...

العصر الذهبي الموعود تحول خلال تسعة عشر شهرا إلى سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية، وفتح في الوقت نفسه نافذة فرص أمام موسكو وبكين وطهران.

وعد دونالد ترامب الأمريكيين بعصر ذهبي. لكنهم حصلوا على النقيض تماما: دولة أنهكت قواتها المسلحة، وتصدعت تحالفاتها، بينما يرفع خصومها مستوى المخاطر في وقت واحد على عدة مسارح للعمليات العسكرية.

ففي غضون تسعة عشر شهرا فقط من الولاية الرئاسية الثانية، تحولت مشكلة بنيوية تراكمت طوال عقود إلى أزمة حادة ومتعددة المستويات، قد تحدد مصير الهيمنة الأمريكية في العالم.

هذا ما يكتبه هال براندز في بلومبرغ، وهو أستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وأحد واضعي نظرية «منطقة الخطر» المتعلقة بالهيمنة الأمريكية.

التشخيص قاس: دخلت الولايات المتحدة مرحلة من الاضطراب العالمي لن يكون الخروج منها سريعا.

معادلة براندز بسيطة، ولذلك تبدو أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى المؤسسة الحاكمة في واشنطن. ثلاث أزمات، أزمة القدرات العسكرية، وأزمة ثقة الحلفاء، وأزمة الاستقرار السياسي الداخلي، تزامنت للمرة الأولى منذ عقود.

كان النظام الأمريكي قادرا على تحمل كل واحدة منها على حدة. لكن تزامنها يخلق ما تسميه نظرية العلاقات الدولية حالة الإجهاد البنيوي المفرط لقوة كبرى تفقد السيطرة على الأطراف بوتيرة أسرع من قدرتها على تكييف استراتيجيتها.

ومن اللافت أن مصطلح «منطقة الخطر» دخل القاموس السياسي الأمريكي لا بوصفه استعارة صحفية، بل باعتباره فرضية عمل يتداولها استراتيجيون محترفون قريبون من البنتاغون وجهاز مجلس الأمن القومي.

المسألة لا تتعلق بالهلع، بل بحساب بالغ الواقعية. فالمرحلة التي راكمت فيها الصين بالفعل ما يكفي من القوة العسكرية لحسم قضية تايوان بالقوة، من دون أن تكون قد بلغت بعد مستوى من النضج الاقتصادي والتكنولوجي يجعل المواجهة خاسرة سلفا بالنسبة إلى بكين، تتزامن مع فترة تعجز فيها الصناعة العسكرية الأمريكية ماديا عن تعويض الترسانات المستنزفة.

بالنسبة إلى القوى الساعية إلى مراجعة النظام القائم، فإن تزامن هذه العوامل يمثل فرصة لا تتكرر إلا مرة في جيل، ولا يبدو أن أحدا يعتزم إضاعتها.

البنتاغون عند حدوده القصوى: أمريكا تستنزف الأدوات التي اعتادت تخويف العالم بها

كانت الفجوة بين الالتزامات العالمية لواشنطن وبين القوة العسكرية الفعلية التي تستطيع الولايات المتحدة إظهارها تتسع منذ سنوات، حتى قبل ترامب.

القوى الساعية إلى مراجعة النظام القائم، روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وقبل الجميع الصين، صعدت ونسقت ضغوطها على النظام الأمريكي قبل فترة طويلة من ولايته الثانية. ولم تكن الميزانيات الدفاعية قادرة على مواكبة هذا الضغط حتى في عهد بايدن.

المشكلة ليست جديدة. الجديد هو السرعة التي حول بها ترامب المرض المزمن إلى نوبة حادة.

عملية «الغضب الملحمي»، التي صممت لإخراج إيران نهائيا من رقعة الشطرنج العالمية، أدت في النهاية إلى مزيد من استنزاف جهاز عسكري كان مثقلا أصلا فوق طاقته.

