...

رسوم جمركية بنسبة خمسين في المئة، ومفاوضات منهارة، ورهان مارك كارني على أن حتى أقرب حلفاء واشنطن يملك الحق في قول «لا»

قبل يومين من أن يحزم المفاوضون الكنديون حقائبهم في منتصف الليل ويغادروا واشنطن عائدين إلى بلادهم، وصف نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، خلال فعالية مغلقة لجمع التبرعات للحزب الجمهوري، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنه رجل لطيف لكنه محدود الفطنة، «ينفخ صدره» ويتوهم أنه أشد صلابة من ترامب. وتسرب تسجيل الخطاب إلى الصحافة الكندية، فتحول الاستياء المهني في أوتاوا إلى إهانة شخصية. وبعد ثمان وأربعين ساعة فقط، انهارت المفاوضات بشأن اتفاق تجاري جديد بين بلدين يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 870 مليار دولار سنويا، وذلك قبل ساعات من حلول المهلة النهائية عند منتصف الليل. وفرضت إدارة ترامب رسوما جمركية بنسبة 50 في المئة على بضائع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار. وتعهدت أوتاوا بالرد بالمثل وبالقيمة نفسها. وهكذا بدأت المرحلة الثانية، والأكثر شراسة بكثير، من الحرب التجارية بين بلدين اعتبرا طوال قرابة قرنين نموذجا للجوار الخالي من النزاعات.

هجوم مساء الجمعة

لم تكن هذه المرة الاولى التي تنهار فيها المفاوضات، لكن هذا الفشل بالذات يبدو نقطة فاصلة. ففي الحادي والعشرين من أغسطس، امضى وزير التجارة الكندي المسؤول عن العلاقات مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلان ساعات عدة في مفاوضات مع الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير. واستمر التفاؤل حتى الثلاثاء، عندما علق ترامب الرسوم الجمركية ثلاثة ايام وكتب على شبكات التواصل الاجتماعي ان الطرفين «ابرما صفقة». لكن كل شيء انهار مساء الجمعة، اذ طرحت واشنطن في اللحظة الاخيرة شروطا وصفها كارني بأنها غير اقتصادية وغير عادلة وتثير الشك في مدى موثوقية اي اتفاق مستقبلي.

ودخلت الرسوم الجمركية البالغة 50 في المئة على بضائع بقيمة 20 مليار دولار، اي ما يعادل نحو خمسة في المئة من اجمالي الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، حيز التنفيذ عند منتصف الليل تماما، وطالت عصي الهوكي ومواد البناء والمشروبات الروحية وبعض فئات الملابس. وشبه كارني ما حدث بالحرب. وقال في مؤتمر صحفي في أوتاوا يوم السبت: «عندما تتعرض للهجوم فهذه حرب. لقد تعرضنا للهجوم». ومن المقرر ان تدخل الرسوم الجمركية الكندية المضادة على الصلب ومنتجات الالبان والاجهزة المنزلية والمعدات الزراعية ومنتجات اللب والورق والالكترونيات حيز التنفيذ في الثامن من سبتمبر.

ولم تعد كلفة الصراع بالنسبة إلى الكنديين العاديين مجرد مسألة نظرية. فقد اعلنت شركة ألغوما ستيل للصلب في ديسمبر تسريح الف عامل تحت ضغط الرسوم الجمركية، فيما سجلت بنوك الطعام الخيرية في أونتاريو زيادة في طلبات المساعدة بنسبة 13 في المئة خلال عام. وفي الوقت نفسه تتسع حركة اجتماعية مضادة، اذ وسعت سلسلة متاجر لوبلاوز وضع علامات توضح المنتجات الكندية، وانخفض تدفق السياح الكنديين إلى الولايات المتحدة بصورة ملحوظة، فيما عمدت سلطات المقاطعات علنا إلى سحب المشروبات الكحولية الأمريكية من رفوف المتاجر الحكومية منذ يناير 2025، عندما هدد دوغ فورد للمرة الاولى بوقف بيع الويسكي والبوربون ردا على التهديدات الجمركية الاولى لترامب.

