...

117 قتيلا خلال أربعة أيام، و1790 أسرة فرت من منازلها، وخمس عشرة غارة جوية نفذها الطيران الحكومي، ومضيق لا يتجاوز عرضه تسعة وعشرين كيلومترا. عادت الحرب اليمنية، لكنها باتت تتحدث هذه المرة بلغة الخدمات اللوجستية العالمية، لا بلغة الصراع من أجل صنعاء.

في الثالث من سبتمبر، قرابة الخامسة والنصف فجرا بالتوقيت المحلي، تقدمت مجموعات الاقتحام التابعة لـ«أنصار الله» على عدة محاور في وقت واحد غرب تعز. ومهدت للمشاة نيران المدفعية الميدانية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الهجومية. وكان اتجاه الهجوم نحو مقبنة وجبل حبشي، وهما منطقتان يكاد لا يعرفهما أحد خارج اليمن.

بحلول مساء السادس من سبتمبر، أحصت مصادر طبية من جانبي الجبهة 117 قتيلا، بينهم 54 من أفراد القوات الحكومية و63 مقاتلا من الحركة. وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد أوردت في اليوم السابق حصيلة مختلفة بلغت 129 شخصا، بينهم 66 جنديا حكوميا و62 حوثيا ومدني واحد. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 1790 أسرة غادرت منازلها خلال يومي الثالث والرابع من سبتمبر، فيما أفرغت بعض مخيمات النازحين بالكامل، إذ اضطر الناس إلى الفرار للمرة الثانية، وبعضهم للمرة الثالثة.

الأرقام متباينة. أما اتجاه الضربة فلا خلاف عليه.

بعد مقبنة يبدأ الانحدار نحو ساحل البحر الأحمر. هناك يقع ميناء المخا، وعلى مسافة تقارب ستين كيلومترا إلى الجنوب منه يمتد باب المندب، حيث يضيق البحر الأحمر إلى تسعة وعشرين كيلومترا وينقسم إلى ممرين ملاحيين. وعبر هذا القمع الجغرافي يمر نحو ثمانية في المئة من نفط العالم، وما يصل، وفق تقديرات مختلفة، إلى عُشر حركة الشحن البحري العالمية.

في الثالث عشر من أغسطس، قال هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أمام مجلس الأمن عبارة بدت آنذاك كإنذار دبلوماسي مألوف: يمكن خسارة أربعة أعوام من الهدوء خلال أسابيع قليلة من التصعيد. وبعد ثلاثة أسابيع بالضبط، لم تعد العبارة مجرد مجاز.

الهدنة التي ماتت مرتين

رسميا، انتهت الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة الأمم المتحدة في الثاني من أبريل 2022 في خريف العام نفسه. أما فعليا، فقد صمدت أربعة أعوام: جمدت الجبهات الكبرى، وانحسرت الحرب إلى تبادل لقذائف الهاون وحقول الألغام.

لم تكن تعز هي التي قتلت هذا الوضع.

الذي قتله كان الحرب الإقليمية الكبرى التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران. وبعد ذلك، توالت الأحداث في سلسلة بدا كل رابط فيها محليا، لكن مجموعها انتهى إلى كارثة.

في مطلع يوليو، شن الطيران الحكومي غارة على مطار صنعاء الدولي، بهدف، وفق الرواية الرسمية لعدن، منع هبوط طائرة إيرانية. وبحسب التقارير المتاحة، كانت على متنها بعثة من قيادة الحوثيين عائدة من مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وهبطت الطائرة في مطار آخر. وفي الثاني عشر من يوليو، هاجم الحوثيون مطار أبها الدولي في جنوب السعودية بطائرات مسيرة وصواريخ.

وفي العشرين من يوليو، أعلنت الحركة فرض حصار بحري على المملكة. وكانت الصياغة شديدة الوضوح: يحظر مرور أي سفينة تقوم بالتحميل في الموانئ السعودية أو التفريغ فيها. وبعد يومين، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع تنفيذ هجمات بصواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة على ناقلتي نفط سعوديتين، «إنسيليا» و«ليلى». وأكدت وكالة الأنباء السعودية إصابة «إنسيليا»، مشيرة إلى عدم تعرض الطاقم لأذى. وفي الوقت نفسه، قال سريع إن نحو عشر سفن غيرت مسارها قبل الوصول إلى الموانئ السعودية، لكنني لم أر تأكيدا مستقلا لهذا الرقم.

