...

تكشف أرشيفات جنوة والسجلات التاريخية البندقية أن أذربيجان، قبل قرنين من عصر الكشوف الجغرافية الكبرى، لم تكن هامشا للعالم الإسلامي، بل كانت عقدة استراتيجية تقرر عبرها، إلى حد بعيد، مصير القسطنطينية.

في العاشر من ديسمبر عام 1264، حرر التاجر البندقي بييترو فيوني وصيته في تبريز. وقد نشر بارتولوميو تشيكيتّي هذه الوثيقة تحت عنوان «وصية بييترو فيوني البندقي المحررة في تبريز»، ومجرد وجود هذه الوثيقة يقلب التصور المألوف لجغرافية التجارة في العصور الوسطى. لم يكن فيوني عابرا مر بالمدينة في طريقه إلى مكان آخر، ولم يكتب عنها في مذكرات سفر بقصد إمتاع أبناء وطنه. لقد عاش في تبريز، ومارس التجارة فيها، وامتلك أقمشة أوروبية، وتصرف في ممتلكاته كما يفعل شخص يتوقع أن يقيم زمنا طويلا في بلد أجنبي.

كان ذلك أمرا نادرا في القرن الثالث عشر، إذ كان التجار الأوروبيون يعملون عادة عبر وسطاء في مدن الموانئ بالمشرق، من دون التوغل في المجالين الفارسي والأذربيجاني. غير أن تبريز شكلت استثناء. وفهم أسباب هذا الاستثناء يعني فهم السبب الذي جعل منطقة اعتيد النظر إليها بوصفها هامشا للعالم الوسيط محط اهتمام دقيق من جنوة والبندقية والكرسي البابوي والبلاطين الملكيين في فرنسا وإنجلترا طوال ما يقرب من ثلاثة قرون.

العالم بعد بغداد: لماذا تحولت تبريز إلى ملتقى طرق

لفهم حجم ذلك الاهتمام لا بد من استحضار الإطار الجيوسياسي الذي نشأ فيه. ففي عام 1258 استولت قوات هولاكو خان المغولية على بغداد وأسقطت الخلافة العباسية، ثم قامت على الأراضي المفتوحة في إيران والعراق وما وراء القوقاز وجزء من الأناضول دولة الإيلخانيين، واتخذت تبريز عاصمة لها.

وبعد ذلك بوقت قصير دخلت الدولة الجديدة في مواجهة طويلة مع مصر المملوكية، منافستها على السيطرة على سوريا والمشرق وطرق التجارة المؤدية إلى البحر المتوسط. وقد حدد هذا الصراع السياسة الخارجية للإيلخانيين طوال عقود لاحقة. ولأنهم لم يكونوا قادرين على سحق المماليك منفردين، بحث الإيلخانات بصورة منهجية عن حلفاء في أوروبا اللاتينية التي كانت لا تزال تحتفظ بزخم الحملات الصليبية في القرن الثالث عشر.

وكان أباقا خان، والد أرغون، قد أرسل بالفعل مبعوثين إلى الكرسي البابوي وشارك في المفاوضات التي جرت خلال مجمع ليون الثاني عام 1274. وعلى هذه الأرضية تحديدا، أي وجود عدو مشترك، ومنفعة اقتصادية متبادلة، وتقليد مؤسسي لتبادل السفارات، نشأت المستوطنة الإيطالية في تبريز، ومعها تطورت شبكة العلاقات الواسعة التي ستتضح ملامحها لاحقا.

وإلى جانب الإيلخانيين، ثم قراقويونلو وآق قويونلو، واصلت دولة الشروانشاهيين وجودها داخل أذربيجان خلال معظم هذه الحقبة. وكانت من أكثر السلالات استمرارا في العالم الإسلامي الوسيط، إذ حكمت شروان رسميا من القرن التاسع حتى القرن السادس عشر، ونجحت بمهارة في المناورة بين جيران يفوقونها قوة.

