ارتفع عدد المهاجرين في العالم إلى 304 ملايين شخص، لكن ترامب وميلوني ومهندسي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يفعلوا سوى إعادة تشكيل تدفقات الهجرة من جديد، لأن السؤال الحقيقي لم يعد منذ زمن يتعلق بعدد من ينبغي السماح لهم بالدخول، بل بمن ينبغي السماح له بالعمل.
في أواخر سبتمبر 2026، أقرت وزارة الخارجية الأمريكية خطة استقبال اللاجئين للسنة المالية 2026، وحددت سقفها عند 7500 شخص، وهو أدنى مستوى في تاريخ البرنامج الذي يعمل منذ عام 1980. وفي عهد الرئيس جيمي كارتر، كانت البلاد تخطط آنذاك لاستقبال ما متوسطه 95 ألف شخص سنويا.
ونصت الوثيقة المنشورة على تخصيص معظم الحصة تقريبا للأفريكانيين البيض من جنوب أفريقيا، الذين وصفهم دونالد ترامب بأنهم ضحايا للتمييز في بلد يشكل السود غالبية سكانه، وهو توصيف رفضته حكومة جنوب أفريقيا كما رفضه قادة مجتمع الأفريكانيين أنفسهم. ظاهريا، يبدو الأمر انتصارا على الهجرة. أما في جوهره، فهو دليل على أن السياسة الحديثة المناهضة للهجرة لم تعد منذ زمن تهدف إلى وقف التدفقات، بل إلى إعادة تشكيلها بما يخدم غاية أيديولوجية محددة.
وليس من الصعب تفكيك دوافع هذا القرار. فقد كان المحفز هو قانون نزع ملكية الأراضي «للمصلحة العامة» الذي أقرته جنوب أفريقيا في يناير 2025، وهو أداة تستهدف معالجة إرث الفصل العنصري، إذ لا تزال الأقلية البيضاء، التي تمثل نحو 7 في المئة من سكان البلاد، تسيطر على قرابة ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في جنوب أفريقيا.
وتؤكد حكومة سيريل رامافوزا أنه لم تتم مصادرة أي قطعة أرض حتى الآن. أما إيلون ماسك، الملياردير المولود في جنوب أفريقيا وأحد أقرب مستشاري ترامب، فقد ظل لسنوات يروج لفكرة وجود «إبادة جماعية للبيض» في البلد الذي نشأ فيه. وبعد تصريحاته العلنية تحديدا، جمدت واشنطن مساعداتها لبريتوريا، ثم أمرت بمنح طلبات الأفريكانيين أولوية في المعالجة. وحصل أوائل المنتقلين منهم على صفة لاجئ خلال ثلاثة أشهر، في حين تستغرق الإجراءات بالنسبة إلى الفئات الأخرى عادة ما بين عام ونصف العام وعامين. وفي نوفمبر 2025، قاطع ترامب قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، وأعلن أن الاجتماع المقبل للمجموعة سيعقد في منتجعه الخاص بمدينة ميامي. وكان ذلك قطيعة استعراضية مع بريتوريا تحولت فيها سياسة الهجرة إلى امتداد مباشر للرؤية الشخصية لأحد أكثر مستشاري الإدارة الأمريكية نفوذا.
304 ملايين مهاجر: أرقام تهدم الوعود السياسية
تؤكد الإحصاءات العالمية نمطا يفضل السياسيون تجاهله. فبحلول منتصف عام 2024، بلغ عدد المهاجرين الدوليين، أي الأشخاص الذين يعيشون خارج بلدان مولدهم، 304 ملايين شخص، وفقا لشعبة السكان التابعة للأمم المتحدة.
ويمثل ذلك زيادة تقارب الضعف مقارنة بعام 1990، حين بلغ العدد 154 مليونا، وإن كان الارتفاع كنسبة من إجمالي سكان العالم أكثر تواضعا بكثير، من 2.9 في المئة إلى 3.7 في المئة. وخلال الفترة نفسها، انتخبت كل ديمقراطية كبرى تقريبا قائدا واحدا على الأقل وعد بخفض تدفق الوافدين بصورة جذرية. لكن النتيجة جاءت متشابهة في كل مكان: الأرقام لا تنخفض، بل يعاد توزيعها.
