...

الحرب الثالثة في الخليج العربي قوضت الثقة بالولايات المتحدة ورفعت، من دون إطلاق رصاصة واحدة، مكانة بكين إلى مستوى لم يكن شي جين بينغ نفسه ليحلم به

في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران، معلنتين أن هدفها تدمير البرنامج النووي الإيراني وإزالة التهديد الصاروخي لتل أبيب. وبعد نصف عام، باتت واشنطن ولندن تعتبران أن المنتصر الأكبر في هذه الحرب هو بلد لم يطلق صاروخا واحدا ولم يفقد جنديا واحدا، وهو الصين الشيوعية. مفارقة الحرب الثالثة في الخليج بسيطة: كلما أصر الرئيس الأمريكي على استعراض القوة، تسارعت وتيرة انهيار السمعة التي استندت إليها هذه القوة طوال سبعة عقود.

ظل الحربين السابقتين

تفرض المقارنة نفسها. فقد استندت عملية «عاصفة الصحراء» عام ١٩٩١ إلى ائتلاف ضم خمسا وثلاثين دولة وإلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، فيما وضعت السعودية وغيرها من ممالك الخليج أراضيها تحت تصرف القوات الأمريكية من دون تردد. أما غزو العراق عام ٢٠٠٣ فلم يحظ بذلك القدر من الإجماع، لكن واشنطن كانت لا تزال تتحرك بوصفها القوة المهيمنة المعترف بها، وكان حلفاؤها ينظرون إلى وجودها العسكري في المنطقة باعتباره أمرا مسلما به، لا موضوعا للمساومة. الحرب الحالية هي الثالثة في هذا التسلسل، والأولى التي لم تتمكن فيها الولايات المتحدة من حشد ائتلاف واسع أو الاحتفاظ بثقة غير مشروطة من شركائها. هذه المرة التزمت ممالك الخليج حذرا واضحا، وتجنبت الانخراط فيما يتجاوز الحد الأدنى الضروري، بينما تابع حلفاء واشنطن في شرق آسيا التطورات بقلق متزايد حيال مصيرهم إذا اندلعت أزمة مماثلة حول تايوان.

مئة يوم بلا انتصار

صممت الحملة ضد طهران لتكون سريعة ودقيقة جراحيا. لكن النتيجة جاءت مختلفة. فبحلول ٣ مارس، ووفقا لقناة «العربية»، كانت إيران قد أطلقت على الدول العربية في المنطقة أكثر من ٤٥٠ صاروخا باليستيا و١١٤٠ طائرة مسيرة، مستهدفة ليس فقط البنية التحتية العسكرية الأمريكية، بل كذلك منشآت الوقود والطاقة والأحياء السكنية في دول حليفة لواشنطن. ورد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نحو خمس حركة نقل النفط البحرية في العالم.

بدت الإحصاءات العسكرية للأسابيع الأولى من الحرب ملتبسة بالنسبة إلى الطرفين. فقد أسقط سلاح الجو القطري مقاتلتين قاذفتين إيرانيتين من طراز سوخوي ٢٤. كما نسفت غواصة أمريكية الفرقاطة الإيرانية «دينا»، ما أدى إلى مقتل أو فقدان أكثر من مئة بحار. وفي ٢٥ مارس أعلنت إسرائيل مقتل قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني علي رضا تنكسيري. وبحسب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، كان هذا الأميرال هو المسؤول تحديدا عن إغلاق المضيق. وكانت خسائر إيران ثقيلة، لكنها لم تصل إلى مستوى حاسم. فقد احتفظت طهران بقدرتها على إنتاج صواريخ محلية منخفضة التكلفة، وواصلت قصف إسرائيل ودول الخليج حتى بعد مرور مئة يوم على اندلاع النزاع.

هذا الغياب للنهاية الحاسمة، أي عدم تحقيق انتصار عسكري سريع وواضح، أصبح العامل الأول والأهم الذي أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة على نحو لا يصب في مصلحة واشنطن.

والسبب بسيط وغير مريح للبنتاغون. فقد بنيت صناعة الصواريخ الإيرانية طوال عقود على أساس الاستعداد لحرب استنزاف طويلة، لا لمعركة فاصلة يمكن حسمها في حملة واحدة. وتكلف الصواريخ المحلية طهران أقل بأضعاف من منظومات الدفاع الصاروخي التي يضطر خصومها إلى نشرها. وهذا الاختلال في بنية الكلفة حال دون تحقيق الولايات المتحدة انتصارا سريعا ومقنعا، رغم تفوقها الساحق في الجو والبحر.