ولا يحتل الشروانشاهيون موقعا مركزيا في الأرشيفات الإيطالية المستخدمة في هذه الدراسة، لكن استمرار دولتهم إلى جانب الإيلخانيين والجلائريين ودول الاتحادات القبلية التركمانية يكشف أن الخريطة السياسية لأذربيجان في العصور الوسطى كانت أكثر تعقيدا من أي تصور أحادي الخط. فقد ظلت المنطقة في آن واحد ساحة تنافس بين مشاريع إمبراطورية كبرى وفضاء حافظت فيه السلالات المحلية على استقلالية سياسية كافية وممتدة زمنيا أتاحت لها ممارسة دبلوماسية مستقلة مع جيرانها من الفرس والشروانيين والقبيلة الذهبية، وكذلك، وفقا للمصادر المذكورة، مع الإيطاليين.

وثمة إطار ثان لا تكتمل الصورة من دونه، وهو الإطار التجاري. فبعد سقوط القسطنطينية بأيدي الصليبيين عام 1204 ثم استعادتها على يد البيزنطيين عام 1261، حصلت جنوة، بموجب معاهدة نيمفايون، على امتياز الدخول إلى البحر الأسود مقابل تقديم الدعم العسكري للإمبراطور ميخائيل الثامن باليولوغوس.

وسرعان ما رسخ الجنويون وجودهم في كافا وبيرا ومواقع أخرى على البحر الأسود، وأنشأوا سلسلة لوجستية امتدت بصورة طبيعية عبر الطريق البري نحو تبريز. أما البندقية، التي فقدت موقعها التفضيلي السابق، فتأخرت خطوة في هذه المنافسة، ثم عوضت ذلك لاحقا، لا عن طريق التجارة بقدر ما فعلت عبر تحالف عسكري وسياسي سيأتي الحديث عنه بالتفصيل.

وتفسر المنافسة بين الجمهوريتين البحريتين، بعد انتقالها إلى الأرض الأذربيجانية، شدة الحضور الإيطالي في المنطقة. فحيثما كانت إحدى الجمهوريتين ترى فرصة للربح، كان لا بد للأخرى أن ترى تهديدا لمصالحها وأن تبحث عن وسيلة لتعويضه.

مكتب جنوي في قلب أذربيجان

بعد ذلك تطورت الأحداث بسرعة قياسا بمعايير التجارة في العصور الوسطى. وبحلول عام 1280 وصل تجار جنويون إلى تبريز، ومع مطلع القرن الرابع عشر كانت مستوطنتهم قد بلغت مرحلة ازدهار واضحة.

وتذكر الوثائق الأرشيفية أسماء محددة، من بينها جيوفاني دي بيرتونو الذي كان موجودا في المدينة عام 1303، وجيوفانينو دي بارتيسولو دي ريجيو الذي عمل كاتبا لدى الجالية الجنوية. ووجود كاتب دائم له دلالة كبيرة في حد ذاته، إذ يعني أن الجالية كانت كبيرة ومنظمة مؤسسيا إلى درجة احتاجت معها إلى أعمال إدارية منتظمة، لا إلى صفقات متفرقة فحسب.

كما رسخ الجنويون وجودهم في نخجوان، وهي حقيقة أهم مما قد تبدو للوهلة الأولى. فالشبكة التجارية الإيطالية لم تقتصر على تبريز، العاصمة، باعتبارها نقطة دخول وحيدة، بل توغلت إلى عمق أذربيجان التاريخية وشملت عقدا رئيسية على طرق القوافل.

وقد وثق حجم هذا الحضور وطبيعته مصدر فريد محفوظ في أرشيف الدولة في جنوة، وهو «كتاب غازاريا». ويضم هذا المصدر مجموعة من القرارات الصادرة بين عامي 1316 و1344 لتنظيم تجارة الجنويين في منطقة البحر الأسود والشرق، بما في ذلك تبريز.

