عمليات تفتيش في نحو خمسين عنوانا، وسيارة إسعاف أمام لجنة مكافحة الفساد، وحسابات تقترب من ثلاثمئة مليون دولار. للمرة الأولى تحاول أرمينيا أن تثبت بالوثائق، لا بالشعارات السياسية، كيف تحولت السلطة الرئاسية في العقد الأول من الألفية إلى ملكية خاصة
بدأ صباح 25 أغسطس 2026 في يريفان بحدث لم يشهده النظام السياسي الأرمني منذ عقدين: عمليات تفتيش متزامنة في عشرات العناوين المرتبطة بالرئيس السابق روبرت كوتشاريان، ونجليه، وشركائه التجاريين، وأعمال العائلة. وبحلول الساعة العاشرة صباحا، اقتيد كوتشاريان إلى لجنة مكافحة الفساد. وقبيل الظهر، نقلت سيارة إسعاف الرئيس الثاني لأرمينيا من مبنى اللجنة إلى مركز طبي. ولم يكشف رسميا عن سبب نقله إلى المستشفى. ووصف محامي كوتشاريان، آرام أوربيليان، المعلومات المتعلقة بالحالة الصحية لموكله بأنها سر طبي، ورفض التعليق عليها، ولذلك تبقى أي روايات بشأن خطورة حالة الرئيس السابق في نطاق التكهنات لا الحقائق.
لكن مشهد سيارة الإسعاف، الذي انتشر فوريا في وكالات الأنباء الأرمنية والروسية والأوكرانية، يخفي وراءه قضية أوسع بكثير. فقد احتجزت لجنة مكافحة الفساد ستة أشخاص، بينهم سيدراك، الابن الأكبر لكوتشاريان. ولم تقتصر عمليات التفتيش على مقر إقامة الرئيس السابق، بل شملت أيضا معرض تويوتا للسيارات في يريفان، الذي ختمته مصلحة الضرائب في اليوم نفسه، ومجمع أورانج للياقة البدنية، ومركز مدينة الألعاب الترفيهي، وحتى متجر بريغوميش المملوك للمغنية سيروشو، زوجة ليفون كوتشاريان، الابن الأصغر للرئيس السابق والنائب عن كتلة «أرمينيا». هذا الاتساع لا يوحي بعملية ترهيب عشوائية، بل يرسم ملامح شبكة شركات كبيرة تحاول جهات التحقيق تفكيك بنيتها على الورق وتقديمها إلى المحكمة.
ليست واقعة جنائية منفردة بل خريطة لاقتصاد كامل
تقول لجنة مكافحة الفساد إن كوتشاريان، أثناء توليه منصب الرئيس بين عامي 1998 و2008، استخدم موقعه الوظيفي، بالتواطؤ المسبق مع أشخاص مقربين منه، لإخراج أصول قيّمة من ملكية الدولة والاستحواذ عليها بأسعار تقل بصورة كبيرة عن قيمتها السوقية. لكن صيغة «خفض السعر» ليست سوى الطبقة الظاهرة من الاتهام. ففي العمق، تتحدث التحقيقات عن بنية متعددة المراحل: يخرج الأصل الحكومي من ملكية الجمهورية، وينتقل إلى شركة خاصة، ثم يظهر في هيكل ملكية تلك الشركة أشخاص مرتبطون بأسرة الرئيس، من خلال نقل الحصص، وصفقات بيع وشراء صورية، والهبات، وأعمال البناء، ثم التصرف اللاحق في العقارات.
وبحسب رواية التحقيق، كان الهدف من هذه السلسلة قطع الصلة القانونية الواضحة بين الأصل الحكومي الأولي والمستفيد النهائي منه. والاتهام لا يقوم على المعادلة البسيطة القائلة إن «الرئيس اشترى ممتلكات حكومية بسعر زهيد»، بل هو أخطر بكثير. فالادعاء يحاول إثبات وجود منظومة كانت القرارات الإدارية فيها تخلق قيمة تجارية، ثم تتحول هذه القيمة لاحقا إلى ملكية في أيدي أشخاص مقربين. وإذا وافقت المحكمة على هذا البناء القانوني، فسنكون أمام نموذج كلاسيكي للصراع بين السلطة العامة والإثراء الخاص، وهو نموذج مألوف في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي من طشقند إلى كييف، لكن هذه المرة يجري تشريحه على امتداد سيرة رئاسية كاملة.