ترامب وميلوني وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: ثلاثة مسارات متشددة ونتيجة واحدة مفارقة
قدمت الولاية الأولى لدونالد ترامب بين عامي 2017 و2021 مثالا واضحا على عملية إعادة التشكيل هذه. فقد كان باراك أوباما قد حدد السقف السنوي لاستقبال اللاجئين عند 110 آلاف شخص، لكن ترامب خفضه بصورة متتالية إلى 50 ألفا في عام 2017، ثم 45 ألفا في 2018، و30 ألفا في 2019، و18 ألفا في 2020، وصولا إلى 15 ألفا في 2021، وهو أدنى مستوى قياسي في ذلك الوقت.
أما الهجرة القانونية لأغراض العمل ولم شمل الأسر فتراجعت بدرجة أقل بكثير، بينما ازدادت خلال الفترة نفسها التدفقات غير القانونية عبر الحدود الجنوبية. وواجهت جورجيا ميلوني، التي تولت رئاسة الحكومة الإيطالية في أكتوبر 2022 على موجة من الخطاب المتشدد المناهض للهجرة، نتيجة معاكسة تماما. فبحلول منتصف أغسطس 2023، وصل إلى البلاد بحرا أكثر من 101 ألف مهاجر، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل خلال الفترة نفسها من عام 2022، ونحو ثلاثة أمثال عدد عام 2021. وخلال عام 2022 بأكمله، استقبلت إيطاليا 105129 شخصا، مقابل 67477 في العام السابق، وظلت نقطة العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين المتجهين إلى أوروبا.
أما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فقد أسفر، ربما، عن النتيجة الأكثر مفارقة بين جميع هذه التجارب. فقد كان استفتاء عام 2016، إلى حد كبير، تصويتا ضد حرية تنقل الأوروبيين، وبالفعل انهار صافي تدفق مواطني الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه.
لكن الحكومة التي وعدت الناخبين باستعادة السيطرة على الحدود فتحتها بدلا من ذلك على نطاق أوسع أمام بقية القادمين. ففي عام 2022، بلغ صافي الهجرة إلى المملكة المتحدة مستوى قياسيا قدره 606 آلاف شخص، وكان من بين الوافدين 925 ألفا من مواطني دول من خارج الاتحاد الأوروبي، مقابل 151 ألفا فقط من مواطني دول الاتحاد. وللمقارنة، بلغ صافي التدفق في عام 2015، أي قبل عام من الاستفتاء، 329 ألف شخص. وتسير السلطات الروسية وفق منطق مشابه ولكن في الاتجاه المعاكس. فبينما تصعد الكرملين حملة مناهضة للهجرة تستهدف الوافدين من آسيا الوسطى، تعمل السلطات في الوقت نفسه على تسهيل دخول مهاجرين من دول أبعد وأكثر اختلافا من الناحية الثقافية، في محاولة لاستبدال تدفق بآخر بدلا من خفض الهجرة في حد ذاتها.
الديموغرافيا هي العدو الأكبر للأسوار
تقف خلف هذه المناورات حسابات ديموغرافية لا يستطيع أي سياسي إلغاءها بمرسوم. فالاقتصادات المتقدمة تشيخ بوتيرة أسرع من قدرتها على إعداد بديل لقوتها العاملة. معدلات المواليد تنخفض، وأعداد المتقاعدين ترتفع، بينما تبقى الوظائف الشاغرة في مواقع البناء والمزارع وقطاع الخدمات اللوجستية والرعاية الصحية من دون شاغلين. وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد توقعت في تقارير سابقة أن يتجاوز عدد المهاجرين في العالم 400 مليون شخص بحلول عام 2050، بينما تقدم نماذج قياسية اقتصادية أكثر تحفظا، تستند إلى التوقعات الديموغرافية للأمم المتحدة، تقديرا أقل يبلغ نحو 3.5 في المئة من سكان العالم، أي قرابة 340 مليون شخص.
