...

خلال ثلاثة عقود، غيرت المجتمعات المتقدمة بصورة جذرية مفهومها لنجاح المرأة. فقد حل التعليم العالي والاستقلال الاقتصادي وتحقيق الذات مهنيا محل المكانة التي كان يشغلها سابقا الزواج المبكر والأمومة. وبحلول منتصف عشرينيات هذا القرن، برز تناقض واضح: سوق العمل لم يعد يضمن الاستقرار، وتأسيس الأسرة انتقل إلى أعمار متأخرة، ومعدلات الخصوبة هبطت إلى مستويات تاريخية متدنية، فيما بدأت تقنيات الإنجاب المساعدة في تعويض بعض آثار تأجيل الأمومة.

في عام 2018، كان نموذج المرأة القيادية الطموحة قد بلغ ذروة انتشاره تقريبا. وغيرت حركة «أنا أيضا» طبيعة النقاش العام حول السلطة والعلاقات بين الجنسين. وأصبحت بيونسيه أول امرأة سوداء تتصدر مهرجان كوتشيلا بوصفها النجمة الرئيسية. وكانت منصات جيزيبل ومان ريبيلر وريفاينري 29 تشكل جزءا كبيرا من الأجندة الليبرالية الحضرية. وفي انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، انتخب عدد قياسي بلغ 102 امرأة لعضوية مجلس النواب، فيما أصبحت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإلهان عمر وأيانا بريسلي ورشيدة طليب رموزا لجيل جديد من النساء في السياسة الأمريكية.

لكن وراء ذلك كان يجري تحول أعمق. فقد نشأت نساء جيل الألفية في بيئة أصبح فيها التعليم والاستقلال المهني من أبرز مؤشرات الحياة الناجحة. وكانت الثقافة الجماهيرية في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين تتحدث عن قوة المرأة والتضامن النسائي والاستقلال، ثم اندمجت هذه القيم في العقد التالي مع المنطق المؤسسي للشركات، بحيث باتت الحرية ترتبط بالمهنة والدخل والمكانة المهنية.

وبحلول عام 2026، اقترب هذا الجيل من سن الأربعين، وبدأ النموذج يواجه اختبار النتائج الفعلية.

النسوية والرأسمالية المؤسسية

اكتسب مصطلح «المرأة القيادية» شهرة واسعة بعد صدور كتاب صوفيا أموروسو «المرأة القيادية» عام 2014. وأصبح التعبير يرمز إلى صيغة من تحرر المرأة تقاس فيها المساواة بقدرتها على منافسة الرجال على المال والنفوذ والمناصب الإدارية والمكانة الاجتماعية.

وعلى خلاف النسوية المبكرة التي ركزت على الحقوق القانونية والتعليم والحماية من التمييز، نقلت النسوية المؤسسية مركز الثقل إلى النجاح الفردي.

وأصبحت المشكلات البنيوية تفسر باعتبارها تحديات تتعلق بالكفاءة الشخصية. فإذا لم تحصلي على ترقية، فعليك الحصول على تعليم إضافي، وتحسين مهارات التفاوض، وبناء علامتك الشخصية، ورفع قدرتك التنافسية.

لكن النظام المؤسسي يظل هرما. يمكن لملايين الأشخاص الحصول على الشهادات، إلا أن عدد الوظائف ذات الأجور المرتفعة والمكانة العالية يظل محدودا.

ووفقا لبيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بلغت البطالة بين خريجي الجامعات الأمريكيين الجدد في الربع الثاني من عام 2026 نحو 5.6 في المئة، فيما وصلت نسبة العمالة الناقصة إلى 42 في المئة. وكان أكثر من أربعة من كل عشرة شباب من حملة الشهادات يعملون في وظائف لا تتطلب عادة تعليما جامعيا.

وبذلك أصبح الافتراض القائل إن الاستثمار في التعليم يضمن بصورة شبه تلقائية الاستقرار المهني أقل صحة بكثير مما كان عليه سابقا.

العمل أصبح جزءا من الهوية

لم يتغير سوق العمل وحده، بل تغير أيضا ترتيب الأولويات والأهداف في الحياة.