اقتصاد الغضب يعمل في الاتجاهين، لكنه يفيد سياسيا بدرجة اكبر الحكومة القادرة على تقديم صورة عدو خارجي للناخبين، اكثر مما يفيد ادارة مضطرة إلى تفسير سبب استمرار ارتفاع اسعار السيارات ومواد البناء امام ناخبي الحزام الصناعي.

ندبة على امتداد خط العرض التاسع والاربعين

لم تظهر الاحتكاكات بين واشنطن وأوتاوا فجأة. ففي الولاية الرئاسية الاولى لترامب، ادت المفاوضات الطويلة بشأن استبدال اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية إلى اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي دخلت حيز التنفيذ في الاول من يوليو 2020، وحددت مدتها الاولية بستة عشر عاما. ويطلق عليها الكنديون تسمية الاتفاقية الكندية الأمريكية المكسيكية، بينما يستخدم الأمريكيون تسمية اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وللمكسيكيين تسميتهم الخاصة، لكن الجوهر واحد: الاتفاق حل محل منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التي انشئت عام 1994، وينص على مراجعة مشتركة الزامية لشروطه كل ست سنوات.

وزاد النفور الشخصي بين ترامب ورئيس الوزراء آنذاك جاستن ترودو من حدة الخلاف. فبحلول نهاية عام 2024 كان الرئيس يصف ترودو علنا بأنه «حاكم ولاية»، وكندا بأنها «الولاية الحادية والخمسون»، بالتوازي مع مساعيه للسيطرة على غرينلاند. وخلف تلك الاهانات كانت تقف عقيدة متماسكة: الامن الاقتصادي لا ينفصل عن الامن القومي، ولذلك يتحول اكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين تلقائيا إلى اهداف للضغط. وقد لخص درو ديلونغ، الخبير في مركز كيرني فورسايت للدراسات، منطق الادارة قائلا إن الاستماع إلى اي مسؤول في وزارة الخارجية أو الخزانة أو التجارة يقود إلى الرسالة نفسها: الامن الاقتصادي هو الامن القومي.

الاحتكاك بين الجارين ليس جديدا في حد ذاته. فمنذ بدايته، رافق اتفاق التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة لعام 1988، الذي اصبح لاحقا نموذجا لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، خلاف حول قطاعات الالبان والدواجن والبيض المحمية بنظام كندي لادارة العرض، فضلا عن نزاع استمر عقدا بشأن صادرات الاخشاب اللينة، وكان يخمد ثم يشتعل من جديد بصرف النظر عمن يجلس في البيت الابيض.

واضافت ادارة بايدن إلى قائمة عوامل التوتر الضريبة الرقمية الكندية على ايرادات شركات المنصات التقنية الكبرى، التي فرضت عام 2024 ثم الغتها أوتاوا لاحقا تحت ضغط مباشر من واشنطن. والجديد في المرحلة الحالية ليس طبيعة الشكاوى، بل الاستعداد لاستخدام اوسع الادوات المتاحة، اي فرض رسوم جمركية على مستوى البلاد بأكملها استنادا إلى حالة طوارئ، بدلا من التحقيقات التجارية المحددة التي كانت النهج المتبع طوال عقود.

الفنتانيل ذريعة

في الاول من فبراير 2025 وقع ترامب الامر التنفيذي رقم 14193 معلنا حالة طوارئ بسبب تدفق الفنتانيل عبر الحدود الشمالية، واتهم كندا بالتقاعس. لكن الارقام الفعلية كانت متواضعة. فوفقا للاحصاءات الأمريكية والكندية، لم تتجاوز حصة الفنتانيل المضبوط عند الحدود الكندية بين عامي 2022 و2024 نسبة 0.1 في المئة من اجمالي المضبوطات، اذ كان التدفق الرئيسي يأتي عبر المكسيك.

