...

يحصي المنتقدون الطلعات القتالية. لكن ما ينبغي إحصاؤه شيء آخر: خلال أربعة وثلاثين يوما فقط، نجح التحالف الجديد في إنشاء أمانة دائمة، وجذب طابور من الدول الراغبة في الانضمام إليه، والأهم من ذلك، تقديم دليل علني على أن الضمانة الأمريكية لأمن الخليج لم تعد تعمل. وفي هذه المنظومة، لا تقف أذربيجان متفرجة، بل تمثل نموذجا عمليا سبق اختباره.

في 14 فبراير 1945، وعلى متن الطراد الثقيل «كوينسي» الراسي في البحيرة المرة الكبرى بقناة السويس، عقد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود صفقة حددت شكل الخليج على مدى ثمانية عقود. وكانت المعادلة في غاية البساطة: النفط السعودي مقابل الأمن الأمريكي. وكل ما جاء بعد ذلك من قواعد عسكرية وعقود بمئات المليارات من الدولارات ومظلة من منظومات «باتريوت» فوق الحقول النفطية، نما من ذلك الحديث الذي دار على سطح السفينة.

في 10 سبتمبر 2026 أغلقت هذه المعادلة علنا. فقد اتصل ولي العهد محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتين خلال يوم واحد: في المرة الأولى ليطلعه على انهيار الجبهة قرب المخا، وفي الثانية ليطلب صراحة شن ضربات أمريكية على الحوثيين. وجاءه الرفض. أوضحت واشنطن أن الأولوية في تلك اللحظة هي إيران ومضيق هرمز، وأن اليمن لا يندرج ضمن هذه الأولويات. وبدلا من الضربات، عرضت تقديم معلومات استخباراتية.

قبل أربعة وثلاثين يوما من ذلك الاتصال، وتحديدا في 7 أغسطس، وقع ولي العهد نفسه في قصر الصفا بمكة وثيقة أخرى مع تركيا وباكستان. وتستحق مصادفة التواريخ وقفة متأنية. يبدو أن أحدا في أنقرة وإسلام آباد قرأ مسار السياسة الأمريكية قبل أن يصبح واضحا للجميع.

واشنطن أغلقت حساب «كوينسي»، وأنقرة فتحت حسابا جديدا

لم يكن رفض 10 سبتمبر ارتجالا، ولهذا تحديدا يكتسب أهميته.

فقد سبقته سلسلة طويلة من الوقائع. في 14 سبتمبر 2019، عطلت ثماني عشرة طائرة مسيرة وسبعة صواريخ جوالة منشأة معالجة النفط في بقيق وحقل خريص، وحجبت عن المملكة 5.7 ملايين برميل من الإنتاج اليومي، أي نحو نصف إنتاجها وحوالي خمسة في المئة من الإمدادات العالمية. اتهمت إدارة ترامب إيران، وأعلنت الجاهزية القتالية الكاملة، لكنها لم تنفذ ضربة واحدة. وفي خريف 2021، ووفقا للبيانات المتاحة، سحبت الولايات المتحدة بطاريات «باتريوت» ووسائل دفاع جوي أخرى من قاعدة الأمير سلطان الجوية، في ذروة الهجمات الحوثية. ثم جاء الانسحاب من أفغانستان، والمساومات بشأن هرمز، وأخيرا المكالمة الهاتفية في سبتمبر.

أنفقت دول الخليج طوال عقود مئات المليارات من الدولارات على الأسلحة الأمريكية تحت مظلة ضمانة تبين عند اختبارها ثلاث مرات أنها أقرب إلى الإعلان منها إلى الالتزام الفعلي. وبلغ الإنفاق العسكري السعودي في عام 2024، بحسب تقديرات المؤسسات المتخصصة، نحو ثمانين مليار دولار، وهو سابع أعلى إنفاق عسكري في العالم. لكن العائد في اللحظة الحرجة اختصر في عرض لتبادل المعلومات الاستخباراتية.