مدينة الألعاب: كيف تحولت 44 مليون درام إلى حصة لابن الرئيس
تتعلق أول واقعة أعلن عنها بقطعة أرض مساحتها 8.3 هكتارات في منطقة شارعي أتشاريان وتساراف أغبيور. ووفقا للجنة، اشتريت الأرض مقابل 44.657 مليون درام، وفي عام 2002 افتتح عليها مركز مدينة الألعاب الترفيهي. وبعد عامين، في 15 نوفمبر 2004، نقل نصف شركة فاست كارت المالكة للمشروع على سبيل الهبة وسجل باسم ابن الرئيس السابق.
ومن الناحية القانونية، تبدو السلسلة ذات دلالة واضحة: مورد حكومي، ثم مشروع تجاري، ثم شركة مالكة، ثم حصة في يد أحد أفراد الأسرة الرئاسية. وهذه تحديدا هي السلسلة التي يتعين على التحقيق إثباتها داخل قاعة المحكمة، لا في بيان صحفي. فتطابق المصالح، وحتى انتقال الحصة لاحقا إلى أحد أقارب الرئيس، لا يثبتان بحد ذاتهما وجود نية إجرامية لدى رئيس الدولة لحظة اتخاذ قرار بيع الأرض. ويتعين إثبات أن القرارات اتخذت منذ البداية لتحقيق هذه النتيجة المحددة، لا أنها انتهت إليها لاحقا بفضل نجاح تجاري.
كاسكيد: أرض مقابل 39 مليونا بيعت لاحقا بـ1.7 مليار
تبدو الواقعة المتعلقة بهكتارين من الأرض قرب مجمع كاسكيد أكثر دلالة. ويقول التحقيق إن الأرض اشتريت في البداية مقابل 39.63 مليون درام، ثم استبدلت بقطعة أرض حكومية مماثلة في المساحة، لكنها تقع في جزء أكثر جاذبية من المدينة. وبعد عملية الاستبدال، بيعت العقارات الجديدة مقابل مليار و741.931 مليون درام.
إن فارقا يتجاوز أربعين ضعفا يترك انطباعا قويا لدى القارئ، لكن الحساب وحده لا يحسم القضية في قاعة المحكمة. فقد ارتفعت أسعار العقارات في يريفان بالفعل على مدى عقدين، نتيجة تغير قواعد التخطيط العمراني، وتطوير البنية التحتية، وظروف السوق، وليس بسبب مخططات الفساد وحدها. وعلى الادعاء أن يثبت شيئا آخر: أن آلية تبادل الأراضي صممت خصيصا لنقل قيمة مملوكة للدولة إلى مستفيدين من القطاع الخاص بشروط تفضيلية، لا أنها كانت مجرد نتيجة للنمو الطبيعي لسوق العقارات في يريفان، الذي استفاد منه آلاف المتعاملين خلال العقد الأول من الألفية.
بارونيان وسيفان وملعب التنس: مجموعة أصول الأسرة
تتعلق الواقعة التالية بمبنى في شارع بارونيان رقم 8، كان مدرجا في ميزانية مؤسسة حكومية، وتم شراؤه، وفقا لمواد التحقيق، مقابل 40 مليون درام. وفي وقت لاحق أقيم في الموقع مبنى سكني متعدد الشقق، ثم سجلت باسم سيدراك كوتشاريان، عبر صفقات بيع وشراء، منشآت تبلغ مساحتها نحو 600 متر مربع وموقفان للسيارات بقيمة سوقية قدرها 331.8 مليون درام.
أما مجمع كابوتاك سيفان في محافظة غيغاركونيك، فاشتري مقابل 83.669 مليون درام. ووفقا للتحقيق، جرى في يناير 2010، من خلال صفقة صورية، تسجيل نصف الشركة المالكة له، آرت بيلد، باسم ابن الرئيس السابق. كما تتحدث التحقيقات عن أرض المدرسة الرياضية للأطفال والناشئين التابعة للاحتياطي الأولمبي للتنس على طريق تسيتسيرناكابيرد، وهي نحو 29 ألف متر مربع من الأراضي و1700 متر مربع من المباني، وقد بلغت كلفتها، بحسب التحقيق، 12.267 مليون درام. وفي وقت لاحق أقيم في الموقع مجمع أورانج الفاخر للياقة البدنية، وانتقل نصف حصة الشركة المالكة إلى كيان مرتبط بابن الرئيس السابق.