ولم يمنع ضعف المبرر الفعلي من فرض رسم جمركي جديد بنسبة 25 في المئة على معظم السلع الكندية، وبنسبة 10 في المئة على مصادر الطاقة واسمدة البوتاس. وردت أوتاوا برسوم مماثلة على واردات أمريكية بقيمة 30 مليار دولار كندي، وانشأت مركزا خاصا بمكافحة الفنتانيل، وادرجت سبع جماعات اجرامية عابرة للحدود على قائمة التنظيمات الارهابية، وخصصت 1.3 مليار دولار كندي لتعزيز حماية الحدود.

وفي الربيع اضيفت الرسوم على السيارات والمعادن، بنسبة 25 في المئة على السيارات المستوردة وقطع الغيار اعتبارا من الثالث من ابريل، ورد كندي مماثل على السيارات الأمريكية اعتبارا من التاسع منه. وبما ان السيارات الكندية تتكون في المتوسط بنسبة النصف من مكونات أمريكية، فقد انخفض المعدل الفعلي للرسوم على التجميع الكندي إلى نحو 12.5 في المئة، في مثال نادر على التسوية وسط التصعيد العام.

وفي مايو قضت محكمة التجارة الدولية الأمريكية بأن الرسوم المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية تجاوزت صلاحيات الرئيس، لكن البيت الابيض تجاهل الحكم واعلن في نهاية يوليو رفع المعدل إلى 35 في المئة اعتبارا من الاول من أغسطس. ولم تأت التسوية النهائية إلا في فبراير 2026، عندما جردت المحكمة العليا الأمريكية الرئيس بصورة نهائية من صلاحية فرض الرسوم استنادا إلى ذلك القانون.

لكن الادارة لم تتراجع، بل انتقلت إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وفرضت «رسما اضافيا» مؤقتا بنسبة عشرة في المئة لمدة مئة وخمسين يوما. وفي مارس 2026 اطلقت تحقيقا بحق ستين شريكا تجاريا، من بينهم كندا، بتهمة اتباع ممارسات غير عادلة، تمهيدا لبناء اساس قانوني لموجة جديدة من الرسوم تحل محل تلك التي اعتبرت غير قانونية.

اختلال التوازن الذي تفضل أوتاوا عدم الترويج له

تبدو لهجة السلطات الكندية في العلن قتالية، لكن بنية الاقتصاد تفرض عليها ممارسة لعبة اكثر حذرا بكثير. فوفقا لحسابات البيت الابيض نفسه، تشكل التجارة 67 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي الكندي، مقابل 24 في المئة من الناتج الأمريكي، ما يعني ان التبعية غير المتوازنة ليست في مصلحة أوتاوا.

ويبلغ اجمالي التبادل التجاري لكندا مع جميع شركائها في العالم نحو 1.5 تريليون دولار، فيما يتجاوز الرقم المماثل للولايات المتحدة 6.4 تريليون دولار. فكندا سوق مهمة لواشنطن، لكنها ليست السوق الوحيدة ولا حتى القريبة من ذلك، بينما تظل الولايات المتحدة بالنسبة إلى الاقتصاد الكندي سوقا لا يمكن استبدالها في المستقبل المنظور.

وتجسد صناعة السيارات هذه الهشاشة بصورة اوضح من اي قطاع آخر. فنحو 1.1 مليون سيارة تنتقل سنويا من كندا إلى الولايات المتحدة، بما يغطي قرابة سبعة في المئة من الطلب المحلي الأمريكي، في حين تشكل السيارات وقطع الغيار ما يقارب 15 في المئة من مجمل صادرات كندا المتجهة جنوبا، ولا تتقدم عليها سوى صادرات الطاقة.

أما مقاطعة أونتاريو، التي تضم ثلث سكان كندا واكبر مدنها تورونتو، فترتبط اقتصاديا بهذه المنظومة ربما بدرجة تفوق ارتباط ألبرتا النفطية بخطوط الانابيب المتجهة إلى الولايات المتحدة. ولهذا تحديدا تقترن لهجة كارني بشأن الاستعداد «للقتال» بتكتيك حذر: لا يستطيع اي من الطرفين تحمل انهيار كامل لسلاسل الامداد، لكن الطرف الذي سيضطر إلى تحمل العبء الاكبر سيكون كندا قبل غيرها، وأوتاوا تدرك ذلك جيدا.

