...

بينما كانت بيشكيك تشهد توقيع 28 وثيقة حول الموانئ ومراكز البيانات وبرنامج مكافحة المخدرات حتى عام 2030، عاد إطلاق النار إلى مضيق هرمز، وفي نقطة تقاطع هذين المسارين برزت أذربيجان.

في ليلة 31 أغسطس 2026، وقبل ساعات قليلة من جلوس قادة عشر دول في مركز المؤتمرات «إيريس أوردو» في بيشكيك لالتقاط الصورة البروتوكولية، شنت طائرات أمريكية مسيرة ضربة على منصتي إطلاق في جزيرة لارك الإيرانية. وقالت القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط إن الضربة استهدفت منع محاولة من الحرس الثوري الإيراني لزرع ألغام في مضيق هرمز. ورد الحرس الثوري بضربات صاروخية استهدفت منشآت أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة. وإلى الجنوب، داخل المضيق نفسه، اصطدمت ناقلة نفط عملاقة بلغم بحري، فيما انخفض عدد السفن التي قررت عبور هرمز إلى نحو خمس سفن يوميا. وخلال ساعات قليلة قفز سعر خام برنت بأكثر من خمسة في المئة.

وفي تلك اللحظة بالذات كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طريقه إلى بيشكيك للمشاركة في قمة تحمل طابعا يوبيلـيا لمنظمة تأسست قبل خمسة وعشرين عاما بهدف خفض التوتر على الحدود، فيما باتت اليوم توقع مفاهيم لتطوير الذكاء الاصطناعي وخططا لبناء الموانئ. وكان التناقض بين الشعار المعلن للقمة، «25 عاما لمنظمة شنغهاي للتعاون: معا من أجل سلام مستدام وتنمية وازدهار»، وبين ما كان يجري في الخليج العربي حادا إلى درجة جعلته، ربما، أدق تعبير عن ماهية منظمة شنغهاي للتعاون اليوم. فهي ليست بديلا عن الفوضى العالمية، بل فضاء تحاول فيه الدول بناء مؤسسات طويلة الأمد من دون انتظار انتهاء تلك الفوضى.

من ناد حدودي إلى منظومة قارية

تاريخ المنظمة أكثر واقعية وأقل طموحا من صورتها الحالية. ففي عام 1996 شكلت الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان «خماسية شنغهاي»، بوصفها آلية لخفض التوتر العسكري على حدود الصين مع الجمهوريات السوفيتية السابقة. وبعد خمس سنوات، في يونيو 2001، انضمت أوزبكستان إلى المجموعة، وأعلن رسميا تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، ثم اعتمد ميثاقها في 7 يونيو 2002. وخلال نحو خمسة عشر عاما تركز جدول أعمالها أساسا على الإرهاب والانفصالية والتطرف، وهي التهديدات الثلاثة التي وردت في اسم الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب، ومقره طشقند، وهو أقدم جهاز دائم تابع للمنظمة.

غير أن التوسع غير طبيعة البنية بصورة جذرية. ففي عام 2017 انضمت الهند وباكستان في الوقت نفسه، وهما دولتان خاضتا عدة حروب ولا تزال بينهما قضية إقليمية غير محسومة بشأن كشمير. وفي عام 2023 أصبحت إيران عضوا كامل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون، ما منح المنظمة امتدادا مباشرا إلى الخليج العربي. وانضمت بيلاروس في عام 2024. وتضم المنظمة اليوم عشر دول، بينها ثلاث قوى نووية هي روسيا والصين والهند، إضافة إلى باكستان المسلحة نوويا، فضلا عن أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان وتقريبا كامل المجال القزويني والآسيوي الأوسط في الفضاء السوفيتي السابق. ولم يعد من المنطقي مقارنة هذه البنية بتكتل إقليمي تقليدي، إذ نحن أمام منظومة سياسية ذات نطاق قاري، شديدة التنوع في تركيبتها، ولا تمتلك آلية للدفاع الجماعي.

