بدأت من أجل كييف وأوديسا، أما مصيرها فيتقرر اليوم على قوس يمتد 300 كيلومتر حول كراماتورسك. كلا الطرفين خسر بالفعل الحرب التي كان يخطط لها، وهما يتفاوضان الآن على حق تسمية الهزيمة انتصارا.
في فبراير 2022، عندما أعلن فلاديمير بوتين بدء «العملية العسكرية الخاصة»، ذكر أوديسا على نحو منفصل. وفي أغسطس 2026، بات أكثر من نصف التجمع العسكري الروسي في أوكرانيا متمركزا حول مدينتين في مقاطعة دونيتسك، كان مجموع سكانهما قبل الحرب نحو 250 ألف نسمة. كراماتورسك وسلوفيانسك لا تملكان موانئ ولا منشآت إنتاج استراتيجية قادرة على تغيير ميزان القوى في أوروبا. ومع ذلك، تدخل الحرب الموضعية من أجلهما عامها الرابع، وقد استنزفت، وفق تقديرات تقريبية، مئات المليارات من الدولارات ورصيدا ديموغرافيا غير قابل للتعويض لدى دولتين.
هذا الانكماش في الأهداف هو الحقيقة الأساسية في المرحلة الراهنة من الحرب. أما كل ما عدا ذلك، من جولات التفاوض إلى الضربات على مصافي النفط، والمستودعات المحترقة لمنصات التجارة الإلكترونية، والمطارات المشلولة، فليس سوى بناء فوق هذه الحقيقة. ولا يمكن فهم منطق الصراع إلا إذا أخذنا هذه الحقيقة على محمل الجد.
كيف تحولت الحرب من أجل أوكرانيا إلى حرب من أجل نقطتين على الخريطة
يصف علم السياسة الحديث المتخصص في النزاعات الحروب الطويلة من خلال مفهوم «المورد المتنازع عليه». وفي الحالة الروسية الأوكرانية، يتمثل هذا المورد رسميا في سيادة أوكرانيا، لكنه يتمثل فعليا في الجزء القابل للقياس منها: قدرة كييف على السيطرة على أراضيها وعدم الاعتراف بسيطرة طرف آخر عليها. وخلال أربعة أعوام ونصف العام، اختبر الطرفان عمليا حدود الممكن تحقيقه.
لم يتمكن الكرملين من تنصيب حكومة خاضعة له في كييف. كما لم يتمكن الجيش الروسي من تدمير البنية التحتية العسكرية الأوكرانية، وهي مهمة تبدو عصية حتى في ظروف أكثر ملاءمة بكثير. فبحسب المعطيات المتاحة، لم تحقق الحملة الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران طوال نصف عام نتيجة حاسمة، رغم أن إيران دولة تفتقر إلى حلفاء موثوقين وتمتلك جغرافيا قابلة للاختراق. أما أوكرانيا، التي يقع جزء كبير من عمقها الخلفي خارج حدودها، فيما تنتشر منشآتها العسكرية وتتخفى، فقد تبين أنها هدف أصعب حتى بالنسبة إلى خصم يمتلك ترسانة من وسائل الضرب أصغر بوضوح من الترسانة الأميركية.
أما كييف، فقد أقرت من جانبها بأن العودة عسكريا إلى حدود عام 1991 غير ممكنة في المستقبل المنظور. وفي ظل موازين القوى الحالية والتكتيكات السائدة، تستبعد الجبهة أي اختراقات عملياتية واسعة، ولا يستطيع الجيشان سوى قضم الدفاعات التكتيكية ببطء.
المسار التفاوضي الذي فرضه دونالد ترامب على الطرفين عام 2025 ثبّت هذا الإدراك المتبادل في صيغة محددة. ومنذ ذلك الحين، يكرر بوتين الإشارة إلى «روح أنكوراج»، أي الاجتماع الذي عقده في أغسطس مع الرئيس الأميركي في ألاسكا. ووفقا لمصادر من الجانبين، كان جوهر التسوية يتلخص في انسحاب القوات المسلحة الأوكرانية من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، وترسيم الحدود في مقاطعتي زابوريجيا وخيرسون على امتداد خط الجبهة، ثم وقف فوري لإطلاق النار بعد تنفيذ الشرط الأول. كما تصف محاضر محادثات ممثلي بوتين، كيريل دميترييف ويوري أوشاكوف، مع نظرائهما الأميركيين، والتي حصلت عليها وكالة بلومبرغ، الصيغة نفسها: تسليم دونباس ومبادلة «بعض الأراضي الأخرى».
الكرملين لم يؤكد ذلك رسميا قط، والسبب واضح. فالمقاطعات الأربع أدرجت في الدستور الروسي باعتبارها كيانات اتحادية ضمن حدودها الإدارية. والموافقة على تقسيم زابوريجيا وخيرسون على خط الجبهة تعني تخليا علنيا عن نص دستوري، أي اعترافا بأن «الأقاليم الجديدة» موضوع للمساومة وليست أرضا مقدسة لا تقبل التفاوض.