وكانت التجارة الحضرية تخضع لإشراف هيئة خاصة عرفت باسم «مكتب غازاريا»، في حين تولى مجلس مكون من أربعة وعشرين تاجرا متابعة الشؤون التجارية. وكانت القواعد صارمة، فلم يكن مسموحا للتاجر الجنوي بالبقاء في تبريز أكثر من أربعة أشهر، كما فرضت قيود على حجم المشتريات والمعاملات المالية والاتصالات مع الشركاء المحليين.

ولم تكن هذه التفاصيل الدقيقة نزعة بيروقراطية عابرة. فهي لا تظهر إلا في الأماكن التي يبلغ فيها دوران رأس المال حجما يجعل الدولة ترى ضرورة تنظيمه، وحيث تبلغ المنافسة بين التجار حدة تستدعي وضع قواعد رسمية للسوق. وهكذا لم تكن تبريز نقطة غريبة أو نائية على الخريطة، بل جزءا من منظومة تجارة دولية منظمة مؤسسيا، شأنها في ذلك شأن المراكز التجارية الجنوية في كافا وبيرا.

حرير بلكنة محلية: حرير طاليش وحرير كنجة وسوق لوكا

وثق التاجر الفلورنسي فرانشيسكو بالدوتشي بيغولوتي المنطق الاقتصادي لهذا الحضور بتفصيل كبير في دليله التجاري «ممارسة التجارة». فقد وصف الطرق المارة عبر قيصري وسيواس وأرزنجان وأرضروم وصولا إلى تبريز، مقدما بذلك خريطة لوجستية حية كانت القوافل تتحرك على امتدادها.

وتكتسب قائمة السلع التي أوردها أهمية خاصة. فقد كان التجار الأوروبيون يطلقون على حرير طاليش تسمية «تاليفا»، وعلى حرير كنجة تسمية «كانجي». ويكشف انتقال أسماء هذه المناطق إلى المفردات التجارية الإيطالية أن هذين النوعين من الحرير كانا معروفين ومطلوبين بدرجة كافية لاكتساب تسمية خاصة بهما في لغة أجنبية.

وكان الحرير المشترى في تبريز ينقل بعد ذلك إلى لوكا، التي كانت آنذاك أحد أكبر مراكز صناعة الحرير والنسيج في أوروبا.

ومن هنا يمكن استخلاص نتيجة نادرا ما يشار إليها صراحة في الدراسات العامة لتاريخ المنطقة. فلم تكن كنجة وطاليش مجرد نقطتي عبور على خريطة تجارة يديرها الآخرون، بل كانتا منطقتين منتجتين للمواد الخام الموجهة إلى سوق أوروبا الغربية، ومدمجتين في سلسلة إمداد تنتهي في ورش توسكانا.

والفارق جوهري. فالمنطقة التي لا تؤدي سوى وظيفة العبور تبقى رهينة لإرادة الآخرين ومساراتهم، أما منتج المادة الخام فيمتلك قدرا من الفاعلية الاقتصادية الذاتية، وإن كانت محدودة بالتقنيات والقدرات اللوجستية المتاحة آنذاك. ولم يكن الحرير الأذربيجاني في القرن الرابع عشر مجرد «سلعة شرقية» مجهولة المصدر، بل منتجا محددا له منشأ واضح، وكان التجار الإيطاليون يعرفون حتى المنطقة التي أنتج فيها.

ماركو بولو والمدينة التي نسيها العالم

تظهر تبريز كذلك في كتاب ماركو بولو المعروف باسم «المليون»، حيث ورد اسمها بصيغ تاريخية مختلفة. وقد وصفها بولو بأنها مركز تجاري ضخم تتدفق إليه السلع من بغداد والموصل وهرمز ومناطق شرقية أخرى.

ولا يتعلق الأمر هنا بمبالغة أدبية من رحالة يميل إلى الأوصاف المبهرة، إذ تؤكد الوثائق الجنوية بصورة مستقلة الصورة نفسها. فقد كان أحد الطرق التجارية يمتد من طرابزون عبر تبريز إلى العراق وهرمز، بينما كان طريق آخر يربط ممتلكات الجنويين على البحر الأسود بالاتجاه القزويني، ومنه إلى آسيا الوسطى.