مسرحية هرمز في ثلاثة فصول

تحول مصير مضيق هرمز في عام ٢٠٢٦ إلى قصة قائمة بذاتها، حافلة بالتصريحات المتناقضة والمناورات الدبلوماسية. ففي ١٣ أبريل، بدأت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية، بتكليف من دونالد ترامب، فرض حصارها الخاص على المضيق، وذلك بعدما فشلت مفاوضات استمرت قرابة خمس عشرة ساعة بين الوفدين الأمريكي والإيراني في إسلام آباد. وفي ١٧ أبريل أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فتح الممر أمام الملاحة التجارية، في مؤشر على أن السيطرة الفعلية على هذا الشريان المائي ظلت موضع نزاع، لا أمرا محسوما.

وفي يونيو وقع الطرفان مذكرة تفاهم خففت الحصار رسميا لمدة شهرين وأعادت حركة الملاحة. وخلال تلك الفترة لم يتوقف ترامب عن إطلاق تصريحات يناقض بعضها بعضا، تراوحت بين الحديث عن هزيمة عسكرية وشيكة لإيران والإعلان عن اتفاق سلام يكاد يكون جاهزا للتوقيع. وبحلول أغسطس أظهر التحليل اللاحق لسوق النفط أن الصادرات الإيرانية الفعلية خلال الفترة من مارس إلى مايو ظلت، حتى من دون أي مذكرة تفاهم، عند مستوى يقارب مليون ونصف مليون برميل يوميا، وأن التصريحات الرسمية بشأن فرض الحصار ورفعه لم تكن تتطابق إلا بدرجة محدودة مع التدفقات التجارية الحقيقية. وفي ١٣ يوليو أعلن ترامب انتقال مضيق هرمز إلى السيطرة الأمريكية، واصفا واشنطن بأنها «حارسة» المضيق، مع توضيحه أن القيود تشمل السفن الإيرانية وحدها، فيما يبقى المضيق مفتوحا أمام بقية العالم.

ثلاثة أشهر من البيانات المتناقضة بشأن وضع المضيق نفسه أصبحت أفضل تجسيد لكيفية تحول حرب أريد لها أن تستعرض القوة الأمريكية إلى استعراض لحدود تلك القوة.

فخلف تصريحات ترامب الحاسمة عن انتقال المضيق إلى السيطرة الأمريكية تكمن حقيقة أقل حسما. من المستحيل الإبقاء على حصار مادي إلى أجل غير محدود من دون المخاطرة بجر دول ثالثة إلى النزاع، إذ تعبر ناقلاتها المضيق أيضا. كما أن فرض قيود انتقائية وفقا لجنسية السفينة أمر بالغ الصعوبة من الناحية العملية. وتجربة الالتفاف على العقوبات عن طريق تغيير الأعلام واستخدام الوسطاء، التي أتقنها سوق الناقلات العالمي في التعامل مع ما عرف بـ«أسطول الظل» الروسي بعد عام ٢٠٢٢، تجعل مثل هذا الحصار الانتقائي أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى أداة قابلة للعمل بفاعلية.