ويكشف الفارق البالغ 60 مليون شخص بوضوح حجم عدم اليقين الذي يكتنف التوقعات طويلة الأجل. فهي مرتبطة بمتغيرات يكاد يكون من المستحيل التنبؤ بها اليوم، من الهجرة المناخية ومسارات الصراعات إلى الانفجار السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء. لكن مختلف التقديرات تتفق على أمر واحد: التدفقات ستزداد ولن تتراجع ما دام الطلب الهيكلي على الأيدي العاملة قائما. وبلغت التحويلات المالية المسجلة رسميا التي يرسلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية نحو 905 مليارات دولار في عام 2024، وهو مبلغ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لمعظم دول العالم، ويجعل الهجرة إحدى أكبر قنوات إعادة توزيع رأس المال على مستوى الكوكب.
المفارقة السويدية: أقصى درجات الاندماج على الورق وأدنى النتائج
إذا كان وقف التدفقات أمرا مستحيلا، فإن السؤال الجوهري الوحيد هو كيفية استقبالها من دون أن تكون النتيجة ارتفاع الجريمة، ونشوء الأحياء المعزولة، وتصاعد غضب الناخبين على النظام بأكمله. وهنا تكشف البيانات التجريبية مفاجآت أكبر بكثير من تلك التي تقدمها المشاحنات السياسية.
فنجاح الاندماج لا يرتبط ارتباطا قويا لا بسخاء البرامج الاجتماعية ولا بصرامة الرقابة على الحدود. والسويد، التي تسجل أعلى مستوى في أوروبا على مؤشر سياسات إدماج المهاجرين، بواقع 86 نقطة من أصل 100 وفق آخر تحديث استنادا إلى بيانات مؤسسة فريدريش إيبرت في برلين ومنسق المؤشر توماس هادلستون، تظهر بعض أسوأ النتائج بين الدول المتقدمة. فالمهاجرون هناك يرتكبون الجرائم بمعدلات أعلى من السويديين الأصليين، ويحققون دخولا أقل، ويدفعون ضرائب أقل، بينما يتأخر أبناء المهاجرين في التحصيل الدراسي. كما تمتد الفترة اللازمة لتحقيق عائد من برامج الاندماج لعقود.
أما في إسبانيا، حيث بلغت نسبة السكان المولودين في الخارج نحو 18 في المئة بحلول مطلع عام 2024، بواقع 7.2 ملايين من مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى 1.6 مليون من مواطني الاتحاد، وفقا لبيانات المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي، وهي نسبة تقارب المستوى السويدي، فإن مؤشر سياسات إدماج المهاجرين والإنفاق على الاندماج أقل بكثير. ومع ذلك، فإن الفجوة بين المهاجرين والسكان المحليين من حيث الدخل والتوظيف والتعليم أصغر، كما أسهمت الهجرة نفسها في خفض البطالة ورفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وتمثل روسيا الحالة الأكثر تطرفا، فهي من الدول ذات أدنى مستويات مؤشر سياسات إدماج المهاجرين في أوروبا، ومع ذلك تشير البيانات المتاحة إلى أن المهاجرين فيها يرتكبون الجرائم بمعدل يقل بنحو مرة ونصف عن السكان المحليين، مع مستويات توظيف متقاربة.
العمل بدلا من الإعانات: ما الذي يخفض الجريمة فعليا
لا يكمن التفسير في سخاء الدولة، بل في ثلاثة عوامل: الوصول إلى سوق العمل، وتركيبة تدفقات الهجرة، وقدرة المؤسسات على منع التمييز. فالعمل هو أحد أهم المؤشرات التي يمكن من خلالها التنبؤ بالنشاط الإجرامي في أي فئة اجتماعية.