وهكذا وقعت المدينة عند تقاطع منظومتين لوجستيتين كبيرتين على الأقل، إحداهما متوسطية، والأخرى قزوينية تمتد نحو آسيا الوسطى. وهذا التقاطع تحديدا يفسر اهتمام البندقية وجنوة والكرسي البابوي وحكام الدولة الإيلخانية بتبريز في الوقت نفسه.

حين تحول التجار إلى سفراء

سرعان ما تطورت التجارة إلى دبلوماسية، وفي هذا التحول تتجلى واحدة من أكثر قواعد السياسة الدولية في العصور الوسطى إثارة للاهتمام. فعندما ينشأ اهتمام تجاري مستدام، يظهر معه، بصورة تكاد تكون حتمية، مسار للاتصال السياسي.

استخدم الإيلخان أرغون الإيطاليين وسطاء في اتصالاته مع الغرب المسيحي. فقام الجنوي بوسكاريلو دي غيزولفي، ممثلا له، بزيارة البابا نيقولا الرابع وملك فرنسا فيليب الرابع وملك إنجلترا إدوارد الأول، في مسار كان سيعد اليوم جولة أوروبية متكاملة على أعلى مستوى دبلوماسي.

كما ترد في المراسلات البابوية في تلك الحقبة أسماء مترجمين إيطاليين، من بينهم تومازو دي أنفوسي وأوغيتو، وهو ما يدل على وجود قناة اتصال دائمة بين تبريز وروما، لا مجرد اتصالات ظرفية متفرقة.

ومن منظور الاستراتيجية الكبرى في أواخر القرن الثالث عشر، كان منطق أرغون واضحا. فقد بحث الإيلخانيون عن حلفاء ضد مصر المملوكية، بينما ظلت أوروبا الغربية، الخارجة لتوها من عصر الحملات الصليبية، شريكا طبيعيا محتملا في هذا الصراع من الناحية النظرية.

وكان التجار الإيطاليون، سواء الجنويون أم البنادقة، القناة المثالية لمثل هذه الدبلوماسية، لسبب بسيط هو أنهم كانوا موجودين بالفعل في المنطقة، ويعرفون اللغة والطرق وآداب البلاط، ويمتلكون شبكة علاقات خاصة بهم في العواصم الأوروبية. وهكذا تحولت البنية التحتية التجارية إلى بنية دبلوماسية من دون إعداد خاص، مدفوعة بالضرورة الوظيفية وحدها.

تبريز تراسل جنوة: سفارة عام 1344

بعد الاضطرابات السياسية في أربعينيات القرن الرابع عشر، حين بدأت الدولة الإيلخانية تتفكك إلى كيانات متنازعة، أرسل حاكم تبريز مالك أشرف عام 1344 سفيرا خاصا إلى جنوة في محاولة لاستعادة العلاقات التجارية والسياسية السابقة.

وتكشف هذه الواقعة تفصيلا مهما، وهو أن المبادرة لم تكن إيطالية حصرا. فقد كان حكام تبريز أنفسهم معنيين بالحفاظ على قناة الاتصال مع جنوة، لإدراكهم قيمتها الاقتصادية، وربما العسكرية والسياسية أيضا، في ظل الفوضى الإقليمية.

كانت الدبلوماسية تعمل في الاتجاهين، وهذا ما يميز هذه الحالة بصورة جوهرية عن النموذج الاستعماري المبسط الذي تنطلق فيه المبادرة حصرا من المركز الخارجي، بينما يظهر الحاكم المحلي مجرد موضوع سلبي لمصالح الآخرين.

عدو عدوي: ولادة تحالف أوزون حسن والبندقية

اكتسبت هذه العلاقات حجما مختلفا تماما في عهد أوزون حسن، حاكم دولة آق قويونلو. فبعد هزيمة السلالة المنافسة قراقويونلو وتحول تبريز إلى المركز السياسي الرئيسي للدولة الجديدة، جعل الصراع بين أوزون حسن والدولة العثمانية من جمهورية البندقية حليفا طبيعيا له.