الحملة ضد طهران استهلكت مخزونات الأسلحة بعيدة المدى عالية الدقة ومنظومات الدفاع الصاروخي التي يحتاج تعويضها إلى سنوات، بينما يمكن استهلاكها خلال أسابيع.

كما أن البحرية الأمريكية خرجت منهكة من عملية لا تملك نهاية واضحة، في الوقت نفسه الذي تنطلق فيه خطط البنتاغون الاستراتيجية من ضرورة الردع المتزامن في ثلاثة مسارح مختلفة.

وبحسب تقديرات براندز، لا يمتلك البنتاغون ببساطة عددا كافيا من الصواريخ الاعتراضية للحد من الخسائر التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية إذا وقع تصعيد جديد مع طهران.

والأنواع نفسها من الأسلحة غير متوافرة بالكميات المطلوبة أيضا لخوض حرب كبرى افتراضية مع روسيا، إذا قررت موسكو استخدام القوة في منطقة البلطيق، ناهيك عن صراع مع الصين بسبب تايوان.

إذا اندلعت اليوم مواجهة كبرى في غرب المحيط الهادئ، فإن الجيش الأمريكي المنهك والمفتقر إلى التسليح الكافي قد يواجه خطر الهزيمة، وهي صياغة كان من الصعب تصور ظهورها قبل خمس سنوات فقط في منشور أمريكي ينتمي إلى التيار السائد في الأوساط المتخصصة.

هنا تجدر العودة إلى النظرية الكلاسيكية للإجهاد الإمبراطوري المفرط التي صاغها بول كينيدي. فالقوى الكبرى نادرا ما تنهار بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، لكنها تستنزف نفسها وهي تحاول الحفاظ على التزامات تراكمت في زمن بلوغ قوتها ذروتها.

الإمبراطورية البريطانية بعد عام 1945، وأسرة هابسبورغ الإسبانية في القرن السابع عشر، والاتحاد السوفيتي في مراحله الأخيرة، كلها أمثلة تكشف الآلية نفسها: تبدأ تكاليف السيطرة على الأطراف بتجاوز المكاسب الناتجة عن هذه السيطرة.

أمريكا في عام 2026 تدخل هذه المرحلة تحديدا، لكن بوتيرة أسرع بسبب الحرب على إيران التي بدأتها إدارة كانت قد وعدت بتجنب مغامرات جديدة في الشرق الأوسط.

نقص منظومات الدفاع الصاروخي ليس رقما مجردا في تقرير سري، بل نتيجة مباشرة لدورة طويلة من الحروب الإقليمية القائمة على الاستنزاف.

الحملات ضد الحوثيين اليمنيين في البحر الأحمر، والدعم الممتد منذ سنوات للدفاع الجوي الأوكراني، ثم العملية ضد إيران، استنزفت من الترسانات الأمريكية عشرات منظومات باتريوت وثاد، في حين يقاس إنتاجها بوحدات قليلة شهريا لا بمئات القطع.

الصناعة الدفاعية الأمريكية، التي جرى تحسينها طوال العقود التي أعقبت الحرب الباردة لخوض صراعات منخفضة الحدة وتنفيذ ضربات محدودة، ليست مصممة ماديا لتزويد ثلاثة مسارح عمليات أو أكثر في الوقت نفسه بذخائر حديثة عالية الدقة.

وبحسب تقديرات خبراء عسكريين مستقلين يتابعون تطور المشتريات الدفاعية، أصبح النقص في مخزونات صواريخ كروز بعيدة المدى مشكلة بنيوية لا ظرفية، وهي حالة كان من الممكن أن توصف قبل خمس سنوات فقط داخل الأوساط المتخصصة الأمريكية بأنها مبالغة تهويلية.

الحلفاء تلقوا إشارة مقلقة: قد لا تأتي أمريكا للمساعدة

الركيزة الثانية للنظام الأمريكي، وهي ثقة الحلفاء، تعرضت لضرر لا يقل خطورة.