في السابق، كانت سيرة الإنسان البالغ تسير وفق تسلسل مستقر نسبيا: التعليم، ثم العمل، ثم الزواج، ثم تأسيس منزل مستقل، ثم الإنجاب. أما بالنسبة للأجيال الحضرية الحديثة، فلم يعد هذا التسلسل إلزاميا. وأصبح العمل عنصرا من عناصر الهوية الشخصية، فيما تحول الاستقلال الاقتصادي إلى أحد الشروط الرئيسية للحرية.

بين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما، يرى 68 في المئة أن امتلاك عمل ممتع أمر بالغ أو شديد الأهمية لحياة مكتملة، ويرى 62 في المئة الأمر نفسه بالنسبة إلى الأصدقاء المقربين. وفي المقابل، يمنح 20 في المئة فقط الأهمية نفسها للزواج، و22 في المئة لوجود الأطفال.

ومع ذلك، فإن غالبية الشباب الأمريكيين لا يرفضون الزواج. فمن بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما ولم يسبق لهم الزواج، يقول 69 في المئة إنهم يرغبون في تأسيس أسرة في المستقبل. لكن 51 في المئة فقط من الشباب الذين لا أطفال لديهم يريدون الإنجاب. وتبلغ النسبة 57 في المئة بين الرجال و45 في المئة بين النساء.

وهكذا، لا يزال الزواج يحتفظ بجاذبيته، بينما تتراجع النظرة إلى الأبوة والأمومة باعتبارهما مرحلة إلزامية من مراحل حياة الإنسان البالغ.

تأخر النضج أصبح القاعدة

تزامن تغير القيم مع تحول اقتصادي. فقد أصبحت مرحلة الانتقال إلى حياة مستقلة مكتملة أطول بصورة ملحوظة.

في الولايات المتحدة، بلغ متوسط العمر عند الزواج الأول في عام 2025 نحو 30.8 عاما للرجال و28.4 عاما للنساء. أما في عام 1975، فكان يبلغ 23.5 عاما للرجال و21.1 عاما للنساء. وخلال نصف قرن، تأخر الزواج بنحو سبع سنوات.

وفي الوقت نفسه، انخفضت نسبة الأسر التي تعيش مع أطفالها القاصرين من 54 في المئة عام 1975 إلى 39 في المئة عام 2025.

كما أصبح الاستقلال الاقتصادي يأتي في سن متأخرة. ففي عام 2025، كان 49 في المئة من الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاما يعيشون مع والديهم، بزيادة قدرها 12 نقطة مئوية مقارنة بعام 2019.

ويتطلب النموذج الحديث أولا إتمام الدراسة الجامعية، ثم تثبيت الموقع في سوق العمل، وتأمين دخل مستقر، وحل مشكلة السكن، وبعد ذلك فقط تأسيس الأسرة. وكل مرحلة من هذه المراحل تستغرق وقتا أطول، ولذلك يرتفع بصورة طبيعية سن إنجاب الطفل الأول.

البيولوجيا لم تتغير مع تغير النموذج الاجتماعي

هنا يظهر التناقض الرئيسي في ثقافة تأجيل الأمومة.

فالعمر الاجتماعي الذي تعتبر فيه المرأة نفسها «مستعدة للإنجاب» ارتفع، أما العمر البيولوجي الأمثل للخصوبة فلم يتغير.

وفي العديد من البلدان المتقدمة، تنخفض معدلات الإنجاب بين النساء دون سن الثلاثين، بينما تصبح الولادات بعد الثلاثين والخامسة والثلاثين وحتى الأربعين أكثر شيوعا.

ومن هذه الزاوية تحديدا يكتسب قرار ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، البالغة 36 عاما، بتجميد بويضاتها دلالة خاصة بوصفه مثالا على هذه الظاهرة. فالحفظ بالتبريد يتيح محاولة فصل الجدول الاجتماعي عن الجدول البيولوجي، إذ تستخرج البويضات في الوقت الحاضر ليجري استخدامها لاحقا.

لكن طب الإنجاب لا يلغي أثر العمر. وتشير الجمعية الأمريكية للطب التناسلي إلى أن عمر المرأة عند استخراج البويضات يظل عاملا حاسما. وفي أحد التحليلات، بلغت نسبة حدوث الحمل السريري بعد استخدام البويضات المجمدة 60.2 في المئة لدى النساء دون سن 38 عاما، مقابل 43.9 في المئة لدى النساء الأكبر سنا.

يوسع الحفظ بالتبريد نطاق الخيارات، لكنه لا يقدم ضمانة للأمومة في المستقبل.