اتفاق مكة هو الرد المباشر والعقلاني على هذه الحسابات. فقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن العمل على الوثيقة استمر عامين وثمانية أشهر، فيما قدرت وكالات دولية مدة التحضير بنحو عام. والفارق بين التقديرين دال في حد ذاته: فحتى وفق أقصر التقديرات، بدأت المفاوضات قبل أزمة سبتمبر بزمن طويل. لم يكن الميثاق استجابة لحالة ذعر، بل كان قد أعد للحظة كانت أنقرة تعتبرها حتمية.

أربعة وعشرون يوما حتى إنشاء الأمانة: رقم قياسي يستحق المقارنة بحلف شمال الأطلسي

تتمثل الحجة الرئيسية للمشككين في أن التحالف ما زال فتيا إلى درجة لا تسمح له بالعمل. لكن المقارنة بتاريخ التحالفات تقود إلى النتيجة المعاكسة.

وقعت معاهدة شمال الأطلسي في 4 أبريل 1949. ولم يعين أول قائد أعلى للقوات المتحالفة إلا في ديسمبر 1950، بينما بدأت القيادة العليا للقوات المتحالفة في أوروبا عملها في 2 أبريل 1951. أي إن نحو عامين مرا بين التوقيع وقيام هيكل عسكري عامل، وذلك في ظل تهديد سوفيتي مباشر ودعم أمريكي غير محدود. أما مجلس التعاون لدول الخليج العربية فتأسس في مايو 1981، ولم تظهر قوات «درع الجزيرة» إلا في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي.

وقع اتفاق مكة في 7 أغسطس 2026. وفي 31 أغسطس فقط، اجتمعت في إسطنبول اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية بتشكيلة تتحدث عن نفسها: من تركيا، هاكان فيدان ووزير الدفاع الوطني يشار غولر ورئيس هيئة الأركان سلجوق بيرقدار أوغلو؛ ومن باكستان، وزير الخارجية إسحاق دار إلى جانب وزير الدفاع وقائد القوات البرية؛ ومن السعودية، وزير الخارجية فيصل بن فرحان ورئيس هيئة الأركان فياض الرويلي. وفي ختام اجتماع واحد فقط، حصل التحالف على اسم رسمي هو «تحالف مكة الدفاعي»، وعلى أمانة دائمة في الأراضي السعودية، واتفاق على أن يكون أول أمين عام من باكستان لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب مسارات عمل تتعلق بتوافق القوات المسلحة، والتعاون في الصناعات الدفاعية، والإنتاج المشترك.

أربعة وعشرون يوما فقط فصلت بين مراسم التوقيع وقيام الهيكل المؤسسي. ولم يعرف أي تحالف دفاعي في القرن العشرين مثل هذه السرعة.

وفي الوقت نفسه، بدأ طابور الراغبين في الانضمام بالتشكل. فقد تحدثت إسلام آباد عن اهتمام ست أو سبع دول ذات أغلبية مسلمة. وذكرت مصادر في تركيا وباكستان أن مصر وأذربيجان من أبرز المرشحين، كما أعلنت بنغلاديش اهتمامها. وبعد مراسم مكة، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاتفاق مفتوح أمام جميع الدول الشقيقة الساعية إلى السلام والاستقرار، ويستند إلى الحق الأصيل في الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. التحالفات التي ينظر إليها بوصفها هياكل فارغة لا تستقطب مثل هذا العدد من الراغبين.

الردع يقاس بما امتنع الخصم عن فعله

تقييم التحالف الدفاعي بعدد القنابل التي أسقطها خطأ منهجي مكلف.

فعلى مدى سبعة وسبعين عاما، لم تفعل المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي سوى مرة واحدة، في 12 سبتمبر 2001. ولم تكن النتيجة قصفا شاملا، بل عملية «مساعدة النسر» لتسيير طائرات الإنذار المبكر في الأجواء الأمريكية، وعملية «المسعى النشط» البحرية في البحر المتوسط. ومع ذلك، لا يخطر ببال أحد أن يصف حلف شمال الأطلسي بأنه وهم لهذا السبب.