وكان سقوط القسطنطينية عام 1453 العامل الذي أدى إلى تنشيط هذا التحالف بصورة حادة. فقد أزال انهيار بيزنطة آخر حاجز كبير بين ممتلكات البندقية في بحر إيجة والقوة العثمانية المتنامية، فبدأت البندقية تبحث بصورة محمومة عن حليف بري على الجناح الشرقي للأراضي العثمانية يكون قادرا على استنزاف جزء من قوات السلطان محمد الثاني وإبعادها عن ميدان العمليات الأوروبي.

وقام منطق هذا التحالف على تماثل شبه كامل في المصالح. فبالنسبة إلى البندقية كانت الدولة العثمانية المنافس الجيوسياسي الرئيسي في شرق البحر المتوسط، ومنافسا على السيطرة على طرق التجارة والموانئ وجزر بحري إيجة والأيوني.

أما أوزون حسن فكان يرى في البندقية، قبل كل شيء، مصدرا للأسلحة النارية والخبراء العسكريين والدعم السياسي في مواجهة الخصم ذاته. وهنا عملت القاعدة التقليدية القائلة إن «عدو عدوي حليفي» بصورة حرفية، لا مجازية.

وفي عام 1471 أرسل مجلس شيوخ البندقية الدبلوماسي كاتيرينو زينو إلى أوزون حسن. ومن اللافت أن العلاقات داخل بلاط آق قويونلو لم تكن رسمية فحسب، بل كانت هناك أيضا صلة شخصية، إذ كانت زوجة زينو تربطها قرابة بديسبينا خاتون، الزوجة المسيحية لأوزون حسن. ويحتمل أن تكون هذه الصلة قد سهلت وصوله إلى دوائر البلاط وعززت الثقة بالمهمة البندقية.

وقد استخدم نيكولو زينو لاحقا مواد هذه الرحلة في كتابه «تعليقات على رحلة السيد كاتيرينو زينو إلى فارس»، الذي طبع في البندقية عام 1558، ويعد من أهم النصوص الإيطالية عن دولة آق قويونلو التي وصلت إلينا.

وكانت الحركة الدبلوماسية متبادلة. فقد وصل مبعوث أوزون حسن، الحاج محمد، إلى روما للقاء البابا سيكستوس الرابع، ثم توجه إلى البندقية. وتمحورت المفاوضات حول شن حرب مشتركة ضد السلطان محمد الثاني، وتوريد المدفعية والبنادق النارية والذخائر والخبراء العسكريين.

وفي عام 1471 أعد البنادقة أسلحة نارية لأوزون حسن وأرسلوا إليه ستة خبراء في استخدام المدفعية، وهي فئة من المختصين كانت نادرة وتحظى بتقدير كبير في تلك الحقبة في معظم جيوش أوروبا والشرق الأوسط.

المدافع التي وصلت متأخرة

لم تتمكن المساعدة من الوصول في الوقت المناسب لتؤدي دورا حاسما. ففي أغسطس عام 1473، تكبد جيش آق قويونلو هزيمة ثقيلة أمام القوات العثمانية في معركة أوتلوق بلي، وكان التفوق التقني لإسطنبول في المدفعية والأسلحة النارية الفردية أحد العوامل الرئيسية التي حسمت نتيجة المعركة. وهنا تكمن، ربما، أقسى خلاصة تحليلية في هذه القصة كلها: وصلت المساعدة العسكرية البندقية بالفعل، لكن تسلسل الأحداث يشير إلى أنها جاءت متأخرة وبحجم غير كاف لتعويض الفجوة في التكنولوجيا العسكرية التي كانت قد اتسعت، بحلول عام 1473، بين الجيش العثماني وخصومه.