وقد أبرز حجم تجمع بيشكيك هذا التنوع تحديدا. فإلى جانب الدول العشر الأعضاء، وصل إلى المدينة قادة وممثلون عن أذربيجان وأرمينيا ومنغوليا وتوغو وتركيا ولاوس، فضلا عن وفدين من فيتنام ومصر. ووفقا للمكتب الصحفي لرئيس قرغيزستان، بلغ العدد الإجمالي للدول الأجنبية المشاركة 17 دولة. وانضم إليهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي وصل إلى بيشكيك في 31 أغسطس، يوم استقلال قرغيزستان، إلى جانب الأمناء العامين لرابطة الدول المستقلة ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ورئيس مجلس اللجنة الاقتصادية الأوراسية، والأمين العام لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا. وخلال لقائه مع جاباروف أشار غوتيريش إلى أن قرغيزستان، التي انتخبت للمرة الأولى عضوا غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2027 و2028، ستصبح في قلب الجهود الدولية الرامية إلى ضمان السلام والتنمية المستدامة، وهي عبارة تضع قرغيزستان، على تواضع حجمها، في صف الدول المؤثرة في تشكيل جدول الأعمال العالمي.

28 وثيقة تقول أكثر من أي خطاب

في ختام اجتماع مجلس رؤساء الدول، وهو الاجتماع السادس والعشرون في تاريخ المنظمة، الذي عقد في الأول من سبتمبر برئاسة رئيس قرغيزستان صادر جاباروف، جرى توقيع 28 وثيقة. وكان أبرزها رسميا إعلان بيشكيك بمناسبة مرور 25 عاما على تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، والبروتوكول الخاص بإدخال تعديلات على ميثاق عام 2002. فالمنظمة، بعد أن اتسعت إلى نطاق قاري، بدأت تعيد صياغة نصها التأسيسي بما يتناسب مع حجمها الجديد.

غير أن قائمة الوثائق الأخرى كانت أكثر دلالة. فقد اعتمد النظام الأساسي للمركز الشامل لمواجهة تحديات وتهديدات الأمن. وأقرت برامج لمكافحة إدمان المخدرات والمواد المخدرة الاصطناعية حتى عام 2030. كما وقعت خطة للتعاون في مجال أمن المعلومات الدولي للفترة من 2026 إلى 2028. وأقر برنامج إنشاء «الممر التكنولوجي الأخضر» للفترة من 2026 إلى 2030. واعتمد مفهوم لإنشاء مراكز إقليمية لمعالجة البيانات وتطوير صناعة الذكاء الاصطناعي. كما وقعت بصورة منفصلة مذكرات بشأن المناخ والذكاء الاصطناعي والتعاون المعلوماتي، إضافة إلى بروتوكول ملحق باتفاقية التعاون في مكافحة الجريمة الموقعة في 11 يونيو 2010. وحمل قرار إعلان مدينة لاهور الباكستانية عاصمة سياحية وثقافية لمنظمة شنغهاي للتعاون للفترة 2026 و2027 دلالة رمزية، إذ تسلمت باكستان من قرغيزستان رئاسة المنظمة في ختام القمة.

تهريب المخدرات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والمناخ، والموانئ، كلها مجالات تؤكد أن المنظمة التي كانت في بدايتها منشغلة بصورة شبه كاملة بأمن الحدود، تبني حول نفسها بنية تحتية موازية للقرن الحادي والعشرين. ولم تظهر برامج مكافحة المخدرات الاصطناعية والمواد الأفيونية حتى عام 2030 من فراغ. فثلاث دول في المنطقة، هي طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان التي ليست عضوا في المنظمة، تتاخم أفغانستان التي ظلت لعقود المصدر الرئيسي لتدفق الهيروين إلى فضاء الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا. وتجديد هذه البرامج لدورة خمسية جديدة هو إقرار بأن تغيير السلطة في كابول لم يوقف التهريب، بل غير مساراته اللوجستية فحسب.