والآن لننظر إلى ما فعله الحوثيون في سبتمبر 2026، وما امتنعوا عن فعله.

ما فعلوه هو توجيه ضربات إلى أربع مدن في أقصى جنوب المملكة، هي أبها وخميس مشيط وجيزان ونجران، أي ضمن الحزام الحدودي، واستهداف قاعدة جوية ومنشآت تابعة لشركة النفط، ما أدى إلى إصابة 73 شخصا. كما سيطروا على المخا، ووصلوا إلى ذباب، واستولوا على بريم وجزر حنيش، وأعلنوا حصارا بحريا.

أما ما لم يفعلوه فهو الأهم: لم تقع ضربة واحدة على الرياض أو جدة أو رأس تنورة أو بقيق. ولم تحدث محاولة واحدة لتكرار سيناريو 2019، عندما تعطلت خلال دقائق نصف القدرة الإنتاجية السعودية. بل إن الحركة أعلنت علنا أن حصارها موجه ضد السعودية لا ضد الملاحة الدولية، وتؤكد الأرقام ذلك: ففي 10 سبتمبر عبرت باب المندب 26 سفينة شحن، مقابل متوسط يناهز 27 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

الخصم الذي ضرب في عام 2019 قلب المنظومة النفطية السعودية، أصبح في 2026 يتحرك بحذر داخل المحافظات الحدودية، ويحرص على إبلاغ الملاحة العالمية بأنها خارج دائرة المواجهة. مثل هذا الحذر لا ينشأ من فراغ، بل من الحساب: ففي الدرجات العليا من سلم التصعيد يوجد اليوم شيء لم يكن موجودا عام 2019.

وهذا تحديدا هو الردع.

أنقرة اختارت بناء المنظومة بدلا من فتح الجبهة، وهذه قمة الحرفية الاستراتيجية

يبدو الموقف التركي في سبتمبر متحفظا فقط إلى أن تبدأ قراءته بلغة المال والمؤسسات.

فدخول الطيران التركي الحرب في اليمن كان سيحل مشكلة تكتيكية واحدة ويهدم أربع نتائج استراتيجية. كان تحالف مكة سيتحول فورا من منظومة أمنية مفتوحة إلى ائتلاف محارب، وكان طابور الدول الست أو السبع الراغبة في الانضمام سيتبدد خلال أسبوع. وقد شدد فيدان عمدا على أن الاتفاق يكمل التزامات تركيا تجاه حلف شمال الأطلسي ولا يحل محلها. وهذه صياغة دقيقة تتيح لأنقرة أن تكون صاحبة ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي، وفي الوقت نفسه مهندسة لنظام أمني إسلامي. أما الدولة التي تتحول إلى طرف مباشر في حرب، فمن الصعب أن تحتفظ بهذا الوضع المزدوج.

أما المكسب التركي الحقيقي فيقع في مجال آخر. فقد تجاوزت صادرات تركيا الدفاعية، وفق التقديرات المتاحة، سبعة مليارات دولار عام 2024. وفي يوليو 2023 وقعت أنقرة مع الرياض عقدا لتوريد الطائرات المسيرة الثقيلة «أقنجي»، ووصف بأنه أكبر عقد تصدير دفاعي في تاريخ تركيا. ويضاف إلى ذلك برنامج المقاتلة من الجيل الخامس «قآن»، التي تلقت، بحسب البيانات المتاحة، طلبا إندونيسيا على 48 طائرة في عام 2025، ومنظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات «القبة الفولاذية»، والمشاريع المشتركة مع المنتجين الأوروبيين، والقوة التركية في قطر، ومركز التدريب في مقديشو.

