن لا ننوي خوض حرب مع أوروبا، لكن إذا أرادت أوروبا فجأة أن تحاربنا وبدأت ذلك، فنحن مستعدون منذ الآن». وبعد تسعة أيام، في 11 ديسمبر، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في برلين عبارة تناقلتها جميع العواصم الأوروبية: «نحن الهدف التالي لروسيا». وكل طرف يؤكد أنه لا يفعل سوى الرد على تهديد الطرف الآخر. إنها معضلة الأمن الكلاسيكية في صورتها الخالصة.
القذائف غير الموجودة: فخ الأرقام الجميلة
في مواجهة طويلة، ستكون الأفضلية لمن يستطيع الحفاظ على قدرته القتالية بعد نفاد المخزونات الأولية. وهنا تحديدا تصبح المقارنات المبسطة شديدة الخطورة.
فعدد هياكل القذائف المصنعة لا يساوي عدد الطلقات الجاهزة. والطاقة الإنتاجية المعلنة لا تساوي التسليم الفعلي. وتقارير تسلم المركبات المدرعة تجمع في كثير من الأحيان بين المعدات الجديدة والمعدات المعاد تأهيلها. كما أن وجود آلاف الوحدات في المخازن لا يقول شيئا عن مدى صلاحيتها للعمل.
كان الاتحاد الأوروبي يهدف إلى بلوغ إنتاج مليوني قذيفة مدفعية سنويا بحلول نهاية عام 2025، في حين تراوحت التقديرات الغربية للإنتاج الروسي بين ثلاثة وأربعة ملايين قذيفة سنويا. ويضاف إلى ذلك ملايين القذائف التي حصلت عليها روسيا من كوريا الشمالية. تتنقل هذه الأرقام من تقرير إلى آخر، لكن نادرا ما يوضح المقصود بها تحديدا: هل نتحدث عن هياكل القذائف أم الطلقات الكاملة، عن عيار 152 أم 155 مليمترا، عن ذخائر جديدة أم معاد تأهيلها؟ التحليل الموثوق يتطلب مقارنة الفئات المتطابقة. أما الأرقام الإجمالية الجميلة من دون مثل هذه التوضيحات فلا تصنع سوى وهم الدقة.
4400 في مواجهة 4215: حسابات نهاية العالم
هناك حد يفقد بعده التفوق الصناعي والاقتصادي قدرته على توفير طريق مقبول إلى النصر. وهذا الحد هو السلاح النووي.
ووفقا لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في يناير 2026، كانت روسيا تمتلك نحو 4400 رأس نووي ضمن مخزونها العسكري، منها 1718 رأسا منشورا. وقدر إجمالي ترسانتها، بما في ذلك الرؤوس المنتظرة للتفكيك، بنحو 5545 رأسا. أما الولايات المتحدة فكان مخزونها العسكري يبلغ نحو 3700 رأس، منها 1770 منشورا، وإجمالي ترسانتها 5042 رأسا. وقدر المخزون العسكري الفرنسي بنحو 290 رأسا، منها 280 منشورا، والبريطاني بنحو 225 رأسا، منها 120 منشورا. وجميع هذه الأرقام تقريبية. كما أن الرأس النووي المنشور ليس بالضرورة في حالة استعداد فوري للإطلاق.
حسابيا، يبلغ مجموع المخزونات العسكرية للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا 4215 رأسا مقابل 4400 رأس روسي. لكن لا يمكن جمع الترسانات الوطنية الثلاث في ترسانة مركزية واحدة، لأن قرار الاستخدام تتخذه كل دولة بصورة مستقلة. وهناك تفصيل آخر غالبا ما يتم تجاهله: جزء ملحوظ من التفوق العددي الروسي يعود إلى الأسلحة غير الاستراتيجية، أو ما يسمى بالأسلحة التكتيكية، وهي تحديدا التي تمنح في النقاشات العسكرية دور أداة التصعيد «المحدود». ومنذ عام 2023، نشر جزء من هذه الأسلحة في بيلاروس. وفي نوفمبر 2024، حدثت موسكو عقيدتها النووية، مشيرة إلى أن عدوان دولة غير نووية بمشاركة أو دعم دولة نووية سيعامل باعتباره هجوما مشتركا منهما.
في الردع، تكمن الأهمية الحاسمة في القدرة على إلحاق ضرر انتقامي غير مقبول، بينما يصبح العدد عاملا ثانويا. فالتفوق المحدود في عدد الرؤوس لا يمنح القدرة على نزع سلاح الخصم وتجنب انتقامه.
كما أضاف انتهاء سريان معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية الجديدة في 5 فبراير 2026 مزيدا من عدم اليقين. فللمرة الأولى منذ نصف قرن، أصبحت أكبر قوتين نوويتين في العالم من دون قيود ملزمة قانونيا على ترساناتهما الاستراتيجية ومن دون عمليات تفتيش متبادلة. وكلما تراجعت الشفافية، اتسعت المساحة أمام أسوأ الافتراضات.
وهنا تجدر الإشارة إلى سابقة أخرى. ففي ربيع عام 1999، خاضت الهند وباكستان، وكانتا تمتلكان بالفعل السلاح النووي، حربا في منطقة كارغيل الجبلية. راهنت باكستان على أن المظلة النووية ستسمح لها بتثبيت السيطرة المحلية التي حققتها. وردت الهند بالقوات التقليدية، لكنها لم تتجاوز خط السيطرة، وبعد شهرين انسحبت الوحدات الباكستانية. ثبت أن الحرب المحدودة تحت الظل النووي ممكنة. لكن من بدأها لم يحقق النصر فيها.
