...

مضيق هرمز مغلق، والحصار البحري استؤنف، والرئيس الأميركي يهدد بقصف عُمان، الدولة التي ظلت واشنطن طوال نصف قرن تصفها بأنها الوسيط الأكثر موثوقية لها في الخليج. إنها تشريح لفشل دبلوماسي كلف الاقتصاد العالمي فقدان ما يقارب ١٧ مليون برميل يوميا من حركة العبور.

في السابع عشر من يونيو ٢٠٢٦، وخلال مأدبة عشاء في قصر فرساي أقامها إيمانويل ماكرون بمناسبة الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة، وقع دونالد ترامب مذكرة تفاهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كان الإخراج مثاليا: المضيف الفرنسي، ورئيس الوزراء الباكستاني في دور الوسيط والشريك في التوقيع، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي صادق على الوثيقة عن بُعد من طهران. وأعلن البيت الأبيض بداية نهاية الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير.

وبعد ستين يوما بالضبط، في السابع عشر من أغسطس، أُغلقت المهلة التي حددها الطرفان. ولم تبدأ خلال تلك الفترة ولو مرة واحدة مفاوضات تفصيلية بشأن البرنامج النووي. أما الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي رُفع في أواخر مايو، فقد أعيد فرضه منذ الرابع عشر من يوليو. ومضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بات مغلقا فعليا من جديد. فبحسب بيانات أنظمة تتبع السفن، لم تعبره في بعض أيام أغسطس سوى نحو عشر سفن، مقابل معدل يتراوح بين ٨٨ و١٣٠ سفينة يوميا قبل الحرب. كما تنصلت الإدارة الأميركية علنا من عدة بنود أساسية في مذكرتها نفسها، من بينها إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن ٣٠٠ مليار دولار، واستثناءات من العقوبات تسمح بالبيع الفوري للنفط الإيراني، والحوار الإيراني العُماني بشأن نظام الملاحة.

وجاءت اللمسة الأخيرة يوم الاثنين، عندما هدد ترامب، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، بتوجيه ضربة عسكرية إلى عُمان إذا «تدخلت» في قضية هرمز. رسميا، لا تزال عُمان شريكا أمنيا للولايات المتحدة في الخليج. أما عمليا، فهي المنصة الوحيدة التي تجري عليها في الوقت الراهن أي مفاوضات فعلية بشأن المضيق.

لم يكن الفشل مصادفة. فالبنية التي صيغت بها وثيقة فرساي جعلتها غير قابلة للتنفيذ منذ اليوم الأول.

مذكرة صيغت من النهاية إلى البداية

تبدو البنود الأربعة عشر لنص فرساي، التي نشرتها وسائل الإعلام الأميركية في اليوم التالي، أشبه بقائمة دفعات مقدمة مقابل التزامات مستقبلية.

كان البند الرابع يلزم الولايات المتحدة بالشروع فورا في رفع الحصار البحري وإنهائه بالكامل خلال ثلاثين يوما، ثم سحب قواتها من قبالة السواحل الإيرانية بعد إبرام الاتفاق النهائي. أما البند الخامس فكان يطالب إيران بضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون تحصيل رسوم لمدة ستين يوما. ونص البند السادس على التزام واشنطن، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصاديا بقيمة لا تقل عن ٣٠٠ مليار دولار، على أن يتم الاتفاق على آلية التنفيذ خلال الستين يوما نفسها. أما البند السابع فكان يقضي بإنهاء جميع أنواع العقوبات، بما في ذلك القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي المقابل، كانت طهران تؤكد تخليها عن امتلاك سلاح نووي، وتوافق على السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمراقبة عملية خفض تركيز مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب.

عدم التكافؤ واضح. فجميع التنازلات الأميركية كانت محددة ومرتبطة بمواعيد زمنية وتدخل حيز التنفيذ بمجرد التوقيع. أما الالتزامات الإيرانية فكانت ذات طابع إعلاني وتحتاج إلى تحقق لم تكن آلياته موجودة أصلا. فقد غادر مفتشو الوكالة إيران منذ عام ٢٠٢٥، وكانت الوكالة قد أقرت صراحة في تقريرها الصادر في يونيو بأنها لا تستطيع تحديد حجم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ولا تركيبته، ولا مكان وجوده. والحديث هنا عن الكميات التي كانت مسجلة قبل فقدان إمكانية الوصول: نحو ٤٤٠ كيلوغراما من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى ٦٠ في المئة، ونحو ١٨٤ كيلوغراما مخصبا بنسبة تصل إلى ٢٠ في المئة. وكان عباس عراقجي قد صرح في مارس بأن هذه المواد موجودة تحت أنقاض المنشآت المدمرة. ولا أحد يستطيع التحقق من صحة هذا الادعاء.