ولا تكتسب هذه الواقعة الأخيرة أهميتها من حجم المبلغ وحده. ففي يونيو 2026 كانت النيابة العامة تسعى بالفعل إلى الحصول على إذن بملاحقة كوتشاريان جنائيا تحديدا بسبب صفقة أرض التنس. وكان المحامي أوربيليان يصف الموقع آنذاك بأنه نادي ماستر كلاس للتنس، ويؤكد أن الأرض منحت للإيجار بموجب قرار حكومي، وأن ابن الرئيس السابق لم يشتر حصته في الشركة إلا عام 2008، بعد مغادرة والده منصب الرئاسة، وأنه دفع مقابلها سعرا مطابقا للسوق. وفي 17 يونيو، وافقت لجنة الانتخابات المركزية على الملاحقة، ورفعت الحصانة الإجرائية عن المرشح للبرلمان. ولذلك فإن الرواية القائلة إن القضية برمتها ولدت من العدم صباح 25 أغسطس لا تتفق مع الوقائع. فعلى الأقل، كان هذا الملف العقاري قيد التحقيق قبل وقت طويل من عمليات التفتيش الحالية، كما أن الدفاع كان قد عرض علنا حججه المضادة.
56 عقارا بوصفها رشوة محتملة
يتعلق الجزء الأخطر من الاتهام لا بخصخصة تمت بأسعار مخفضة، بل بعملية مقايضة مباشرة. وتقول لجنة مكافحة الفساد إنه مقابل تنظيم إخراج مبنى دار الضباط في شارع فازغين سركسيان رقم 20، وهو معلم تاريخي وثقافي، وكذلك المبنى غير المكتمل في شارع نالبانديان رقم 16، من ملكية الدولة، ثم نقلهما إلى شركة بياتزا غراندي، حصل الرئيس على 56 عقارا بقيمة إجمالية بلغت مليارين و633.934 مليون درام. وفي وقت لاحق، بحسب اللجنة، سجلت هذه العقارات من خلال صفقات شكلية بأسماء أفراد من الأسرة وكيانات مرتبطة بها.
إذا ثبتت هذه الواقعة بالوثائق، فإن الطبيعة القانونية للقضية كلها ستتغير نوعيا. فثمة فرق بين التساؤل عما إذا كانت أملاك الدولة قد قيّمت بصورة موضوعية، وما إذا كان أقارب الرئيس قد حققوا منفعة تجارية، وبين الادعاء بأن السلطة القائمة كانت تقايض القرارات الإدارية بصورة مباشرة بأصول مادية. عندها لن نكون أمام إساءة استخدام مجردة للصلاحيات، بل أمام الصيغة الكلاسيكية للمقايضة الفاسدة: قرار مقابل أصل. وقد تصبح قاعدة الأدلة المتعلقة بهذه العقارات الستة والخمسين العمود الفقري للمحاكمة المقبلة كلها، وستحدد جودتها ما إذا كان الاتهام سيصمد أمام المحكمة أم سيتفكك إلى وقائع منفصلة ومبعثرة.
تويوتا: أرض تابعة لوزارة الدفاع مقابل حصة في تجارة السيارات
لعل أكثر الوقائع وضوحا من حيث بنيتها تلك المرتبطة بقطع أراض تابعة لوزارة الدفاع في جادة الأدميرال إيساكوف، بالعناوين 22 و22/4، بما في ذلك أرض كانت مخصصة لمحطة علمية إنتاجية. ويقدر التحقيق القيمة السوقية الإجمالية لهذه الأراضي بنحو مليار و393.87 مليون درام، إلا أنها بيعت لشركة يملكها شخص مقرب من الرئيس السابق بسعر يقل بنحو أربعة أضعاف عن قيمتها.