ريغان في مواجهة ترامب

في خريف 2025 وقع حدث كشف إلى اي مدى اصبح هذا الصراع شخصيا. ففي الرابع عشر من أكتوبر اعلن رئيس حكومة أونتاريو دوغ فورد اطلاق حملة اعلانية موجهة إلى الجمهور الأمريكي بكلفة 75 مليون دولار كندي. واستخدم الاعلان مقاطع من خطاب اذاعي القاه رونالد ريغان عام 1987، وصف فيه الرسوم الجمركية بأنها خطأ اقتصادي يقود إلى حروب تجارية وارتفاع اسعار السلع بالنسبة إلى العمال الأمريكيين.

وفي الثالث والعشرين من أكتوبر اعلن ترامب عبر شبكات التواصل الاجتماعي وقف المفاوضات بالكامل، واصفا الاعلان بأنه مزيف ومشين، فيما قال صندوق ريغان إن الاقتباس خضع لمونتاج انتقائي وهدد باتخاذ اجراءات قانونية.

لكن فورد لم يتراجع. فقد وصف الحملة بأنها انجح اعلان في تاريخ أمريكا الشمالية، وقال إن هدفها كان اطلاق نقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة الحمائية، وان هذا الهدف تحقق، ولم يوافق على سحب الاعلان من البث إلا بعد ذلك.

وفي الحادي والثلاثين من أكتوبر قال ترامب للصحفيين إن كارني اعتذر له شخصيا عما حدث، واصفا رئيس الوزراء بأنه «رجل لطيف جدا»، لكنه اصر على أن الاعلان كان كاذبا. واستؤنفت المفاوضات رسميا، لكن المرارة بقيت، وهي تفسر إلى حد بعيد حدة الانهيار الذي وقع في أغسطس.

وكانت دلالة حادثة الاعلان تكمن في رد الفعل اكثر من مضمونها. فقد اوقف ترامب المفاوضات لا بسبب ارقام في جدول الرسوم الجمركية، بل بسبب ما اعتبره اذلالا علنيا، تمثل في استخدام كلمات ايقونة جمهورية ضد سياسته هو نفسه امام الجمهور الأمريكي.

وبالنسبة إلى الجانب الكندي كان ذلك درسا مهما: الضغط الاعلامي المحدد قادر على ازعاج واشنطن بقدر لا يقل عن حسابات الرسوم الجمركية، لانه يصيب الكبرياء السياسي للادارة، وهي شديدة الحساسية تجاه صورتها بوصفها قوة لا تتراجع. ومنذ ذلك الحين اصبح المسؤولون الكنديون اكثر حذرا في خطابهم العلني، لكن اداة مخاطبة الجمهور الأمريكي مباشرة عبر القنوات المتاحة لأوتاوا ما زالت ضمن الترسانة، ويرجح استخدامها مجددا إذا طال امد المفاوضات.

ساعة الاتفاقية الكندية الأمريكية المكسيكية تدق

في الاول من يوليو 2026 حانت اللحظة المنصوص عليها قانونا، وهي المراجعة الالزامية بعد ست سنوات، المثبتة في المادة 34.7. واجتمعت لجنة الدول الثلاث عن بعد، واعلن الممثل التجاري غرير أن واشنطن «لم توافق على تمديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بصيغتها الحالية»، ما يعني أن الاتفاقية لم تمدد رسميا.

أما المكسيك وكندا فأكدتا، على العكس، استعدادهما لتمديد الاتفاق ستة عشر عاما اخرى. ومن الناحية القانونية لم يقع اي انهيار كارثي، إذ تظل الاتفاقية سارية حتى عام 2036 وتنتقل إلى نظام مراجعات سنوية ما لم تتوصل الاطراف إلى اتفاق قبل ذلك.