التراجع الديموغرافي أصبح ظاهرة بنيوية

انخفض متوسط معدل الخصوبة الكلي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 3.3 طفل لكل امرأة عام 1960 إلى نحو 1.5 طفل. ولضمان الإحلال الطبيعي للسكان، يلزم معدل يقارب 2.1 طفل لكل امرأة.

وفي الاتحاد الأوروبي، بلغ المعدل في عام 2024 نحو 1.34 طفل لكل امرأة. وفي عدد من دول جنوب أوروبا، اقترب من طفل واحد فقط.

وفي الولايات المتحدة، ولد نحو 3.606 مليون طفل خلال عام 2025، بانخفاض قدره 1 في المئة مقارنة بالعام السابق. كما تراجع معدل الخصوبة العام إلى 53.1 ولادة لكل ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 و44 عاما.

ومن الخطأ اختزال هذه العملية في النسوية وحدها. فهناك عوامل عديدة، من بينها التعليم ووسائل منع الحمل وتأخر الاستقرار المهني وارتفاع أسعار السكن وتكاليف تربية الأطفال والبطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي وتغير المعايير الاجتماعية.

لكن تغير الثقافة المرتبطة بأدوار الجنسين يمثل جزءا من هذه العملية. فكلما تراجعت النظرة إلى الزواج والأبوة والأمومة باعتبارها مراحل إلزامية في الحياة، ازداد ارتباط قرار الإنجاب بالرغبة الفردية والحسابات الاقتصادية.

المشكلة ليست في عمل المرأة بحد ذاته

لا تؤكد الإحصاءات الحديثة الفرضية القائلة إن ارتفاع نسبة النساء العاملات يؤدي تلقائيا إلى انخفاض الخصوبة.

بل على العكس، ففي البلدان التي يمكن فيها الجمع بين العمل وتربية الأطفال، قد يتزامن ارتفاع تشغيل النساء مع معدلات خصوبة أعلى نسبيا. وتؤثر خدمات رعاية الأطفال المتاحة وإجازات الوالدين تأثيرا إيجابيا، بينما تؤثر تكاليف السكن المرتفعة والبطالة تأثيرا سلبيا.

وبالنسبة إلى معظم الأسر الحديثة، لم يعد دخل واحد كافيا. ولذلك فإن المرأة العاملة تزيد في كثير من الأحيان قدرة الأسرة الاقتصادية على إنجاب الأطفال.

وتظهر المشكلة عندما يتطلب الاقتصاد وجود شخصين بالغين يعملان، فيما تظل الحصة الكبرى من الأعمال المنزلية غير المدفوعة ملقاة على عاتق المرأة.

وكلما ارتفعت مؤهلات المرأة ودخلها، ارتفعت كلفة غيابها الطويل عن الحياة المهنية: خسارة الدخل، وتباطؤ التقدم الوظيفي، وضعف الروابط المهنية، وخطر فقدان المهارات والخبرة.

السلم المؤسسي أضيق مما وعدت به ثقافة النجاح

لا ترتبط أزمة نموذج المرأة القيادية ببطالة جماعية بين النساء، بل بالفجوة بين الوعد الثقافي والواقع الفعلي للاقتصاد المؤسسي.

قد يمنح النشاط المهني الإنسان شعورا بالرضا، لكن الشركة لا تضمن للعامل حماية طويلة الأمد. فهو يظل موردا اقتصاديا بالنسبة إليها، مهما جعل العمل جزءا أساسيا من هويته الشخصية.

وبعد الجائحة، وموجات تسريح الموظفين في قطاعي التكنولوجيا والإعلام، وانتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحا.

ولهذا أصبح الاعتقاد بأن تأجيل تأسيس الأسرة سيعوض بالكامل من خلال مهنة مستقرة وموثوقة أقل إقناعا بكثير.

الصداقة لا تعوض الأسرة دائما

بالنسبة إلى الشباب الحضري المتعلم، أصبحت شبكة الأصدقاء أحد أهم مصادر الدعم العاطفي. ويرى 62 في المئة من الشباب الأمريكيين أن الأصدقاء المقربين عنصر بالغ أو شديد الأهمية في الحياة المكتملة.