وهكذا، بحلول سبتمبر 2026، تشكل وضع أعلنت فيه جماعة مسلحة من غير الدول حصارا بحريا على أحد أكبر مصدري النفط في العالم، ونجحت جزئيا في تنفيذه.

ولم يكن الهجوم البري على تعز بداية للتصعيد، بل فصله الرابع.

الكدحة: ثلاثة مقاطع صوتية قادرة على إغراق محافظة كاملة في الظلام

تعز مدينة محاصرة جزئيا منذ عام 2015. تسيطر عليها الحكومة، لكنها تزودها عبر شريان واحد يعمل فعليا، وهو الطريق الممتد غربا نحو الساحل والمخا.

وعلى هذا الشريان تحديدا حقق الحوثيون النتيجة العملياتية الوحيدة التي تستحق الاهتمام. فبحسب صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية في السابع من سبتمبر، حدث الاختراق في منطقة الكدحة على جبهة جبل حبشي. وفي اليوم نفسه، كانت القوات الحكومية منشغلة لا بشن هجوم مضاد، بل بإعادة بناء دفاعاتها وتثبيت الخط والاستعداد لطرد الخصم من المرتفعات التي سيطر عليها.

أهمية هذا القطاع لا تقاس بالكيلومترات المربعة. فقد صاغ إبراهيم جلال، الباحث البارز في مشروع أدلة النزاعات العابرة للحدود والسياسات والاتجاهات، المنطق بدقة: أي تقدم مستدام هنا يؤدي إلى تفكيك شبكة الدفاع بين تعز والساحل، وعزل المخا والخوخة عن التعزيزات والإمدادات، وفتح اقتراب بري يسمح بالضغط على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، وصولا في نهاية المطاف إلى محور باب المندب.

أما المخا، فتعيش تحت النار منذ أسابيع. ففي التاسع من أغسطس، أدى هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة على الميناء إلى مقتل أربعة عسكريين وثلاثة مدنيين وإصابة خمسة عشر شخصا، فيما أسقطت الدفاعات الجوية إحدى عشرة طائرة مسيرة. وفي الثالث من سبتمبر، أعلنت القوات الحكومية إطلاق أربع عشرة صاروخا باليستيا على مناطق الساحل الغربي وتدمير زورق مفخخ كان متجها نحو الميناء. ولاحقا، وردت تقارير عن تدمير زورق مماثل قرب الخوخة.

الزوارق البحرية الانتحارية في المخا تفصيل يسهل تجاهله وسط البيانات العسكرية العامة. لكنه أهم من كيلومترات كثيرة من الجبهة، لأنه الأداة نفسها التي استخدمت عام 2024 لإجبار سفن الحاويات على التوقف.

تسعة وعشرون كيلومترا أغلى من صنعاء

تخاض الحرب الأهلية التقليدية من أجل العاصمة. أما حرب اليمن فتخاض من أجل الممر الملاحي.

صنعاء تحت سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر 2014، ولم تنجح محاولات استعادتها عسكريا خلال أحد عشر عاما. وفي المقابل، تضاعفت قيمة الشريط الساحلي خلال هذه الفترة مرات عدة، والأرقام تتيح قياس حجم هذا التحول.

بين نوفمبر 2023 ويناير 2025، هاجم الحوثيون، بحسب تقديرات الباحثين، أكثر من مئة سفينة تجارية. وكانت النتيجة مدمرة لقناة السويس. فقد انهارت إيرادات القناة من مستوى قياسي بلغ 9.4 مليارات دولار في السنة المالية 2022-2023 إلى نحو خمسة مليارات دولار في عام 2024، أي انخفاض بنسبة 47 في المئة وخسارة لمصر تقدر بنحو 4.4 مليارات دولار من عائدات النقد الأجنبي خلال عام واحد.