ولا تغير أي وثيقة من حزمة بيشكيك بمفردها ميزان القوى العالمي. لكن هذه الوثائق مجتمعة ترسم إطارا مؤسسيا سيبقى بعد رحيل القادة الحاليين وانتهاء الأزمات الراهنة.

الموانئ بدلا من الإعلانات: حيث يتقرر مستقبل أوراسيا

الوثيقة الأقل حصولا على الاهتمام في حزمة بيشكيك ليست إعلانا سياسيا، بل خطة عمل لتطوير موانئ الدول الأعضاء ومراكزها اللوجستية للفترة من 2026 إلى 2030. وقد بدأ العمل عليها مسبقا وبصورة عملية. ففي 25 فبراير 2026 ناقش خبراء دول منظمة شنغهاي للتعاون المشروع برئاسة كازاخستان، وفي 10 مارس عقدت جولة جديدة من المفاوضات عن بعد، انتهت بإعداد قائمة بأكبر موانئ المنظمة ومراكزها اللوجستية.

وسيكون من الخطأ النظر إلى هذه الخطة باعتبارها مجرد وثيقة تقنية. فالنقل عاد ليصبح جزءا من السياسة. ولم تعد الكلفة والمسافة وحدهما عاملين حاسمين، بل أضيفت إليهما مخاطر العقوبات، واحتمالات التصعيد العسكري، والسيطرة على المضائق، والقدرة على تجاوز مناطق النزاعات. وقال رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف صراحة خلال اجتماع مجلس رؤساء الدول إن مستوى الترابط الاقتصادي داخل منظمة شنغهاي للتعاون لا يزال دون الإمكانات المتاحة لها، ودعا إلى تسريع إنشاء منظومة موحدة للنقل والخدمات اللوجستية في أوراسيا. وخلف هذه الصياغة حساب واضح، إذ تشير التقديرات إلى أن كازاخستان تؤمن حاليا نحو 83 في المئة من حركة الشحن البري بين الصين وأوروبا، ولا تنوي التخلي عن هذا الموقع للمسارات الجديدة من دون منافسة.

الطريق من كاشغر إلى الغرب: الحساب الصيني والفرصة القرغيزية

يجري حاليا تنفيذ أحد المشاريع التي وضعت مثل هذه الخطط من أجلها. فالسكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان، بطول 532.53 كيلومترا، يفترض أن تربط للمرة الأولى شبكتي السكك الحديدية الصينية والأوزبكية مباشرة، من دون عبور كازاخستان، حيث تستغرق الرحلة حاليا بين 45 و70 يوما. ويبلغ طول المقطع الواقع داخل قرغيزستان 304.84 كيلومترا من خط أحادي المسار قابل للكهربة لاحقا، بسرعة تصميمية تبلغ 120 كيلومترا في الساعة، ويضم عشرين محطة.

وبحلول ربيع 2026 بلغت أعمال البناء ذروة وتيرتها. ووفقا لبيانات نهاية مارس، كان أكثر من خمسة آلاف شخص يعملون في مواقع المشروع في الوقت نفسه، مع استخدام نحو 5600 وحدة من المعدات والآليات. وأشار وزير النقل الأوزبكي إلهوم مخكاموف إلى احتمال اختصار مدة تنفيذ المشروع الأصلية، المحددة بخمس سنوات، بمقدار عام واحد. أما الشحنات القادمة اليوم من كاشغر عبر جبال قرغيزستان إلى أوزبكستان، فلا بد أن تتجه بعد ذلك إلى مكان ما، إما شمالا، أو عبر إيران، أو عبر بحر قزوين. وهنا تحديدا تظهر الزاوية الأذربيجانية في قمة بيشكيك. فكلما زادت منظمة شنغهاي للتعاون من بناء البنية اللوجستية وصولا إلى الساحل الشرقي لبحر قزوين، ارتفعت موضوعيا قيمة الساحل الغربي.