ساحر النفط من بكين

بينما كانت واشنطن تخوض الحرب وتتعثر في صياغة مواقفها، تولت الصين فعليا مهمة استقرار سوق النفط. ووفقا لتقديرات محللي مجموعة «سوسيتيه جنرال»، خفضت بكين وارداتها النفطية من ١١٫٧ مليون برميل يوميا في فبراير إلى أقل من ٩ ملايين برميل بحلول نهاية مايو، أي بانخفاض يقارب ثلاثة ملايين برميل يوميا. وتقدم إحصاءات الجمارك الصينية صورة أكثر حدة، إذ هبطت الواردات إلى ٧٫٨ مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر ٢٠١٧، منها ٦٫٦ مليون برميل جاءت عبر البحر. وخلال الفترة من يناير إلى مايو استوردت الصين إجمالا ٢١٨٫٣٦٣ مليون طن من النفط، بانخفاض يقارب ٥ في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وكان الأثر حاسما. فقد تراجعت إمدادات النفط العالمية بنسبة ١٤ في المئة منذ بدء العمليات القتالية، لكن التوقعات بقفز السعر إلى ٢٠٠ دولار للبرميل لم تتحقق. فمنذ نهاية مايو لم تتجاوز الأسعار الحاجز النفسي البالغ ١٠٠ دولار. ووصف أحد محللي السوق خفض الصين لوارداتها بأنه إجراء يماثل في فاعليته حصص الإنتاج التي يعتمدها تحالف الدول المصدرة للنفط وشركاؤها. فمن دون هذا الخفض كان من الممكن أن تتجاوز أسعار النفط العالمية ١٥٠ دولارا للبرميل في ظل إغلاق مضيق هرمز. وبحلول أغسطس، عندما تجاوز السعر مع ذلك مستوى ٩٠ دولارا، بدأت بكين مجددا تقييد المشتريات والسحب من الاحتياطيات. ووفقا لبيانات شركة «كبلر»، انخفضت الاحتياطيات التجارية والاستراتيجية الصينية بنحو ٨ في المئة مقارنة بذروتها في مايو، لكنها ما زالت تتجاوز ١٫١٦ مليار برميل، وهي وسادة أمان لا تمتلك دولة أخرى في العالم ما يماثلها.

ويصف خافيير بلاس، كبير خبراء النفط في وكالة «بلومبرغ»، ما يحدث بأنه انتقال إلى حقبة جديدة. ففي السابق، عندما كانت تقع أزمات نفطية، كان رئيس الولايات المتحدة يتصل بالرياض طالبا زيادة الإنتاج. أما اليوم، فالعالم يتجه أكثر فأكثر نحو بكين طالبا منها خفض مشترياتها. ودافع بكين براغماتي ولا علاقة له بالإيثار. فالاقتصاد الصيني موجه نحو التصدير، وأي أزمة عالمية كانت ستضرب القدرة الشرائية لعملاء الصين أنفسهم بدرجة أشد من تأثيرها على أي طرف آخر.

مستفيدون جانبيون: موسكو وممالك الخليج

ليست الصين وحدها التي منحتها الحرب مكاسب غير مخطط لها. فقد كان سعر خام «أورال» الروسي في موازنة عام ٢٠٢٦ محسوبا على أساس ٥٩ دولارا للبرميل، لكنه ارتفع بعد اندلاع النزاع وإغلاق مضيق هرمز إلى ٧٧ دولارا في مارس، ثم إلى نحو ٩٥ دولارا في أبريل، وذلك رغم ضغوط العقوبات والخصم الذي تبيع به موسكو نفطها عادة. كما حصلت الممالك العربية الخليجية، التي حافظت رسميا على مسافة من النزاع، على مكسب مماثل، تمثل في أسعار تفوق المستوى المريح لموازناتها، من دون نشوب عمليات قتالية واسعة النطاق على أراضيها. أما الطرف الخاسر، إلى جانب إيران والولايات المتحدة نفسها، فكان أوروبا، التي تعتمد على استيراد موارد الطاقة واضطرت في الوقت ذاته إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، ودفع أثمان أعلى للوقود، ومراقبة تآكل الثقة عبر الأطلسي بين الحلفاء على خلفية الضغوط التي تمارسها واشنطن على شركائها من تايوان إلى سيول.

تايوان في علبة هدايا

لم يكن استقرار الاقتصاد الفائدة الوحيدة التي جنتها بكين من حرب غيرها. ففي منتصف مايو، عقب الزيارة الرسمية التي قام بها ترامب إلى الصين ولقائه شي جين بينغ، أعلنت واشنطن تعليق حزمة أسلحة مخصصة لتايوان، قدرت قيمتها وفقا لتقديرات مختلفة بما بين ١٢ و١٤ مليار دولار. وفي ٢٢ مايو أكد القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية هانغ كاو، خلال جلسة استماع أمام لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، أن التسليمات وضعت قيد التعليق لأن هذه الأسلحة مطلوبة للحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران.

التفسير الرسمي هو أولوية الاحتياجات اللوجستية. أما الدلالة السياسية فتقرأ بصورة مختلفة. يشير جوليان غيفيرتز، الذي عمل مستشارا لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن ويمثل حاليا جامعة كولومبيا، إلى أن المسؤولين الصينيين سعوا لسنوات في اتصالاتهم الثنائية إلى تحقيق هذه النتيجة تحديدا، وأن التعليق المفاجئ للتسليمات تحول إلى هدية لبكين كانت تأمل في الحصول عليها طوال عقد كامل في ملف تايوان. وهكذا وجدت تايوان نفسها من دون الأسلحة الموعودة في اللحظة التي كان من شأن إظهار الحلفاء لعزمهم أن يحمل فيها أكبر قيمة رمزية.