يحول ميثاق مكة كل ذلك من مجموعة صفقات تصدير منفصلة إلى مؤسسة. فتوحيد معايير التسليح، والإجراءات المشتركة، والإنتاج المشترك، ووجود أمانة موحدة تعني أن الدولة التي تدخل مرة واحدة المدار التكنولوجي التركي قد تبقى داخله لعقود. والخليج يملك أكبر ميزانية دفاعية في العالم النامي، وبعد رفض واشنطن في سبتمبر بدأ البحث عن مورد بديل متكامل للمنظومات الدفاعية. ولا يوجد في العالم الإسلامي مورد بهذه المواصفات سوى واحد.

لا يوجد هنا رفض للقتال. الموجود هو رفض لإهدار أصل استراتيجي على هدف لا يستحقه.

إسلام آباد تمسك مفتاحين، وهذا يقوي التحالف

أثار الموقف الباكستاني القدر الأكبر من الحيرة لدى المراقبين الخارجيين، مع أن منطقه واضح.

ففي 8 سبتمبر صاغ وزير الدفاع خواجة محمد آصف الالتزام بأشد العبارات وضوحا: «إن شروط هذا الاتفاق ترتب علينا التزامات، وبإذن الله، إذا وقع عدوان فسنفي بتلك الشروط. لا ينبغي أن يكون هناك أي غموض في هذه المسألة. وعلى الحوثيين أن يدركوا أن أفعالهم قد تترتب عليها استجابة». وأوضحت مصادر باكستانية أن إسلام آباد مستعدة للنظر في المشاركة في ضربات جوية إذا تلقت طلبا رسميا من الرياض عبر القنوات العسكرية، وأن من بين الأولويات التي نوقشت إبعاد الحوثيين عن محافظة صعدة الحدودية.

لكن الطلب لم يقدم.

فالآلية في الميثاق مصممة بحيث يبدأ تفعيلها بقرار سياسي من الطرف المتضرر، لا بصورة آلية. والسعودية لم تتخذ مثل هذا القرار، وهذا حق سيادي لها، وليس رفضا من الآخرين.

أما الأصل الباكستاني الثاني في سبتمبر فكان أهم من أي طلعة جوية. فقد كانت إسلام آباد هي التي استضافت في أبريل 2026 جولة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومن خلال القناة الباكستانية نقل إلى طهران الطلب السعودي بالضغط على الحوثيين. والتكتل العسكري السياسي الذي يملك قناة اتصال عاملة مع الخصم أقوى من تكتل لا يملكها. والقدرة على الإكراه قبل اندلاع الحرب هي أعلى صور المنفعة التحالفية، وهي أقل كلفة من سرب طائرات.

ويضاف إلى ذلك عامل لا يرد في أي مادة من مواد الاتفاق، لكنه يعمل على مدار الساعة. باكستان هي الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. لم تعلن أي مظلة نووية فوق الرياض أو أنقرة، ولا أحد يعتزم إعلانها. والقيمة تكمن تحديدا في الغموض: فأي مخطط عسكري في المنطقة ملزم بأن يأخذ في حسابه أن أحد أعضاء التحالف يمتلك ترسانة نووية وقد تحمل التزاما رسميا بالدفاع الجماعي. وحين يتحول الغموض إلى مهام قتالية محددة، يفقد جزءا كبيرا من قوته.

ما الذي حصلت عليه المملكة في الشهر الأول بينما كان المنتقدون يحصون الطائرات

غالبا ما يناقش الميثاق من الزاوية السعودية بلغة الخسائر. لكن الأكثر عقلانية هو النظر إلى المكاسب، لأنها ملموسة.

أولها حرية الحركة. ففي 9 سبتمبر نفذت القوات الجوية السعودية بمفردها أكثر من ثلاثين ضربة على مواقع الحوثيين في أربع محافظات يمنية، من دون تنسيق مع واشنطن، ومن دون التقيد بقوائم الأهداف الأمريكية المحظورة التي كانت تقيد المملكة بعد عام 2021. لقد تبين أن التحالف الذي لا يطلب إذنا لاستخدام القوة أكثر راحة من حليف كان يجب طلب ذلك الإذن منه.