وقد أعلنت أوكرانيا مرارا أن الضغط يتركز تحديدا على بند دونباس، فيما كانت بقية المسائل، بما فيها ضمانات عدم الاعتداء مستقبلا، تعرض وكأنها شبه محسومة. وصياغة رفض فلاديمير زيلينسكي لهذا الشرط ذات دلالة جوهرية: انسحاب القوات من دونباس سيقسم البلاد ويفجر أزمة سياسية. ويبدو أن حزمة المطالب بأكملها صممت تحديدا للوصول إلى هذه النتيجة.
هنا تكمن العقدة الأساسية في العملية التفاوضية. ما يجري التفاوض عليه رسميا هو الأرض، لكن ما يجري اختباره فعليا هو التماسك الداخلي للمجتمع الأوكراني. بوتين لا يحتاج كراماتورسك بقدر حاجته إلى حكومة أوكرانية تسلم كراماتورسك. الأول يمنحه خطا على الخريطة، أما الثاني فيخلق شرخا سياسيا قد يمنحه بمرور الوقت أكثر مما يمنحه أي خط جغرافي.
أنكوراج التي لم تكن: لماذا لا تصمد فرضية «الكرملين يخدع ترامب» أمام الاختبار
ثمة تفسير شائع يقول إن موسكو تشارك في المفاوضات لمجرد التمويه، بينما تستعد في الواقع لمواصلة الحرب حتى الاستيلاء على كييف وأوديسا. لكن هذا التفسير يتعارض مع توزيع الموارد الروسية، وهو المؤشر الأكثر موثوقية على النيات الحقيقية.
في مطلع عام 2025، استولت القوات الروسية على الجزء الجنوبي من مقاطعة دونيتسك، بما في ذلك كوراخوفو وفيليكا نوفوسيلكا، وحصلت نظريا على فرصة للتقدم باتجاه دنيبرو على امتداد الطريق بين دونيتسك وزابوريجيا في مواجهة تجمع أوكراني منهك. دنيبرو مدينة مليونية، وعقدة لوجستية ومركز صناعي وهدف استراتيجي حقيقي. لكن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية اختارت بدلا من ذلك نقل جيش كامل يتألف من فرقتين من محيط كوراخوفو إلى جبهة كراماتورسك. وبعد ذلك أرسلت إلى الجبهة نفسها احتياطيات من محوري خيرسون وسومي.
هذا القرار يقول أكثر من أي تصريح. فالقيادة العسكرية، التي لا تمتلك سوى احتياطيات محدودة، أنفقتها على أكثر المحاور تحصينا بدلا من أكثرها وعدا. ولا يمكن تفسير ذلك إلا سياسيا: بوتين لا يريد دنيبرو، بل يريد حدودا إدارية محددة مثبتة في صيغة التفاوض. لقد تحول دونباس من مهمة عسكرية إلى بند محاسبي في تقرير إنجاز المشروع السياسي الذي وضعه الكرملين لنفسه.
ومن هنا يبرز استنتاج عملي: احتمال انتهاء الحرب يرتفع بحدة إذا وقع أحد أمرين. إما أن تقترب روسيا فعليا من السيطرة على التجمع الحضري كراماتورسك سلوفيانسك، وإما أن يقنع الجيش الأوكراني الكرملين بأن الاستيلاء عليه مستحيل أو ستكون كلفته غير مقبولة. أما كل ما عدا ذلك، من ضربات العمق إلى حزم العقوبات والتحركات الدبلوماسية، فهو مجرد خلفية تؤثر في سرعة الوصول إلى إحدى هاتين النتيجتين، لكنها لا تحل محلهما.
اثنا عشر كيلومترا في السنة: حسابات تقلق الطرفين
بدأت المرحلة الحالية من الهجوم على كراماتورسك في مايو 2026. وحتى مطلع أغسطس، تبدو الديناميكية على النحو التالي.
شن التجمع الروسي هجوما فاشلا على ليمان شمال شرقي سلوفيانسك، لكنه اقترب من المدينة حتى مسافة 13 كيلومترا من الشرق، بعدما تقدم 17 كيلومترا منذ بداية العام. ويتمركز تجمع آخر على بعد سبعة إلى تسعة كيلومترات من الضاحية الجنوبية الشرقية لكراماتورسك، بعد أن تقدم منذ يناير نحو 14 كيلومترا. أما كوستيانتينيفكا، الواقعة جنوب كراماتورسك، فقد باتت شبه مستولى عليها. ورصدت مجموعات اقتحام روسية عند أطراف أليكسييفو دروجكوفكا على الطريق المؤدي إلى كراماتورسك، على بعد 13 كيلومترا من المدينة، بعد تقدم بنحو عشرة كيلومترات منذ بداية العام. وفي محيط دوبروبيليا، بلغ التقدم نحو 12 كيلومترا، وذلك على محور جنوبي واحد فقط تعمل فيه الفرقة السادسة والسبعون للهجوم الجوي.
ويشير الإسقاط الخطي لهذه الوتيرة إلى بلوغ أطراف المدينتين في مطلع عام 2027، ثم محاولة اقتحامهما خلال الأشهر التالية. ويبدو أن هذا التقدير تحديدا هو الموجود حاليا على طاولة القيادة الروسية. لكنه تقدير هش لعدة أسباب.