شعر شركاء واشنطن في الخليج بالارتباك بسبب سلسلة التحولات في سياسة ترامب تجاه إيران، ووجدوا أنفسهم رهائن لحرب بدأتها أمريكا لكنها لا تستطيع إنهاءها بنجاح.

بالنسبة إلى ممالك الخليج التي أمضت عقودا في بناء توازن دقيق بين احتياجات أمنها والخشية من الانجرار إلى حرب الآخرين، كان ذلك درسا قاسيا: لم تعد ضمانات واشنطن تبدو مستقرة وقابلة للتوقع.

أما الحلفاء الأوروبيون فواجهوا مسارا مختلفا، لكنه لا يقل تدميرا.

محاولات ترامب انتزاع تنازلات إقليمية من شركاء قدامى، وتهديداته الدورية بالتخلي عن دول لا ترضيه لسبب أو لآخر، قوضت جوهر منطق الردع الموسع، وهو المفهوم الذي قام عليه التحالف عبر الأطلسي منذ عام 1949.

كان السؤال الكلاسيكي خلال الحرب الباردة هو: هل واشنطن مستعدة للمخاطرة بنيويورك من أجل بون إذا أدى الدفاع عن الحليف إلى تصعيد نووي؟

في عهد ترامب أصبح السؤال مختلفا وأكثر قسوة: هل واشنطن مستعدة أصلا للدفاع عن حليف إذا لم يكن هذا الحليف يحظى برضا الرئيس الأمريكي شخصيا؟

الأجيال السابقة من القادة الأمريكيين، من ترومان إلى بايدن، أمضت سنوات وعقودا في ترسيخ صدقية الالتزامات، وإقناع الخصوم بأن أمريكا ستدافع عن حليفها عند وقوع أزمة.

أما الإدارة الحالية، واستنادا إلى القرارات المعروفة في مجال السياسة الخارجية، فتبدو وكأنها تتعمد إظهار العكس، وتفعل ذلك في عدة قارات في وقت واحد، وهو أمر بالغ الضرر بالنسبة إلى منظومة الأمن الجماعي.

قائمة نقاط الاحتكاك الفعلية مثيرة للانتباه بسبب كثافتها خلال فترة لم تبلغ عامين.

المطالبات الإقليمية المتكررة بشأن غرينلاند أفسدت العلاقة بين واشنطن وكوبنهاغن، ودفعت عواصم أوروبية أخرى إلى التساؤل بجدية عما إذا كان مبدأ حرمة الأراضي يطبق بصورة انتقائية.

كما شنت حرب جمركية ضد حلفاء رسميين، كندا والاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية، باستخدام خطاب كان يخصص سابقا للخصوم الاستراتيجيين لا للشركاء المنضوين في هياكل دفاعية مشتركة.

أما الشكوك العلنية المتكررة التي صدرت من المكتب البيضاوي بشأن التطبيق التلقائي للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، فقد أضعفت عقودا من الجهود الرامية إلى جعل الدفاع الجماعي حقيقة بديهية في حسابات أي معتد محتمل.

يمكن تفسير كل قرار من هذه القرارات منفردا بأسلوب سياسي بعينه. لكن اجتماعها يرسل إشارة ثابتة إلى موسكو وبكين: تكلفة اختبار صلابة الضمانات الأمريكية انخفضت بوضوح.

واشنطن وعدت بوقف الصين ثم أضعفت بنفسها أدوات الردع

رسميا، كان يفترض أن يصبح المشروع الاستراتيجي الرئيسي للإدارة هو التحول المنتظر منذ زمن نحو المحيط الهادئ، أي نقل الموارد والاهتمام من الشرق الأوسط وأوروبا إلى مهمة ردع الصين.

لكن هذه السياسة بدت في الواقع متناقضة داخليا إلى حد السخرية من نفسها.