وتتجاوز أهمية هذا التنازل المحدد بكثير حدود صفقة سلاح واحدة. فعلى خلاف المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية أو الإشارات الدبلوماسية الموجهة إلى دول ثالثة، ظلت تايوان على مدى ثلاثة عقود العصب المركزي للمنافسة الأمريكية الصينية بأكملها، وهي قضية لم يكن لدى واشنطن تقليديا مجال للتنازل فيها من دون أن تفقد ماء وجهها أمام المنطقة كلها. وأصبح تعليق التسليمات، المبرر بالاحتياجات اللوجستية للحرب الإيرانية، أول إشارة منذ وقت طويل إلى تايبيه بأن أمنها قد يتحول إلى ورقة مساومة في لعبة أمريكية أوسع بكثير.

كيم جونغ أون يحصل على تخفيض، وسيول تحصل على القلق

دفع حليف أمريكي آخر في آسيا ثمنا مشابها، هو كوريا الجنوبية. ففي ١٦ أغسطس أعلن الرئيس الأمريكي تقليص المناورات السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية «درع الحرية أولتشي» بصورة كبيرة، مستندا إلى ما وصفه بـ«العلاقات الجيدة جدا» مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وإلى الكلفة المرتفعة للمناورات، وإلى عدم وجود تهديد من بيونغ يانغ خلال فترة رئاسته. وكانت المناورات مقررة أصلا حتى ٢٧ أغسطس، لكنها انتهت مبكرا في ٢١ أغسطس، أي قبل الموعد المقرر بستة أيام.

وجاء رد بيونغ يانغ باردا بصورة غير متوقعة، إذ أعلنت شقيقة كيم جونغ أون علنا أن كوريا الشمالية لا يهمها ببساطة تقليص المناورات. وكانت الكلفة الرمزية للقرار أكبر من أثره العملي. فقد تلقت سيول إشارة مفادها أن استعداد واشنطن لمراعاة مصالح حلفائها ضمن منظومة الردع يرتبط مباشرة بحجم الأعباء العسكرية التي تتحملها الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم. أما بالنسبة إلى بكين، فقد أصبح تراجع النشاط العسكري الأمريكي قرب حدودها مكسبا إضافيا حصلت عليه من دون بذل أدنى جهد.

والعواقب بعيدة المدى هنا أهم من الوفورات الآنية في كلفة المناورات. فقد دأبت بيونغ يانغ طوال سنوات على توسيع ترسانتها النووية بذريعة التهديد الناجم عن المناورات المشتركة بين سيول وواشنطن. وإضعاف هذه الذريعة لن يوقف البرنامج الكوري الشمالي في حد ذاته، لكنه يحرم حلفاء المنطقة من حجة اعتادوا استخدامها لتبرير ضبط النفس من جانبهم. أما بالنسبة إلى بكين، التي اضطلعت تقليديا بدور الوسيط بين بيونغ يانغ وبقية العالم، فإن أي تقارب مباشر بين واشنطن وكيم جونغ أون من دون مشاركة صينية يحمل جانبا معاكسا أيضا، يتمثل في خطر فقدان احتكار قناة النفوذ هذه. ولذلك فإن مكاسب بكين من الملف الكوري ليست بالوضوح نفسه الذي تتسم به مكاسبها من الملف الإيراني.

العالم صوت. لكن ليس لأمريكا

رصد تقرير يوليو الصادر عن مركز «بيو» للأبحاث الأثر التراكمي للحملة الإيرانية والحروب الجمركية وطريقة مخاطبة الحلفاء من موقع الاستعلاء. وشمل الاستطلاع ٤٢١٥١ شخصا في ٣٦ دولة، وأجريت المقابلات في الفترة من ٨ فبراير إلى ١٣ مايو، وهي مدة تزامنت بصورة شبه كاملة مع المرحلة الأكثر كثافة من الضربات ضد إيران. وكانت النتيجة غير مسبوقة خلال ما يقارب عشرين عاما من استطلاعات المركز. ففي ٢٧ دولة من أصل ٣٦، كان تقييم المستطلعين للصين أكثر إيجابية من تقييمهم للولايات المتحدة. ولم تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها في الاستطلاع سوى في ست دول، هي الهند واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية وإسرائيل وبولندا.