بعد ذلك بدأت مرحلة التعافي، وهنا تتباين التقديرات تبعا للمنهجية. فقد أعلن رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في السادس من سبتمبر أن عدد السفن ارتفع خلال النصف الثاني من عام 2026 بنسبة 40 في المئة، فيما زادت الإيرادات الدولارية بنسبة 50 في المئة، وتوقع وصولها إلى ما بين 5.8 و6 مليارات دولار بحلول نهاية ديسمبر، مقارنة بنحو 4.1 مليارات دولار في العام السابق. أما الحسابات المستقلة للقطاع، التي تعتمد السنة التقويمية وتشمل النصف الثاني الكامل من عام 2025، فتقدر إيرادات عام 2025 بنحو سبعة مليارات دولار، وكانت تتوقع تجاوز 8.5 مليارات دولار في عام 2026. ويعود الفارق إلى أن القاهرة تعتمد السنة المالية، فيما يعتمد المحللون السنة التقويمية. لكن المنهجين يتفقان على أمر واحد.

القناة لم تعد إلى نمط العمل الذي كان سائدا قبل الحرب.

المؤشر الذي أراه الأكثر صدقا ذكره ربيع نفسه: يمر اليوم عبر السويس ما بين 14 و15 ألف سفينة، مقابل نحو 26 ألف سفينة في عام 2023. وما يقارب نصف حركة الملاحة لا يزال يدور حول رأس الرجاء الصالح، مضيفا ما بين سبعة وأربعة عشر يوما إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا، وآلاف الأميال من استهلاك الوقود.

حقق الحوثيون هذه النتيجة من دون أن يغرقوا إلا عددا محدودا للغاية من السفن. كان كافيا جعل المرور خطرا بما يكفي لتعيد شركات التأمين كتابة أسعارها، ويعيد ملاك السفن ترتيب جداولهم. في القرن الحادي والعشرين، لم يعد امتلاك أسطول بحري شرطا للسيطرة على مضيق. تكفي منظومات صاروخية متنقلة، وطائرات مسيرة، وزوارق نارية، ونقطة صحيحة على الخريطة.

هذه النقطة موجودة لديهم بالفعل. والهجوم باتجاه المخا محاولة لتوسيعها وتقريبها من الماء.

ألغام أغسطس: كيف حدث هذا قبل اثنين وأربعين عاما

لم يخترع في صعدة مفهوم الإغلاق الرخيص للبحر الأحمر.

بين التاسع من يوليو والخامس عشر من أغسطس 1984، اصطدمت نحو عشرين سفينة تجارية تحمل أعلام الاتحاد السوفيتي واليابان والصين وبولندا واليونان وتركيا وكوريا الشمالية بألغام في خليج السويس وجنوب البحر الأحمر، بما في ذلك باب المندب نفسه. وسجلت مذكرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتاريخ الثامن والعشرين من أغسطس من ذلك العام، رفعت عنها السرية عام 2010، تضرر تسع عشرة سفينة، وأشارت بحذر إلى سفينة ليبية كانت موجودة في المنطقة خلال يوليو، مع التأكيد أن الأدلة لم تكن حاسمة. وأظهرت طبيعة الأضرار استخدام ألغام حديثة ذات رؤوس حربية صغيرة. وأعلنت جماعة سرية تطلق على نفسها اسم «الجهاد» أنها زرعت مئة وتسعين لغما.

لم تغرق أي سفينة.

لكن الرد كان أغلى بما لا يقاس. نفذت الولايات المتحدة عملية «النظرة المكثفة» مستخدمة ثلاث سفن وثماني مروحيات وأكثر من ألف وخمسمئة شخص، في أول استخدام قتالي في التاريخ للسرب الرابع عشر لمروحيات مكافحة الألغام. ونشرت بريطانيا عملية «هارلينغ»، وشاركت في إزالة الألغام قوات فرنسية وإيطالية وهولندية وسوفيتية. وفي ذروة العملية، عملت ست وعشرون سفينة تابعة لست دول أجنبية في خليج السويس والبحر الأحمر. وقفزت أسعار التأمين فورا، رغم أن حركة الملاحة عبر السويس استمرت بصورة قريبة من المعتاد.

سفينة نقل واحدة تحمل الألغام في مواجهة ستة أساطيل واصلت العمل حتى ديسمبر. إن اختلال الكلفة الذي تقوم عليه الاستراتيجية الحوثية اليوم ظهر في هذه المياه نفسها حين كان عبد الملك الحوثي في الخامسة من عمره.