طالب مسؤولون أمريكيون اليابان بتحديد موقف واضح في حال اندلاع أزمة حول تايوان، وحين فعلت طوكيو ذلك، أبدوا امتعاضهم من وضوح موقفها نفسه.

كما جمدت شحنات الأسلحة إلى تايوان بذريعة تحويلها إلى ورقة مساومة في المفاوضات مع بكين، مع أن وصول هذه الأسلحة في الوقت المناسب ظل طوال سنوات أحد العناصر الأساسية في استراتيجية الردع.

وقلصت التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية، رسميا بسبب خلافات مع سيول، وبصورة غير رسمية بسبب التعاطف الشخصي الغريب الذي يبديه ترامب تجاه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وهو تعاطف لم يتحول في النهاية إلى أي اتفاق فعلي بشأن نزع السلاح النووي.

النتيجة تنطوي على مفارقة واضحة. فالإدارة التي ركزت خطابها على مواجهة الصين أكثر من أي إدارة أخرى منذ عهد ريتشارد نيكسون، أضعفت عمليا الأدوات نفسها التي تحول خطاب الردع إلى ردع فعلي: إمدادات الأسلحة، والتدريبات المشتركة، والقدرة على التنبؤ الدبلوماسي.

ويظهر تناقض مشابه في مصير الاتفاق الدفاعي الثلاثي «أوكوس»، الذي يهدف إلى تزويد أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية من صناعة أمريكية وبريطانية.

الإشارات الدورية الصادرة من واشنطن بشأن احتمال مراجعة شروط الصفقة بذريعة حماية مصالح صناعة بناء السفن الأمريكية دفعت كانبيرا إلى التساؤل علنا عما إذا كانت ستحصل أصلا على الغواصات الموعودة. وكان طرح مثل هذا السؤال أمرا لا يمكن تصوره خلال إدارة بايدن، حين كان الاتفاق يقدم بوصفه إحدى الركائز الأساسية للهيكل الأمني في المحيط الهادئ لعقود مقبلة.

أما الفلبين، وهي الحليف التعاقدي الوحيد للولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، فتراقب الضغوط الصينية على سفنها قرب ضحالة سكاربورو وشعاب سيكند توماس، وتحاول في الوقت نفسه تقدير مدى استعداد واشنطن لتفسير التزام الدفاع المتبادل تفسيرا حرفيا عندما تقع حوادث تبقى دون عتبة المواجهة العسكرية المفتوحة.

طوكيو، التي أعلنت خططا لرفع الإنفاق الدفاعي إلى اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تتحرك بصورة متزايدة انطلاقا من افتراض أن اليابان لا تستطيع الاعتماد حصرا على الضمانات الأمريكية، وأن عليها بالتوازي تعزيز قدراتها الذاتية على الردع، وهو استنتاج يناقض مباشرة المنطق الذي قام عليه التحالف في مرحلة ما بعد الحرب.

أخطر الألغام داخل الولايات المتحدة: عام 2026 قد يكون مجرد البداية

قد تلتقي الأزمتان الأوليان مع أزمة ثالثة، هي أزمة الاستقرار السياسي الداخلي، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 والانتخابات الرئاسية لعام 2028.

المخاوف من احتمال لجوء الإدارة إلى وسائل خارج الأطر القانونية للحفاظ على نتيجة التصويت تناقش داخل الأوساط المتخصصة الأمريكية لا بوصفها فرضية هامشية، بل باعتبارها سيناريو واقعيا محتملا.

الاضطرابات الانتخابية قد تحول أمريكا إلى قوة عظمى جريحة، منشغلة بصراعاتها الداخلية، في اللحظة نفسها التي تصبح فيها التهديدات الخارجية أكثر حدة لا أقل.

وتكمن المفارقة التاريخية في أن الحلقات السابقة من الاضطراب السياسي الداخلي العميق في الولايات المتحدة، مثل فضيحة ووترغيت وعزل كلينتون، وقعت خلال فترات اتسمت بهدوء نسبي على الساحة الخارجية.

