يتغير الدعم العسكري الذي تقدمه روسيا والصين لإيران تدريجيا. فبعد أن اقتصر دور موسكو وبكين في السابق على تنفيذ العقود المبرمة، انتقلتا إلى نقل منظومات ومكونات وتقنيات وقدرات استخباراتية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في صمود الدفاع الجوي الإيراني، ودقة الضربات، ومدة استمرار النزاع. ومع ذلك، لا تزال روسيا والصين غير مستعدتين لتحويل دعمهما لطهران إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
كشفت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي بدأت في 28 فبراير 2026، عن اتجاهين متعاكسين.
الأول واضح. فالولايات المتحدة لا تزال تتمتع بتفوق ساحق على إيران في مجال الطيران، والاستطلاع الفضائي، ووسائل الضرب بعيدة المدى، والدفاع المضاد للصواريخ، وإدارة العمليات، والموارد المالية.
أما الاتجاه الثاني فهو أقل وضوحا، لكنه أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية عند تقييم المدة التي يمكن أن يستمر فيها النزاع. إذ إن التفوق العسكري الأميركي لم يؤد حتى الآن إلى القضاء على قدرة إيران على مواصلة العمليات القتالية.
بحلول أغسطس 2026، كانت الحملة الأميركية مستمرة منذ ما يقرب من نصف عام. ووفقا لتقديرات صحيفة فايننشال تايمز، بلغت النفقات التشغيلية المباشرة للولايات المتحدة حتى ذلك الوقت نحو 37.5 مليار دولار، فيما قدرت تكلفة إعادة تكوين مخزونات الأسلحة المستهلكة لاحقا بنحو 67 مليار دولار إضافية. ونفذت القوات الأميركية أكثر من 13 ألف ضربة. كما قتل 18 عسكريا أميركيا وأصيب أكثر من 600 آخرين.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة إذا ما قورنت بالميزانية العسكرية لإيران نفسها.
ووفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، بلغت النفقات العسكرية الإيرانية في عام 2025 نحو 7.4 مليارات دولار. وللمقارنة، أنفقت الولايات المتحدة 954 مليار دولار، والصين 336 مليار دولار، وروسيا 190 مليار دولار. أما الإنفاق العسكري العالمي فقد بلغ 2.887 تريليون دولار.
وبذلك، فإن تكلفة بضعة أشهر فقط من العملية الأميركية تجاوزت بالفعل بأضعاف الإنفاق العسكري السنوي لإيران.
وفي إطار هذا الاختلال الهائل في الموارد تحديدا ينبغي النظر إلى الدعم الروسي والصيني لطهران.
لا تستطيع موسكو وبكين إلغاء التفوق العسكري الأميركي، ويبدو من سلوكهما أنهما لا تضعان مثل هذا الهدف أصلا. بل تتركز مساعدتهما أساسا على الحفاظ على أربع قدرات حيوية لدى إيران: الدفاع الجوي في محاور محددة، وإنتاج الطائرات المسيرة واستخدامها، وضمان استمرارية تحديد الأهداف، والقدرة على تهديد خطوط المواصلات البحرية.
وتسجل المادة الأصلية للباحث أنطونيو جوستوتسي تحولا مهما. ففي الأشهر الأولى من الحرب، كانت روسيا والصين تنفذان في المقام الأول العقود القائمة بالفعل، لكن المساعدة بحلول الصيف أصبحت أكثر حساسية من الناحية التكنولوجية. ووفقا لمصادر الباحث، بدأت موسكو في نقل مكونات مطورة للطائرات المسيرة والصواريخ، فيما وسعت الصين تعاونها الاستخباراتي، وسرعت طهران بصورة حادة مشترياتها من وسائل الدفاع الجوي.
المشكلة الأساسية لإيران: الاعتماد على الإنتاج المحلي لم يعد يعوض الفجوة التكنولوجية
قبل الحرب، لم تكن إيران من كبار مستوردي الأسلحة.
ووفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، لم تستحوذ إيران خلال الفترة 2021 إلى 2025 إلا على 0.2 في المئة من واردات الأسلحة الرئيسية لدول الشرق الأوسط، وأقل من 0.05 في المئة من الواردات العالمية. وخلال العقد الأخير، ظلت روسيا المورد الوحيد لمنظومات الأسلحة الكبرى إلى إيران.
وفي المقابل، حصلت الملكيات العربية الست في الخليج على ما يقرب من 20 في المئة من إجمالي واردات الأسلحة العالمية خلال الفترة 2021 إلى 2025. وبصورة عامة، جاءت 94 في المئة من الأسلحة التي استوردتها دول الشرق الأوسط من الولايات المتحدة والدول الأوروبية. واستحوذت الولايات المتحدة وحدها على 54 في المئة من الإمدادات الإقليمية.
وعلى مدى عقود، عوضت إيران محدودية وصولها إلى سوق السلاح الخارجية من خلال تطوير صناعاتها المحلية للصواريخ والطائرات المسيرة.
وأثبت هذا النموذج فعاليته في إنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة نسبيا، لكنه كان أقل نجاحا بكثير في ثلاثة مجالات: الطيران القتالي الحديث، والدفاع الجوي المتكامل، والاستطلاع الفضائي.
وكانت حرب عام 2025 مع إسرائيل قد كشفت بالفعل عن هشاشة الدفاع الجوي الإيراني. أما حملة عام 2026 فقد فاقمت المشكلة.