باكو في بيشكيك: ضيف أصبح جزءا من معادلة النقل

وصل رئيس أذربيجان إلهام علييف إلى بيشكيك في 31 أغسطس، وشارك في اليوم التالي في اجتماع الصيغة الموسعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، الذي جمع، بحسب تقديرات مختلفة، ممثلين عن 17 أو 18 دولة أجنبية وست منظمات دولية. وقائمة لقاءاته الثنائية في بيشكيك أكثر أهمية من الصورة البروتوكولية. ففي غضون يومين التقى رئيس أذربيجان إلهام علييف رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، ورئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. كما التقط صورة في أجواء غير رسمية مع رؤساء تركيا وأوزبكستان وإيران، رجب طيب أردوغان وشوكت ميرضيائيف ومسعود بزشكيان.

إذا وضعت هذه اللقاءات على الخريطة بدلا من قراءتها بوصفها دبلوماسية روتينية، تتغير الصورة. كازاخستان تمثل الساحل الشرقي لبحر قزوين ونقطة ارتكاز الممر الأوسط. وإيران تمثل اتجاه الشمال والجنوب والمنفذ إلى الخليج العربي. وأرمينيا تمثل الاحتمال المتعلق بفتح خطوط مواصلات جديدة في جنوب القوقاز. أما تركيا فتمثل امتداد الطريق الغربي نحو أوروبا. وهكذا اجتمع فعليا حول رئيس أذربيجان إلهام علييف في بيشكيك قادة الدول التي تشكل الاتجاهات الأربعة الرئيسية للنقل في الجغرافيا الأذربيجانية، وهي مصادفة تتوقف عن كونها مصادفة عندما تتكرر للمرة الثالثة خلال يومين.

علييف وباشينيان: من خط الجبهة إلى عربات المنتجات النفطية

كانت محادثات رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في 31 أغسطس اللقاء الأكثر حساسية من الناحية السياسية خلال القمة. وأكد الطرفان أهمية قمة السلام في واشنطن التي عقدت في 8 أغسطس 2025، حيث وقعت، بمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وثيقة مشتركة وجرى بالأحرف الأولى اعتماد النص المتفق عليه لاتفاق السلام. ولم يعد موضوع لقاء بيشكيك يتعلق بالحرب، بل بنتائجها العملية، وهي «مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين»، وتوريد المنتجات النفطية الأذربيجانية إلى أرمينيا، وعبور الحبوب وغيرها من سلع الدول الثالثة عبر الأراضي الأذربيجانية، وعمل لجان الحدود.

وحتى وقت قريب كان خط الجبهة وحقول الألغام ووضع الجيوب هي الموضوعات الرئيسية بين باكو ويريفان. أما اليوم فتضم أجندة الزعيمين عربات قطارات وصهاريج وقود وشحنات حبوب. وهذا التغير في مفردات المحادثات حالة نادرة يعكس فيها التحول الخطابي بالفعل تغيرا في الواقع السياسي، بدلا من أن يخفي غياب هذا التغير.

منظمة شنغهاي للتعاون ليست حلفا مضادا لحلف شمال الأطلسي، وهنا يكمن مصدر قوتها

ثمة صورة نمطية راسخة تحيط بالمنظمة، مفادها أن الصين وروسيا تبنيان نسخة أوراسية من حلف شمال الأطلسي موجهة ضد الغرب. لكن اختبار هذه الفكرة بالوقائع لا يدعمها. فمنظمة شنغهاي للتعاون لا تملك آلية للدفاع الجماعي، ولا يوجد التزام على أي عضو بدخول الحرب إلى جانب عضو آخر، كما لا توجد قيادة عسكرية موحدة. وتبقى داخل المنظمة تناقضات حادة، من بينها النزاع الحدودي بين الصين والهند، وثلاث حروب وقضية كشمير غير المحسومة بين الهند وباكستان، فضلا عن الاختلاف الجذري بين طبيعة علاقات إيران مع الغرب وعلاقات دولة مثل كازاخستان به.