أما الدورة الحالية فتهدد بجمع أزمة شرعية داخلية مع ذروة ضغط خارجي في عدة اتجاهات في وقت واحد، وهذا الجمع تحديدا هو ما يعتبره براندز الأكثر خطورة.

ثمة بعد إضافي للمشكلة يتمثل في استخدام الحرس الوطني وموارد أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية لمعالجة قضايا سياسية داخلية، وهو ما يثير قلقا متزايدا في أوساط العسكريين المحترفين الذين يحرصون تقليديا على سمعة الجيش باعتباره مؤسسة بعيدة عن السياسة الحزبية.

كل حالة تستخدم فيها القوة العسكرية في صراع داخلي تقلل الثقة لا داخل البلاد فقط، بل أيضا في نظر الحلفاء الذين اعتادوا النظر إلى النظام السياسي الأمريكي باعتباره نموذجا للاستقرار المؤسسي، تحديدا لأن الجيش ظل فيه بعيدا بصورة واضحة عن السياسة.

أما الأنظمة الساعية إلى مراجعة النظام القائم، والتي اتهمت واشنطن طوال سنوات بازدواجية المعايير عند الترويج للقيم الديمقراطية في الخارج، فتحصل من هذه الوقائع على مادة دعائية جاهزة تستخدمها في حملاتها الإعلامية من أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.

موسكو وبكين وطهران رصدت نقطة الضعف وبدأت بالفعل اختبارها

إن تزامن هذه الأزمات الثلاث يخلق لحظة مواتية أمام القوى الراغبة في مراجعة النظام الذي تشكل بعد عام 1991.

من غير المرجح أن يشعل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ حربا كبرى غدا. فالأول لا يزال يحاول إنهاء الحرب في أوكرانيا بما يعتبره انتصارا، أما الثاني، واستنادا إلى متابعته للإخفاقات العسكرية الروسية والأمريكية الأخيرة، فيدرك على الأرجح مدى الكارثية التي يمكن أن تنتهي إليها مغامرة عسكرية واسعة النطاق.

ضعف واشنطن وتناقضاتها لا تدفع هذه الأنظمة بالضرورة إلى الاستعداد لمواجهة عسكرية مباشرة، بقدر ما تمنحها حرية أكبر في المجازفة على المستوى التكتيكي والسعي بصورة أكثر صرامة إلى تحقيق مكاسب على الأطراف.

إيران تحتفظ بالتهديد بالتصعيد العسكري بوصفه أداة ضغط على ترامب، وتحول دون تمكنه من كسر سيطرة طهران على مضيق هرمز بصورة نهائية.

بوتين يصعد الهجمات الهجينة ضد الدول الأوروبية، من تخريب البنية التحتية والعمليات السيبرانية إلى الاستفزازات في المجال الجوي لدول حلف شمال الأطلسي، معولا على ترهيب الحلف من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معه.

وتخشى بعض الحكومات الغربية بجدية من أن يحاول الكرملين اختبار صلابة الحلف عبر استيلاء محدود على أراض في منطقة البلطيق، حيث لا يميل ميزان القوى العسكري المحلي لمصلحة حلف شمال الأطلسي.

في الوقت نفسه، تزيد الصين ضغطها البحري على الفلبين، وتمارس الإكراه الاقتصادي والعسكري ضد اليابان، وتبني الظروف التي قد تتيح فرض حصار محتمل على تايوان.

منطق اللاعبين الثلاثة يكاد يكون متطابقا: إنهم يراهنون على أن واشنطن أرهقها التعب الاستراتيجي والخوف من العواقب الكارثية لحرب كبرى، وبالتالي ستتردد وتتأخر، ثم تتراجع خطوة بعد خطوة في أماكن كانت تتحرك فيها سابقا بسرعة وحزم.