ثانيها الموقع القانوني. ففي 9 سبتمبر أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا جاء فيه: «ندين بشدة هجمات الحوثيين على السعودية، التي تتجاهل أرواح المدنيين وممتلكاتهم وتؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة». أما الخارجية الباكستانية فوصفت الضربات بأنها انتهاك جسيم لسيادة المملكة وسلامة أراضيها. ولم تستخدم عبارة «سلامة الأراضي» مصادفة، فهي تنقل الهجمات الحوثية من إطار الصراع اليمني الداخلي إلى مستوى العدوان بين الدول، وتبني مسبقا أساسا قانونيا لأي خطوات لاحقة، بما فيها اللجوء إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ثالثها ورقة تفاوضية في بغداد. فامتناع الرياض عن الرد على استهداف خط أنابيب «الشرق والغرب» لا يبدو ضعفا إلا لمن لم يقرأ ما سبقه: ففي أبريل 2026 كانت المملكة قد استدعت السفير العراقي بسبب هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية. والدولة التي يقف خلفها تحالف دفاعي يضم عضوا نوويا تستطيع أن تمنح جارها وقتا للتحقيق. أما الدولة التي لا تملك مثل هذا الظهر، فتضطر إلى الرد فورا كي لا تبدو عاجزة عن حماية نفسها.

رابعها تنويع المشتريات. فبعد الرفض الأمريكي في سبتمبر، ستناقش كل صفقة سعودية جديدة لشراء منظومات أمريكية في الرياض من زاوية موثوقية المورد. وهنا تحصل الصادرات الدفاعية التركية، وخطوط الطيران الباكستانية، وبرامج الإنتاج المشترك داخل التحالف على أفضلية لا يمكن لأي حملة دعائية أن تصنعها.

وتبدو حصيلة الشهر الأول للمملكة على النحو التالي: استقلالية عملياتية أكبر، وإطار قانوني جاهز، ومورد دبلوماسي إضافي، وقناة جديدة للتسليح. وكل ذلك تحقق من دون طلعة جوية واحدة للحلفاء، ومن دون إنفاق دولار واحد على حرب يخوضها الآخرون.

التصميم القانوني: لماذا تعد المادة 51 أكثر موثوقية من زناد آلي

من المفيد هنا النظر من زاوية القانون الدولي، لأن أهم ميزة في بناء مكة مختبئة في هذه الزاوية.

يستند الاتفاق إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، أي حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس. ولا توجد آلية تلقائية، لا في النص ولا في الممارسة. يصف المشككون ذلك بأنه ثغرة. أما القانوني فسيسميه حماية من الاختطاف السياسي.

فالتحالف الذي يعمل آليا هو تحالف يحدد سياسته الخارجية الطرف الذي يطلق النار أولا. وقد اختبرت أوروبا هذا النموذج في صيف 1914، عندما حول نظام الالتزامات الصارمة أزمة محلية إلى حرب عالمية خلال خمسة أسابيع. والميثاق الذي يمكن تفعيله بضغطة زر من الخارج يصبح رهينة لأي استفزاز، بما في ذلك استفزاز تنفذه جهة ثالثة تريد إشعال المواجهة.

وتظهر مشكلة إسناد المسؤولية في الأزمة الحالية ذلك بوضوح. الحوثيون حركة مسلحة غير حكومية. والممارسة الدولية تسمح بالدفاع عن النفس ضد هجوم واسع النطاق تنفذه جهة غير حكومية، لكن نسبة أفعال هذه الجهة إلى دولة معينة تتطلب معيارا مرتفعا. فقد تحدثت محكمة العدل الدولية، في حكمها بقضية «نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة» عام 1986، عن وجود سيطرة فعلية على العمليات المحددة. أما توريد الصواريخ والطائرات المسيرة والمنظومات المضادة للسفن، وهو ما وثقته تقارير الجهات المختصة في الأمم المتحدة، فلا يرقى في حد ذاته إلى هذا المستوى من السيطرة.