هناك فرق واحد فقط عن عام 1984، وهو ليس في صالح الحاضر. آنذاك، لم تكن هناك جهة تسيطر باستمرار على الساحل، وكان من الممكن تلغيم الممر الملاحي مرة واحدة، سرا، وبأيد غير مباشرة. أما اليوم، فيسيطر على الساحل تنظيم مسلح يمتلك استخباراته وقدراته الإنتاجية، وقادر على تجديد التهديد بلا نهاية. والتقدم نحو المخا محاولة لإطالة هذا الساحل عشرات الكيلومترات الإضافية.

فك كماشة: هرمز شرقا وباب المندب غربا

أتابع ملف هرمز منذ مارس، والخلاصة الأساسية لهذه الأشهر بسيطة: ليس ضروريا إغلاق المضيق حتى ينهار السوق.

يعيش هرمز في حالة وصفتها شركة الاستخبارات البحرية «ويندوارد» بدقة بأنها ليست فتحا للمضيق، بل هدنة خاضعة للرقابة: كل عبور يتطلب تنسيقا مع القوات المسلحة الإيرانية. وأكدت خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي في تقرير صدر مطلع أغسطس أن الهجمات الإيرانية المتقطعة على الملاحة والضربات الأمريكية المضادة عطلت حركة العبور عبر المضيق بصورة خطيرة خلال معظم الأشهر الخمسة السابقة.

وكان رد السوق متناسبا مع ذلك. ففي الثاني عشر من مارس تجاوز سعر خام برنت مئة دولار للبرميل. وسرعان ما انهارت مذكرة الولايات المتحدة وإيران المؤرخة في السابع عشر من يونيو بشأن السماح بمرور السفن التجارية. وفي العاشر من أغسطس، وبعد تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن شروط فتح هرمز غير متوافرة ما دام الحصار البحري الأمريكي قائما، قفز خام غرب تكساس الوسيط بنحو خمسة في المئة إلى 82.13 دولارا، وارتفع خام برنت إلى 87.72 دولارا. وفي بعض سيناريوهات مؤسسة غولدمان ساكس، كان من الممكن أن يتجاوز متوسط سعر برنت مئة دولار طوال عام 2026 وأن يصل إلى 120 دولارا في الربع الثالث إذا طال إغلاق المضيق.

والآن ضعوا فوق هذه الصورة جغرافيا شبه الجزيرة العربية.

هرمز هو المخرج الشرقي. وباب المندب هو المخرج الغربي. وحين يعمل المخرج الشرقي في نظام خاضع للرقابة، تنقل الرياض عبء صادراتها إلى الغرب عبر خط أنابيب «الشرق-الغرب» إلى ينبع، ثم البحر الأحمر، ثم باب المندب. وهذا هو بالضبط المسار الغربي الذي أعلن الحوثيون إغلاقه في العشرين من يوليو.

التناظر شديد الدقة بحيث يصعب اعتباره مصادفة. لا توجد أسس كافية للجزم بأن كل خطوة حوثية تنسق عملياتيا مع طهران، فالحركة تمتلك استقلالية قرار ومطالب خاصة تجاه الرياض. لكن تطابق المصالح الاستراتيجية لا يحتاج إلى إثبات. ففي العشرين من أغسطس، قال حسين محبي، ممثل الحرس الثوري الإيراني، لوكالة «دفاع برس» إن السعودية لن تتمكن بالتأكيد من احتواء اليمن و«أنصار الله»، ولا من البقاء في مأمن من ضرباتهما.

بالنسبة إلى إيران، التي تعرضت شبكة حلفائها في لبنان والعراق لخسائر جسيمة خلال عام ونصف العام، بقيت الورقة اليمنية الأرخص والأكثر فاعلية. أما بناء بنية تحتية بحرية إيرانية على بعد ثلاثة آلاف كيلومتر من بندر عباس، فكان سيكلف طهران أضعاف ذلك.

الطيران عاد إلى سماء اليمن، وهذا أخطر مما يبدو

في الرابع من سبتمبر، نفذت القوات الجوية الحكومية ما لا يقل عن خمس عشرة ضربة على مواقع الحوثيين وتجمعاتهم ومعداتهم في تعز والحديدة.