لكن المراجعة اطلقت سياسيا عدادا تنازليا لعشر سنوات. وبحلول نهاية يوليو كانت المكسيك قد بدأت بالفعل مفاوضات ثنائية تفصيلية مع واشنطن، في حين لم تكن كندا قد شرعت بعد في مشاورات نصية جوهرية، مكتفية بتصريحات عامة من الوزير لوبلان حول اولوية الغاء الرسوم القطاعية على الصلب والالمنيوم والسيارات والاخشاب.

وأصبح اختلاف المسارين واضحا قبل انهيار أغسطس بوقت طويل، بل انه انذر به إلى حد بعيد: المكسيك تتجه نحو اندماج اوثق بالسوق الأمريكية، بينما تبقى كندا عالقة في مواقعها الاولية. وكانت السفيرة الكندية المغادرة في واشنطن كيرستن هيلمان قد اقرت منذ الربيع بأنها لا تستطيع التكهن بما إذا كانت مراجعة الاتفاق ستنتهي اصلا خلال عام 2026، مشيرة إلى وجود دعم كبير لفكرة الاتفاقية ذاتها داخل اوساط الاعمال الأمريكية التي تعتمد على سلاسل انتاج متكاملة.

ولم تكن مراجعة 2026 من الناحية القانونية انذارا نهائيا، لكنها تحولت سياسيا إلى مصدر دائم لعدم اليقين. فكل رسم جمركي جديد لم يعد ينظر اليه باعتباره حادثا منفصلا، بل جزءا من مساومة اوسع على مصير الاتفاقية برمتها لسنوات مقبلة.

ورقة البوتاس

تملك أوتاوا، خلافا للصورة الشائعة عن الجار المطيع، ادوات ضغط حقيقية. فكندا توفر اكثر من 80 في المئة من اسمدة البوتاس التي تستهلكها الزراعة الأمريكية، ويأتي جزء كبير منها من شركة نيوترين. وتؤمن المصانع في كيبيك وكولومبيا البريطانية نحو 70 في المئة من احتياجات الولايات المتحدة من الالمنيوم.

كما تغطي مناجم شركة كاميكو في ساسكاتشوان ما يصل إلى ربع احتياجات الولايات المتحدة من اليورانيوم، فيما يذهب النيكل والزنك والجرمانيوم المنتج في منشأة شركة تيك ريسورسز في كولومبيا البريطانية لتلبية احتياجات المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

وليس من قبيل المصادفة أن ترامب نفسه خفض في يناير 2025، قبل اندلاع التصعيد الشامل، معدل الرسوم المعلن على المواد الخام الكندية من 25 إلى 10 في المئة. وكان ذلك اعترافا غير مباشر بدرجة الاعتماد على كندا، وهو امر تفضل الادارة عدم التصريح به علنا.

وكان وزير الموارد الطبيعية الكندي جوناثان ويلكنسون قد طرح فكرة انشاء تحالف لليورانيوم في أمريكا الشمالية تحت اسم «حصن أمريكا الشمالية»، بينما اقترح دوغ فورد بالتوازي تأسيس تحالف كندي أمريكي للمعادن الحرجة مع تسريع اجراءات منح التراخيص.

وفي عام 2025 هددت مقاطعتا أونتاريو وكولومبيا البريطانية بالفعل بحظر تصدير المعادن الحرجة إذا لم تلغ الرسوم البالغة 25 في المئة. ولم تستخدم هذه الورقة بكامل قوتها حتى الآن، لكن مجرد وجودها يمنح الموقف الكندي وزنا يفوق كثيرا ما قد يوحي به حجم الاقتصاد مقارنة بالجار الجنوبي.

ومن اللافت أن الحكومة الفيدرالية الكندية تمتلك بالفعل خبرة في استخدام الاصول المعدنية اداة للجغرافيا السياسية. ففي عام 2022 اجبرت أوتاوا ثلاث شركات صينية على بيع حصصها في مشروعات تعدين كندية، من بينها منجم للسيزيوم في شمال أونتاريو، مستندة إلى اعتبارات الامن القومي.