وفي مقابل ضمان إتمام الصفقة وتهيئة الظروف لافتتاح ممثلية لشركة تويوتا اليابانية في أرمينيا، حصل كوتشاريان، بحسب رواية التحقيق، على 30 في المئة من شركة تويوتا يريفان. ثم سجلت هذه الحصة لاحقا، عبر عقود شكلية، باسم سيدراك.
وتؤكد المعلومات المتاحة علنا بشأن هيكل ملكية تويوتا يريفان بالفعل امتلاك سيدراك كوتشاريان حصة تبلغ 30 في المئة. وقد أفادت وسائل الإعلام الأرمنية بذلك أيضا يوم تنفيذ عمليات التفتيش، مشيرة إلى أن مصلحة الضرائب ختمت معرض سيارات الشركة. وبطبيعة الحال، فإن امتلاك حصة في شركة لا يشكل جريمة بحد ذاته. والسؤال الأساسي يتعلق بمصدر هذه الحصة.
وسيتعين على التحقيق إعادة بناء السلسلة كاملة: من اتخذ قرار بيع الأرض، وكيف جرى تقييمها، وبأي شروط تمت الصفقة، ومن أدار المفاوضات بشأن تأسيس تويوتا يريفان، وكيف تحركت الأموال. ومن دون هذه السلسلة سيظل الاتهام قويا من الناحية السياسية، لكنه هشا من الناحية القانونية، لأنه سيبدو أقرب إلى مصادفة قدمت على أنها مؤامرة.
309 ملايين دولار: التحقيق يفتح ملف التدفقات المالية للأسرة
يتعلق الجزء الأكثر إثارة في البيان العلني للجنة لا بمبان منفردة، بل بالتدفقات المالية. فالتحقيق يدرس تحويلات أجريت باسم سيدراك كوتشاريان بين عامي 2001 و2019، وتبلغ نحو 144 مليار درام، و309 ملايين دولار، و77 مليون يورو، و18 مليون روبل روسي.
وبالتوازي مع ذلك، يجري التحقيق في مصدر أكثر من ثلاثين عقارا داخل أرمينيا وخارجها، تعود ملكيتها إلى أشخاص مشمولين بالقضية وأفراد أسرهم. وقد فرضت بالفعل على جزء من هذه الممتلكات تدابير تمنع التصرف فيها.
وهنا لا بد من تسجيل تحفظ جوهري يفرضه أي تحليل مهني نزيه: تحويلات بقيمة 309 ملايين دولار لا تعني سرقة 309 ملايين دولار. فحركة الأموال في الحسابات، والتحويلات بين الكيانات المملوكة للأشخاص أنفسهم، والقروض، والاستثمارات، والصفقات التجارية، واسترداد رأس المال، تختلف قانونيا عن العائدات الإجرامية. والتحقيق يتحدث حتى الآن عن عمليات مالية يجري فحصها، لا عن اختلاس ثبت وقوعه.
ولتحويل هذه الأرقام إلى عناصر تشكل جريمة، سيتعين على الادعاء تحديد مصدر كل مبلغ ذي شأن، وإثبات المضمون الاقتصادي للعملية، وبيان صلتها المباشرة بمخالفة جنائية محددة. لكن الحجم الهائل للبيانات المالية يفسر، في حد ذاته، لماذا نفذت العملية بالتزامن في عشرات العناوين. فنحن لسنا أمام قضية جنائية ضد شخص واحد، بل أمام تحقيق مالي يستهدف شبكة شركات كاملة.
القضية لم تولد أمس: ثلاث سنوات من التحضير
ثمة حقيقة تحول دون اختزال ما يجري في مجرد صراع سياسي خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة. فالنيابة العامة الأرمنية تتابع أصول عائلة كوتشاريان منذ عدة سنوات. ففي يوليو 2023، فرضت المحكمة تدابير تحفظية على ممتلكات الرئيس السابق وأقارب مرتبطين به.
وفي أكتوبر من العام نفسه، قدمت النيابة العامة دعوى مدنية أوسع بكثير لمصادرة ممتلكات ذات منشأ غير مشروع. وكان الحديث آنذاك عن نحو 200 عقار، و13 مركبة، وحصص ومشاركات في 29 كيانا قانونيا أرمنيا وأجنبيا، إضافة إلى ودائع وأوراق مالية ومستحقات نقدية.