فالعاطلون عن العمل يكونون أكثر ميلا إلى ارتكاب «جرائم البقاء»، مثل السرقة والاستيلاء على العقارات الشاغرة والانخراط في الشبكات غير الرسمية التي تصبح عمليا بديلا عن الدخل القانوني. وينتقل نحو 60 في المئة من مهاجري العالم تحديدا من أجل العمل، وبما أن معدلات الجريمة بين المهاجرين لأغراض العمل تكون عادة أقل منها بين السكان الأصليين، فإن تدفقهم يؤدي في كثير من الحالات إلى خفض معدل الجريمة للفرد بدلا من رفعه. وهذا يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات الجريمة بين المهاجرين في روسيا، التي تكاد لا تستقبل لاجئين وتعتمد أساسا على تدفقات العمالة. كما أن اللاجئين الأوكرانيين الذين حصلوا منذ عام 2014، في ظل الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم وأجزاء من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، على نظام تفضيلي يتيح لهم العمل فورا والحصول على الجنسية بإجراءات مبسطة، يكادون لا يظهرون في إحصاءات الجريمة بوصفهم فئة مستقلة.
وتؤكد المقارنة بين موجات الهجرة المختلفة إلى بريطانيا هذه القاعدة بصورة مباشرة. فطالبو اللجوء في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، الذين حرموا من حق العمل إلى حين صدور القرار بشأن طلباتهم، تسببوا في ارتفاع جرائم الممتلكات. أما موجة القادمين من الدول العشر الجديدة التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي بين عامي 2004 و2007، والذين حصلوا على حق العمل فورا، فقد أدت، على العكس، إلى انخفاض طفيف في مستوى الجريمة.
وفي إيطاليا، أدى تقنين أوضاع البلغاريين والرومانيين بعد انضمام بلديهما إلى الاتحاد الأوروبي إلى خفض «جرائم البقاء» بين هاتين الفئتين إلى النصف، لكن ذلك حدث فقط في شمال البلاد الصناعي المتقدم. أما في الجنوب، حيث كان المهاجرون يعملون أصلا بصورة غير رسمية في الزراعة، فلم يظهر أي تأثير. كما وفر قرار قضائي ألماني قلص فترة انتظار اللاجئين للحصول على تصريح العمل تجربة طبيعية للاقتصاديين. فقد كانت احتمالات حصول الذين اضطروا إلى الانتظار سبعة أشهر إضافية على عمل أقل بمقدار 20 نقطة مئوية، ولم تختف هذه الفجوة إلا بعد مرور عشر سنوات. ووفقا لتقديرات الباحثين، أدت القيود المشابهة المفروضة على توظيف اللاجئين الذين وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي خلال أزمة الهجرة السورية إلى خسارة اقتصاد الاتحاد نحو 37.6 مليار يورو من الناتج المحلي الإجمالي.
أوروبا تتحدث عن الحق في العمل ثم تضع الحواجز بنفسها
يوثق تقرير المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين فجوة منهجية بين التصريحات والممارسة الفعلية. فعشرات التوجيهات الأوروبية تصف العمل بأنه حق أساسي من حقوق الإنسان، وتطالب بفتح سوق العمل أمام اللاجئين في أقرب وقت ممكن، لكن الدول تقيم على أرض الواقع حواجز يزداد بعضها تعقيدا عن بعض. ففي هولندا، من بين 26520 شخصا تقدموا بطلبات لجوء عام 2021، لم يحصل فعليا على تصريح عمل سوى 590 شخصا.
أما تصريح الإقامة المؤقت في المجر فلا يصدر إلا لمدة ثلاثة أشهر، ما يضطر صاحب العمل إلى تجديد وثائق اللاجئ الذي وظفه باستمرار، وهو ما ينفر الشركات منذ البداية. وفي اليونان لم يتمكن من فتح حساب مصرفي لتلقي الرواتب سوى 3 في المئة من اللاجئين. وعلى النقيض من ذلك، تعد أيرلندا واحدة من ثماني دول في الاتحاد الأوروبي يتجاوز فيها معدل توظيف المهاجرين من الدول غير الأعضاء معدل توظيف السكان المحليين، إلى جانب بولندا وتشيكيا، حيث يطبق نظام مبسط للأوكرانيين، والبرتغال التي حافظت على قواعد خاصة للقادمين من مستعمراتها السابقة.