قد يمتلك حلف شمال الأطلسي الموارد الكافية لصد هجوم، من دون أن يمتلك وسيلة آمنة لفرض استسلام غير مشروط على روسيا. وقد تحتفظ روسيا بالقدرة على إلحاق أضرار كارثية بالحلف، من دون أن تمتلك طريقا موثوقا إلى الانتصار على الحلف بأكمله.
ولذلك يجب التمييز بين النجاح الدفاعي ومحاولة السحق الكامل لدولة نووية. فالنصر بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي قد يتمثل في صد الهجوم، والحفاظ على أراضي الدول الحليفة، ووقف الحرب. أما النصر السياسي المحدود لروسيا فقد يتمثل نظريا في إرغام الخصم على تقديم تنازلات أو تقويض الثقة داخل الحلف. غير أن النجاح المحلي في الأيام الأولى لا يضمن أيا من هاتين النتيجتين.
خمسة مليارات: ثمن كلمة «النصر»
عند حدوث تبادل نووي واسع، يتغير السؤال نفسه. ففي دراسة نشرتها مجلة «نيتشر فود» عام 2022، قدر أحد سيناريوهات الحرب النووية الروسية الأميركية عدد الوفيات بأكثر من خمسة مليارات شخص نتيجة أزمة غذاء عالمية. ويعتمد هذا الاستنتاج على افتراضات محددة بشأن الحرائق، وانبعاث السخام إلى طبقة الستراتوسفير، وتراجع المحاصيل، ولذلك لا يمكن اعتباره تنبؤا دقيقا بعواقب أي حرب نووية. إلا أن الحجم يكشف الأهم: الكارثة لن تقتصر على الدول المتحاربة.
ومن باكو، تبدو هذه الحسابات واضحة على نحو خاص. فجنوب القوقاز يقع بين جانبي النزاع الافتراضي، وتعبر المنطقة طرق الممر الأوسط، فيما أصبح الغاز الأذربيجاني، الذي صدر منه نحو 13 مليار متر مكعب إلى أوروبا عام 2024، جزءا من أمن الطاقة الأوروبي. وأي حرب كبرى في أوروبا ستضرب كل من يرتبط بها عبر الأنابيب والسكك الحديدية والتجارة، بصرف النظر عن الأعلام المرفوعة فوق الخنادق.
قبل أربعين عاما، وجد زعيما القوتين العظميين صيغة لهذا الأمر. ففي نوفمبر 1985، وقع رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف في جنيف بيانا مشتركا جاء فيه: «لا يمكن الانتصار في حرب نووية، ولا ينبغي خوضها أبدا». وبعد 37 عاما، في يناير 2022، كرر الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة العبارة نفسها حرفيا. وبعد شهر ونصف بدأت أكبر حرب في أوروبا منذ عام 1945.
حكمي
في نزاع إقليمي قصير، يمكن لأي من الطرفين تحقيق نجاح أولي، ويتوقف ذلك على مستوى الجاهزية الفعلية في قطاع بعينه. أما الحرب التقليدية الطويلة ضد حلف شمال الأطلسي الموحد، ومع المشاركة الكاملة للولايات المتحدة، فتعطي الحلف، بفضل موارده المجمعة، آفاقا أفضل بكثير. وإذا كانت المشاركة الأميركية محدودة، يصبح وضع الحلفاء الأوروبيين أكثر تعقيدا بصورة ملحوظة، لكن انتصار روسيا لا يصبح نتيجة محتومة. أما التبادل الواسع للضربات النووية الاستراتيجية فلن يترك منتصرا مستقرا بالمعنى السياسي والاقتصادي.
توقعي قابل للاختبار. لن تقع حرب مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي حتى نهاية عام 2028. لكن حتى نهاية عام 2027، سيطلب حليف واحد آخر على الأقل إجراء مشاورات بموجب المادة الرابعة بسبب طائرات روسية مسيرة أو طائرات مقاتلة أو تحركات في بحر البلطيق، وسيواصل عدد الحوادث الجوية والبحرية في منطقة البلطيق الارتفاع.
ستنشأ أخطر الأوضاع إذا قررت موسكو أن حلف شمال الأطلسي لن يرد، وقررت العواصم الغربية أن روسيا لن تخاطر. حينها سيكتشف الطرفان خطأ حساباتهما بعد بدء العمليات القتالية، عندما يصبح تصحيحها متأخرا.
يمتلك كل طرف قوة كافية لإفشال خطط الآخر. ولا يملك أي منهما ضمانا بأن الحرب التي تبدأ ستنتهي بشروط مقبولة بالنسبة إليه.
حلقت ثلاث مقاتلات من طراز «ميغ 31» فوق جزيرة فايندلو الإستونية نحو اثنتي عشرة دقيقة. الجزيرة صغيرة جدا، ولا يوجد فيها سوى منارة قديمة. في خريف عام 2025، كانت تلك الدقائق الاثنتا عشرة كافية لبدء مشاورات في بروكسل. وفي المرة المقبلة، قد لا تكفي إلا لاتخاذ القرار.