السبب الأول هو الطبيعة البنيوية للتكتيكات الحالية. فكل اختراق يتطلب توقفا يمتد أسابيع: تطهير الأراضي التي تم الاستيلاء عليها، إعداد طرق الإمداد، نقل أطقم الطائرات المسيرة إلى مواقع أقرب من خط المواجهة، تجهيز مواقع مدفعية جديدة في العمق، ثم إعادة قمع وسائل النيران لدى الخصم، من مشغلي الطائرات المسيرة إلى المدفعية ووسائل الحرب الإلكترونية. وكل ذلك يجري تحت تأثير متواصل للطائرات المسيرة المعادية. ولم تعد هناك على الجبهة قطاعات يمكن تنفيذ عملية تكتيكية فيها تلو الأخرى بلا انقطاع. قبل عام فقط، كان تجمع «الشرق» في مقاطعة زابوريجيا يتقدم بما يصل إلى عشرة كيلومترات أسبوعيا لعدة أسابيع متتالية. أما على محور دونباس، فلم تعد مثل هذه الوتيرة ممكنة منذ نهاية عام 2024. فقد تحول الهجوم إلى سلسلة منفصلة من العمليات الصغيرة تفصل بينها فترات توقف.
السبب الثاني هو حال الجيش. ففي عام 2024، كانت القيادة الروسية تنشئ من الصفر فرقا وحتى تشكيلات على مستوى الفيالق والجيوش بفضل تدفق المجندين الجدد وإعادة المعدات السوفيتية المخزنة إلى الخدمة. أما الآن، فلم يعد ممكنا سوى تحويل الألوية إلى فرق اعتمادا على أفواج الاحتياط المشكلة مسبقا. واستنادا إلى هذه الديناميكية، فإن وتيرة التعويض لا تتجاوز كثيرا وتيرة الاستنزاف الناجمة عن القتلى والجرحى والمفقودين. والجيش الذي يتوقف عن النمو يفقد القدرة على زيادة الضغط بالتزامن على عدة قطاعات من جبهة طولها 300 كيلومتر، من ليمان حتى حدود مقاطعة زابوريجيا.
أما السبب الثالث فيقع في مجال علم النفس السياسي. بوتين يظهر بوضوح اهتماما خاصا بالوتيرة. واقتحام طويل الأمد لتجمع حضري ذي مبان متعددة الطوابق، حيث يتمتع المدافع بكل المزايا تقريبا، هو آخر ما قد يرغب فيه سياسي وعد بعملية سريعة قبل أربعة أعوام ونصف العام.
مكالمة إلى عقيد: ما الذي يعرفه بوتين فعلا عن الجبهة
قد تكشف واقعة واحدة أكثر مما تكشفه عشرات التقييمات الخبيرة. ففي مطلع أغسطس، اتصل بوتين مباشرة بالعقيد عبد العزيز شيخ آبيدوف، قائد الفرقة السادسة والسبعين للهجوم الجوي، التي تحاول منذ ستة أشهر شق طريقها نحو دوبروبيليا شمال بوكروفسك. وقد ركزت وسائل الإعلام على حقيقة ثانوية مفادها أن شبكات التواصل الاجتماعي في داغستان كانت قد أعلنت مقتل شيخ آبيدوف قبل عام. لكن مضمون المكالمة أهم بكثير.
سأل القائد الأعلى قائد الفرقة بالتفصيل عن البلدات التي وصلت إليها وحداته. وكانت إجابات العقيد متسقة مع الواقع، إذ تؤكد تسجيلات مصورة، بينها مواد نشرتها أوكرانيا، حديثه عن المعارك في بلدات تقع على الأطراف الجنوبية لدوبروبيليا. ولاحظ بوتين بقدر واضح من الانزعاج أن التشكيلات الهجومية الأخرى تحقق نتائج أسوأ. وتمحور الجزء الأساسي من الحوار حول سؤال واحد: هل المواعيد الزمنية المحددة واقعية؟ وجاء الرد بالإيجاب.
محادثة مباشرة مع قائد فرقة، متجاوزة هيئة الأركان العامة، تشكل في حد ذاتها تشخيصا لنظام الإدارة العسكرية. فبحسب المعطيات المتاحة، أعلنت قوات الجيش الحادي والخمسين للأسلحة المشتركة أنها اخترقت دوبروبيليا نفسها، بينما تظهر التسجيلات المصورة المنشورة أنها تقف منذ عدة أشهر على مسافة تقارب خمسة كيلومترات من المدينة. وتقول الاستخبارات الأوكرانية إن القوات الروسية تخفق بانتظام في الالتزام بالجداول الزمنية التي تحددها القيادة.
والاستنتاج من هذه الواقعة مزدوج، وكلا شقيه لا ينسجم مع التصورات الشائعة. أولا، لا تتأكد فرضية أن بوتين يعيش في عزلة كاملة عن المعلومات الحقيقية، فالكرملين يتابع الوضع على الجبهة بتفاصيل تصل إلى مستوى بلدات منفردة، ومن الواضح أنه لا يثق تماما بتقارير بعض التشكيلات. ثانيا، فإن وجود «هرم للكذب» على مستوى الجيوش والفيالق تؤكده بصورة غير مباشرة حقيقة إجراء هذه المكالمة نفسها. فالقائد الذي يضطر إلى التحقق شخصيا من التقارير لا يمتلك منظومة تغذية راجعة تعمل بصورة سليمة.