وتظهر هذه السابقة بوضوح أن الدولة الكندية مستعدة للتدخل في قطاعها المعدني الخاص لتحقيق اهداف استراتيجية. وهذا يعني أن التهديد النظري بتقييد الامدادات إلى الولايات المتحدة لا يبدو مجرد خطاب فارغ، حتى لو كان تطبيقه الفعلي سيفرض تكاليف مؤلمة على كندا نفسها ايضا، لأن قطاع التعدين الكندي موجه تاريخيا، وفي المقام الاول، إلى المشتري الأمريكي.

طهران وأوتاوا: اختباران للقدرة على الصمود

تنتمي الحرب مع إيران والخلاف التجاري مع كندا إلى فئتين مختلفتين من حيث الحجم والخطورة، لكنهما تختبران الفرضية نفسها: هل تستطيع القوة الأمريكية فرض إرادتها على شريك أضعف منها موضوعيا، لكنه يمتلك نقاط ضغط محددة وحساسة؟

تعتمد طهران على ضرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة والتهديد بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بينما تمتلك أوتاوا مجموعة مختلفة من الادوات: الوصول إلى موارد الطاقة، والمعادن الحيوية، واحتمال مقاطعة المستهلكين الكنديين للسلع الأمريكية، وهو اتجاه ظهر بالفعل في حملة «اشتر كنديا» وفي تنامي السياحة الداخلية على حساب الرحلات إلى الولايات المتحدة.

ويلخص ديلونغ القاعدة العامة بقوله: «كلما تحول العالم إلى ساحة صراع على الامن الاقتصادي، اتسع استخدام نقاط الاختناق في سلاسل الامداد في كل مكان، وعلى الدول المختلفة ببساطة أن تبحث عن نقاط الضغط الخاصة بها».

ويضيف عمران بيومي، نائب مدير برنامج «المبادرة الجيوستراتيجية» في المجلس الاطلسي، استنتاجا اكثر حدة: الضغط المستمر على الحلفاء والشركاء يدفعهم في الغالب إلى البحث عن علاقات جديدة، بدلا من اجبارهم على الاستسلام لمطالب واشنطن.

الرهان على انتخابات التجديد النصفي

المحطة السياسية الاقرب هي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر. ففوز الديمقراطيين سيضيق بدرجة كبيرة هامش المناورة المتاح لترامب، في حين أن نجاح الجمهوريين سيمنحه حرية تحرك اوسع.

ويبدو، استنادا إلى الخطاب الرسمي وسرعة تقديم التنازلات، أن أوتاوا تراهن تحديدا على السيناريو الاول، على امل أن يدفع الخوف من خسارة الاصوات في الولايات الصناعية مثل ميشيغان وأوهايو، حيث تعتمد صناعة السيارات على سلاسل توريد عابرة للحدود، البيت الابيض إلى قبول تسوية حتى قبل يوم الاقتراع.

ولهذا السبب تحديدا، يفترض، وفقا للمعطيات المتاحة، ألا تدخل اكثر الاجزاء إيلاما من الرسوم الأمريكية الجديدة، وهي الرسوم الموعودة بنسبة 50 في المئة على السيارات المجمعة في كندا ومكوناتها، حيز التنفيذ إلا في مطلع عام 2027. اي بعد وقت كاف من الانتخابات لتجنب ضربة فورية للوظائف في الدوائر المتأرجحة، ولكن في موعد قريب بما يكفي للإبقاء على الضغط.

ويرى بيومي أن الانقسام السياسي الداخلي في كندا ليس عميقا بالقدر الذي تراهن عليه واشنطن. ووفقا لتقديره، يمتلك كارني هامشا كافيا للصمود يتيح له الاصرار على صفقة مفيدة وعدم القبول بما هو دون ذلك.