وفي 10 سبتمبر ظهر مستوى إضافي من التعقيد. فالطائرات المسيرة التي أوقفت خط أنابيب «الشرق والغرب» السعودي، البالغة طاقته سبعة ملايين برميل يوميا، جاءت وفقا لوزارة الخارجية السعودية من الأراضي العراقية. ومع ذلك، امتنعت الرياض علنا عن الرد، ومنحت بغداد فرصة للتحقيق بنفسها.

فلنتخيل للحظة أن ميثاق مكة صمم بوصفه آلية تلقائية. عندها كانت ثلاث دول، إحداها نووية وأخرى عضو في حلف شمال الأطلسي، ستجد نفسها ملزمة قانونيا بدخول حرب لمجرد انطلاق عدد من الطائرات المسيرة مجهولة الهوية من أراضي دولة لا يعتبرها أحد دولة معتدية. الاتفاق الذي كتب في مكة يستبعد هذا الفخ. إنه يتطلب قرارا سياسيا، وبذلك يظل أداة في يد الدول بدلا من أن يصبح رهينة لطائرات مسيرة يطلقها آخرون.

لماذا يعني ذلك باكو مباشرة

الرؤية الأذربيجانية هنا ليست عنصرا زخرفيا. فهي تفسر لماذا حصل البناء المكي أصلا على رصيد من الثقة في الرياض.

فإعلان شوشا بشأن علاقات التحالف، الذي وقعه رئيس أذربيجان إلهام علييف والرئيس رجب طيب أردوغان في 15 يونيو 2021، يتضمن التزاما بتقديم المساعدة العسكرية المتبادلة عند تعرض أحد الطرفين لتهديد أو عدوان. لكن ما منح الوثيقة وزنها لم يكن صياغاتها، بل ما سبقها: حرب الأربعة والأربعين يوما في خريف 2020، التي استعادت فيها القوات المسلحة الأذربيجانية وحدة أراضي البلاد، فيما حصلت المنظومات التركية والمدرسة التركية في استخدام الطيران المسير على اختبار ميداني. فقيمة اتفاق التحالف تقاس بالقدرة القتالية المثبتة لأطرافه، وباكو قدمت هذا الإثبات في ميدان القتال لا في المؤتمرات.

ثم تشكل ما يعمل اليوم بوصفه إحدى الدعامات الحاملة لبناء مكة. فمنذ عام 2017 تطور أذربيجان وتركيا وباكستان صيغة ثلاثية، وتجري تدريبات مشتركة باسم «الإخوة الثلاثة». وفي فبراير 2024 وقعت باكو مع إسلام آباد عقدا لشراء مقاتلات «جي إف-17 سي، بلوك 3» بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار، وهي أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ باكستان. وتسلم رئيس أذربيجان إلهام علييف الطائرات الأولى في 25 سبتمبر 2024 في مطار حيدر علييف الدولي، ثم جاء طلب إضافي في عام 2025. وأصبحت أذربيجان ثاني أكبر مشغل لهذه الطائرة بعد القوات الجوية الباكستانية نفسها، وأول دولة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي تستبدل المنصة القتالية الروسية بمدار تكنولوجي تركي باكستاني. وبالتوازي، جرى توطين إنتاج طائرات «بايكار» المسيرة داخل البلاد.

عند جمع هذه العناصر معا يتضح أن ميثاق مكة لم يؤسس نظاما جديدا من الصفر. لقد وسع نموذجا قائما بالفعل، هو مثلث أنقرة وإسلام آباد وباكو، الذي اختبر في عام 2020 ودعم بعقود حقيقية، ونقله إلى المنطقة الأعلى قدرة على الدفع في العالم. وعندما أرادت الرياض تقدير قيمة الترابط العسكري التركي الباكستاني، لم تكن بحاجة إلى التخمين. كان النموذج الجاهز موجودا في جنوب القوقاز.