وفي هذا السياق، تبدو الصيغة العلنية التي يستخدمها بوتين، «نتقدم ليس بالسرعة التي نرغب فيها، لكننا نمضي إلى الأمام كل يوم»، محاولة عقلنة للواقع. فالسياسي مستعد لأن يتطلب «الانتصار» وقتا وموارد أكثر مما كان متوقعا، ولذلك يعيد مسبقا تعريف النجاح باعتباره استمرارا في الحركة بدلا من الالتزام بمواعيد محددة.
150 مقابل 100: لماذا لا يحسم المال الحرب
تبلغ النفقات العسكرية الروسية 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف مستواها قبل الحرب. أما أوكرانيا فتنفق أكثر من 55 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، مع تغطية الدول الغربية جزءا كبيرا من هذه الكلفة عبر المساعدات العسكرية المباشرة والدعم المالي للموازنة. وبالأرقام المطلقة، لا تبدو الفجوة ضخمة: وبحساب شديد التقريب، نحو 150 مليار دولار مقابل 100 مليار دولار وفقا لبيانات عام 2024.
التفوق في الإنفاق بمقدار مرة ونصف لا يوفر ميزة حاسمة في حرب استنزاف. وربما يكون هذا هو الدرس الاقتصادي الأهم في الصراع. والسبب يكمن في بنية الحرب الحديثة: تفوق الطائرات المسيرة الرخيصة ووسائل الاتصال والاستطلاع على المنصات الباهظة الثمن قلل من قيمة الإرث السوفيتي الذي استند إليه التفوق العددي الروسي. ولم تظهر نسبة كبيرة من منظومات التسليح الموجودة قبل الحرب الفاعلية المتوقعة، وفي كثير من الحالات لم يكن السبب ضعف جودتها، بل عدم تطابق طبيعة الحرب مع التصورات التي استعدت القيادة على أساسها. إنها الغلطة الكلاسيكية لجيوش تستعد لحرب ثم تجد نفسها تخوض حربا أخرى.
وصف الاقتصادي أوليغ إيتسخوكي نموذج تمويل الحرب الروسي من خلال مبدأ التحسين: تشديد القيود دائما بالحد الأدنى، ولكن بصورة موزعة ومتساوية. فالدولة تستنزف موارد السكان تدريجيا عبر التضخم وزيادة الضرائب وسحب القوة العاملة في صورة مجندين، من دون خلق نقطة واحدة يبلغ عندها الضغط مستوى لا يحتمل فيتحول إلى احتجاج سياسي. وهذا النظام، الذي بني منذ خريف عام 2022، مستقر وقادر على العمل لفترة طويلة.
لكن ضعف هذا النموذج يكمن في منطقه نفسه. فالتحسين القائم على الحد الأدنى يستبعد إلى الأبد إمكانية تحقيق نصر سريع. وكل سنة جديدة من الحرب تصبح أكثر كلفة: يرتفع ثمن استقطاب متعاقد جديد، وتزداد كلفة خدمة الدين العام، وتتقلص شريحة الأشخاص المستعدين للمخاطرة بحياتهم مقابل أموال محدودة نسبيا. والموارد التي يمكن سحبها من المجتمع من دون أن يلاحظ ذلك بصورة حادة محدودة بطبيعتها، لأن عدم الإحساس بالاستنزاف هو نفسه القيد الذي يحدد حجمه.
البديل هو إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد، مع زيادة الإنفاق العسكري عدة أضعاف وإشراك المجتمع كله في المجهود الحربي. وكان بإمكان بوتين اختيار هذا الطريق في عام 2022 أو بعده، لكنه فضل باستمرار نهج التدرج. ويكشف هذا الاختيار تقييمه الشخصي للموازنة بين مكاسب مواصلة الحرب حتى النصر والمخاطر الداخلية المترتبة على ذلك.
أما نموذج التعبئة الأوكراني فيعاني مشكلات معاكسة في الاتجاه ومتشابهة في الجوهر. ولكي لا تتخلف القوات المسلحة الأوكرانية عن روسيا في حجم التعويضات البشرية، تضطر إلى استدعاء نسبة من السكان أعلى بعدة مرات. والطابع الإجباري للتجنيد يولد تجاوزات وأعمال عنف تؤثر سلبا في المزاج العام وتدفع إلى الفرار من الخدمة حتى قبل وصول المجندين إلى الجبهة. ومع ذلك، لا تزال الدولتان بعيدتين عن استنفاد احتياطهما البشري للتعبئة. ففي أوكرانيا، ووفقا للتقديرات المتاحة، لا يزال هناك نظريا عدة ملايين من الأشخاص القابلين للتجنيد.
والإجابة عن السؤال الشائع، كيف لا يزال هناك ما يكفي من الجنود في السنة الخامسة من الحرب، بسيطة ومزعجة: الموارد الديموغرافية للدولتين أكبر بكثير من وتيرة استنزافها، حتى مع الخسائر الحالية.