قوة المنظمة لا تقوم على الانضباط، بل على غيابه. فالهند ليست مطالبة بتبني الموقف الروسي من أوكرانيا كي تتعاون مع موسكو في قطاع الطاقة. وكازاخستان ليست مضطرة للاختيار بين بكين وواشنطن كي تستضيف قمة الذكرى السنوية للمنظمة. وهذه المرونة هي التي تجعل منظمة شنغهاي للتعاون جذابة للدول التي لا تريد منح أي طرف حقا حصريا في تحديد سياستها الخارجية. وينطبق ذلك أيضا على أذربيجان، التي تبني علاقاتها في الوقت نفسه مع تركيا وآسيا الوسطى وإيران وروسيا والغرب، مع بقائها رسميا خارج المنظمة.

ودفع رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو بهذه الفكرة إلى أقصى حدودها، حين قال على هامش القمة إن منظمة شنغهاي للتعاون قادرة على أن تصبح محفزا لإصلاح الأمم المتحدة نفسها، وهي المنظمة التي يناقش إصلاحها منذ زمن طويل في نيويورك من دون نتيجة. ولو صدر مثل هذا التصريح داخل تحالف عسكري، لكان بدا وكأنه ادعاء باستبدال منظومة الأمن الدولي القائمة. أما داخل منظمة شنغهاي للتعاون، حيث لا يخضع أحد لأحد، فقد بدا كواحد من إعلانات النوايا الكثيرة، لا أكثر ولا أقل واقعية من الوثائق السبع والعشرين الأخرى في حزمة بيشكيك.

مودي في بيشكيك: الاستقلالية الاستراتيجية في التطبيق

جسدت محادثات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه المنطقية بصورة شبه نموذجية. ووفقا لوكالة رويترز، قال مودي لبوتين في بداية اللقاء إن الحرب في أوكرانيا يجب أن تنتهي، مؤكدا أن كل يوم تستمر فيه الحرب يعيد البشرية إلى الوراء، وأن نيودلهي ستواصل دعم جميع جهود السلام. ووفقا لوسائل إعلام روسية، رد بوتين بأن روسيا تتحرك في هذا الاتجاه. وفي الوقت نفسه أعرب رئيس الوزراء الهندي عن ثقته بأن زيارة بوتين المرتقبة إلى قمة مجموعة بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 ستعزز العلاقات الثنائية.

داخل تحالف عسكري كان مثل هذا التعدد في المواقف سيخلق مشكلة سياسية، لكنه يعد أمرا طبيعيا في منظمة شنغهاي للتعاون. فالهند تواصل شراء كميات كبيرة من موارد الطاقة الروسية، وتدعو موسكو علنا إلى السلام، وفي الوقت نفسه تستعد لاستقبال بوتين على أراضيها بعد أسبوعين. وهي ثلاثة مواقف يصعب الجمع بينها وفقا لمنطق الانضباط داخل التكتلات، لكنها تتعايش بهدوء ضمن منطق منظمة لا تشترط الإجماع.

ولافت أيضا ما لم يفعله مودي. فرئيس الوزراء الهندي لم ينضم إلى أي صياغة تتحدث عن جبهة موحدة ضد الغرب، ولم يوقع أي إعلان يشبه قيام تحالف مناهض للغرب، ولم يشكك في الاتصالات الموازية لنيودلهي مع واشنطن وبروكسل. وتنجح الاستقلالية الاستراتيجية للهند تحديدا لأن منظمة شنغهاي للتعاون لا تطالب أعضائها باختيار معسكر، ونيودلهي تستفيد من ذلك بصورة أكثر منهجية من الآخرين، مستخدمة المنصة نفسها للحديث مع موسكو عن السلام، والاستعداد في الوقت ذاته لاستقبال الرئيس الروسي على أراضيها.

شي جين بينغ: تعددية قطبية بلا سيد واحد

وصف رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ، في كلمته أمام الصيغة الموسعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، تشكل عالم متعدد الأقطاب بأنه عملية تاريخية لا رجعة فيها، ودعا دول المنظمة إلى المشاركة بصورة أكثر فاعلية في إصلاح منظومة الحوكمة العالمية. ومن جانبه قال بوتين إن منظمة شنغهاي للتعاون تحولت خلال 25 عاما إلى مركز مؤثر في العالم متعدد الأقطاب. كما ناقش شي جين بينغ وبوتين خلال لقائهما تطوير ممرات النقل الأوراسية، وأمن الطاقة، والتسويات بالعملات الوطنية.