لكن شبكات الصداقة تتغير. فبعد سن الثلاثين، يتزوج بعض الأصدقاء وينجبون الأطفال وينتقلون إلى أماكن أخرى ويعيدون توزيع وقتهم لمصلحة الأسرة. والمنظومة الاجتماعية التي كانت تعمل بكفاءة في سن الخامسة والعشرين قد تضعف بصورة كبيرة عند الاقتراب من الأربعين.

لذلك فإن الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي لا يضمن الحماية من الوحدة.

الإنترنت وسع سوق التعارف لكنه لم يحل أزمة العلاقات

ضاعفت تطبيقات التعارف مرات عديدة عدد الشركاء المحتملين، لكنها لم تحقق زيادة مماثلة في مستوى الرضا.

ووفقا لمركز بيو للأبحاث، شعر 88 في المئة من المستخدمين الحديثين لهذه الخدمات بخيبة أمل، ولو أحيانا. وبين النساء، شعرت 54 في المئة بأنهن مثقلات بكثرة الرسائل، بينما عانى 64 في المئة من الرجال من انعدام الثقة بسبب قلة الرسائل التي يتلقونها.

يواجه الرجال والنساء مشكلات متعاكسة داخل المنظومة نفسها. فالنساء يعانين في الغالب من فائض الاهتمام غير المرغوب فيه، فيما يعاني الرجال من نقص الاهتمام.

ولهذا يمكن لسوق التعارف الرقمي أن يزيد الاستياء المتبادل. فقد سهلت التكنولوجيا التواصل بين الجنسين، لكنها أنشأت في الوقت نفسه بنية جديدة لانعدام الثقة المتبادل.

الوحدة تصيب الجنسين معا

وفقا لبيانات مؤسسة غالوب، أفاد 25 في المئة من الرجال الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما بأنهم يعانون شعورا شديدا بالوحدة. وبلغت النسبة بين الشابات 18 في المئة.

وهذا يعني أن النظام الاجتماعي المعاصر لا ينتج نساء وحيدات فحسب، بل رجالا وحيدين أيضا.

قد تضع النساء ذوات التعليم العالي معايير أكثر صرامة عند اختيار الشريك. أما الرجال الذين يعانون عدم استقرار الدخل فيؤجلون تأسيس الأسرة، لأن التوقع الاجتماعي المتعلق بضرورة تمتع الرجل بالقدرة الاقتصادية لا يزال قائما. كما تعمق تطبيقات التعارف الرقمي عدم التوازن في توزيع الاهتمام، بينما تستغرق الدراسة والعمل سنوات كان الناس في السابق يقضونها في بناء علاقات مستقرة.

اتسعت حرية الاختيار، لكن معها ارتفع أيضا احتمال ألا ينجح الإنسان في تكوين علاقة مستقرة على الإطلاق.

لماذا تستعيد الأسرة التقليدية جاذبيتها

في هذا السياق، لا يمكن تفسير الاهتمام المتجدد بالنموذج التقليدي للأسرة بالسياسة المحافظة وحدها.

خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والنصف الأول من العقد التالي، كان النموذج الثقافي المثالي يتمثل في المرأة الحضرية المستقلة، المتعلمة، صاحبة المهنة والدخل الخاص. لكن بحلول منتصف عشرينيات هذا القرن بدأت مراجعة جزئية لهذا التصور.

وفي شبكات التواصل الاجتماعي انتشرت صورة الزوجة التي تكرس نفسها للمنزل والأسرة، كما ازداد الاهتمام بالحياة المنزلية والزواج وإنجاب عدد أكبر من الأطفال. ولا يعني ذلك عودة جماعية إلى نموذج خمسينيات القرن الماضي، إلا أن التحول الثقافي أصبح واضحا.

فالأسرة باتت ينظر إليها من جديد ليس باعتبارها قيدا على الحرية فحسب، بل أيضا مصدرا للاستقرار طويل الأمد والانتماء والمعنى.

لماذا لا تحل المساعدات الحكومية المشكلة بالكامل

عملت الدول المتقدمة طوال عقود على توسيع إجازات الوالدين المدفوعة، وخدمات رعاية الأطفال قبل سن المدرسة، والإعفاءات الضريبية، والمساعدات المباشرة للأسر.

وتسهل هذه الإجراءات الجمع بين العمل وتربية الأطفال، غير أن معدلات الخصوبة تواصل الانخفاض حتى في الدول التي تمتلك سياسات أسرية متطورة.