ونادرا ما يكون منطق هذه الحواجز عشوائيا. فالحكومات تستفيد سياسيا من الظهور بمظهر المتشدد تجاه طالبي اللجوء، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات منفصلة وأقل وضوحا بالنسبة إلى الناخبين لاستقدام العمال المهاجرين، مثل التأشيرات الموسمية وبرامج استقطاب أصحاب المهارات والاتفاقات الخاصة بالهجرة الدورية.
وفي هذا السياق، لا تمثل الحواجز المفروضة على دخول اللاجئين إلى سوق العمل أداة لضبط الأعداد بقدر ما تمثل وسيلة للفصل في الوعي العام بين مسارين: طالبي اللجوء «غير المرغوب فيهم» والأيدي العاملة «المطلوبة»، حتى وإن كان الطرفان في الواقع ينحدران أحيانا من البلدان نفسها. وهذا الفصل تحديدا يسمح بزيادة استقبال العمال المهاجرين مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطاب الأبواب المغلقة أمام اللاجئين، وهي مفارقة نادرا ما ينتبه إليها الناخب.
الأزمة الأمريكية: حين يعود التاريخ عبر الحدود الجنوبية
للحالة الأمريكية خلفيتها الخاصة، وهي سياسية أكثر منها اقتصادية. فعلى مدى عقود كان المهاجرون القادمون من أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا يندمجون في الولايات المتحدة بوتيرة أسرع من اندماجهم في أوروبا، كما أن معدلات توظيف اللاجئين كانت تكاد تضاهي معدلات توظيف المهاجرين لأغراض العمل.
لكن الوضع تغير خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عندما تدفقت عبر الحدود الجنوبية أعداد كبيرة من طالبي اللجوء القادمين من هندوراس والسلفادور وغواتيمالا وفنزويلا. وهذه الأزمة من النتائج المباشرة للحرب الباردة. فقد أرست التدخلات الأمريكية ودعم الأنظمة السلطوية في أمريكا الوسطى خلال ثمانينيات القرن الماضي أساس عقود من عدم الاستقرار، ثم فاقم الوضع تدفق الأسلحة غير القانونية من الولايات المتحدة نفسها إلى المنطقة. وطالبو اللجوء، بخلاف اللاجئين الذين يعاد توطينهم عبر برامج مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يحصلون على حق العمل قبل الموافقة على طلباتهم، ولذلك جاءت نتائج اندماجهم أسوأ وازدادت الأعباء الواقعة على موازنات الولايات والبلديات.
وهنا لا بد من الإقرار بأن الفجوة بين اللاجئين والمهاجرين لأغراض العمل لا تفسرها البيروقراطية وحدها. فاللاجئون، على خلاف المهاجرين الاقتصاديين، لا يختارون بلد الوصول مسبقا، ولا يستعدون للانتقال، وكثيرا ما يفقدون الوثائق والممتلكات والروابط المهنية أثناء الفرار.
وتطلق الدراسات على هذه الظاهرة اسم «فجوة اللاجئين»، أي التأخر المستمر في وتيرة الاندماج حتى عند تساوي فرص الوصول إلى سوق العمل. كما أن توطين اللاجئين إداريا في مناطق اقتصادية متدهورة لا توجد فيها جاليات من أصولهم، والصدمات التي تعرضوا لها، وطول فترة الغموض القانوني، كلها عوامل تفاقم المشكلة. فالقيود على العمل لا تخلق المشكلة من أساسها، لكنها تمنع تخفيف آثار ما يعد أصعب أشكال الهجرة في الأصل.