خمس عشرة طلعة جوية في الشرق الأوسط عام 2026 لا تتجاوز إحصائيا هامش الخطأ. القيمة ليست في العدد، بل في عودة الأداة نفسها: للمرة الأولى في دورة التصعيد الحالية، يستخدم الطيران الحكومي مباشرة ضد الهجوم البري.

ومن هنا يبدأ سلم لا يملك سوى درجة تالية واحدة.

القوات الجوية التابعة لعدن لا تملك سوى عدد قليل من الطائرات الصالحة للعمل، وتعاني نقصا مزمنا في الذخيرة. وأي تصعيد للحملة الجوية سيصطدم حتما بالحاجة إلى القوات الجوية الملكية السعودية. ولهذا تقرأ الضربات الجوية باعتبارها إشارة إلى أن القيادة تعاملت مع الاختراق في الكدحة بوصفه تهديدا استراتيجيا، لا مجرد مشكلة تكتيكية.

والحوثيون يرون هذا السلم بالوضوح نفسه. ومن المعقول افتراض أنهم يختبرونه عمدا.

الخط الأحمر للرياض لا يمر في جبال تعز

دخلت السعودية حرب اليمن في مارس 2015 وهي تتوقع حملة قصيرة. لكنها حصلت على ثماني سنوات من الحرب، وضربات على بقيق، وتراجعا هائلا في صورتها، وحركة لم تنجح الغارات الجوية في القضاء عليها. وبعد عام 2022، بدأت المملكة بصورة منهجية في بناء طريق للخروج: هدنة، وتطبيع مع طهران بوساطة صينية في مارس 2023، ومفاوضات هادئة مع الحوثيين عبر عمان.

يمكن للرياض تحمل خسارة بضعة كيلومترات على جبهات جبال تعز. لكنها لا تستطيع تحمل بنية عسكرية حوثية عند حافة البحر مباشرة.

والسبب يتجاوز صادرات النفط، وهي نقطة نادرا ما تناقش علنا. فواجهة «رؤية 2030» بأكملها تقام على ساحل البحر الأحمر: نيوم ومنتجع تروجينا للتزلج الذي يفترض أن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، ومشروعات شركة البحر الأحمر الدولية، والموانئ والمناطق اللوجستية. وتستعد المملكة لاستضافة معرض العالم لعام 2030 في الرياض وكأس العالم لكرة القدم عام 2034.

مشروع استثماري بهذا الحجم لا يمكن أن يتعايش مع بحر تفرض فيه شركات التأمين رسوما إضافية بسبب مخاطر الحرب. فقصف ناقلة نفط بصاروخ في البحر الأحمر يضرب الميزانية السعودية مرتين: أولا عبر الصادرات، ثم عبر كلفة جذب رأس المال إلى المشروعات العملاقة الساحلية.

ومن هنا يأتي الحد الفاصل. ما دامت المعارك تدور حول المرتفعات، ستكتفي الرياض بالاستخبارات والذخيرة والوقود والمال. أما ظهور أطقم الصواريخ الحوثية على مسافة رؤية مباشرة من الممر الملاحي، فيغير الحسابات فورا.

وحدة لم تكن موجودة قبل تسعة أشهر

هنا تبدأ قصة تكاد التقارير الغربية لا تتناولها، رغم استحالة فهم المعارك الحالية من دونها.

لطالما كانت نقطة الضعف الرئيسية في المعسكر المناهض للحوثيين هي التشرذم. وفي شتاء 2025، كاد هذا الضعف يؤدي إلى انقسام البلاد إلى ثلاثة أجزاء.

في الثاني من ديسمبر 2025، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي هجوما، وخلال شهر واحد سيطر على حضرموت والمهرة وتقريبا كامل أراضي جنوب اليمن السابق، أي ما يقارب 52 في المئة من مساحة البلاد وفق بعض التقديرات. واتهمت السعودية الإمارات بدعم الانفصاليين. وفي الثلاثين من ديسمبر، قصفت قوات التحالف ميناء المكلا، وقالت إن الهدف كان شحنة أسلحة إماراتية أفرغت من سفينتين وصلتا من الفجيرة بعد إطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بهما.