وفي بعض الحالات يبدو الفارق أقرب إلى الإهانة لواشنطن. ففي باكستان عبر ٩٠ في المئة من المستطلعين عن موقف إيجابي تجاه الصين، مقابل ١٥ في المئة فقط تجاه الولايات المتحدة، أي بفارق بلغ ٧٥ نقطة مئوية. وبين المشاركين في الاستطلاع داخل سبع عشرة دولة متوسطة الدخل، قال متوسط نسبته ٧٥ في المئة إن الولايات المتحدة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بينما قال ٤٥ في المئة فقط الأمر نفسه عن الصين. وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» في مارس أن نسبة الأمريكيين الذين ينظرون بإيجابية إلى الصين ارتفعت إلى ٢٧ في المئة، أي بزيادة ست نقاط عن العام السابق، وبما يقارب ضعف مستوى عام ٢٠٢٣.

ويدعو يانجونغ هوانغ، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، إلى عدم التسرع في استخلاص نتائج احتفالية. فالمسألة، في رأيه، تتعلق بتراجع جاذبية الولايات المتحدة أكثر مما تتعلق بارتفاع حقيقي في التعاطف مع بكين. الصين فازت بالمقارنة، لكنها لم تكسب القلوب، والفارق بين الأمرين جوهري، كما أنه قابل للعكس في رأي كثير من المحللين.

ويتبع منطق مماثل بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد وأحد أكثر منتقدي سياسة ترامب الخارجية استشهادا بهم. ووفقا لتقديره، تضرب الإصلاحات والقرارات المتعلقة بالتعيينات التي تتخذها الإدارة الحالية في وقت واحد القيادة العلمية والتكنولوجية للولايات المتحدة، وتفوقها العسكري، والقوة المالية للدولار بصفته عملة احتياط عالمية، ومنظومة التحالفات التي ضمنت لأمريكا طوال عقود مكانة القوة العالمية الأولى. ويواصل جوليان غيفيرتز هذه الفكرة، مشيرا إلى أن بكين لا تحتاج تقريبا إلى فعل شيء للفوز في هذه المنافسة، لأن واشنطن نفسها تقلص تمويل جامعاتها الرائدة، وتخلق ظروفا تجعل العمل في الولايات المتحدة أقل جاذبية للعلماء الأجانب، وفي الوقت ذاته تفكك أدوات نفوذها العالمي، من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى منظومة البث الحكومي الموجه إلى الخارج.

ويصوغ الفيلسوف وعالم السياسة فرانسيس فوكوياما التشخيص بلهجة أشد. فأصدقاء الولايات المتحدة وخصومها يقتربون أكثر فأكثر من الاتفاق على أن البلاد تتحول من ضامن للاستقرار العالمي إلى مصدر تهديد له. ويرى فوكوياما أن زيارة ترامب إلى بكين في مايو كشفت كذلك عن عدم التكافؤ في العلاقة الشخصية بين الزعيمين. فقد وصف الرئيس الأمريكي شي جين بينغ علنا بأنه «زعيم عظيم» و«صديق حقيقي»، في حين اكتفى الجانب الصيني بصيغة أكثر تحفظا تتحدث عن شراكة بلا تنافس.

الرصيد الدبلوماسي لبكين

ويبرز الجدول الدبلوماسي لهذا العام البعد الرمزي لهذا التحول. فالصين ستستضيف في نوفمبر قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، ووفقا لوسائل إعلام غربية يجري بحث إمكانية عقد لقاء على هامشها بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون، وهو لقاء يعتمد تنظيمه إلى حد كبير على حسن نية بكين بصفتها الدولة المضيفة. وبالنسبة إلى بلد كان ينظر إليه قبل عقد واحد فقط، وقبل كل شيء، باعتباره «مصنع العالم»، فإن التحول إلى المنظم الرئيسي للقاءات قادة العالم يعني انتقالا إلى مكانة مختلفة نوعيا، ولم تفعل حرب الخليج سوى تسريع هذا المسار.