بالنسبة إلى بكين تمثل منظمة شنغهاي للتعاون أداة مريحة. فهي لا تشترط ولاء أيديولوجيا، ولا تحول الشركاء إلى تابعين، وتوفر وصولا دائما إلى آسيا الوسطى وروسيا والهند وباكستان وإيران في الوقت نفسه. والتعددية القطبية في النموذج الصيني لا تبنى بالإعلانات، بل ببنية تحتية موازية، تشمل منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ومبادرة «الحزام والطريق»، وآليات التسوية الإقليمية، والموانئ من النوع الذي نوقش في بيشكيك.

بينما كانت الأوراق توقع في بيشكيك، عاد إطلاق النار إلى مضيق هرمز

تطور الملف الإيراني للقمة بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، لكنه كان أقل قابلية للضبط بكثير. ووصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى بيشكيك برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي، في ظل أول تبادل للضربات بين طهران وواشنطن منذ نهاية يوليو. وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن الضربة على جزيرة لارك استهدفت منع محاولة من الحرس الثوري الإيراني لزرع ألغام في مضيق هرمز. أما الجانب الإيراني فوصف ما حدث بأنه اعتداء، وأعلن تنفيذ ضربات صاروخية انتقامية استهدفت منشآت أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة. ومن المستحيل التحقق من الرواية الأكثر دقة بشأن نتائج العملية، إذ إن كلا الروايتين صادرة عن طرف مشارك في النزاع، كما تختلفان في التفاصيل.

أما التداعيات فكانت قابلة للقياس بصرف النظر عن الرواية الأقرب إلى الحقيقة. فقد انخفضت حركة الملاحة عبر المضيق إلى نحو خمس سفن يوميا، وهو مستوى بالغ الانخفاض بالنسبة إلى ممر كانت تعبره، قبل اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية في نهاية فبراير 2026، نحو خمس إمدادات النفط العالمية وفق التقديرات. وإلى الجنوب من المضيق تضررت ناقلة نفط عملاقة بفعل لغم، فيما ارتفعت العقود الآجلة للنفط. وصعد خام برنت بأكثر من خمسة في المئة متجاوزا 90 دولارا للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 85.8 دولارا. وفي الأيام نفسها حذر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أن واشنطن ستفرض، على الأرجح، عقوبات ثانوية جديدة على إيران أسبوعيا، وهي صياغة لا تترك مجالا لخفض سريع للتصعيد، وتجعل النزاع جزءا من المشهد الذي انعقدت على خلفيته قمة بيشكيك بأكملها.

وفي القمة قال بزشكيان إن إيران مستعدة لتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق المرحلي إذا اتخذت الولايات المتحدة خطوات مماثلة، وربط مسألة فتح مضيق هرمز تحديدا بتصرفات واشنطن. وهي صيغة تقوم على المعاملة بالمثل، وموجهة بوضوح إلى الجمهور الدولي الذي اجتمع في بيشكيك في الأول من سبتمبر.

آسيا الوسطى تكف عن كونها منطقة عازلة بين القوى الكبرى

تكاد آسيا الوسطى نفسها تكون المستفيد الأكبر مما يجري. فكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان باتت تنظر إلى نفسها بدرجة أقل فأقل باعتبارها مجرد ساحة تتنافس فيها موسكو وبكين وواشنطن وأنقرة، وأخذت تضطلع بصورة متزايدة بأدوار وظيفية داخل المنظمة. ولم تعد هذه الأدوار شكلية. فقد ترأست أستانا أعمال الخبراء المتعلقة بالموانئ والخدمات اللوجستية. وتتحول طشقند إلى حلقة رئيسية في بنية السكك الحديدية الرابطة بين الصين والجزء الغربي من أوراسيا، بالتوازي مع توسيع تجارتها مع شركاء آخرين في منظمة شنغهاي للتعاون. وعلى هامش القمة اتفق رئيس الوزراء الهندي مع رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من مستواه الحالي البالغ 1.3 مليار دولار إلى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2030. أما دوشنبه فحصلت على دور وظيفي في البنية التحتية لمكافحة المخدرات داخل المنظمة، وهو امتداد طبيعي لجغرافية الحدود الطاجيكية الأفغانية.