وبحلول مايو 2026، كانت النيابة العامة قد أعلنت مجموعة مختلفة وأكثر تحديدا من المطالبات المتعلقة بكوتشاريان وستة أشخاص مرتبطين به: 23 عقارا، ومشاركة في 15 كيانا قانونيا، وسندات، وودائع مصرفية، وأصول أخرى. وقدرت القيمة السوقية لثمانية عشر عقارا فقط من هذه العقارات بأكثر من 11.15 مليار درام.
وبعبارة أخرى، كان المسار المتعلق بالممتلكات يتطور قبل وقت طويل من الاحتجاز الحالي. ولذلك فإن الادعاء بأن العملية الأمنية ولدت حصرا من السجال السياسي الذي وقع بالأمس يتناقض مع التسلسل الزمني المثبت في الوثائق القضائية خلال السنوات الثلاث الماضية.
شجار في البرلمان عشية عمليات التفتيش
يستحق التسلسل الزمني للساعات الأربع والعشرين الأخيرة اهتماما خاصا، لأن الصورة تبقى ناقصة من دونه. ففي 24 أغسطس، أثناء مناقشة برنامج الحكومة للفترة 2026-2031، وصف ليفون كوتشاريان، النائب عن كتلة «أرمينيا»، رئيس الوزراء نيكول باشينيان بحدة بأنه خائن.
ورد باشينيان علنا بالتساؤل عن مصدر ثروة عائلة كوتشاريان، مشيرا إلى أن الملايين التي جمعت على حساب الدولة لا يمكن أن تنتقل تلقائيا بالإرث من الأب إلى الابن، ثم من الابن إلى الأحفاد.
وفي مساء اليوم نفسه، ذكّر رئيس الوزراء، خلال كلمته أمام البرلمان، بالهدف الاستراتيجي للحكومة المتمثل في إعادة ممتلكات ذات منشأ غير مشروع إلى الدولة بقيمة تصل إلى ملياري دولار بحلول عام 2031. واستشهد بالإجراءات الجارية بالفعل المتعلقة بشركة إي إس إيه، وشركة أراراتسمنت، وتلفريك تساغكادزور، بوصفها دليلا على فاعلية هذه الآلية. وفي صباح اليوم التالي بدأت عمليات التفتيش.
هذا التسلسل يمنح دفاع كوتشاريان حجة خطابية جاهزة: في المساء كان الحديث عن الملايين، وفي الصباح وصلت الأجهزة الأمنية. لكن هذه الحجة لا تلغي ولا تستبدل ثلاث سنوات من التاريخ القضائي الموثق الذي عرض أعلاه: التدابير التحفظية في عام 2023، ودعوى المصادرة المدنية، وسجل الأصول في مايو 2026، وموافقة لجنة الانتخابات المركزية في يونيو على الملاحقة في واقعة مجمع التنس.
والأدق القول إن الخطاب السياسي العلني يمكن أن يلقي بظلال من الشك حول تحقيق يمتلك مسارا مستقلا من حيث تاريخه وأدلته. وسيستفيد الدفاع من هذه الظلال في المحكمة وفي المجال الإعلامي، بصرف النظر عن مدى متانة القاعدة الوثائقية للقضية نفسها.
كوتشاريان لم يخرج من المحاكم أصلا
يعيش روبرت كوتشاريان في حالة مواجهة قانونية شبه متواصلة مع الدولة الأرمنية منذ عام 2018. وكانت أشهر القضايا مرتبطة بأحداث الأول من مارس 2008 والاتهام بقلب النظام الدستوري.
وفي مارس 2021، قضت المحكمة الدستورية بأن المادة 300.1 من قانون العقوبات السابق تتعارض مع الدستور، فتوقفت الملاحقة استنادا إلى هذا التكييف القانوني.
لكن تبين أن وضع نقطة النهاية في هذه القضية كان سابقا لأوانه. ففي عام 2024، ألغت محكمة النقض قرار إنهاء القضية، وسمحت بتغيير التكييف القانوني للأفعال المنسوبة إلى كوتشاريان. وفي يناير 2026، أقرت محكمة مكافحة الفساد صيغا اتهامية جديدة ضمن هذا الملف.