دوي يخسر مجددا: قرن من الوهم الذي تعيد كييف اختباره
بحلول عام 2026، حصلت أوكرانيا على أعداد كافية من الطائرات المسيرة من فئتين: الأولى لتنفيذ ضربات في العمق البعيد على مسافات تمتد مئات وآلاف الكيلومترات، والثانية لضرب العمق «المتوسط» على مسافات بين 20 و150 كيلومترا. وهكذا بدأت حملة تحمل في كييف تسميات مختلفة، منها «عملية الأربعين يوما للتأثير في روسيا»، و«إعادة الحرب إلى المكان الذي جاءت منه»، و«العقوبات بعيدة المدى».
أصبحت أكبر مصافي النفط، وصولا إلى غرب سيبيريا، أهدافا للهجمات، ثم تبعتها مستودعات منصة وايلدبريز للتجارة الإلكترونية. كما بدأت طائرات مسيرة متوسطة المدى مزودة بكاميرات فيديو وتقنيات الرؤية الآلية في مطاردة المركبات داخل الأراضي المحتلة، وخصوصا على الطرق التي تربط مقاطعة روستوف بشبه جزيرة القرم. ووفقا لمنصة ذا بيل الإعلامية، بلغت خسائر وايلدبريز الناتجة عن الهجمات ما لا يقل عن 100 مليار روبل، فيما تشير توقعات الشركة إلى احتمال استمرار الخسائر لسنوات.
منطق الحملة يسير في مسارين متوازيين: إضعاف الوضع الاقتصادي الروسي وتقليص إيرادات الموازنة، وفي الوقت نفسه حرمان المجتمع الروسي من القدرة على التظاهر بأن الحرب لا تعنيه. وعلى المستوى المفاهيمي، يتطابق ذلك مع النهج الذي طرحه وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف، والذي اقترح استكمال الضغط الاقتصادي بزيادة خسائر القوات الروسية البشرية إلى أكثر من الضعف، بحيث يعجز الخصم عن تجنيد متعاقدين جدد بوتيرة أسرع من وتيرة خسارتهم. وفي مثل هذا السيناريو، يوضع بوتين أمام خيارين: إنهاء الحرب، أو فرض تعبئة إجبارية تحمل عواقب سياسية يصعب التنبؤ بها.
ومن اللافت أن الصراع بين فيدوروف والقائد العام أولكسندر سيرسكي انتهى باستقالة كليهما. أي إن النظام الأوكراني نفسه لم يتوصل إلى إجماع حول ما إذا كانت هذه النظرية تعمل بالفعل.
والتشكيك فيها له ما يبرره. ففكرة القصف الاستراتيجي القادر على إخراج الخصم من الحرب تعود إلى الجنرال الإيطالي جوليو دوي، الذي صاغها بعد الحرب العالمية الأولى: السيطرة على المجال الجوي، ثم توجيه الضربات لا إلى القوات العسكرية، بل إلى منشآت يؤدي تدميرها إلى كسر إرادة الدولة والمجتمع على المقاومة. لكن قرنا من التطبيق العملي أفضى بصورة متكررة إلى نتائج مخيبة للآمال. وقد اختصر العسكريون الأميركيون، أثناء دراستهم لإخفاقاتهم، أسبابها في مجموعة من الأنماط المتكررة.
حتى التفوق الساحق في الجو لا يجعل القاذفات منيعة، إذ تفرض مقاومة الدفاع الجوي تعديلات مستمرة على التكتيكات والأهداف. كما أن اختيار الأهداف لا ينسجم بصورة منهجية مع الغايات الاستراتيجية العامة. وسرعان ما تنفد الأهداف التي كشفتها الاستخبارات، فيبدأ البحث عن أهداف جديدة. وتنشأ بعدها سباق سرعة بين وتيرة الضربات ووتيرة إعادة الإعمار والإصلاح. وعندما لا تؤدي الضربات على المنشآت الصناعية إلى أثر سياسي، يبدأ اختيار الأهداف على أساس تأثيرها المعنوي في السكان. وتستخدم الطائرات الاستراتيجية على نحو متزايد ضد أهداف تكتيكية. وفي كل مرة، يفسر القادة الفشل بالقول إن السياسيين لم يسمحوا لهم بقصف الأهداف الصحيحة بالكثافة المطلوبة.
حتى نهاية تسعينيات القرن العشرين، كان الاعتقاد السائد أن جذور المشكلة تكمن في نقص الدقة. لكن انتشار الأسلحة عالية الدقة على نطاق واسع لم يغير الصورة. ففي يوغوسلافيا كانت النتيجة إيجابية نسبيا، لكنها لا يمكن فصلها عن عوامل أخرى. فبحسب التفسير الشائع، استسلمت حكومة سلوبودان ميلوشيفيتش بسبب حتمية عملية برية لحلف شمال الأطلسي، والعزلة الدولية، وغياب الحلفاء. أما الحملة الليبية فتطلبت موجة ثانية طويلة من الضربات على أهداف تكتيكية، إلى جانب دعم جوي مباشر لقوات المعارضة. وفشلت الحملة الإيرانية عام 2026 وفق النمط نفسه.