ويرجع ذلك إلى أن قرار إنجاب طفل لا يعتمد على المال وحده، بل يرتبط أيضا بمدى اعتبار الأبوة والأمومة جزءا مرغوبا فيه من الحياة.

فإذا احتل الأطفال مرتبة أدنى في منظومة القيم من العمل والحرية الشخصية والاستقلال الاجتماعي، فقد لا تكون الحوافز المالية كافية.

ما الذي أثبت عدم صلاحيته تحديدا

تحرر المرأة في حد ذاته لم يفشل. لكن نموذج النسوية المؤسسية اصطدم بعدة تناقضات جوهرية.

فسوق العمل لا يستطيع توفير نجاح مهني استثنائي للغالبية.

ويجري تأجيل تأسيس الأسرة إلى حين بلوغ الاستقرار الاقتصادي، بينما يتحقق هذا الاستقرار في سن متأخرة بصورة متزايدة.

ويمكن لتقنيات الإنجاب المساعدة أن تعوض جزءا من آثار التأجيل، لكنها لا تلغي عامل العمر.

كما أن التحرر من إلزامية الزواج وسع نطاق الاختيار الفردي، لكنه في الوقت نفسه خفف الضغط الاجتماعي الذي كان يدفع نحو تكوين علاقات مستقرة.

وأخيرا، طلب من الرجال والنساء معالجة مشكلات ذات طبيعة مؤسسية بصورة فردية: ارتفاع أسعار العقارات، وعدم استقرار الوظائف، وكلفة رعاية الأطفال، وعدم التوافق بين الجدول الزمني للمسار المهني والجدول البيولوجي للإنجاب.

وأصبح تجميد البويضات رمزا معبرا عن هذا النظام: حل تكنولوجي فردي لتناقض اجتماعي عام.

أزمة نموذج الحياة المؤجلة

وسعت المجتمعات المتقدمة بدرجة كبيرة مساحة الاختيار الفردي، لكنها لم تنشئ مؤسسات بالفاعلية نفسها تسمح بالتوفيق بين هذا الاختيار وبين تكوين أسر مستقرة.

أصبح الزواج والإنجاب اختياريين، وأصبحت المرونة المهنية قاعدة، كما لم تعد الوحدة تعني الخروج من المجتمع أو الوقوع على هامشه.

كل واحدة من هذه العمليات توسع نطاق الحرية، لكنها مجتمعة تغير النظام الديموغرافي.

يستطيع الإنسان المعاصر تأجيل القرارات النهائية لفترة طويلة: مواصلة التعليم، وتغيير الوظائف والمدن، والعودة مرارا إلى سوق التعارف، وتأجيل الزواج، والاستعانة بتقنيات الإنجاب المساعدة.

وتبدأ المشكلة عندما يتحول التأجيل المؤقت إلى نموذج دائم للحياة.

وهذا تحديدا ما واجهه جزء من جيل الألفية. فقد خطط كثيرون للحصول أولا على التعليم وبناء المسار المهني، ثم تأسيس الأسرة بعد الوصول إلى الاستقرار المالي. لكن الاستقرار جاء متأخرا، وسوق العلاقات تبين أنه أكثر تعقيدا، كما أن النجاح المهني لم يمنح دائما مستوى الرضا المتوقع.

ويكمن التناقض الأساسي في المجتمع الغربي المعاصر في عدم التوافق بين التعليم وسوق العمل والسلوك الأسري والبيولوجيا. فالاستقلال المهني يتحقق في سن متأخرة، والزواج يؤجل، وكلفة تربية الأطفال ترتفع، بينما تظل القدرات الإنجابية مقيدة بالعمر.

وطالما ظل هذا التناقض قائما، ستواصل الدول المتقدمة مواجهة الزواج المتأخر، وارتفاع معدلات عدم الإنجاب، وزيادة الطلب على تقنيات الإنجاب المساعدة، وانتشار الوحدة، واستمرار معدلات الخصوبة عند مستويات أدنى بكثير من مستوى الإحلال السكاني.

ولهذا فإن أزمة نموذج المرأة القيادية تعكس عملية بنيوية أوسع نطاقا: لقد تعلم المجتمع الحديث كيف يصنع أفرادا مستقلين اقتصاديا بدرجة أكبر بكثير من نجاحه في خلق الظروف اللازمة لتكوين أسر مستقرة.