لقد قُلب منطق التفاوض رأسا على عقب. فقد تخلت واشنطن عن أدوات الضغط، الحصار ونظام العقوبات واحتمال الإفراج عن الأصول المجمدة، مقابل وعود لم تكن هي نفسها قادرة على مراقبة تنفيذها. وفي الثامن عشر من يونيو، أعلن السيناتور الجمهوري روجر ويكر علنا أن المذكرة تبدد المكاسب العسكرية للحملة التي يطلق عليها الكونغرس اسم «عملية الغضب الملحمي»، بما يتعارض مع الأهداف التي أعلنها الرئيس نفسه. وجاءت مقارنته بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام ٢٠١٥ كأنها لائحة اتهام. فبحسب ويكر، تبدو «المدفوعات» في اتفاق عهد أوباما زهيدة إذا ما قورنت بمبلغ ٣٠٠ مليار دولار المنصوص عليه في وثيقة فرساي.

وكان ما حدث بعد ذلك متوقعا. فبعد يوم واحد فقط من التوقيع، وصف ترامب عبر منصة تروث سوشيال التقارير عن مبلغ ٣٠٠ مليار دولار بأنها دعاية ديمقراطية، بينما أوضح نائب الرئيس جيه دي فانس أن الأموال ستأتي من الملكيات العربية في الخليج. ولم تتعهد أي من تلك الدول علنا بتقديم هذه الأموال. وهكذا بدأت الوثيقة، التي لم يمض على توقيعها سوى أقل من يوم، تتفكك أمام أعين واضعيها أنفسهم.

من يمسك بالصمام فعليا

خرجت طهران من الأسابيع الأولى للحرب باستنتاج استراتيجي واحد، واتضح أنه صحيح: مواجهة سلاح الجو الأميركي عسكريا بلا جدوى، أما محاربة حركة الشحن العالمية فمربحة.

بحلول أغسطس، كانت الاستراتيجية الإيرانية قد تخلت نهائيا عن طابعها العسكري وأصبحت استراتيجية قائمة على الرسوم. فالحرس الثوري الإسلامي لا يحاول الانتصار في معركة بحرية. بل يقوم بتلغيم الممرات الملاحية، وتفتيش السفن التجارية ومهاجمتها، ويسمح انتقائيا لناقلات تابعة لدول معينة بالمرور عبر المياه الإقليمية الإيرانية، ويطالب بأن تتم الملاحة وفق المسارات والبروتوكولات التي تحددها إيران. والنهاية المنطقية لهذا النموذج هي فرض رسوم مقابل المرور.

قانونيا، لا يمكن الدفاع عن ذلك. فمضيق هرمز يخضع لنظام المرور العابر، والقانون الدولي للبحار لا يسمح بفرض رسوم على المرور عبر مضائق من هذا النوع. ولهذا تحديدا نصت وثيقة فرساي على أن أي ترتيبات مستقبلية بين إيران وعُمان يجب أن تتوافق مع أحكام القانون الدولي المنطبق. أما سياسيا، فإن نموذج الرسوم يمنح طهران ما فقدته في ساحة المعركة: مصدرا دائما ومتجددا للنفوذ لا يحتاج إلى صواريخ ولا إلى شحنة نووية.

في الثامن من أغسطس، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شروط فتح المضيق، وجاءت القائمة بأقصى سقف ممكن: رفع الحصار البحري الأميركي، وإلغاء العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء الحرب، وتعويض الأضرار. وروجت وسائل الإعلام الحكومية على نطاق واسع لعبارة مفادها أن المضيق لن يُفتح ما لم تصحح أميركا سلوكها. وحدد محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى، رقما واضحا للأصول المجمدة هو ٢٤ مليار دولار. وفي منتصف أغسطس، أعلن نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي العقيدة الإيرانية صراحة: المضيق إيراني، ويُفتح ويُغلق بأمر إيراني.