وفي اليوم نفسه، ألغى رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، اتفاقية الدفاع مع أبوظبي ومنح العسكريين الإماراتيين أربعا وعشرين ساعة للمغادرة. وأعلنت الإمارات سحب قواتها «بإرادتها». وفي التاسع من يناير 2026، حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وغادر الزبيدي البلاد. وفي الخامس عشر من يناير، استقال رئيس الوزراء سالم صالح بن بريك، وتولى الحكومة وزير الخارجية السابق شائع الزنداني.

ومن هنا تخرج نتيجة تغير تقييم الحملة الحالية بأكملها.

إن توحيد المعسكر الحكومي، الذي يوصف اليوم بأنه وضع جديد، لم يتجاوز عمره ثمانية أشهر. ولم ينشأ نتيجة عملية سياسية يمنية، بل بفعل تحكيم سعودي بالقوة بين حلفاء التحالف. والحوثيون يهاجمون بنية متماسكة بقوس خارجي، وأحد أهداف العملية هو اختبار قدرة هذا القوس على الصمود.

وقدمت الأيام الأربعة الأولى إجابة غير متوقعة. القوس صمد.

حيس: الهجوم المضاد الذي لم يخطط له الحوثيون

في الخامس من سبتمبر، أعلنت القوات الحكومية والقوات المشتركة التحرير الكامل لمديرية حيس جنوب الحديدة. وكان مركز المديرية قد استعيد عام 2018، لكن أطرافها الريفية بقيت تحت سيطرة الحوثيين لسنوات. وبحلول السابع من سبتمبر، انتقلت الوحدات الحكومية من الاحتواء إلى المطاردة، وتحركت شمالا باتجاه مديرية الجراحي.

يستحق معنى هذا المحور شرحا مستقلا، لأنه يحول الهجوم الحوثي إلى فخ عملياتي. فالسيطرة على الجراحي تفتح الطريق نحو الحديدة الخاضعة للحوثيين وتقطع خط الاتصال الذي يربط المحافظة بإب وتهامة. والحديدة هي الميناء الرئيسي في الجزء الخاضع للحوثيين من البلاد، والقناة الأساسية لإمداد الشمال.

وفي الوقت نفسه، تقدمت القوات الحكومية في الخامس من سبتمبر على جبهة حيفان جنوب شرقي تعز، لتصبح في موقع يهدد طرق الإمداد الحوثية نحو شمال غرب لحج وجنوب تعز. وتتحدث مصادر ميدانية عن عشرات الأسرى، بينهم عدد كبير من القاصرين، وهي تفصيلة تكشف عن حالة الاحتياطي التعبوي للحركة أكثر مما تكشفه أي بيانات رسمية.

تبدو حصيلة الأيام الأربعة على النحو الآتي. حقق الحوثيون اختراقا تكتيكيا قرب الكدحة، وأصبحوا يهددون طريق تعز-المخا. وفي المقابل، فتحوا جبهة قرب الحديدة بدأ فيها خصمهم الهجوم لأول مرة منذ سنوات. ولم تكن هذه المقايضة في صالحهم.

لماذا تحتاج الحركة إلى الحرب الآن تحديدا

المستوى الأول من الإجابة داخلي، وقد طرحه شخص يصعب وصف موقفه بالحياد، لكن ذلك لا يضعف حجته. ياسين سعيد نعمان، سفير اليمن لدى بريطانيا وأحد أقدم السياسيين الجنوبيين، وصف الهجوم بأنه محاولة لصرف الانتباه عن القمع والجوع وعدم دفع رواتب موظفي الدولة وانهيار الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة للحركة. كما دعا إلى تحويل مقبنة إلى مقبرة لهذا المشروع العسكري.

الصياغة حادة وبلاغية، لكن الآلية الموصوفة صحيحة. فالحركة المسلحة التي قامت على التعبئة الدائمة تفسر الانهيار الاقتصادي بالحصار والعدوان. أما السلام فيعيد الأجندة إلى الرواتب ونوعية الحكم، وهي أسئلة أشد خطرا على البنية الثورية من صواريخ الخصوم.

المستوى الثاني عسكري. خلال أربعة أعوام من الهدوء، حققت الحركة قفزة تكنولوجية: استخدام واسع للطائرات المسيرة، وتحسن دقة الصواريخ الباليستية، وإتقان وسائل مكافحة السفن والزوارق النارية.