ولهذا يبدو ظهور أذربيجان ضمن قائمة الدول الأكثر ترجيحا للانضمام منطقيا تماما. فباكو في هذه المنظومة ليست طالبة أمن، بل موردة لدليل على أن النموذج يعمل.

الجغرافيا تحولت لمصلحة تركيا وبحر قزوين

يعيد الجانب الاقتصادي من الأزمة رسم خريطة النقل بسرعة تفوق أي إعلان سياسي.

فمضيق هرمز يخضع للسيطرة الإيرانية وهو مغلق فعليا. وباب المندب ينتقل إلى سيطرة الحوثيين: فبعد السيطرة على المخا وذباب وبريم وجزر حنيش، أصبحت الحركة تملك مواقع على جانبي أضيق جزء من الممر. أما الطريق السعودي البديل، وهو خط أنابيب «الشرق والغرب» إلى ينبع، فقد توقف بعد هجوم انطلق من الأراضي العراقية في 10 سبتمبر. وتجاوز سعر خام برنت مئة دولار واتجه نحو مئة وعشرة دولارات.

وفي عالم أصبحت فيه نقطتا الاختناق البحريتان الرئيسيتان في المنطقة موضع تهديد في آن واحد، تكتسب الطرق التي لا تمر بأي منهما علاوة استراتيجية. فخط أنابيب باكو تبليسي جيهان، بطاقة تقارب 1.2 مليون برميل يوميا، ينقل نفط قزوين إلى البحر المتوسط من دون المرور بهرمز أو باب المندب أو السويس. ويعمل ممر الغاز الجنوبي، مع خط الأنابيب العابر للأناضول بطاقة 16 مليار متر مكعب، وفقا للمنطق نفسه. أما الممر الأوسط، الذي نقل في عام 2024 وفق التقديرات أكثر من أربعة ملايين طن من البضائع، فيتحول من خيار احتياطي إلى مسار رئيسي. ويضيف الطريق عبر جنوب أرمينيا، المتفق عليه في واشنطن في 8 أغسطس 2025، الحلقة المفقودة إلى هذه المنظومة.

وفي هذا الوضع تحصل تركيا على الدور الذي استعدت له طوال عشرين عاما: فجيهان تصبح منفذا بديلا في آن واحد لنفط قزوين، وللنفط العراقي أيضا إذا اتخذ القرار السياسي بذلك. كما يستعيد خط كركوك جيهان، الذي تبلغ طاقته التصميمية نحو مليون ونصف مليون برميل يوميا وظل متوقفا طويلا، أهميته الاستراتيجية. يعمل تحالف مكة وخريطة الطاقة في اتجاه واحد: كلاهما ينقل مركز ثقل الأمن الإقليمي من المياه التي تسيطر عليها أساطيل الآخرين إلى اليابسة التي تسيطر عليها أنقرة وباكو.

من الذي خسر فعلا في سبتمبر

خرجت طهران بأقل المكاسب، رغم أنها تبدو ظاهريا رابحة.

فخلال شهر واحد فقط نشأت حول إيران بنية عسكرية سياسية دائمة لها أمانة، تجمع أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي، والدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وأحد أكبر مصدري النفط في العالم، مع باب مفتوح أمام مصر وأذربيجان وبنغلاديش. وكان رد الدبلوماسية الإيرانية لافتا: فالتقارير عن دعوة إلى الحوار لا تؤكدها طهران بصورة نهائية ولا تنفيها، وهذا في حد ذاته يعكس مدى جدية تعاملها مع التحالف. فالدولة التي تحاول التحدث مع تحالف لا تعتبره مجرد ديكور.

أما واشنطن فقد فقدت الاحتكار الذي بنته على سطح «كوينسي». لقد اتخذت الإدارة الأمريكية قرارا عقلانيا من الناحية التكتيكية بعدم فتح جبهة ثانية قبل حسم ملف هرمز، لكنها دفعت ثمنا استراتيجيا: اقتنع الخليج بأن البحث عن بديل كان يجب أن يبدأ في وقت أبكر.