وهنا تكمن النقطة الأساسية التي تواصل واشنطن التقليل من شأنها: هذه المطالب ليست موقفا تفاوضيا بالمعنى التقليدي. ففي التاسع من أغسطس، قال عراقجي بوضوح إنه لا توجد مفاوضات بين طهران وواشنطن، وإن الوسطاء لا يفعلون سوى البحث عن وسيلة لاستئنافها. إيران لا تساوم. إنها تقدم الفاتورة وتنتظر إلى أن تصبح كلفة الانتظار على الطرف الآخر أعلى من كلفة تقديم التنازل.

الفخ العُماني

تهديد ترامب لمسقط هو الخطأ الأكثر دلالة خلال الأسابيع الأخيرة.

على مدى عقود، أدت عُمان وظيفة لم يكن بوسع أي طرف آخر القيام بها: قناة اتصال مغلقة بين واشنطن وطهران. ومن خلال القنوات العُمانية جرت الاتصالات التي أفضت في وقتها إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. وجغرافيا، تسيطر السلطنة على الساحل الجنوبي للمضيق، ما يجعل أي نظام عملي للملاحة من دون مشاركتها مستحيلا من الناحية المادية.

في الثامن من أغسطس، أعلن عراقجي أن إيران باتت قريبة جدا من التوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن تنظيم حركة الملاحة في المضيق. ووصفت وزارة الخارجية العُمانية المفاوضات بأنها إيجابية وبناءة، فيما أدانت في الوقت نفسه الهجمات المتواصلة على السفن من دون توجيه اتهام مباشر إلى أي طرف. وفي الخامس عشر من أغسطس، أفادت وكالة مهر الإيرانية بالتوصل إلى تفاهم بشأن آلية تنظيم حركة السفن، فيما كان الطرفان يضعان اللمسات الأخيرة على بيان مشترك.

الولايات المتحدة ليست طرفا في هذه المفاوضات.

أما رد البيت الأبيض فاقتصر على التهديد. ففي مقابلة هاتفية مع مراسل فوكس نيوز تري ينغست، قال الرئيس إن عُمان ستتعرض للقصف إذا وقفت في الطريق، مستخدما عبارة نابية. ولم تقدم القناة تسجيلا صوتيا للمقابلة. وبعد ذلك، وأثناء إجابته عن أسئلة الصحفيين في المكتب البيضاوي، كرر ترامب أن مسقط لم تتصرف على نحو جيد، وأن التعامل معها لن يكون صعبا. وكانت هناك سابقة بالفعل، إذ استُخدمت صياغة مشابهة في مايو خلال اجتماع لمجلس الوزراء.

والنتيجة الاستراتيجية لهذا التهديد جاءت معاكسة تماما للهدف المعلن. فعُمان، التي يجري دفعها بعيدا عن دور الوساطة تحت التهديد بضربة عسكرية، تفقد الحافز لمراعاة المصالح الأميركية في أي صفقة مع إيران. وفي المقابل، تحصل طهران على حجة دعائية جاهزة أمام الخليج بأسره: واشنطن تهدد بقصف حليف عربي لأنه يحاول فتح المضيق، في الوقت الذي تعلن فيه أن فتح المضيق هو هدفها الأميركي الأساسي.

ولم تتأخر الكلفة السياسية الداخلية أيضا. فقد أعلن السيناتور الديمقراطي تيم كين أنه سيقدم، فور عودة مجلس الشيوخ من عطلته في أغسطس، قرارا يحظر القيام بعمل عسكري ضد عُمان. كما تحدث ترامب علنا، في سياق منفصل، عن أنه سيعلن مضيق هرمز أرضا أميركية بعد الانتصار على إيران، وهي صياغة لا تبدو لملكيات الخليج ضمانة أمنية، بل وصفا لمصدر جديد للتهديد.

ثمانية وثمانون دولارا كورقة اقتراع

لم يعد اقتصاد الحرب قضية خارجية، بل تحول إلى قضية داخلية.