ومن اللافت أن أيا من هذه القوى الثلاث الساعية إلى مراجعة النظام لا يتحرك من موقع قوة مطلقة.

فالاقتصاد الروسي يتحمل تكاليف الحرب ضد أوكرانيا للعام الرابع على التوالي، والنمو الصيني مقيد بأزمة سوق العقارات وبالتحولات الديموغرافية السلبية، بينما يعيش الاقتصاد الإيراني منذ سنوات تحت ضغط العقوبات التي تحد من قدرة طهران على خوض مواجهة طويلة الأمد.

لهذا لا نتحدث عن تقدم مظفر، بل عن انتهازية محسوبة. كل واحد من اللاعبين الثلاثة يسعى إلى تعظيم مكاسبه المحلية ضمن حدود موارده الخاصة، مستفيدا من أن القوة العظمى التي تواجههم مشتتة بين عدة اتجاهات في وقت واحد.

ضعف الخصم يعوض ضعفهم الذاتي. ومن هذه الزاوية تختلف اللحظة الراهنة عن الصراعات الإمبراطورية الكلاسيكية في الماضي، التي كانت عادة تجمع بين قوة صاعدة وأخرى آخذة في التراجع.

أما هنا، فتكاد جميع القوى الكبرى تكون ضعيفة في الوقت نفسه، وهذا ما يجعل نتيجة المنافسة الشاملة أكثر صعوبة في التنبؤ من أي وقت مضى.

بينما تستنزف القوى الكبرى بعضها بعضا، يحصل جنوب القوقاز على فرصة تاريخية

تستحق الأزمة المحيطة بمضيق هرمز اهتماما خاصا، تحديدا لأنها تكشف كيف يتحول الضعف العسكري لقوة مهيمنة واحدة على الفور إلى مكاسب لوجستية واقتصادية لأطراف ثالثة.

تمر عبر هذا المضيق حصة حيوية من الإمدادات العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، وأي تهديد بإغلاقه يرفع فورا علاوة المخاطر التي تتحملها شركات الملاحة والتأمين.

وفي ظل هذه الظروف، بدأت ممرات النقل البديلة، التي ظلت سنوات طويلة تعد مشروعات ثانوية، تكتسب دلالة مختلفة تماما.

فالممر الأوسط، الذي يعبر بحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا، ويربط الصين وآسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية بعيدا عن الأراضي الروسية والإيرانية، يكتسب وزنا استراتيجيا إضافيا في اللحظة نفسها التي تتحول فيها الشرايين البحرية والبرية التقليدية إلى رهائن للنزاعات الإقليمية.

أذربيجان وجورجيا ودول آسيا الوسطى، التي أمضت سنوات في الترويج للطريق العابر لبحر قزوين بوصفه بديلا لوجستيا، تجد نفسها في موقع المستفيد من اضطرابات الآخرين، في الوقت الذي تتجنب فيه بنفسها الانخراط المباشر في الصراعات التي تزعزع استقرار الممرات التقليدية.

ولا ينبغي توقع تضاعف حركة الشحن عبر الممر الأوسط تلقائيا عدة مرات، إذ تظل القيود البنيوية، والقدرة الاستيعابية لموانئ بحر قزوين، وطاقة عقد السكك الحديدية، عوامل كبح حقيقية.

ومع ذلك، تشير البيانات المتوافرة لدى مشغلي الخدمات اللوجستية وتقديرات محللي القطاع إلى أن اهتمام كبار أصحاب الشحنات بتنويع المسارات بعيدا عن مناطق المخاطر المرتفعة يتزايد بصورة مطردة مع كل موجة جديدة من التوتر حول هرمز.

المفارقة أن الاضطراب الجيوسياسي المحيط بالقوة المهيمنة التي شاخت بدأ يعمل لمصلحة تعزيز مواقع لاعبين إقليميين كان ينظر إليهم قبل عشرين عاما باعتبارهم مجرد أطراف عبور، لا مراكز قوة مستقلة.