غير أن الرهان على انتخابات التجديد النصفي سلاح ذو حدين. فإذا عزز الجمهوريون مواقعهم في الكونغرس بصورة غير متوقعة، فلن يحصل ترامب على سبب لتخفيف سياسته، بل على اشارة إلى أن النهج المتشدد تجاه الحلفاء يحقق مكاسب سياسية. وعندها لن يبقى لدى أوتاوا اي ورقة انتخابية حتى الانتخابات الرئاسية لعام 2028.

ويبدو أن كارني يدرك هذا المنعطف، ولذلك يعمل بالتوازي مع انتظار تصويت نوفمبر على بناء خطة احتياطية لا ترتبط اصلا بنتيجة الانتخابات الأمريكية، وهي تحديدا اجراءات تنويع الصادرات ودعم الصناعة المحلية التي تدفع بها الحكومة بغض النظر عن الجدول السياسي للجار الجنوبي.

ويضيف اسلوب ترامب قدرا اضافيا من الغموض إلى كل حسابات شركائه. فخلال عام ونصف العام من ولايته الثانية، اظهر مرارا استعداده لتغيير المسار بصورة حادة: تعليق الرسوم بعد مكالمة هاتفية، والاعلان عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن «صفقة» قبل ايام قليلة من انهيارها الفعلي، وقطع المفاوضات بسبب اعلان تلفزيوني، ثم استئنافها بعد اعتذار شخصي.

ويمنح هذا القدر من عدم القدرة على التنبؤ الجانب الأمريكي ميزة آنية، إذ يبقي الشركاء في حالة توتر دائم ويمنعهم من بناء استراتيجية طويلة الاجل للمقاومة. لكنه، في الوقت نفسه، يقوض سمعة واشنطن نفسها باعتبارها طرفا موثوقا في المفاوضات.

وبات المسؤولون الكنديون، في احاديثهم الخاصة، يرددون بصورة متزايدة خلاصة كان يمكن أن تبدو غير قابلة للتصور قبل ثلاث سنوات فقط: ينبغي التفاوض مع ادارة ترامب على اساس أن اي اتفاق يمكن أن يلغى من طرف واحد وفي اي لحظة، ما يعني أن قيمة الاتفاق في حد ذاته تتراجع مقارنة بقيمة الاستقلال عنه.

المفترق: الذوبان أم الابتعاد

منذ عودة ترامب إلى السلطة، يصوغ كارني علنا خيارا بديلا: تستطيع كندا مواصلة الابتعاد عن جارها الجنوبي وزيادة المسافة عنه بصورة واعية.

وفي خريف 2025، اعلن رئيس الوزراء عزمه مضاعفة حجم الصادرات الكندية إلى الدول خارج الولايات المتحدة، معتبرا أن الاعتماد التقليدي على هذا التحالف لم يعد منسجما مع عالم تتغير فيه قواعد اللعبة اثناء اللعب نفسه.

وتعمل في الاتجاه ذاته مساعدات تقارب 25 مليار دولار وجهت إلى العمال والشركات الكندية خلال العام ونصف العام الماضيين، فضلا عن موازنة عام 2026 المقرر اعلانها في الخريف، والتي تستهدف رفع القدرة التنافسية للاقتصاد.

أما سلوك المكسيك فيسير في الاتجاه المعاكس تماما. فالبلاد تسرع اندماجها الوثيق بالسوق الأمريكية، وتجري مفاوضات تفصيلية، ويبدو واضحا أنها تراهن على البقاء داخل مدار واشنطن بأي شروط ممكنة.

ويراقب شركاء تجاريون آخرون للولايات المتحدة، بمن فيهم حلفاؤها في أوروبا وآسيا، المقاومة الكندية باهتمام، باعتبارها نموذجا محتملا يمكن الاستفادة منه في صياغة سياساتهم الخاصة.

ويقول ديلونغ: «بعد عشر سنوات سيجري تدريس هذا في قاعات الجامعات. لقد ظهرت في أمريكا الشمالية مسارات تتباعد عن بعضها، والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت ستتقارب من جديد أم ستفترق نهائيا، ومن سيكون الفائز في النهاية».