تقدم أرقام إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها الصادر في الحادي عشر من أغسطس صورة دقيقة لحجم الانقطاع. فقد بلغ متوسط عبور النفط الخام والهيدروكربونات السائلة عبر مضيق هرمز في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦ نحو ٤.٩ ملايين برميل يوميا، مقابل ٢١.٦ مليون برميل يوميا في الربع الرابع من عام ٢٠٢٥. وفي يوليو، قُدرت خسارة الإنتاج في المنطقة بنحو ٥.٥ ملايين برميل يوميا. ولا يُتوقع عودة إنتاج الشرق الأوسط إلى مستويات قريبة من معدلات ما قبل الحرب قبل بداية عام ٢٠٢٧، مع استمرار عجز مزمن بنحو ٠.٦ مليون برميل يوميا حتى نهاية العام المقبل.

ويمكن قراءة مسار الأسعار كما لو كان رسما بيانيا للدبلوماسية. ففي الثاني من يوليو، وعلى موجة التفاؤل الذي أثارته فرساي، هبط سعر خام برنت إلى ٦٩ دولارا للبرميل. وفي الثالث والعشرين من يوليو، بعد استئناف الهجمات على ناقلات النفط وظهور تهديد للصادرات السعودية عبر باب المندب، وصلت الأسعار إلى ١٠٥ دولارات. وبحلول منتصف أغسطس، كان الخام القياسي يتداول في نطاق يتراوح بين ٨٧ و٩١ دولارا، أي أعلى بنحو الربع من مستواه قبل الحرب. كما رفعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية توقعها لمتوسط سعر برنت في الربع الثالث إلى ٨٥ دولارا، بزيادة ١١ دولارا عن تقديرها الصادر في يوليو.

ولا تقتصر فاتورة الحرب على أسعار السوق. فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور المضيق أضعافا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، وأوقفت بعض أندية التأمين التعاوني للمسؤولية تغطيتها تماما. وهكذا أصبح التأمين، لا الخطر المادي نفسه، هو القيد الحاسم على مالكي السفن. وتسير بعض الناقلات مع إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها، ولذلك قد يكون التدفق الفعلي أكبر مما يظهر في البيانات. وهذه حقيقة تناسب طهران، التي تبيع النفط متجاوزة الحصار، بقدر ما تناسب البيت الأبيض، الذي يحتاج إلى إظهار صورة ضغط ناجح. أما أكبر مشغلي الخطوط البحرية، ميرسك وإم إس سي وسي إم إيه سي جي إم وهاباغ لويد، فقد أوقفوا العبور منذ الأيام الأولى للحرب، فيما رست مئات الناقلات عند مدخل المضيق بدلا من اجتيازه. وتتحرك القوافل تحت حماية عسكرية، وهو ما يعني بحد ذاته ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية لجميع أطراف السوق، بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات.

بالنسبة إلى الناخب الأميركي، يتحول كل ذلك إلى مؤشر واحد قابل للقياس: سعر البنزين في محطة الوقود. وقد لخص لي ميرينغوف، مدير معهد الرأي العام في جامعة ماريست، الآلية السياسية بدقة: الحرب اندمجت في وعي الناخب مع الاقتصاد، وإغلاق المضيق رفع أسعار الوقود، والنتيجة أنه لا توجد إجابة واضحة عن ثلاثة أسئلة في آن واحد: لماذا دخلنا الحرب، وكيف تسير الأمور، وكيف سنخرج منها؟

وتسجل استطلاعات الرأي التآكل في المكان الأخطر بالنسبة إلى ترامب: داخل حزبه نفسه. فقد أظهر استطلاع أجرته إيكونوميست ويوغوف ونُشر الأسبوع الماضي أن نسبة تأييد الرئيس بين الجمهوريين بلغت ٧٩ في المئة، وهي أدنى نسبة خلال ولايته الثانية، وأقل بخمس عشرة نقطة مئوية من مستويات بداية الولاية. كما انهارت نسبة الجمهوريين الذين يؤيدون أداءه بقوة من ٦٨ إلى ٤٨ في المئة. وأظهر استطلاع واشنطن بوست وإبسوس في يوليو أن ١٥ في المئة فقط من الأميركيين يؤيدون أداء الرئيس بقوة. وللمرة الأولى في هذه السلسلة من الاستطلاعات، أصبح أكثر من نصف مؤيديه يدعمون ترامب بدرجة جزئية فقط.