ويستحق البعد الإعلامي للمواجهة اهتماما خاصا. ففي الوقت الذي تقلص فيه واشنطن تمويل «صوت أمريكا» وغيرها من أدوات الدبلوماسية العامة، تواصل وسائل الإعلام الحكومية الصينية توسيع حضورها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، وهي المناطق التي أظهرت، وفقا لبيانات مركز بيو للأبحاث، أكبر تحول في المزاج العام لمصلحة بكين. ولم تمنح الحملة العسكرية الصين مكسبا اقتصاديا فحسب، بل وفرت لها كذلك فرصة إعلامية ثمينة. فالسردية التي تقدم الصين باعتبارها قوة هادئة تعمل على تحقيق الاستقرار، في مقابل أمريكا محاربة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، تكاد تتشكل من تلقاء نفسها.

تفاؤل بكين الحذر

سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الأوساط البحثية الصينية تعيش حالة من النشوة. ويحذر وانغ جين، الأستاذ في جامعة الشمال الغربي في شيآن وأحد أبرز المتخصصين الصينيين في شؤون الشرق الأوسط، في مقال نشرته دورية «الدبلوماسي» الإقليمية، من اختزال المشهد في معادلة مبسطة تقول إن «أمريكا خسرت، إذن الصين ربحت». فالممالك العربية لا تزال تعتمد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وقد ازداد هذا الاعتماد بعد الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة. ويرى وانغ جين أن الإمارات والبحرين لا تستطيعان، من الناحية العملية، استبدال الولايات المتحدة بشريك عسكري مماثل لها في الحجم والقدرات، كما أن روسيا والصين وباكستان لا تملك حتى الآن القدرة على ملء الفراغ الاستراتيجي إذا حدث بالفعل تقليص كبير للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تزداد رغبة دول الخليج في البحث عن موردي سلاح بديلين، لكن أيا منهم لا يستطيع حتى الآن تقديم مستوى من التكامل والدعم اللوجستي يضاهي المستوى الأمريكي.

وللتدخل النفطي الصيني وجه آخر أيضا. فالصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم، تكبدت هي نفسها خسائر بسبب اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج، بما في ذلك إيران. وفي حال تخفيف العقوبات على طهران في إطار صفقة محتملة مع الولايات المتحدة، فإن الاستثمارات الغربية قد تزاحم المواقع الاقتصادية التي راكمتها بكين في السوق الإيرانية. ويضاف إلى ذلك العبء الدبلوماسي. فدعم إيران يعقد علاقات الصين مع الدول العربية، وخصوصا الإمارات التي تعرضت لهجمات إيرانية، بينما يمكن لأي انتقاد لطهران أن يضر بالشراكة الصينية الإيرانية التي بنيت على مدى سنوات. ووفقا لصياغة وانغ جين، فإن تحقيق التوازن بين أمن الطاقة وحرية الملاحة والحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات مع إيران وممالك الخليج يتحول بالنسبة إلى الدبلوماسية الصينية إلى مهمة تزداد تعقيدا باستمرار.

هل لدى واشنطن طريق للعودة؟

ومن باب الإنصاف، من المبكر إعلان نهاية الهيمنة الأمريكية. فالولايات المتحدة لا تزال أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وقد أدى نقص الإمدادات الناجم عن إغلاق مضيق هرمز إلى تعزيز موقعها مؤقتا بوصفها قوة في مجال الطاقة، على عكس الصين التي اضطرت إلى السحب من احتياطياتها. كما أن الدولار، رغم كل الحديث عن أفوله، لا يزال يستخدم في الجزء الأكبر من التجارة العالمية واحتياطيات البنوك المركزية، ولا يملك اليوان ولا أي عملة أخرى بديلا واقعيا لهذا الدور في المستقبل المنظور. ومثلما يشير وانغ جين بحق، فإن الممالك العربية لا تستطيع عمليا التخلي عن منظومات التسليح والخدمات اللوجستية الأمريكية خلال دورة سياسية واحدة، مهما بلغت برودة علاقاتها الحالية مع واشنطن.

كما أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر ٢٠٢٦ قد تغير التوازن السياسي الداخلي، وبالتالي مسار السياسة الخارجية، قبل وقت طويل من الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٨. ويبدو، استنادا إلى كتاباته، أن فرانسيس فوكوياما يعول تحديدا على مثل هذا التحول، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن التغيير الحاد في المسار، إذا استمر الضعف الحالي، قد يدفع بكين إلى اتخاذ خطوات أكثر مخاطرة بدلا من ردعها.