إن إضفاء الطابع المؤسسي على المنطقة عملية أكثر أهمية مما قد يبدو للوهلة الأولى. فآسيا الوسطى تكف عن كونها موضوعا جيوسياسيا، وتتحول تدريجيا إلى طرف فاعل في سياستها الخارجية، يشارك القوى الكبرى في تحديد جدول الأعمال بدلا من تلقيه منها.

السيادة الرقمية لمنظمة شنغهاي للتعاون: مسار بقي في الظل

أكثر مسارات حزمة بيشكيك تعرضا للتقليل من أهميته يتمثل في مذكرة التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، ومفهوم إنشاء مراكز إقليمية لمعالجة البيانات والقدرات الحاسوبية. فالتنافس خلال العقد المقبل لن يدور حول النفط والغاز وممرات النقل فحسب، بل أيضا حول القدرات الحاسوبية وأشباه الموصلات ومراكز البيانات والنماذج اللغوية الوطنية وموارد الطاقة اللازمة لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ومن خلال توقيع هذه الوثائق، تنشئ منظمة شنغهاي للتعاون إطارا مؤسسيا قبل وقت طويل من تحول هذا الموضوع إلى مادة للنقاش العام داخل المنظمة.

والمنطق هنا هو ذاته الذي يحكم مسألة الموانئ. فالدولة التي تبقى خارج شبكة مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية الإقليمية تخاطر بالوقوع في نوع جديد من التبعية، ليست تبعية للمواد الخام ولا للنقل، بل للحوسبة. ومن الناحية الرسمية، تحمل الوثيقة طابعا إطاريا ولا تنشئ هيئة تنظيمية فوق وطنية، لكن مجرد طرح هذه القضية على مستوى رؤساء الدول منذ عام 2026 يكشف مدى سرعة انتقال جدول أعمال المنظمة من أمن الحدود في تسعينيات القرن الماضي إلى السيادة التكنولوجية.

العالم الذي يحل محل العولمة القديمة

كانت العولمة السابقة تقوم على مبدأ الشمولية: سوق عالمية واحدة، وسلاسل توريد مشتركة، وحدود تتراجع أهميتها إلى الحد الأدنى. أما اليوم فيحل محلها منطق الأنظمة الإقليمية والقارية. فأوروبا تبني استقلالها الاستراتيجي، والولايات المتحدة تعيد الحمائية إلى موقع الأداة الرئيسية في سياستها الخارجية، والصين تبني بنية تحتية أوراسية، والهند تمضي في مسار يكرسها مركز قوة مستقلا، وروسيا تعيد توجيه اقتصادها نحو الشرق والجنوب، فيما تنوع دول آسيا الوسطى ممراتها للنقل. ولا يتعلق الأمر بنهاية العولمة، بل بتفككها إلى عدة منظومات متوازية، ومنظمة شنغهاي للتعاون واحدة من مؤسسات هذا العالم الجديد الأكثر تجزؤا.

بالنسبة إلى باكو، الأهم ليس العضوية بل عدم إمكانية تجاوزها

ومن هنا ينبثق الاستنتاج العملي للدبلوماسية الأذربيجانية. فالعضوية الكاملة في كل مؤسسة دولية كبرى هي فئة قانونية، أما أن تصبح الدولة عنصرا جيوسياسيا لا يمكن الاستغناء عنه فذلك أمر أكثر أهمية بكثير. فإذا كانت البضائع الصينية تعبر آسيا الوسطى باتجاه بحر قزوين، فهي تحتاج إلى شريك على الساحل الغربي. وتوسع حركة النقل الكازاخستانية عبر قزوين يتطلب طرفا مستقبلا على الضفة الأخرى من البحر. أما وصول تركيا إلى آسيا الوسطى فيمر بصورة طبيعية عبر الأراضي الأذربيجانية. ويتكامل محور الشمال والجنوب في المساحة الواقعة بين روسيا وإيران، حيث توجد أذربيجان. كما أن فتح خطوط المواصلات عبر أرمينيا ونخجوان يضيف إلى «مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين» تكوينا جديدا للنقل.