والإجراءات الحالية لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل تنضاف إلى قضايا جنائية ومنازعات على الممتلكات قائمة بالفعل. وهنا يكمن أحد أهم المخاطر السياسية التي تواجه السلطة الأرمنية: فإذا انهارت حتى بضعة ملفات كبيرة لأسباب إجرائية، مثل انقضاء مدة التقادم، أو عدم إثبات القصد الجنائي، أو الخلاف حول تقييم الممتلكات، فسيحصل كوتشاريان على فرصة لتقديم مجمل الاتهامات باعتبارها سلسلة واحدة من الضغوط السياسية الممتدة على مدى ثماني سنوات.
وبالنسبة إلى فريق الادعاء، يعني ذلك أن الانضباط الإجرائي في كل واقعة على حدة أهم من الأثر الدعائي الناتج عن ضخامة عمليات التفتيش.
لم يعد كوتشاريان الخصم الرئيسي لباشينيان، لكنه يظل رمزا لحقبة كاملة
بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 يونيو 2026، تراجع الوزن السياسي لكوتشاريان موضوعيا. فقد حصلت كتلته «أرمينيا» على 144983 صوتا، أي 9.92 في المئة، وفازت بـ12 مقعدا في البرلمان. وأصبحت كتلة «أرمينيا القوية» بزعامة الملياردير سامفيل كارابيتيان القوة المعارضة الرئيسية، بعدما حصلت على 23.27 في المئة من الأصوات و29 مقعدا. أما حزب «العقد المدني» الحاكم فحصل على 49.75 في المئة، وحافظ على أغلبيته البرلمانية بـ64 مقعدا من أصل 101. وبالتالي، لم يعد كوتشاريان اليوم أكبر منافس انتخابي لرئيس الوزراء، ولا حتى ثاني أكبر منافسيه.
ومع ذلك، فإن أهمية كوتشاريان تتجاوز بكثير نسبة الـ9.92 في المئة التي حصل عليها من الناخبين. فهو رمز سياسي لحقبة كاملة، ولهذا السبب تحديدا تتابع باكو مصيره باهتمام بالغ. دخل كوتشاريان السياسة الأرمنية من رحم الحركة الانفصالية في قاراباغ، وتولى في تسعينيات القرن الماضي مناصب قيادية في كيان غير معترف به أقيم على الأراضي الأذربيجانية المحتلة. وفي عام 1997 أصبح رئيسا لوزراء أرمينيا، ثم تولى رئاسة البلاد بعد عام واحد، عقب استقالة ليفون تير بتروسيان.
وكان الخلاف حول مقاربات تسوية قضية قاراباغ أحد العوامل الرئيسية للأزمة التي انتهت برحيل تير بتروسيان. ففي أواخر عام 1997 كان مستعدا لقبول تسوية مرحلية، بينما رفضت ذلك المجموعة العسكرية القادمة من قاراباغ بقيادة كوتشاريان. ومنذ تلك اللحظة وحتى عام 2018، حكمت النخبة العسكرية المرتبطة بقاراباغ أرمينيا فعليا، وحددت ليس فقط اتجاه سياستها الخارجية، بل أيضا بنية الملكية داخل البلاد.
لماذا تتابع باكو قضية كوتشاريان باهتمام
بالنسبة إلى أذربيجان، لا تكمن أهمية القضية في احتجاز شخص بعينه متقدم في السن وله سجل قضائي طويل. تكمن أهميتها في أن أرمينيا تحاول للمرة الأولى التعامل بصورة منهجية مع الإرث الاقتصادي للنظام السياسي الذي تشكل بالتوازي مع سياسة الاحتلال التي استمرت سنوات طويلة.
ينتمي كوتشاريان إلى جيل من السياسيين الأرمن كان ينظر إلى الاحتفاظ بأراضي الغير لا بوصفه وضعا عسكريا مؤقتا لا بد أن ينتهي عاجلا أم آجلا بحل دبلوماسي، بل باعتباره أساسا لاستراتيجية إقليمية، وبحسب المعطيات المتاحة لدى التحقيق، مصدرا لثروة شخصية ملموسة للغاية.