وحصل الحوثيون على موانئ تكتيكية ومشكلة استراتيجية. فكل نجاح لهم عند باب المندب يسرع عملية تحويل التحالف الذي يختبرونه إلى مؤسسة متكاملة، ويقرب اللحظة التي ستطالب فيها الملاحة العالمية برد، وحينها سيكون الرد جماعيا.

أما الدرس بالنسبة إلى جنوب القوقاز فيقرأ من دون ترجمة. فالأمن لا يستأجر من قوة بعيدة مقابل عقود الموارد الطبيعية. تعلمت أذربيجان ذلك في مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما لم تمنع الضمانات الدولية احتلال أراضيها، ثم حسمت المسألة في عام 2020 بجيشها، وبدعم حليف أثبت التزاماته بالفعل. والمنطق نفسه يعيد الآن كتابة البنية الأمنية للخليج.

ثلاثة توقعات مؤرخة

أولا، حتى 31 ديسمبر 2026، لن تنفذ أي طائرة قتالية تركية أو باكستانية ضربة داخل الأراضي اليمنية، لكن حزمة من المساعدات العسكرية التقنية للرياض، تشمل وسائل الدفاع الجوي والطائرات المسيرة ومنظومات الحرب الإلكترونية والذخائر والفرق الفنية لحماية منشآت الطاقة، ستعتمد ويعلن عنها علنا بوصفها تنفيذا لالتزامات الميثاق.

ثانيا، ستدخل الأمانة الدائمة لتحالف مكة مرحلة العمل المنتظم، وسيعلن اسم أول أمين عام قبل نهاية الربع الأول من عام 2027. وستظل سرعة البناء التنظيمي الحجة الرئيسية للتحالف خلال عامه الأول.

ثالثا، سيحدث أول توسع في عضوية التحالف قبل نهاية عام 2027، وتدخل أذربيجان ضمن أكثر الدول ترجيحا لهذا التوسع إلى جانب مصر. ويرجح أن يكون الانضمام تدريجيا: أولا صفة شريك في التعاون الصناعي الدفاعي والتدريبات المشتركة، ثم العضوية الكاملة.

الخلاصة

في 14 فبراير 1945، وعلى سطح طراد أمريكي في البحيرة المرة الكبرى، بادل مؤسس السعودية النفط بالضمانة الأمنية. وفي 10 سبتمبر 2026 اتصل حفيده بواشنطن مرتين، ليسمع أن تلك الضمانة لم تعد تعمل.

والفارق بين التاريخين أن الحفيد كان قد وقع بالفعل وثيقة أخرى. ولم توقع على متن سفينة أجنبية، بل في مكة، مع شركاء لا يطالبون مقابل الأمن بقواعد عسكرية، ولا بولاء سياسي، ولا بحق إملاء جدول الأعمال الداخلي.

لم يخض ميثاق مكة حربا في سبتمبر. لكنه فعل ما هو أكبر: أجبر الآخرين على أخذه في الحسبان من دون أن يخسر طائرة واحدة، وخلال شهر واحد فقط جمع طابورا من الدول الراغبة في الدخول تحت مظلته. فالتحالفات من هذا النوع لا تختبر بعدد عمليات القصف، بل تختبر بالسؤال التالي: هل تأتي الدول إليها أم تبتعد عنها؟

أما الدليل الأدق على أن هذه البنية كانت موجودة قبل توقيع الوثيقة، فكان يقف على مدرج مطار حيدر علييف الدولي منذ 25 سبتمبر 2024. المقاتلات التي تسلمها رئيس أذربيجان إلهام علييف صنعت في باكستان، وهيأت للعمل مع منظومات تسليح تركية وصينية، ووصلت إلى دولة مرتبطة بأنقرة باتفاق تحالف وقع في شوشا. اتفاق مكة لم يفعل سوى نقل هذا النموذج إلى المكان الذي توجد فيه دول مستعدة لدفع ثمنه الحقيقي.