حتى القصف الذري لليابان، وهو المثال التقليدي على ضربة جوية حاسمة، ليس واضح الدلالة كما يبدو. فقد تزامن إدراك طوكيو وصولها إلى مأزق استراتيجي مع التقدم السريع للجيش الأحمر في منشوريا، التي كانت قاعدة الموارد الرئيسية للإمبراطورية. كما استخدم الإمبراطور القصف حجة مكنته من إقناع العسكريين بالاستسلام مقابل الحفاظ على العرش.
وتستحق دراسة بعنوان «متى ينجح القصف الجوي؟» اهتماما خاصا، إذ تناولت الحملات الجوية بين عامي 1917 و1999. وتوصل مؤلفوها إلى نتيجة ذات دلالة إحصائية: سكان الدولة التي تتعرض للقصف إما لا يلقون اللوم على حكومتهم، وإما ينقلون المسؤولية إلى الخصم، وذلك بصرف النظر عن شكل النظام السياسي. وإذا طبقنا هذه النتيجة على الحالة الروسية، فإن من يتضررون من الغارات الأوكرانية سيصبحون، باحتمال مرتفع، أكثر تأييدا لاستمرار الحرب لا أقل.
والوصف الأدق للحملة الأوكرانية ليس أنها نقطة تحول، بل محاولة لتحويل مورد تكنولوجي جديد إلى أداة ضغط في المفاوضات. أما الأثر الإضافي فهو معروف مسبقا: في هذا المجال من الحرب تعمل آلية تصعيدية واضحة. فالطرف الذي يمتلك خصمه القدرة على الرد لا ينبغي أن يتوقع توقف الضربات، بل تصاعدها المتبادل. وبعد أعوام من التراجع عن ذروة عام 2022، بدأ عدد الضحايا المدنيين في أوكرانيا يرتفع مجددا، فيما بلغ في روسيا أعلى مستوياته التاريخية.
وايلدبريز كهدف عسكري: أين تمر الحدود فعلا
من الناحية الشكلية، تستوفي مستودعات منصة التجارة الإلكترونية معايير الهدف المجدي: حماية ضعيفة، وإمكانية تدميرها بعدة طائرات مسيرة ذات رؤوس حربية صغيرة، ووجود كميات كبيرة من السلع سريعة الاشتعال، فضلا عن إلحاق خسائر بالموازنة بسبب تراجع إيرادات ضريبة القيمة المضافة. وتتقدم شركة تاتيانا كيم على أوزون في جميع المؤشرات، من الحصة السوقية إلى إجمالي مساحة المستودعات، وهو ما يفسر منحها الأولوية.
لكن من منظور قانون النزاعات المسلحة، لا تعد مجمعات التخزين التابعة للشركات المدنية، سواء كانت وايلدبريز في روسيا أو نوفا بوشتا في أوكرانيا، أهدافا عسكرية مشروعة، حتى إذا كانت تحتوي على ستر واقية أو مكونات تسليح مثل أجهزة إسقاط القنابل من الطائرات المسيرة. كما أن حجة حق ضحية العدوان في الرد بالمثل لا تنطبق هنا، إذ تصنف مثل هذه الأفعال باعتبارها أعمالا انتقامية وتحظرها الاتفاقيات الدولية.
ومع ذلك، فإن انتهاك مبدأ التمييز ليس من أخطر جرائم الحرب، وقد ارتكبته، بدرجات متفاوتة، جميع الجيوش التي خاضت حروبا تقريبا خلال الثمانين عاما الماضية. والسؤال العملي لا يتعلق بالتكييف القانوني بقدر ما يتعلق بإنفاذ القانون. فالحرب التي تتجه نحو نهاية مأزومة من دون منتصر واضح ستؤدي، على الأرجح، إلى تفكك منظومات الاختصاص القضائي: كل طرف سيحاكم داخل منظومته من يعتبرهم مجرمين. ويمكن أن يخضع روس للملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي لا تشارك فيها دول عديدة، بينها روسيا نفسها. وستواصل السلطات الروسية إصدار أحكام بحق أوكرانيين بموجب مواد تتعلق بالإرهاب، لا بجرائم الحرب، لأن إثبات الأخيرة أصعب، ولا سيما عندما لا تكون قد وقعت أصلا.
وثمة مسألة منفصلة تتمثل في إدخال الخوارزميات في عملية اختيار الأهداف. فقد صرح أليكس كارب، المدير التنفيذي لشركة بالانتير، علنا بأن نماذج شركته تشارك بصورة نشطة في اختيار الأهداف للجيش الأوكراني، فيما أوضحت الاستخبارات الأوكرانية أن الأمر يشمل أيضا إنشاء قاعدة بيانات للأهداف في العمق الروسي. وكانت بالانتير قد أدت عملا مماثلا بموجب عقد مع وزارة الدفاع الأميركية قبل الحرب مع إيران. وهكذا تتحول عملية تحديد الأهداف إلى خدمة تقدمها شركة خاصة من دولة ثالثة، وهي حالة لا يصفها القانون الدولي الإنساني حتى الآن بأي صورة واضحة.