وعند انتهاء مدة المذكرة، كان يفصل الولايات المتحدة عن انتخابات التجديد النصفي، التي ستحدد السيطرة على الكونغرس، ٧٨ يوما فقط. والأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس ضئيلة.

أما الرئيس نفسه فينفي علنا وجود أي ضغط زمني. ففي مقابلة مع فوكس نيوز قال إنه لا يملك جدولا زمنيا، ولا ينوي الاستعجال، وإن انتخابات التجديد النصفي لا تدخل في حساباته. والمفارقة أن سلوك حزبه نفسه ينقض هذا التصريح.

كونغرس يحصي الخسائر

منذ أواخر فبراير وحتى نهاية يوليو، كلفت الحرب القوات المسلحة الأميركية ثمانية عشر قتيلا، أربعة منهم خلال أسبوع واحد بعد السابع عشر من يوليو. ووفقا لبيانات وزارة الدفاع الأميركية، اقترب عدد الجرحى من خمسمئة، نحو مئة منهم خلال أسبوعين فقط من يوليو. وبحلول أغسطس، كانت حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن قد أمضت أكثر من ٢٥٠ يوما في الانتشار منذ مغادرتها سان دييغو. أما التقارير عن استنزاف الإمدادات وتراجع الروح المعنوية فوصفها الرئيس بأنها مزيفة.

وصوت الكونغرس عشر مرات بشأن صلاحيات الحرب. ففي الثالث من يونيو، أقر مجلس النواب قرارا بأغلبية ٢١٥ صوتا مقابل ٢٠٨، بعدما انضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين. وفي الرابع والعشرين من يونيو، وافق مجلس الشيوخ على إجراء مماثل بأغلبية ٥٠ صوتا مقابل ٤٨. وبعد شهر، في الثالث والعشرين من يوليو، أعاد مجلس النواب التصويت، فجاءت النتيجة ٢١٤ صوتا مقابل ٢٠٨، مع الجمهوريين الأربعة أنفسهم: وارن ديفيدسون، وبرايان فيتزباتريك، وتوم باريت، وتوماس ماسي. وفي اليوم نفسه، أُحبط قرار مجلس الشيوخ بأغلبية ٤٩ صوتا مقابل ٤٧.

هذه القرارات ليست ملزمة قانونيا، كما أن الإدارة تطعن في دستورية قانون صلاحيات الحرب نفسه. لكن معناها السياسي مختلف: فعمليات التصويت توثق أن الكتلة التي كان شعار إنهاء «الحروب التي لا تنتهي» أحد أسسها الانتخابية بدأت تتشقق علنا، بالأسماء، وفي عام انتخابي.

وخلال مناقشات يوليو، رفع برايان ماست، الرئيس الجمهوري للجنة الشؤون الخارجية، صور الجنود القتلى داخل القاعة. أما الديمقراطية براميلا جايابال، التي تتصدر هذا الملف في مجلس النواب، فوصفت الحملة بأنها حرب بلا مهمة واضحة، ولا استراتيجية مفهومة، ولا هدف نهائي محدد. من الناحية الشكلية، هذه خطابات حزبية. أما من حيث المضمون، فلم يتمكن أي من الطرفين من تحديد معيار واضح للنصر.

طهران من دون خامنئي

إن الرهان على أن الخنق الاقتصادي سيكسر النظام الإيراني يصطدم بتحول بنيوي وقع في الأيام الأولى للحرب.

قُتل علي خامنئي في بداية الحملة، في الثامن والعشرين من فبراير. وفي مارس، أصبح ابنه مجتبى خامنئي المرشد الأعلى. وفي الثامن من أغسطس، عرضت وسائل الإعلام الحكومية للمرة الأولى منذ تعيينه مقطع فيديو يظهر فيه، من دون تحديد تاريخ تصويره. وفي التاسع من أغسطس، أُعلن عن لقاء بين بزشكيان والمرشد، من دون تقديم أدلة تثبت حدوثه. إن غياب المرشد الأعلى عن المشهد العلني مع بقاء هرم السلطة بكامل بنيته يخلق وضعا ينتقل فيه مركز صنع القرار نحو المؤسسة الأمنية والعسكرية والمجلس الأعلى للأمن القومي.