أما المستوى الثالث فإقليمي. فقد قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في مطلع سبتمبر إن الحوثيين أنشأوا شبكة عابرة للحدود لتبادل الأسلحة والتقنيات والخبرات وتدريب الأفراد، تشمل اتصالات مع حركة «الشباب» الصومالية، وإنهم يوسعون عملياتهم على جانبي خليج عدن. لا أستطيع التحقق من هذا الادعاء بصورة مستقلة، ولذلك أضعه في خانة الاتهامات المدعومة بقرائن، لا الحقائق المثبتة.

حسابات لا تتطابق

خلال أربعة أيام، تراوحت الأرقام المتداولة بين خمسين و129 قتيلا. ولا يعود هذا التفاوت بالضرورة إلى سوء نية، بل إلى طبيعة آليات الإبلاغ نفسها.

قالت «العربية» إن ما لا يقل عن مئة شخص قتلوا من الجانبين خلال يوم الخميس وحده. وفي اليوم نفسه، تحدثت وسائل الإعلام اليمنية الرسمية عن خمسين حوثيا بين قتيل وجريح، بينهم قائدان ميدانيان. لكن فئة «القتلى والجرحى» لا يمكن مقارنتها بفئة «القتلى» وحدها. وبلغت حصيلة وكالة الصحافة الفرنسية حتى الخامس من سبتمبر 129 شخصا. أما المصادر الطبية من الجانبين، فقد استقرت بحلول السادس من سبتمبر عند 117.

تقديري أن حصيلة المصادر الطبية، أي 54 من أفراد القوات الحكومية و63 حوثيا، تمثل الحد الأدنى الأكثر تماسكا، لأنها جمعت من مستشفيات على جانبي الجبهة ولا تعتمد على بيانات المكاتب الإعلامية العسكرية. وكل رقم أعلى يحتاج إلى تأكيد. أما الأرقام الأدنى فتعكس دوافع الأطراف في الحرب الإعلامية أكثر مما تعكس حالة المستشفيات.

لكن حجم القتال لا يثير شكوكا. لم يشهد غرب اليمن معارك برية بهذا الثقل منذ عام 2022.

الجوع يصل قبل الجيش

تبدأ الحرب في بلد استنفد كامل هامش صموده.

وفق تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 21 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية في عام 2026. ويواجه نحو 18.3 مليون شخص انعدام أمن غذائي حادا، بينما يعاني 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد. وهناك نحو 4.8 ملايين نازح داخل البلاد، كثير منهم نزحوا أكثر من مرة. ويستورد اليمن قرابة تسعين في المئة من غذائه.

وفي الوقت نفسه، انهار التمويل. لم يمول من خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 سوى 29 في المئة، وبحلول أغسطس 2026، قال منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة توم فليتشر إن النداء لم يحصل إلا على نحو 20 في المئة من التمويل المطلوب. وصاغ فليتشر النتيجة بلا تلطيف دبلوماسي: عندما ينخفض التمويل، تقلص الحصص الغذائية وتغلق العيادات.

بعد ذلك تبدأ الآلية التي أتقنها اليمن حتى أصبحت شبه تلقائية. تبدأ المعارك أولا. ثم الطرق. ثم الموانئ.

في الخامس من سبتمبر، أصاب هجوم صاروخي طريق هيجة العبد الذي يربط تعز بالمناطق الجنوبية. ووفقا لوكالة سبأ الحكومية، قتل أربعة مدنيين وأصيب تسعة، كما أصيبت حافلات ركاب. وفي السادس من سبتمبر، أدى إطلاق نار من قناصة في الأحياء السكنية بالكدحة والرحبة إلى إصابة امرأة وثلاثة أطفال.

ليس ضروريا تدمير الطريق ماديا. يكفي أن يتوقف الناس عن استخدامه، فتشل المنطقة. الحصار الناعم أرخص من التمهيد المدفعي، ويعمل بصورة أسرع.

ثلاثة سيناريوهات وأربعة تنبؤات قابلة للاختبار

السيناريو الأول هو استقرار محدود. يحتفظ الحوثيون بجزء من المرتفعات، وتستعيد القوات الحكومية البقية، ثم تتجمد الجبهة. ويعلن الطرفان الانتصار. أقدر احتمال ذلك بنحو النصف.