لماذا لا يضرب أحد المكاتب ولماذا تصمت الترسانة النووية
السؤال الذي يطرحه القراء حول وجود «تفاهم غير معلن» بين موسكو وكييف بشأن الامتناع عن ضرب مراكز صنع القرار له جواب أكثر بساطة. على الأرجح، لا توجد اتفاقات، بل يوجد إدراك متبادل لتكافؤ القدرات. ومحاولات اغتيال سياسيين وعسكريين من الرتب الأدنى تقع بصورة منتظمة من الطرفين. أما استهداف القيادة العليا، فسيطلق دوامة تصعيد يصعب التحكم بها، يفقد فيها الطرفان القدرة على إدارة مسار الأحداث.
لقد منحت إسرائيل والولايات المتحدة مثل هذه الهجمات قدرا من الشرعية السياسية حين أزالتا جزءا من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، لكنهما أثبتتا في الوقت نفسه عدم جدواها الاستراتيجية. فالدولة لم تنهَر، والحرب لم تنته.
ومنطق مشابه يفسر عدم استخدام الأسلحة النووية التكتيكية. هناك ثلاثة قيود تعمل في الوقت نفسه. الأول هو المحظور النووي الذي يبدو، من خلال السلوك، أن بوتين نفسه يتقيد به. والثاني هو موقف الشركاء الدوليين الرئيسيين: فبحسب تقارير إعلامية غربية، نقل قادة الصين والهند إلى موسكو موقفهم من أي سيناريو نووي. والثالث هو انعدام الجدوى العسكرية: من الصعب جدا تحقيق تفوق استراتيجي باستخدام شحنة نووية تكتيكية ضد دفاع موزع يعتمد على المشاة والطائرات المسيرة، بينما من السهل جدا ضمان تصعيد مع الغرب والدخول في عزلة دولية واسعة.
والمنطق نفسه يفسر لماذا لم تتمكن روسيا من شل الخدمات اللوجستية الأوكرانية. فقد وجهت ولا تزال توجه ضربات إلى السكك الحديدية والجسور، لكن النتيجة أقرب إلى السلبية. فمسارات السكك الحديدية، باستثناء القطارات والمعدات الكهربائية، تصلح بسرعة. كما يمكن إصلاح الجسور ما لم تنهَر الفتحات أو تتضرر الدعامات، وتحقيق ذلك بالغ الصعوبة.
وتعد قصة الجسر المتحرك فوق مصب دنيستر في زاتوكا بمقاطعة أوديسا مثالا دالا. فمنذ عام 2022 تعرض هذا المنشأ الهش نسبيا لصواريخ باليستية وقنابل جوية انزلاقية وعشرات الطائرات المسيرة في الهجمة الواحدة، ولم تعلن المصادر الروسية إلا في مطلع أغسطس 2026 نجاحها في إسقاط إحدى فتحاته. كما أعيد بسرعة تشغيل ممر سد دنيبرو الكهرومائي بعد تعرضه لضربة صاروخية عام 2024.
ولا يفسر تفاوت فاعلية الضربات بتفوق الاستخبارات الأوكرانية وحده، رغم وجود هذا التفوق. فأوكرانيا تعيش في حالة حرب منذ فترة طويلة، وتخفي منشآتها العسكرية، كما تستورد جزءا كبيرا من مواردها أو تحصل عليه في صورة مساعدات، ولذلك فإن عدد الأهداف الهشة على أراضيها أقل ببساطة. أما روسيا فتحاول مواصلة الحياة بصورة عادية: المصانع والمطارات ومصافي النفط تعمل في العلن، ما يتيح لكييف اختيار أكثر الأهداف إيلاما وأقلها حماية. وفي المقابل، تستخدم روسيا صواريخ ذات رؤوس حربية قوية ودقة محدودة في المرحلة النهائية، ولذلك يتحول كل إخفاق في إصابة الهدف إلى كارثة إنسانية بدلا من أن ينتج أثرا عسكريا.
ماذا يعني كل ذلك خارج أوكرانيا
إن صيغة أنكوراج، حتى وإن لم تنفذ، تخلق سابقة تتجاوز أهميتها بكثير حدود الصراع الروسي الأوكراني. فنحن أمام نموذج يتحول فيه خط الجبهة إلى وضع قانوني بوساطة قوة كبرى، بينما يطلب من ضحية العدوان أن تتنازل طوعا عن أرض لم يتمكن الخصم من الاستيلاء عليها بالقوة.
وفي فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، حيث لكل حدود تقريبا تفسير بديل، يصبح السؤال عما إذا كان مثل هذا النموذج سيعتبر مقبولا أهم من كل التصريحات المتعلقة بوحدة الأراضي. وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة أن الوضع المستقر الوحيد هو ذلك الذي تعترف به الأطراف قانونيا وتسنده بقدراتها الذاتية، لا بضمانات خارجية. ولهذا السبب نفسه تبقى الضمانات الأمنية لأوكرانيا مسألة بلا حل، كما بقيت في كل مكان آخر: فالضامن الذي لا يكون مستعدا للقتال ليس ضامنا فعليا.
أربعة سيناريوهات واستنتاج واحد غير مريح
السيناريو الأول: يصل الجيش الروسي إلى أطراف كراماتورسك وسلوفيانسك في عام 2027 ويسيطر على التجمع الحضري. عندها يحصل الكرملين على فرصة لإعلان تحقيق الأهداف والانتقال إلى التفاوض بشأن تخفيف العقوبات مقابل وقف إطلاق النار. وفي هذا السيناريو تبلغ احتمالات انتهاء الحرب أعلى مستوياتها، بشرط أن تتوقف موسكو عند هذا الحد.