كانت الدولة العثمانية في ذلك الوقت تمتلك صناعة مدفعية محلية متطورة، بينما ظلت آق قويونلو تعتمد على الواردات القادمة من البندقية. وبالنظر إلى المسافة الطويلة والمسارات البحرية التي كانت تمر عبر مياه تسيطر عليها جزئيا قوى معادية، لم يكن من الممكن موضوعيا أن تضاهي سرعة تلك الإمدادات وحجمها سرعة الإنتاج العسكري العثماني الداخلي وقدرته.

أصبحت هزيمة أوتلوق بلي واحدة من تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ الحروب في العصور الوسطى التي لم تكن فيها شجاعة الجنود ولا براعة القادة العسكريين العامل الحاسم، بل التفوق التكنولوجي النسبي لطرف على آخر. وهو درس تكرر لاحقا مرارا في تاريخ المواجهات بين القوى الإقليمية والإمبراطوريات التي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متطورة.

توفي أوزون حسن عام 1478، بعد خمسة أعوام فقط من الهزيمة، وسرعان ما غرقت دولته في سلسلة من الصراعات الأسرية. وجاءت النهاية الفعلية لآق قويونلو بوصفها دولة تتمركز في تبريز عام 1501، عندما دخل الشاب إسماعيل الأول، مؤسس الدولة الصفوية، المدينة واتخذها عاصمة له.

ومن اللافت أن الصفويين ورثوا لاحقا المنطق الجيوسياسي ذاته. فبعد عقود، وفي عهد الشاه عباس الأول، عاد البلاط الفارسي إلى البحث عن حلفاء في أوروبا ضد الخصم العثماني نفسه، ومن أشهر الأمثلة على ذلك بعثة المغامر الإنجليزي روبرت شيرلي. وهكذا لم يكن النموذج الذي جربه أوزون حسن حادثة عابرة، بل تحول إلى نمط جيوسياسي ثابت لدى حكام تبريز على مدى قرون.

بوابات بحر قزوين: لماذا اهتم البنادقة بباكو ودربند

تكمن إحدى التفاصيل اللافتة في مذكرات باربارو وكونتاريني في أن كلا السفيرين لم يكتف بتسجيل معلومات عن تبريز، بل دوّن أيضا معطيات عن باكو ودربند، وهما مدينتان كانتا تقعان رسميا على أطراف مناطق نفوذ أوزون حسن، لكنهما احتلتا موقعا محوريا على خريطة التجارة والحرب في أوراسيا.

كانت دربند معروفة لدى المؤلفين العرب والفرس باسم «باب الأبواب»، وكانت تتحكم في الممر الضيق بين جبال القوقاز وبحر قزوين، ذلك الممر الذي عبرته الجيوش طوال نحو ألف وخمسمئة عام، من جيوش شاهنشاهات الساسانيين إلى خاقانات الخزر والقادة العرب.

وكان من يسيطر على ممر دربند يحدد فعليا أي فرسان يستطيعون الانتقال من سهوب شمال القوقاز إلى جنوب القوقاز، ثم إلى آسيا الصغرى. لذلك كانت المعلومات المتعلقة بحالة هذا الممر ذات أهمية عسكرية مباشرة بالنسبة إلى الدبلوماسيين البنادقة الذين كانوا يخططون لتنسيق العمليات ضد إسطنبول، إذ كان من الممكن، من الناحية النظرية، استخدامه لإدخال حلفاء من سهوب الشمال إلى ساحة المواجهة.

أما اهتمام الإيطاليين بباكو فكان يستند إلى سبب مختلف. فقد كانت ميناء على بحر قزوين يربط تجارة جنوب القوقاز بالطريق الشمالي عبر أستراخان نحو أراضي القبيلة الذهبية السابقة، ومنها عبر نهر الفولغا إلى الدولة الموسكوفية التي كانت تتشكل آنذاك.

ظل هذا الفرع الشمالي من التجارة ثانويا مقارنة بالطريق المتوسطي الرئيسي، لكنه تحول تدريجيا، خلال القرون التالية، إلى قناة مستقلة للعلاقات الروسية الفارسية والروسية الأذربيجانية.