السيناريو الثاني هو معركة طويلة على الساحل الغربي. تتحول المخا إلى منطقة خطر عسكري دائم، وتزيد الرياض دعمها الاستخباراتي واللوجستي من دون أن تعود رسميا إلى الحرب. أقدر احتماله بنحو الثلث.

السيناريو الثالث هو تحول الحرب إلى صراع إقليمي أوسع. يضرب الحوثيون البنية التحتية للطاقة السعودية، وتستأنف المملكة حملتها الجوية فوق صنعاء وصعدة، وتندمج الجبهة اليمنية مع الجبهة الإيرانية. هذه هي النسبة المتبقية، لكنها تحمل كامل ثقل العواقب.

ولكي يكون هذا النص قابلا للتحقق، لا للقراءة فقط، أسجل أربعة تنبؤات.

لن يقطع طريق تعز-المخا بصورة مستدامة قبل الأول من نوفمبر 2026، لأن القوات المهاجمة لا تمتلك القدرة اللوجستية اللازمة للاحتفاظ بالكدحة تحت ضربات الطيران والمدفعية من محورين. ولن تنفذ القوات الجوية الملكية السعودية ضربات معلنة رسميا على صنعاء حتى نهاية أكتوبر 2026، ما لم يصب الحوثيون منشأة نفطية سعودية. ولن ينتقل ميناء الحديدة إلى طرف آخر خلال عام 2026، رغم نجاح القوات الحكومية قرب حيس. كما لن تعود قناة السويس خلال العام الجاري إلى مؤشرات عام 2023، وسيكون توقع أسامة ربيع بإيرادات بين 5.8 و6 مليارات دولار سقفا لا حدا أدنى.

إذا أخطأت، فسأعترف بذلك علنا.

الخطأ الأكبر هو اعتبار اليمن هامشا من جديد

لعقود، تعاملت السياسة العالمية مع اليمن باعتباره هامشا إنسانيا: بلد فقير، وحرب أهلية لا تنتهي، وقبائل، وجوع، والأمم المتحدة تطلب المال.

الجغرافيا لا تميز بين الأغنياء والفقراء. إنها تميز بين العقد.

حركة مسلحة من أفقر دول العالم العربي أجبرت نصف أسطول الحاويات العالمي على الدوران حول أفريقيا، وانتزعت مليارات الدولارات من ميزانية مصر. لقد انفصلت نهائيا القوة الاقتصادية للدولة عن قدرتها على خلق مشكلات عالمية. ولم تعد هناك حاجة إلى حاملة طائرات. المطلوب صواريخ متوسطة المدى، وطائرات مسيرة، وزوارق نارية، وستون كيلومترا من اليابسة في المكان الصحيح.

مفارقة سبتمبر 2026 أن أحدا لا يحتاج رسميا إلى حرب كبرى. أمضت الرياض أربعة أعوام في بناء طريق للخروج من اليمن، فاكتشفت أن هذا الطريق يعيدها إليه. وعدن تحتاج إلى إعادة بناء الاقتصاد، لا إلى فتح جبهات جديدة. وطهران تحتاج إلى ورقة ضغط، لا إلى خسارتها. وملايين اليمنيين يريدون إنهاء عقد من الكارثة.

لكن الحروب من هذا النوع تبدأ بطريقة مختلفة. كل طرف يتخذ الخطوة التالية التي تبدو عقلانية من وجهة نظره، ثم يسمى مجموع هذه الخطوات العقلانية بالتصعيد.

في الخامس من سبتمبر، كان مصورو وكالة الصحافة الفرنسية في حيس، على بعد ثمانية وستين كيلومترا من تعز، يصورون مقاتلين ينقلون إلى الجبهة في صناديق شاحنات صغيرة: بنادق آلية، وقاذفات على الظهور، وغبار.

ومن صندوق تلك الشاحنة إلى الممر الملاحي الذي تعبره حاوية قادمة من شنغهاي إلى روتردام، أقل من مئة كيلومتر بخط مستقيم.

الاقتصاد العالمي لم يدرك بعد كم أصبحت هذه المسافة قصيرة.