خط سكة حديد باكو تبليسي قارص، والقدرات المينائية الأذربيجانية والكازاخستانية على بحر قزوين، والاهتمام المتزايد لشركات الخدمات اللوجستية الصينية بالمسار البري لطريق الحرير الجديد عبر جنوب القوقاز، كلها عناصر جرى تطويرها على مدى سنوات بوصفها بوليصة تأمين تحديدا ضد سيناريو تصبح فيه الطرق البحرية التقليدية عبر هرمز والسويس موضع شك.

وبالنسبة إلى دول المنطقة التي لا تمتلك قدرات عسكرية تضاهي قدرات القوى الكبرى، تصبح هذه الفاعلية اللوجستية واحدا من الأدوات القليلة المتاحة لزيادة وزنها الجيوسياسي من دون الانخراط المباشر في صراعات اللاعبين الكبار.

وتكمن مفارقة اللحظة الراهنة في أنه كلما احتدت الأزمة المحيطة بالقوة الأمريكية المهيمنة التي دخلت مرحلة الشيخوخة، ازدادت وضوحا مكاسب البنى الإقليمية التي أنشئت منذ البداية على أساس تنويع المخاطر، لا على منطق المواجهة الجيوسياسية.

ماذا سيحدث إذا توقفت أمريكا عن لعب دور بوليصة التأمين للعالم كله

لا توجد حلول سهلة للمشكلات الموصوفة.

كان من الأجدر بترامب أن يكف عن الضغط على الحلفاء وإهانتهم، وأن يظهر التضامن معهم من خلال مناورات مشتركة في منطقة البلطيق أو شمال شرق آسيا، بدلا من تشتيت موارد البنتاغون في اتجاهات أخرى.

لكن احتمال أن يأخذ بهذه النصيحة يظل ضعيفا.

ومن الضروري بصورة حاسمة وقف تبديد الموارد الأمريكية المحدودة أصلا على تدخلات اختيارية جديدة، مثل الحملة المعلنة ضد كوبا لأغراض تتعلق بالإرث السياسي، والتوقف عن شق الصف الديمقراطي بمطالب عبثية شبيهة بمغامرات دون كيخوته بشأن غرينلاند.

وتظل احتمالات استجابة الرئيس لهذه التوصيات غير مؤكدة، حتى إذا حقق الديمقراطيون نجاحا في انتخابات التجديد النصفي، إذ تظل السياسة الخارجية مجالا تحتفظ فيه السلطة التنفيذية بهيمنة تكاد تكون مطلقة.

البعد الاقتصادي للمشكلة يزيد الأزمة العسكرية والدبلوماسية حدة، ولا يخفف منها.

فالسياسة الجمركية التي تطبقها الإدارة على الحلفاء بقسوة تكاد تضاهي تلك التي تستخدمها ضد المنافسين الاستراتيجيين دفعت بعض شركاء واشنطن إلى مناقشة أكثر جدية لآليات التسويات المالية التي تتجاوز الدولار، وهو نقاش كان يبدو حتى وقت قريب تمرينا نظريا يخص دائرة ضيقة من الاقتصاديين.

ولا يزال وضع العملة الأمريكية كعملة احتياطية متينا ولا يواجه تهديدا فوريا، لكن مجرد ظهور مثل هذه المناقشات داخل أوساط الحلفاء الرسميين، لا لدى الخصوم الجيوسياسيين التقليديين لواشنطن فقط، يمثل عرضا من أعراض تآكل أوسع للثقة في قابلية السياسة الاقتصادية الأمريكية للتوقع.

كما أن أدوات العقوبات، التي شكلت طوال عقود الرافعة غير العسكرية الرئيسية للنفوذ الأمريكي، تستخدم الآن بكثافة وانتقائية إلى درجة تدفع بعض الدول التي لا تعد رسميا من خصوم واشنطن إلى بناء آليات وقائية تحسبا لاحتمال وقوعها هي نفسها تحت القيود مستقبلا.