ويمكن بالفعل في مذكرات السفراء الإيطاليين في القرن الخامس عشر رؤية الملامح الأولى لذلك المحور القزويني الذي سيصبح، بعد عدة قرون، في قلب اهتمام بطرس الأول، ثم محور السياسة الإمبراطورية الروسية بأكملها في القوقاز.

نظرت الدبلوماسية البندقية في القرن الخامس عشر إلى باكو ودربند من منظور عملي بحت، فقيمت أهميتهما العسكرية واللوجستية في حرب محددة ضد خصم محدد. لكنها، من دون قصد، سجلت أيضا منطق الجغرافيا الذي سيحدد مصير المنطقة طوال قرون بعد اختفاء آق قويونلو، وحتى بعد زوال جمهورية البندقية نفسها بوصفها قوة عظمى.

الاستخبارات تحت غطاء الدبلوماسية

لم تنقطع الاتصالات حتى بعد الكارثة العسكرية عام 1473، وهو ما يدل بحد ذاته على القيمة الاستراتيجية طويلة الأمد لهذه العلاقات بالنسبة إلى الطرفين.

أقام جوزافات باربارو سفيرا للبندقية لدى أوزون حسن بين عامي 1473 و1478. وتحتوي مذكراته عن الرحلات، التي أكملها عام 1487، على معلومات تفصيلية عن تبريز وباكو ودربند والأسواق المحلية والطرق ونمط الحياة الاقتصادية ومراسم البلاط والتنظيم العسكري لدولة آق قويونلو.

وبالنسبة إلى تاريخ أذربيجان، تعد هذه المذكرات واحدا من أثمن المصادر السردية الغربية الأوروبية في القرن الخامس عشر. فقد كتبها دبلوماسي محترف، لا سائح عابر، أمضى خمس سنوات في المنطقة، ويشير مستوى التفاصيل في روايته إلى أنه كان يجمع المعلومات بطريقة منهجية، لا عرضية.

ووصل أمبروجيو كونتاريني إلى تبريز في أغسطس عام 1474، حيث التقى أوزون حسن، ثم قدم بعد عودته تقريرا مفصلا إلى سلطات البندقية. وفي عام 1486 صدرت في فيتشنزا نسخة مطبوعة من مذكراته بعنوان «رحلة السيد أمبروجيو كونتاريني، سفير جمهورية البندقية الموقرة، إلى السيد أوزون حسن».

كانت الوثيقة في شكلها الظاهري يوميات سفر، لكنها في جوهرها كانت تقريرا استخباراتيا. فمن خلال كونتاريني حصلت البندقية على معلومات عن أعداد القوات، وحالة الطرق، والموارد المتاحة، والمزاج السياسي داخل بلاط آق قويونلو، وإمكانات اندلاع حرب جديدة ضد إسطنبول.

وكان الحد الفاصل بين الدبلوماسية والاستخبارات في تلك المرحلة غامضا إلى حد بعيد. فقد كانت تقارير السفراء تؤدي باستمرار وظيفتين في الوقت نفسه: أداة للبروتوكول الدبلوماسي، ومنتجا استخباراتيا تستخدمه لجان مجلس الشيوخ في البندقية.

فصل مغلق وسؤال لم يغلق

لم تغلق معركة أوتلوق بلي حملة عسكرية فحسب، بل أنهت أيضا مرحلة اقتصادية محددة. فمع ترسخ السيطرة العثمانية على الطرق البرية عبر الأناضول، ومع بروز التفوق العسكري لإسطنبول، تزايدت دوافع القوى الأوروبية للبحث عن طرق بديلة إلى آسيا تتجاوز الوسطاء العثمانيين.

ويربط عدد من المؤرخين هذا العامل أيضا بتسارع البحث عن طريق بحري يدور حول أفريقيا، وهي الجهود التي توجت برحلة فاسكو دا غاما عام 1498.