والنتيجة العملية هي أن الطرف المقابل في المفاوضات أصبح في الوقت نفسه أقل وضوحا وأكثر تشددا. فالحجج المتعلقة بمعاناة الشعب الإيراني تصطدم بنظام مختلف عن ذلك الذي رحل مع المرشد السابق. ويقيم الدبلوماسي الأميركي السابق آلان إير، الذي كان عضوا في فريق التفاوض الذي أعد اتفاق عام ٢٠١٥ ويعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط، ما يحدث من دون أوهام: الحرب تحولت من عملية عسكرية إلى حملة ضغط اقتصادي، وستقع أعباؤها في المقام الأول على الإيرانيين، لا على النظام الذي يزداد تشددا. وبحسب توصيفه، جرى تحطيم منظومة معقدة، ولن تعود إلى حالتها السابقة.

والحلقة المتعلقة بما قيل عن وجود قنوات اتصال سرية تكشف الكثير أيضا. ففي يوم الاثنين، قال ترامب لقناة فوكس نيوز إن مفاوضات تجري مع ممثلين عن الحرس الثوري الإسلامي عبر قنوات خلفية. إلا أن المتحدث باسم الحرس، العميد حسين محبي، نفى التصريح عبر وكالة تسنيم، واعتبره نتيجة للهزيمة واليأس في الحرب. وجاء النفي خلال ساعات معدودة، في مؤشر على مدى حاجة طهران في الوقت الراهن إلى ترسيخ صورتها كطرف لا ينكسر، ومدى عدم حاجتها إلى الظهور كطرف قابل للتفاوض.

إسرائيل التي لم توقّع على شيء

ثمة طبقة أخرى من الفشل تتمثل في الحليف الذي لم يكن مقيدا بالتزامات فرساي.

أوضح بنيامين نتنياهو فور توقيع المذكرة أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بها. ومن الناحية القانونية، كان هذا الموقف سليما تماما: إسرائيل لم تكن طرفا في الوثيقة. أما عمليا، فقد كان ذلك يعني أن الالتزام الأميركي بوقف جميع العمليات العسكرية على جميع الجبهات لا يمكن تنفيذه إلا جزئيا، وأن أي عملية إسرائيلية كانت تتحول تلقائيا، في نظر طهران، إلى دليل على الغدر الأميركي.

وتؤكد آلية انهيار الاتفاق هذا الخلل البنيوي. فقد فُتح المضيق أمام العبور من دون رسوم قرابة السابع عشر من يونيو، لكن حركة الملاحة بقيت أدنى بكثير من مستوياتها الطبيعية. وفي السادس والسابع من يوليو تعرضت ثلاث سفن تجارية لهجمات. وفي السابع من يوليو أعلن ترامب أن وقف إطلاق النار لم يعد قائما. وفي الرابع عشر من يوليو استؤنف الحصار البحري. واتهم كل طرف الآخر بخرق التفاهمات، وكان كلاهما محقا من الناحية الشكلية، لأن الوثيقة لم تتضمن آلية للتحقق، ولا إجراءات لتسوية النزاعات، ولا جهة تحكيم. أما باكستان، التي أدت دور الوسيط عند التوقيع، فلم تكن تملك أي أدوات للإكراه.

من يستفيد من إغلاق المضيق

إن فشل دبلوماسية هرمز يعيد رسم الخريطة اللوجستية لأوراسيا، وقد بدأت هوية المستفيدين تتضح بالفعل.

حوّلت المملكة العربية السعودية جزءا كبيرا من صادراتها إلى خط أنابيب الشرق والغرب الذي ينتهي في ميناء ينبع على البحر الأحمر. وارتفع إجمالي تدفق النفط والهيدروكربونات السائلة عبر باب المندب من ٥.٤ ملايين برميل يوميا في الربع الرابع من عام ٢٠٢٥ إلى ٨.١ ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦. لكن مسار البحر الأحمر نفسه يتعرض للضغط، إذ استأنف الحوثيون هجماتهم، ما بدد المكاسب التي تحققت بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر ٢٠٢٥.