ويظهر اختلاف المسارات ايضا في نبرة التصريحات الرسمية. فالجانب المكسيكي يركز خلال المفاوضات في مكسيكو على التفاصيل التقنية، مثل قواعد منشأ السلع وتعميق التعاون في مجال الامن الاقتصادي، بينما يتجه الخطاب الكندي بصورة متزايدة إلى مفاهيم السيادة والكرامة الوطنية.

وهذه اللغة مناسبة لحشد الناخبين داخليا بعد أن تعبوا من الاهانات المتكررة الصادرة عن الجار الجنوبي، لكنها لا تنسجم بسهولة مع لغة التنازلات التقنية التي لا يمكن في نهاية المطاف ابرام اي اتفاق تجاري من دونها.

وفي جوهره، يقوم رهان كارني على أن الكرامة نفسها يمكن أن تكون اصلا تفاوضيا، وأن واشنطن ستفضل في النهاية التوصل إلى صفقة مع شريك معتز بنفسه على انتزاع استسلام من جار مطيع، لكنه لم يعد يثق بالولايات المتحدة.

من سيرمش اولا

لا تنكشف حدود القوة الأمريكية عندما يهزم خصم اضعف الولايات المتحدة، بل عندما يثبت أن كلفة اخضاعه تتجاوز ما يستعد الطرف الاقوى لدفعه.

لم تنتصر كندا حتى الآن. فالرسوم ما زالت سارية، وصناعة السيارات تتحمل خسائر، كما أن شركة ألغوما ستيل سرحت بالفعل الف عامل في ظل الحرب التجارية.

وستقدم الاشهر المقبلة ثلاثة مؤشرات قابلة للقياس يمكن على اساسها الحكم على اتجاه المواجهة.

في الثامن من سبتمبر تدخل الرسوم الكندية المضادة حيز التنفيذ، وعندها سيتضح ما إذا كانت أوتاوا مستعدة فعلا لضرب القطاعات الأمريكية الحساسة، أم أنها ستكتفي بالخطوات الرمزية.

وبحلول ديسمبر، سيتبين ما إذا كان الطرفان سيعودان إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط اقتراب الانتخابات، أم سيفضلان تجميد الصراع إلى حين ظهور نتائجها.

وفي مطلع عام 2027، حين يفترض أن تدخل الرسوم البالغة 50 في المئة على السيارات الكندية حيز التنفيذ، سيتضح ما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلا لضرب صناعة السيارات المتكاملة في ميشيغان وأوهايو من اجل التمسك بالمبدأ، أم ستتراجع امام مخاطرها الانتخابية الداخلية.

وفي الوقت نفسه، فإن مجرد وقوع كل هذا بدأ بالفعل يغير حسابات العواصم الاخرى.

فرئيس وزراء دولة اعتبرت لعقود الشريك الاصغر النموذجي لواشنطن يصف علنا تصرفات حليفه بأنها هجوم، وينسحب بصورة استعراضية من طاولة المفاوضات بدلا من قبول شروط غير مواتية تحت ضغط المهلة الزمنية.

وإذا كان الكنديون، الذين عرفوا سابقا بالمرونة والاعتدال، قادرين على الرد والمقاومة، فإن نموذج الاكراه الذي تقوم عليه الاستراتيجية التجارية الكاملة لإدارة ترامب الثانية يعمل بصورة انتقائية لا شاملة.

وهذا تحديدا ما تدرسه الآن بروكسل وطوكيو وسيول، وهي تستعد لبناء مواقفها التفاوضية الخاصة للمستقبل.

وتخاطر واشنطن في النهاية بألا تحصل على جار خضع لها، بل على جار اقتنع نهائيا بضرورة الاعتماد على نفسه. وإذا حدث ذلك، فسيكون درسا اعلى كلفة واطول اثرا بكثير من اي عشرين مليار دولار تمثلها الرسوم الجمركية الحالية.