السيناريو الثاني: يصمد الدفاع، ويفقد الهجوم زخمه، بينما تستمر الخسائر وكلفة كل كيلومتر في الارتفاع. عندها يضطر الكرملين إلى إعادة تقييم مدى قابلية الهدف للتحقق. ومن شأن هجوم أوكراني مضاد كبير قرب كراماتورسك أن يقلل أيضا من خطر استمرار الحرب بعد دونباس، لأنه سيبرهن عمليا على حدود الممكن.
السيناريو الثالث: تتم السيطرة على دونباس، لكن الحرب تستمر بهدف القضاء على الدولة الأوكرانية. وهذا السيناريو، رغم جاذبيته السطحية لموسكو، يبدو الأسوأ بالنسبة إليها. فأوكرانيا تحصل على دافع أقوى للمقاومة، فيما يحصل حلفاؤها على مبرر للاستمرار في الدعم. وتنبئ نظرية العلاقات الدولية، من خلال مفهوم معضلة الأمن، برد فعل معاكس: ازدياد قوة روسيا يؤدي إلى زيادة الدعم الغربي لكييف. وفي هذه الحالة تتراكم المخاطر أمام الكرملين في جميع الاتجاهات في وقت واحد، من تراجع قدرة النموذج الاقتصادي على تحمل مزيد من الضغط مع ارتفاع كلفة خدمة الدين العام، إلى احتمال تغير الإدارة الأميركية بعد ما يزيد قليلا على عامين، وصولا إلى استنفاد مخزون المتطوعين، وهو ما سيجعل التعبئة الإلزامية ضرورية.
أما السيناريو الرابع، فهو الذي يبدو أن التكتيك التفاوضي الروسي يعمل من أجله: توافق كييف تحت ضغط خارجي على سحب قواتها، فتفعل الأزمة السياسية ما لم يتمكن الجيش من فعله. لكن التسليم الطوعي لدونباس سيرفع بشدة خطر استمرار الحرب، لأنه سيبرهن على أن انتزاع التنازلات ممكن.
والقاسم المشترك بين السيناريوهات الأربعة هو أن أيا منها لا ينتهي بانتصار بالمعنى التقليدي للكلمة.
الحرب لن تنتهي بانتصار
النقاش العلني حول الحرب مبني حول سؤال: «من سينتصر؟». لكن السؤال نفسه صيغ بصورة خاطئة. فقد خسر الطرفان بالفعل الحرب التي كان كل منهما يخطط لخوضها: روسيا خسرت حرب إعادة تشكيل أوكرانيا سياسيا، وأوكرانيا خسرت حرب استعادة كامل وحدة أراضيها بالقوة العسكرية. وما يجري الآن هو صراع على حق تحديد أي هزيمة سيطلق عليها اسم النصر، وثمن هذا الحق يقاس بمصائر مئات الآلاف من البشر وتريليونات الروبلات والهريفنيات.
بنى بوتين نموذجا اقتصاديا يسمح بخوض الحرب لفترة تكاد تكون غير محدودة، لكن النموذج نفسه جعل النصر السريع مستحيلا عليه بصورة دائمة. فمبدأ التحسين بالحد الأدنى هو في الوقت نفسه مصدر الاستقرار والحكم بالإدانة: الدولة التي تشدد القيود تدريجيا وبصورة موزعة وغير محسوسة لا تستطيع القيام بقفزة حاسمة، ومن دون هذه القفزة يصبح الاستيلاء على كراماتورسك عملية تستغرق سنوات.
أما أوكرانيا فقد حصلت على أداة تكنولوجية للضغط على العمق الروسي، ثم اكتشفت أنها دخلت مجالا تقول خبرة قرن كامل إنه يعمل ضدها: الحملات الجوية لا تكسب الحروب بمفردها، لكنها توحد بصورة موثوقة المجتمع الذي يتعرض للهجوم حول سلطته.
الانفراج الحقيقي لن يحدث على الجبهة ولا إلى طاولة المفاوضات، بل في حسابات النظامين السياسيين، في اللحظة التي يعجز فيها أحدهما عن تحمل كلفة رفض الهزيمة. النموذج الروسي يمنح الكرملين احتياطيا زمنيا، لكنه يحرمه من القدرة على الانتصار السريع. أما النموذج الأوكراني فيمنح كييف جودة في القوات ودعما غربيا، لكنه يتطلب إشراك نسبة من السكان أكبر بصورة غير متناسبة. وكلا النموذجين قادر على الاستمرار لسنوات أخرى.
ومن هنا يأتي الاستنتاج الأكثر إزعاجا. إن مصير الحرب التي أودت بحياة عدد من البشر يفوق ما أوداه أي صراع أوروبي منذ عام 1945 يعتمد اليوم لا على قرارات استراتيجية كبرى، بل على السرعة التي يقطع بها الجيش الروسي عشرة إلى خمسة عشر كيلومترا سنويا عبر سهوب دونيتسك. وهذه الحسابات تحديدا، لا «روح أنكوراج»، هي التي ستحدد شكل السلام في أوروبا الشرقية خلال العقود المقبلة.