أما المستفيد الثاني فيقع إلى الشمال. فقد شهد طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين، المعروف باسم الممر الأوسط، طلبا استثنائيا كانت بنيته التحتية تستعد له منذ سنوات، ومع ذلك تبين أنها لم تصبح جاهزة بالكامل. وبلغت حركة الحاويات على هذا المسار في عام ٢٠٢٥ نحو ٤٢ ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدما، بزيادة تقارب ١٥ في المئة، ثم جاءت الحرب لتسرع هذا الاتجاه بصورة حادة. ويستطيع ميناء باكو الدولي للتجارة البحرية في ألات مناولة ما يصل إلى ١٥٠ ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدما، مع خطط لرفع القدرة إلى ٢٦٠ ألفا. وبموجب الاتفاق بين شركة كازموناي غاز وشركة النفط الحكومية الأذربيجانية، يتدفق النفط الكازاخستاني منذ عام ٢٠٢٣ عبر منظومة باكو ـ تبليسي ـ جيهان، وبلغ الحجم في العام الماضي ١.٥ مليون طن، مع خطط لزيادة كبيرة بحلول عام ٢٠٢٧. وفي مطلع عام ٢٠٢٦، وافق البنك الدولي على ضمان بقيمة ٨٤٦ مليون دولار يتيح تمويلا بقيمة ١.٤ مليار دولار لصالح السكك الحديدية الكازاخستانية.

ويجري بناء الإطار المؤسسي بالتوازي مع تطوير البنية المادية. ففي أبريل، أقر المجلس والجمعية العامة للرابطة الدولية لطريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين، بمشاركة كازاخستان والصين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، خطة العمل لعام ٢٠٢٦، مع التركيز على رقمنة الإجراءات اللوجستية، وهي مهمة كانت تبدو قبل الحرب تقنية محضة، لكنها أصبحت الآن عاملا حاسما في تحديد القدرة الاستيعابية للممر. وكانت أذربيجان وجورجيا وكازاخستان قد أسست في عام ٢٠٢٣ شركة مشتركة باسم «الممر الأوسط متعدد الوسائط»، وانضمت إليها في أغسطس ٢٠٢٥ شركة صينية متخصصة في نقل الحاويات بالسكك الحديدية. وفي عام ٢٠٢٥، انضمت باكو إلى صيغة دول آسيا الوسطى الخمس، فتحولت المجموعة إلى سداسية، لتصبح أذربيجان أول مشارك من خارج المنطقة. لكن القيود معروفة أيضا: فقد أدى انخفاض مستوى بحر قزوين بالفعل إلى تقليص حركة العبارات على خط باكو ـ كوريك، كما أن التوقعات طويلة الأمد باستمرار انخفاض منسوب المياه تثير تساؤلات حول ملاءمة البنية الحالية لأرصفة أكتاو وكوريك.

المنطق واضح. كل شهر يظل فيه هرمز مغلقا يرفع قيمة الاستقرار والقدرة على التنبؤ، وهذه الميزة توفرها اليوم طرق لا تمر ماديا عبر الأراضي الإيرانية ولا عبر مضائق معرضة للنيران. وهكذا يتحول جنوب القوقاز وبحر قزوين من خيار احتياطي إلى عنصر بنيوي في أمن الطاقة والتجارة لأوروبا والصين، ومن دون أن تطلق دول العبور رصاصة واحدة.

أما المستفيد الثالث فيبقى في الظل. فروسيا والصين تستفيدان من تراجع النفوذ الأميركي في الخليج، ومن ارتفاع أسعار النفط، ومن العرض العملي لما يمكن أن تؤول إليه محاولة حل القضايا النووية بالقوة، وهي حجة ستستخدم في أي مفاوضات مستقبلية بشأن منع الانتشار النووي.

أربعة سيناريوهات ولا واحد منها جيد

التجميد من دون اتفاق. وهو السيناريو الأكثر احتمالا حتى نوفمبر. يستمر الحصار، وتبقي إيران المضيق شبه مغلق، وتتجنب الولايات المتحدة عمليات برية واسعة، فيما يبقى سعر خام برنت في نطاق ٨٥ إلى ١٠٠ دولار للبرميل. ويدخل ترامب الانتخابات وهو يخوض حربا بلا خطة خروج، ويفقد حزبه جزءا من أغلبيته، ثم يظهر ضغط برلماني قادر على تغيير القاعدة المالية التي تستند إليها الحملة العسكرية.

تسوية عُمانية تتجاوز واشنطن. تتوصل إيران وعُمان إلى صيغة لتنظيم الملاحة، ثم ينضم إليها عمليا الناقلون وشركات التأمين، لأن وجود أي نظام أفضل من غياب النظام بالكامل. عندها تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: إما الاعتراف بتفاهم لم توقع عليه، وإما تعطيله بالقوة. والخيار الثاني يعني ضرب حليف عربي وانهيار الموقف الأميركي في الخليج.