ماذا بعد: ثلاثة سيناريوهات حتى نهاية عام ٢٠٢٦

ستعتمد المسارات اللاحقة للنزاع وتداعياته الجيوسياسية على عدة نقاط مفصلية ستخضع للاختبار خلال الأشهر القليلة المقبلة.

السيناريو الأول هو جمود طويل الأمد. تستمر الحرب من دون نتيجة عسكرية حاسمة، وتحافظ إيران على قدراتها الصاروخية، ويبقى مضيق هرمز منطقة تفرض فيها القيود وترفع بصورة متقطعة، فيما تحتفظ الصين بدور المنظم غير الرسمي لسوق النفط حتى نهاية عام ٢٠٢٦ على الأقل، وتزيد وارداتها تدريجيا مع استنزاف احتياطياتها الخاصة.

أما السيناريو الثاني فهو التوصل إلى صفقة. تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق لتخفيف العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، ما يفتح السوق الإيرانية أمام الاستثمارات الغربية ويضعف المواقع الاقتصادية التي راكمتها الصين. وهذا بالتحديد هو السيناريو الذي يخشاه وانغ جين.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالا لكنه وارد بوصفه خطرا حقيقيا في تقدير فوكوياما، فيتمثل في تغير أولويات واشنطن بعد انتخابات التجديد النصفي لعام ٢٠٢٦، ومحاولة تبني مسار جديد تجاه تايوان، بما قد يدفع شي جين بينغ إلى التحرك بسرعة أكبر وبصورة أكثر حزما مما كان يخطط له، مستفيدا من الفترة التي كانت فيها أمريكا تضعف نفسها بنفسها.

ويمكن اختبار كل واحد من هذه السيناريوهات خلال فترة زمنية ليست بعيدة. فإذا استمر النظام المختلط للقيود في مضيق هرمز من دون اتفاق سلام رسمي حتى نهاية عام ٢٠٢٦، فسيدعم ذلك السيناريو الأول. أما إذا ارتفعت واردات الصين من النفط الإيراني بأكثر من ٢٠ في المئة خلال ستة أشهر من رفع محتمل للعقوبات، فسيكون ذلك مؤشرا إلى تحقق السيناريو الثاني بما يخدم الغرب لا بكين. أما استئناف المساعدات العسكرية لتايوان قبل نهاية العام الميلادي فسيكون إشارة إلى تراجع واشنطن عن مسار تقديم التنازلات للصين.

الخلاصة

لم تنتصر طهران في هذه الحرب، ومن المستبعد أن تنتصر. وواشنطن لا تعترف بالهزيمة، ولن تعترف بها علنا أبدا. لكن بين هاتين الحقيقتين تموضعت بكين، من دون أن تطلق رصاصة واحدة، وحصلت تقريبا على كل ما ظلت تبني سياستها الخارجية من أجله طوال عقود: منافس أضعف، وحلفاء لهذا المنافس أصابهم الارتباك، ورأي عام عالمي مال للمرة الأولى منذ عشرين عاما لمصلحتها.

لقد قامت الثقافة الاستراتيجية لبكين تاريخيا على الصبر، لا على الاندفاعات الحادة، من اللعبة الطويلة التي تمتد قرونا حول تايوان إلى البناء التدريجي لمبادرة «الحزام والطريق» على مدى عقود. ولم تتطلب حرب الخليج العربي من شي جين بينغ سوى قرار إداري واحد: الاحتفاظ بعدة ملايين من براميل النفط في المخزونات المحلية. وبعد ذلك بدأ العالم من تلقاء نفسه يتحرك في الاتجاه الذي يناسب بكين.

وانطلاقا من البرود الواضح الذي اتسم به لقاؤه مع ترامب في بكين خلال مايو، يبدو أن الزعيم الصيني يدرك تماما أن أفضل استراتيجية في مواجهة قوة عظمى فقدت القدرة على حساب ثمن قراراتها هي الحفاظ على الهدوء والانتظار بصبر إلى أن تحسب تلك القوة الثمن بنفسها.

وللتاريخ خاصية متكررة: غالبا ما يثبت صحة حسابات من يستطيع الانتظار مدة أطول من خصمه. ويبدو أن عام ٢٠٢٦ سيدخل كتب التاريخ بوصفه اللحظة التي أصبح فيها هذا النوع من الصبر بالنسبة إلى بكين أكثر قيمة من أي سلاح.