لماذا خسرت السويد أمام إسبانيا
هنا تحديدا تظهر علة أقل وضوحا للإخفاق السويدي، وهي مرتبطة ببنية إمبراطوريتها التاريخية. فعلى خلاف بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال التي أقامت مستعمرات وراء البحار، تطورت السويد باعتبارها قوة قارية متمركزة حول بحر البلطيق، على غرار الإمبراطوريات الروسية والعثمانية والنمساوية المجرية.
أما الأراضي التي خضعت لها، مثل فنلندا والنرويج ودول البلطيق وأجزاء من ألمانيا، فهي اليوم متقدمة اقتصاديا بمستوى يقارب السويد نفسها، ولذلك لا يوجد دافع قوي يدفع سكانها إلى الانتقال إلى ستوكهولم. ولم تكن لدى السويد جالية جاهزة يمكن الاعتماد عليها، ولا سوق قريب للعمالة منخفضة التكلفة تلجأ إليه عند اشتداد الأزمة الديموغرافية. ولهذا سدت السلطات الفجوة بالطريقة الوحيدة المتاحة، وهي استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، وهي بلدان بعيدة عنها إلى أقصى حد ثقافيا ولغويا. واليوم تعد السويد الدولة الأوروبية التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين قياسا إلى عدد السكان. وكان هذا الخيار، الذي فرضته الضرورة الديموغرافية أكثر مما فرضه الإيثار الأيديولوجي، عاملا حاسما في رسم مسار الاندماج اللاحق بأكمله.
أما إسبانيا فحلت المشكلة الديموغرافية نفسها بطريقة مختلفة. فنحو 47 في المئة من مهاجريها يأتون من أمريكا اللاتينية، وترتبط مدريد مع معظم بلدان هذه المنطقة بنظام للإعفاء من التأشيرة، إضافة إلى اللغة المشتركة وإمكانية الحصول على الجنسية بعد عامين فقط من الإقامة.
ويأتي 27 في المئة آخرون من دول أوروبية أخرى، بينما لا تتجاوز حصة القادمين من أفريقيا 18 في المئة. وتستخدم روسيا منطقا مشابها، إذ يسهل تأثيرها الثقافي واللغوي في آسيا الوسطى اندماج المهاجرين القادمين من تلك المنطقة. وينطبق الأمر أيضا على الولايات المتحدة التي بنت على مدى قرون روابط وثيقة مع أمريكا اللاتينية، وعلى بولندا وتشيكيا اللتين استقبلتا لعقود مهاجرين أوكرانيين قريبين لغويا وثقافيا، الأمر الذي ساعد حتى التدفق الكبير للاجئين الأوكرانيين بعد الحرب على الاندماج بصورة سهلة نسبيا.
ليست الثقافة بل الانتقاء: هوية القادمين هي العامل الحاسم
ولا تمثل القرابة الثقافية التفسير الوحيد، ومن التبسيط اختزال الفجوة كلها فيها. فمستوى رأس المال البشري الذي يجري استقطابه لا يقل أهمية. فالولايات المتحدة بعيدة جغرافيا عن أبرز بؤر الهجرة، ومجرد الوصول إليها يتطلب موارد أولية لا يملكها الأكثر فقرا.
ولهذا فإن المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة يحملون شهادة جامعية أولى بمعدل يعادل ضعف المتوسط الأمريكي، كما أن دخولهم تزيد قليلا على المتوسط الوطني. أما في أوروبا، فكثيرا ما وصل أبناء الجنسيات نفسها باعتبارهم عمالا منخفضي المهارات أو مهاجرين غير نظاميين أو لاجئين، وأصبحوا من أكثر الفئات معاناة من حيث الدخل ومؤشرات الجريمة. كما يسجل المهاجرون من باكستان في الولايات المتحدة دخولا أعلى من المتوسط الوطني، في حين يشكل الباكستانيون في بريطانيا إحدى الفئات السكانية الأضعف من حيث التوظيف. ويعود الفرق إلى أن السلطات البريطانية نفسها استقدمت بأعداد كبيرة فلاحين باكستانيين للعمل في المصانع خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم لحقت بهم أسرهم عبر برامج لم شمل العائلات. ويرتبط جزء من فجوة التوظيف أيضا ببقاء النساء الباكستانيات في بريطانيا خارج سوق العمل بمعدلات مرتفعة نتيجة التقاليد الثقافية والتمييز في سوق العمل، وهو عامل يلاحظ في كثير من الجاليات القادمة من بلدان إسلامية إلى أوروبا، لكنه ليس ظاهرة عامة في المجتمعات المماثلة في أنحاء العالم الأخرى.