كل هذه الخطوط تدور حول دولة واحدة. ولا يقاس إنجاز باكو بعد بيشكيك بعدد القمم التي يدعى إليها رئيس أذربيجان إلهام علييف، بل بالتغير الذي طرأ على الدور الوظيفي للبلاد. فأذربيجان تتحول أمام أعيننا من دولة في جنوب القوقاز إلى عقدة داخل منظومة أوراسية أوسع.

أما الوضع الرسمي فيأتي هنا في المرتبة الثانية. فالعضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون ستمنح باكو صوتا داخل هيئة دولية إضافية، لكنها لن تغير أيا من مفترقات النقل المذكورة. فكازاخستان والصين ستحتاجان في جميع الأحوال إلى الساحل الغربي لبحر قزوين، وتركيا ستحتاج في جميع الأحوال إلى ممر بري نحو آسيا الوسطى، وأرمينيا ستحتاج في جميع الأحوال إلى العبور عبر الأراضي الأذربيجانية كي يتحول «مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين» من مشروع على الورق إلى قطارات وصهاريج تتحرك فعليا. الجغرافيا تصوت لمصلحة باكو بصرف النظر عن عدد المنظمات التي تنتمي إليها.

الخاتمة: تحول لا يزال في بدايته

بعد عدة أشهر، لن يتذكر كثيرون جميع الوثائق الثماني والعشرين التي وقعت في بيشكيك. وستبقى خارطة طريق الموانئ الممتدة حتى عام 2030 وثيقة عمل في أيدي مسؤولي وزارات النقل. كما لن تختفي سكة حديد كاشغر وتوروغارت وجلال آباد وأنديجان، التي تشير الوتيرة الحالية للمشروع إلى احتمال إنجازها قبل الموعد المقرر بعام. وستتولى باكستان رئاسة منظمة شنغهاي للتعاون، ومن المرجح أن تبدأ في إعداد دورة فعالياتها الخاصة تحت شعارها الخاص. وسيصل بوتين إلى نيودلهي للمشاركة في قمة بريكس يومي 12 و13 سبتمبر، وهو أمر سيكون ممكنا التحقق منه خلال أسبوعين فقط. أما الإجابة عن سؤال ما إذا كان مضيق هرمز سيعود إلى الملاحة الطبيعية قبل نهاية عام 2026، فستكون مؤشرا أكثر موثوقية بكثير لما يجري في الشرق الأوسط من أي تصريح دبلوماسي. وستبقى أذربيجان عند تقاطع المسارات التي لا تستطيع الصين ولا روسيا ولا الهند رسمها من دون المرور بمجالها الجغرافي.

لم تتحول منظمة شنغهاي للتعاون، وربما لن تتحول أبدا، إلى مركز سياسي موحد ذي سياسة خارجية مشتركة. وهي لا تحتاج إلى ذلك أصلا. فقد تكون وظيفتها التاريخية مختلفة: أن توفر فضاء تتعلم داخله عدة مراكز متنافسة للقوة كيف تتعايش من دون سيد واحد. فالصين لا تأمر الهند، وروسيا لا تملي على آسيا الوسطى قراراتها، وأذربيجان تعمل في الوقت نفسه مع أنقرة وبكين وموسكو وطهران والغرب من دون أن تختار أحدها على حساب الآخر. وربما يكون التعريف الأدق للتعددية القطبية التي تتشكل أمامنا هو هذا تحديدا: ليس عالما من الحلفاء، ولا عالما تحكمه أيديولوجيا واحدة، بل عالما من الدول التي أصبحت أقل استعدادا من أي وقت مضى لمنح أي طرف حقا حصريا في التحدث باسمها.