وإذا كان هذا الترابط صحيحا، ولو جزئيا، فإننا أمام مفارقة لافتة: الهزيمة التكنولوجية لآق قويونلو في أوتلوق بلي ربما أسهمت في تسريع عمليات انتهت إلى تقليص أهمية طريق القوافل البري المار عبر تبريز في التجارة العالمية، ودفعت رؤوس الأموال الأوروبية نحو الطرق البحرية العابرة للمحيطات.

وقد تغير بالفعل الوزن الاقتصادي للمنطقة في منظومة التجارة العالمية بعد ذلك. لكن أهميتها السياسية لم تختف.

ظلت تبريز عاصمة للصفويين طوال عقود، وظلت موضوعا للصراع الفارسي العثماني خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم أصبحت لاحقا موضع تنافس بين إمبراطوريات أخرى، وفي مقدمتها الإمبراطوريتان الروسية والفارسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وبقي المنطق الجيوسياسي على حاله منذ عهد أوزون حسن: السيطرة على أذربيجان والأراضي المجاورة كانت تعني السيطرة على الممر الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، وبين الأناضول وآسيا الوسطى، وبين العالمين المسيحي والإسلامي.

أذربيجان التي لم تكن على الهامش

عند جمع هذه المصادر معا، وصية بييترو فيوني، وتشريعات «كتاب غازاريا»، ودليل بيغولوتي التجاري، وكتاب ماركو بولو، ومذكرات باربارو، وتقرير كونتاريني، وتعليقات زينو، تتشكل صورة مترابطة ومقنعة.

فعبر تبريز وكنجة ونخجوان وشروان وباكو تحركت، على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون، تدفقات متواصلة من الحرير والأقمشة الأوروبية والأموال والدبلوماسيين والمعلومات الاستخباراتية والمدفعية والخبراء العسكريين.

كان لكل طرف مشارك في هذه المنظومة مصلحته الخاصة الواضحة والعقلانية تماما. سعت جنوة إلى الربح وإلى ضمان شروط آمنة للتجارة. وبحثت البندقية عن حليف عسكري وسياسي ضد خصمها الرئيسي، الدولة العثمانية. أما حكام المنطقة، من الإيلخانيين إلى آق قويونلو، فسعوا إلى الوصول إلى الأسواق الأوروبية، والحصول على التكنولوجيا العسكرية، وإقامة شراكات سياسية قادرة على موازنة ضغوط الإمبراطوريات المجاورة.

ومن هذه الصورة تنبثق خلاصة ينبغي تقبلها من دون التحفظات التاريخية المعتادة. فالعلاقات بين العالم الإيطالي وأذربيجان في العصور الوسطى لم تكن حادثة عابرة أو موضوعا هامشيا في التاريخ الكبير لعصر النهضة والحملات الصليبية.

لقد كانت منظومة مستقرة ومنظمة مؤسسيا استمرت عدة قرون، وكانت تبريز داخلها لا تؤدي دور نقطة بعيدة وغريبة، بل دور إحدى العقد الحقيقية للسياسة والاقتصاد والاستراتيجية العسكرية في أوراسيا.

أغلقت هزيمة أوتلوق بلي فصلا من هذه القصة، لكنها لم تلغ حقيقتها الأساسية: قبل ظهور المفاهيم الحديثة للممرات الجيوسياسية بزمن طويل، كان القوقاز والأراضي المجاورة له بالفعل فضاء تتنافس على النفوذ فيه أعظم قوى عصرها.

ولم تكن نتيجة هذا التنافس تحدد مصير التجارة الإقليمية فحسب، بل أثرت أيضا في ميزان القوى بين العالم المسيحي والدولة العثمانية طوال القرنين التاليين.

ولا تترك أرشيفات جنوة والبندقية في العصور الوسطى مجالا كبيرا للشك: لم تكن أذربيجان هامشا قط، بل كانت إحدى الرهانات الكبرى في اللعبة التي خاضتها أعظم دول عصرها.