تمييز يمكن قياسه
أما العامل الثالث، وهو استعداد مؤسسات الدولة المستقبلة لمعاملة القادمين على قدم المساواة، فيمكن قياسه مباشرة. فقد أظهر تحليل تجميعي شمل 97 تجربة ميدانية للتوظيف في تسع دول متقدمة أن أعلى معدلات التمييز ضد السير الذاتية التي تحمل أسماء مرتبطة بالمهاجرين سجلت في فرنسا والسويد، وأن هذا التمييز يضرب تحديدا الفئات التي تشكل الجزء الأكبر من تدفقات الهجرة إلى هذين البلدين، أي ذوي البشرة السوداء والقادمين من الشرق الأوسط.
وسجلت أدنى مستويات التمييز في التوظيف في ألمانيا والنرويج والولايات المتحدة. غير أن الباحثين يشيرون إلى نقطة مهمة: حتى في البلدان التي نجحت في جعل فرز السير الذاتية أكثر إنصافا نسبيا، ينتقل التمييز في كثير من الأحيان إلى مجال آخر. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، أصبح التوظيف أكثر عدالة بصورة ملحوظة، لكن العثور على سكن لا يزال يمثل مشكلة منهجية للمهاجرين.
جواز سفر واحد يعني خمسة آلاف دولار إضافية سنويا
تقدم التجربة السويسرية ربما أوضح دليل على أن الاعتراف بالوضع القانوني أكثر فاعلية من الدعم المالي. ففي عدد من البلديات كانت طلبات التجنس، حتى وقت قريب، تحسم من خلال استفتاءات محلية.
وأظهرت مقارنة المهاجرين الذين مررت طلباتهم بفارق ضئيل جدا من الأصوات مع أولئك الذين أخفقوا بفارق بضعة أصوات فقط أن من حصلوا على الجنسية كانوا يكسبون في المتوسط خمسة آلاف دولار إضافية سنويا طوال السنوات الخمس عشرة التالية. وكان التأثير أقوى لدى الفئات الأكثر تهميشا، وخصوصا القادمين من تركيا ويوغوسلافيا السابقة، وكذلك العمال ذوي الأجور المنخفضة. وبعبارة أخرى، فإن الاعتراف المؤسسي بالفرد عضوا كامل الحقوق في المجتمع يتحول إلى مكاسب مالية ملموسة بدرجة أوثق من أي برنامج اجتماعي.
عندما يتحول المهاجرون إلى سلاح
للهجرة أيضا بعد أداتي صريح يفضل السياسيون مناقشته بصوت منخفض. ففي خريف عام 2021، نظم نظام ألكسندر لوكاشينكو نقل أعداد كبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط إلى حدود بولندا وليتوانيا ولاتفيا، محولا الأزمة الإنسانية إلى وسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي ردا على العقوبات. وكان ذلك مثالا نموذجيا على تحول تدفق البشر إلى أداة في الحرب الهجينة، لا إلى مجرد مسألة من مسائل السياسة الاجتماعية.
وردت وارسو بفرض حالة الطوارئ في المناطق الحدودية وبناء حاجز على الحدود مع بيلاروس، ما رسخ نهائيا في القاموس السياسي الأوروبي مفهوم «الهجرة المستخدمة أداة للضغط». ويطبق الاتحاد الأوروبي منطقا مشابها في الاتجاه المعاكس من خلال اتفاقاته مع تونس وليبيا لمنع المهاجرين غير النظاميين قبل وصولهم إلى أوروبا. وينتقد المدافعون عن حقوق الإنسان هذه الاتفاقات لأنها تسلم الأشخاص إلى جهات متهمة بممارسة العنف، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الخطاب الإنساني الموجه إلى الناخب داخل الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتعايش بسهولة مع سياسة ردع شديدة الصرامة عند المداخل الخارجية للقارة.