لقد انهار الأساس العسكري والجيوسياسي لهذه المنظومة بالفعل. فقد استعادت أذربيجان وحدة أراضيها خلال عمليتي عامي 2020 و2023، وانتهى المشروع الانفصالي في قاراباغ، ومنذ أغسطس 2025 تتجه يريفان وباكو رسميا نحو معاهدة سلام، بدءا من إعلان واشنطن ووصولا إلى مناقشة ممر العبور عبر سيونيك.
أما الآن، فقد بدأ داخل أرمينيا نفسها جدل حول الإرث الاقتصادي والسياسي للحقبة التي قامت عليها سابقا صيغة المواجهة في العلاقات مع الجيران. ومصير هذا الجدل له أهمية مباشرة في تحديد مدى استقرار المسار الحالي ليريفان نحو التطبيع. فكلما تمكن باشينيان وحكومته من تفكيك شبكات النخب المرتبطة بحقبة قاراباغ داخل البلاد على نحو أكثر صلابة، تراجعت الموارد السياسية الداخلية المتاحة للقوى التي لها مصلحة موضوعية في الثأر وإفشال عملية السلام.
تدقيق حسابات حقبة كاملة: ما الذي أصبح على المحك بالنسبة إلى أرمينيا نفسها
هنا تحديدا يمر الخط الفاصل بين خبر جنائي عادي وعملية ذات دلالة تاريخية. فإذا تمكن التحقيق من إثبات أن ممتلكات الدولة خلال رئاسة كوتشاريان كانت تخرج منها عبر ترتيبات تفضيلية، ثم تنتقل الأصول التجارية لاحقا إلى هياكل مرتبطة بعائلة الرئيس، فلن يقتصر السؤال على المسؤولية الشخصية لفرد واحد.
بل سيظهر سؤال أشد إزعاجا للمجتمع الأرمني: ما الطبيعة الاقتصادية الحقيقية للدولة في العقد الأول من الألفية؟ هل كانت أداة للتحديث، أم آلية لتشكيل ملكية مرتبطة بالولاء السياسي؟ والإجابة عن هذا السؤال ستكون ذات أهمية تتجاوز بكثير مصير عائلة بعينها.
وكانت حكومة باشينيان قد أعلنت بالفعل مكافحة الممتلكات المكتسبة بصورة غير مشروعة أحد المسارات الاستراتيجية في برنامجها الجديد للفترة 2026 إلى 2031، وحددت هدفا يتمثل في إعادة أصول إلى الدولة بقيمة تصل إلى ملياري دولار.
وبحسب رئيس الوزراء، كانت الدولة قد استعادت حتى أغسطس 2026 عقارات وأراضي وأموالا بقيمة تقارب 304.1 مليارات درام. ومن هذه الزاوية، تتحول قضية كوتشاريان إلى الاختبار الرئيسي لسياسة استرداد الأصول كلها. فنجاح هذه القضية أو فشلها سيحدد ما إذا كان المجتمع الأرمني سيؤمن بقدرة الدولة على إيصال مثل هذه التحقيقات إلى أحكام إدانة، بدلا من إنهائها مرة أخرى بعد عدة سنوات.
ما التالي: جبهتان للدفاع وثلاثة سيناريوهات أمام القضاء
الأرجح أن لجنة مكافحة الفساد ستحاول الحصول على تدبير احترازي صارم بحق كوتشاريان ونجله، مستندة إلى حجم القضية، وعدد الأشخاص المتورطين فيها، وضخامة الأصول، واحتمال تنسيق الإفادات، وإمكان التصرف في الممتلكات قبل صدور قرار المحكمة.
وبالتوازي مع ذلك، سيستمر التحليل المالي للحسابات والهياكل المؤسسية والعقارات الموجودة في الخارج. وهذه مهمة يمكن، بالنظر إلى حجم البيانات، أن تستغرق أشهرا، إن لم تمتد إلى سنوات.
وسيبني الدفاع استراتيجيته على مستويين في آن واحد. المستوى الأول قانوني، ويتعلق بمدد التقادم في الوقائع التي يعود بعضها إلى عشرين عاما، والصلاحيات الفعلية للرئيس عند اتخاذ الحكومة قرارات بيع الأراضي، وقانونية تلك القرارات في حد ذاتها، والمضمون التجاري للاستثمارات اللاحقة التي قام بها الابن، وغياب رابطة مباشرة مثبتة بين قرارات العقد الأول من الألفية والممتلكات التي حصل عليها سيدراك كوتشاريان لاحقا.