التصعيد إلى جولة جديدة. هجوم على ناقلة يسفر عن أعداد كبيرة من الضحايا، أو ضربة ضد بنية تحتية خليجية، أو مقتل عدد كبير من العسكريين الأميركيين، يمكن أن يشعل موجة جديدة من القصف. وعندها يتجاوز سعر النفط مئة دولار للبرميل. ووفقا لتقديرات المفوضية الأوروبية الصادرة في مارس، فإن بقاء خام برنت عند هذا المستوى لفترة طويلة قد يدفع التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من ثلاثة في المئة، فيما قد يخسر النمو الاقتصادي في عام ٢٠٢٦ ما يصل إلى ٠.٤ نقطة مئوية. وسياسيا، سيكون هذا أسوأ سيناريو بالنسبة إلى البيت الأبيض قبل أحد عشر أسبوعا فقط من التصويت.

صفقة سريعة بالشروط الإيرانية. وهو الخيار الذي تستبعده الإدارة علنا، لكنه الوحيد القادر على تحقيق نتيجة قابلة للقياس قبل نوفمبر: رفع الحصار وجزء من العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة مقابل فتح المضيق والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول. أما الثمن فهو الاعتراف بأن وثيقة فرساي كانت في يونيو أكثر قابلية للتنفيذ مما أصبحت عليه في أغسطس، وأن ستين يوما أُهدرت في إضعاف الموقف الأميركي نفسه.

الخلاصة: حرب فقدت هدفها

إن الحصيلة الأساسية للستين يوما لا تكمن في فشل المفاوضات. ما انهار فعليا هو تعريف النصر نفسه.

فالهدف المعلن للحملة، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، أصبح بعد نصف عام من الحرب أقل قابلية للتحقق مما كان عليه قبلها. الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تملك إمكانية الوصول، ومكان مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب غير معروف، ولا توجد آلية للتحقق. أما الهدف الثاني، وهو فتح مضيق هرمز، فقد تحول إلى نقيضه: فالحصار البحري الأميركي يساهم اليوم في خفض حركة الملاحة بالقدر نفسه الذي تساهم فيه الألغام الإيرانية.

لم تفشل صفقة فرساي لأن إيران كانت غادرة، ولم تفشل لأن ترامب لم يكن صارما بما يكفي. الفشل كان مضمنا في بنية الاتفاق نفسها. فالوثيقة التي تنفذ فيها جميع تنازلات أحد الطرفين تلقائيا، بينما تحتاج جميع التزامات الطرف الآخر إلى تحقق غير موجود، لا يمكن أن تسمى اتفاقا. إنها إعلان نيات صيغ في هيئة معاهدة، ووقع داخل مشهد مصمم للشاشات، ثم انهار عند أول تماس مع واقع الخليج.

الرئيس الذي بنى هويته السياسية على وعد بإنهاء حروب الآخرين يخوض الآن حربه الخاصة للشهر السادس، من دون هدف نهائي محدد، وبفاتورة متزايدة من الأرواح البشرية، وبأسعار وقود حولت السياسة الخارجية إلى قضية داخلية. والتهديد بقصف عُمان ليس دليلا على القوة، بل علامة على استنفاد أدواتها: عندما تختفي أوراق التفاوض، تصبح الوسيلة الوحيدة المتبقية هي تهديد أولئك الذين ما زالوا مستعدين للحديث.

وفي الوقت نفسه، يعيد العالم ترتيب نفسه حول المضيق المغلق من دون انتظار واشنطن. النفط يتجه عبر ينبع، والحاويات تعبر بحر قزوين، وأقساط التأمين أعيد تسعيرها، والطرق البديلة ترسخت في العقود التجارية. إن المنظومة المعقدة التي تحدث عنها آلان إير قد تحطمت بالفعل، ولا أحد يعتزم إعادتها إلى صورتها السابقة. ولن يكون الخاسر في هذه الحرب هو من يجلس أولا إلى طاولة المفاوضات، بل من يدرك أخيرا أن الطاولة نفسها نُقلت إلى مكان آخر.