ملامح العقد المقبل أصبحت واضحة بالفعل
يمكن التنبؤ بمسار العقد المقبل بدرجة أكبر مما توحي به شعارات الحملات الانتخابية. فالضغط الديموغرافي لن يختفي مهما تغيرت تركيبة البرلمانات، ولذلك ستواصل الدول الانقسام إلى معسكرين بصرف النظر عن خطاب قادتها. فهناك دول مثل إسبانيا وبولندا وتشيكيا، والولايات المتحدة إلى حد ما، تعلمت كيفية إدماج الوافدين بسرعة في سوق العمل وتحقيق مكاسب اقتصادية قابلة للقياس من ذلك.
وفي المقابل، ستواصل دول مثل السويد وفرنسا، وإلى حد كبير ألمانيا، دفع ثمن متزايد لنموذج يجمع بين الضمانات الاجتماعية السخية والحواجز البيروقراطية أمام التوظيف والسكن. وإذا استمر الاتجاه الحالي، فمن المرجح أن تبقى السويد، عند التحديث الكبير المقبل لمؤشر سياسات إدماج المهاجرين المتوقع قرابة عام 2029، في المراتب العليا من حيث الحقوق الرسمية للمهاجرين، بينما تظل الفجوة في التوظيف والدخل قائمة. فالواقع أن المؤشر لا يقيس العامل الوحيد الذي يحدد النتيجة الحقيقية. أما في الولايات المتحدة، فمن المرجح جدا أن تصطدم مراهنة الإدارة الحالية على تقليص البرنامج الإنساني بصورة حادة، مع استمرار حاجة الاقتصاد إلى الأيدي العاملة، بالمشكلات نفسها التي واجهتها ولاية ترامب الأولى، من الدعاوى القضائية ضد الأوامر التنفيذية إلى نقص العمالة في الزراعة والبناء. وقد يبدأ التراجع التدريجي عن هذه السياسة بحلول السنتين الماليتين 2027 و2028، عندما تصبح الكلفة السياسية لنقص العمال أكبر من المكاسب الانتخابية الناتجة عن الخطاب المتشدد.
الجدران تخسر أمام ختم إداري واحد
لعل أكثر ما يكشف طبيعة المسألة أن تاريخ الهجرة العالمية في القرن الحادي والعشرين ليس تاريخ الجدران والأسوار، بل تاريخ من أدرك أولا حقيقة بسيطة: منع شخص اجتاز الحدود بالفعل من العمل لا يوقفه، بل يؤجل لسنوات فقط اللحظة التي سيصبح فيها إما جارا يتقاضى راتبا قانونيا ويدفع الضرائب، أو جزءا من اقتصاد الظل من دون سبيل إلى الخروج منه. وبينما ينتظر شاب في إحدى ضواحي ستوكهولم، وهو يتمتع بكامل مجموعة الحقوق الرسمية المقررة وفق المعايير السويدية لسياسات اندماج المهاجرين، قرار لجنة بلدية بشأن أول فرصة عمل له، يكون نظيره القادم من أمريكا اللاتينية إلى مدريد في العام نفسه قد أمضى عامين في عمل رسمي، ودفع الضرائب، ولم تعد تفصله سوى أشهر قليلة عن اكتساب حق التصويت في الانتخابات المحلية.
والفارق بينهما لا يتعلق بسخاء الدولة، ولا بلون جواز السفر الذي سيحصل عليه كل منهما في النهاية. إنه يكمن في ختم إداري واحد يسمح للشخص ببدء العمل في الأسبوع الأول بدلا من الانتظار عامين كاملين.