أما المستوى الثاني فسيكون سياسيا، وسيستند إلى تصريحات باشينيان في 24 أغسطس، ثم عمليات التفتيش صباح 25 أغسطس، ومشاركة أجهزة أمنية في عملية طالت عشرات العناوين في وقت واحد، واحتجاز أفراد من الأسرة، وتفتيش متجر زوجة أحد النواب.
فالسياسي الذي خسر الانتخابات يمكن أن يحصل على حياة سياسية ثانية إذا ظهر في صورة رئيس سابق يتعرض للملاحقة. ويبدو، انطلاقا من التصريحات التي صدرت بالفعل عن مكتب كوتشاريان بشأن «هجوم جديد من السلطات»، أن فريق الدفاع ينوي استثمار هذه الورقة تحديدا.
وتبدو ثلاثة سيناريوهات واقعية بحلول نهاية عام 2026.
السيناريو الأول هو أن تقر المحكمة تدبيرا احترازيا صارما، وأن تصل بعض الوقائع، وخصوصا تلك المتعلقة بتويوتا يريفان والعقارات الستة والخمسين المرتبطة بدار الضباط، إلى مرحلة توجيه اتهامات رسمية تتضمن تواريخ ومبالغ محددة ومدعومة بوثائق مصرفية.
السيناريو الثاني هو أن يصمد الاتهام في الوقائع الأكثر توثيقا، لكنه ينهار في جزء من الصفقات القديمة بسبب انقضاء مدد التقادم، فتستمر المحاكمة سنوات عدة بالتوازي مع الدعوى المدنية المتعلقة بالمصادرة.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالا لكنه غير مستبعد، فيتمثل في أن يؤدي الضغط السياسي على المؤسسات إلى تأكيد مخاوف الدفاع، وأن يتبين أن جزءا من المواد يعاني من ثغرات إجرائية، وعندها قد تتحول القضية في نظر شريحة كبيرة من المجتمع إلى دليل على العدالة الانتقائية، بغض النظر عن المسؤولية الفعلية للأشخاص المتهمين.
بدلا من الخلاصة
من الناحية الشكلية، ستجري محاكمة روبرت كوتشاريان ونجله سيدراك وأربعة أشخاص آخرين في هذه القضية. لكن من حيث الجوهر، حصل المجتمع الأرمني للمرة الأولى على ملف يدعي تفسير الكيفية التي تحولت بها السلطة السياسية في العقد الأول من الألفية إلى ملكية خاصة، عبر أراضي وزارة الدفاع، وملاعب التنس، وتجارة السيارات، وعشرات الملايين من الدولارات التي مرت عبر حسابات الأسرة خلال ثمانية عشر عاما.
ويتعين أن تخضع كل قطعة أرض، وكل حصة في تويوتا يريفان، وكل عقار مرتبط ببياتزا غراندي، لاختبار الأدلة لا البيانات الصحفية. وإلى أن يصدر حكم قضائي، يبقى كوتشاريان متهما لا مدانا.
لكن حجم الخريطة التي وضعتها لجنة مكافحة الفساد على الطاولة في 25 أغسطس 2026 يكشف أمرا أكثر جوهرية من مصير سياسي واحد متقدم في السن.
فالنخبة العسكرية المرتبطة بقاراباغ، التي وصلت إلى السلطة في يريفان قبل ثلاثين عاما على أساس وعد بالاحتفاظ بأراضي الغير، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى تفسير مصدر قصورها ومعارض سياراتها وتحويلاتها المالية الخارجية أمام القضاة الأرمن.
لقد دمرت باكو بالقوة في عامي 2020 و2023 الأساس العسكري والإقليمي لهذه الحقبة. أما أساسها الاقتصادي فتحاول يريفان الآن تفكيكه بنفسها. وعلى ما إذا كانت ستكمل هذه المهمة حتى النهاية سيتوقف ما إذا كان تطبيع العلاقات مع أذربيجان سيصبح خيارا لا رجعة فيه لأرمينيا الجديدة، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق عودة أولئك الذين لم يكن الاحتلال بالنسبة إليهم خطأ مأساويا، بل مصدرا للثروة.