وللإنصاف، اقترحت الإدارة زيادة كبيرة في الموازنة الدفاعية، إلى جانب إجراءات طارئة لتعويض مخزونات الأسلحة المستنزفة.

لكن حتى إذا نفذت هذه المبادرات بالكامل، فلن تظهر نتائجها بسرعة، لأن دورات إنتاج منظومات الأسلحة الحديثة تقاس بالسنوات لا بالأشهر، وسيتعين على البنتاغون أن يمر بعدة سنوات مقلقة بالترسانة التي يمتلكها حاليا.

في عام 2022، حذر براندز مع زميله مايكل بيكلي من أن أمريكا ستدخل منطقة الخطر المرتفع مع اقتراب نهاية العقد الحالي، بالتزامن مع تصاعد احتمالات المواجهة مع الصين.

لكن التوقع تحقق أبكر وبصورة أشد مما افترضه صاحبا النظرية نفسيهما.

لقد وصلت منطقة الخطر، واتضح أن نطاقها عالمي، من البلطيق إلى مضيق تايوان، ومن هرمز إلى بحر الصين الجنوبي.

والاستنتاج الأساسي مما يحدث يتجاوز المنطق العسكري الضيق.

فالهيمنة لا تقوم فقط على عدد حاملات الطائرات ومنظومات الصواريخ، بل تعتمد أيضا على القدرة على التوقع، أي على قدرة الحلفاء والخصوم على حساب رد فعل القوة العظمى مسبقا عند وقوع أزمة.

هذه القدرة على التوقع تحديدا هي التي فككتها الإدارة الحالية بسرعة أكبر من قدرتها على بناء قوة عسكرية حقيقية تعوض بها الثقة المفقودة.

القوى الساعية إلى مراجعة النظام القائم في موسكو وبكين وطهران لا تتحدى النظام الأمريكي مباشرة بقدر ما تختبر صلابته بصورة منهجية في نقاط لم تكن لتجرؤ سابقا حتى على الاقتراب منها.

يعرف التاريخ أمثلة كثيرة لقوى فقدت مكانتها المهيمنة لا في معركة حاسمة واحدة، بل عبر سلسلة من التراجعات الصغيرة، بدا كل واحد منها منفردا قابلا للاحتواء.

أمريكا تمر الآن بمثل هذه السلسلة تحديدا، ولم يعد السؤال ما إذا كانت حرب كبرى ستندلع، بل كم هزيمة صغيرة يستطيع النظام تحملها قبل أن تتحول إحداها إلى الهزيمة الأخيرة.

وبالنسبة إلى بقية العالم، يترتب على ذلك استنتاج عملي لا نظري.

الدول المتوسطة الحجم، التي بنت سياساتها الخارجية طوال سنوات على افتراض موثوقية الضمانات الأمريكية، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في البنية الكاملة لأمنها، والبحث عن قنوات احتياطية للتواصل مع عدة مراكز قوة في آن واحد بدلا من الرهان على راع واحد، والاستثمار في قدراتها اللوجستية والدفاعية الذاتية بدلا من الاعتماد الكامل على مظلة الآخرين.

لقد انتهى العصر الذي كان من الممكن فيه التعامل مع قابلية واشنطن للتوقع باعتبارها أمرا مسلما به، وبناء الخطط لعقود مقبلة على هذا الأساس، ولم ينته ذلك نتيجة كارثة واحدة بعينها، بل نتيجة التراكم البطيء لقرارات بدا كل منها منفردا مجرد واقعة جزئية.

وعندما تجتمع هذه القرارات، فإنها تشكل واقعا جديدا تظل فيه القوة المهيمنة الشائخة أقوى لاعب على الرقعة، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد الذي يتعين حساب نياته مسبقا.