ولهذا تغير هيكل مشتريات طهران بعد اندلاع الحرب. فلم تعد إيران بحاجة إلى منظومات تسليح جديدة فحسب، بل إلى معدات يمكن دمجها بسرعة في الهياكل القائمة بالفعل.
وهذا يفسر اهتمام طهران المتزايد بالمنظومات المحمولة، وتقنيات الحماية الإلكترونية، وبيانات الأقمار الصناعية، والمكونات المنفردة للطائرات المسيرة.
العقد الروسي الخاص بمنظومة فيربا: 500 منصة إطلاق و2500 صاروخ
يتعلق أحد أكثر مشاريع التعاون العسكري التقني الروسي الإيراني توثيقا بمنظومة الدفاع الجوي المحمولة فيربا.
وأفادت صحيفة فايننشال تايمز، استنادا إلى وثائق روسية حصلت عليها، بأن إيران أبرمت في ديسمبر 2025 عقدا مع روسيا بقيمة تقارب 495 مليون يورو.
وينص العقد على توفير 500 منصة إطلاق محمولة من طراز فيربا.
كما يشمل 2500 صاروخ من طراز 9إم336.
ويتضمن كذلك 500 منظار ليلي من طراز ماوغلي-2.
ومن المقرر تنفيذ عمليات التسليم على ثلاث مراحل خلال الفترة من 2027 إلى 2029.
ووفقا للوثائق، بلغ سعر تصدير الصاروخ الواحد نحو 170 ألف يورو، فيما بلغ سعر منصة الإطلاق قرابة 40 ألف يورو. وجرت المفاوضات بين شركة روس أوبورون إكسبورت وممثلين عن وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية. ولم تتمكن وكالة رويترز من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الوثائق.
وتتضمن المادة الأصلية لجوستوتسي معلومات إضافية. فوفقا لمصادره في الحرس الثوري الإيراني، وافقت روسيا على تسريع تنفيذ العقد، ويزعم أن إيران تسلمت، قبيل الضربات الأميركية في 28 فبراير مباشرة، نحو 50 منصة إطلاق والصواريخ المخصصة لها.
ولا يوجد حتى الآن تأكيد مستقل على تسليم هذه المنصات الخمسين تحديدا قبل اندلاع الحرب. غير أن صحيفة فايننشال تايمز أشارت هي الأخرى إلى احتمال أن تكون كمية محدودة من هذه المنظومات قد سلمت لإيران قبل المواعيد المحددة في العقد.
وينبغي تقييم الأهمية العسكرية لهذه الإمدادات بصورة دقيقة.
فمنظومة فيربا لا تستطيع أن تحل محل إس-300 أو إس-400 أو أي منظومة دفاع جوي أخرى متعددة الطبقات. إنها منظومة محمولة قصيرة المدى، مصممة أساسا لاستهداف المروحيات والطائرات المسيرة وصواريخ كروز والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
لكن غياب الحاجة إلى بنية تحتية معقدة هو بالضبط ما يجعل منظومات الدفاع الجوي المحمولة مفيدة لإيران.
فتشغيل بطارية إس-400 يتطلب رادارات ومراكز قيادة ومنصات إطلاق وأطقما مدربة وخطوط اتصال محمية ودمجها في منظومة قيادة موحدة.
أما منظومة الدفاع الجوي المحمولة فيمكن تشغيلها بواسطة طاقم صغير، كما يمكن نقلها وتمويهها بسرعة. ولذلك فإن تدمير شبكة الدفاع الجوي المركزية لا يؤدي إلى القضاء على مثل هذه الوسائل القتالية.
ويشير العقد الروسي إلى انتقال إيران نحو نموذج أكثر انتشارا وتشتتا للدفاع الجوي.
العقد الصيني: 300 إلى 400 منظومة إضافية مقابل 60 إلى 70 مليون دولار
يتمثل العنصر الثاني في منظومات الدفاع الجوي المحمولة الصينية.
فقد أفادت وكالة رويترز في 29 يوليو، نقلا عن ثلاثة مصادر مطلعة، بأن إيران أبرمت اتفاقا لشراء ما بين 300 و400 منظومة صينية محمولة مضادة للطائرات من طرازي كيو دبليو-12 وإف إن-16.
وقدرت القيمة الإجمالية للصفقة بما بين 60 و70 مليون دولار.
وتولت الوساطة شركة تشونغتشينغ باوشانغ للاستثمار الدولي المسجلة في هونغ كونغ. وكان يفترض أن يمر مسار الإمداد الأولي من أورومتشي عبر الأراضي الباكستانية.
ووصفت الصين رسميا هذه المعلومات بأنها لا أساس لها. كما نفت باكستان المزاعم المتعلقة بمرور شحنات أسلحة عبر أراضيها.
وتضيف المادة الأصلية تفاصيل أخرى إلى هذه الصورة. فوفقا لمصادر في الحرس الثوري الإيراني، ربما بدأت عمليات تسليم منظومات إف إن-6 الصينية الأقدم منذ مايو. ويفترض الباحث أن جزءا من هذه المنظومات ربما نقل من المخزونات، نظرا إلى أن إف إن-6 لم تعد من أحدث المنظومات الصينية. وكان من المتوقع أن تبدأ عمليات تسليم كيو دبليو-12 وإف إن-16 في أغسطس.
وإذا نظرنا إلى المشروعين الروسي والصيني معا، تصبح الأرقام أكثر دلالة.
فالمشتريات الروسية طويلة الأجل المعلنة وحدها تشمل 500 منصة إطلاق. أما العقد الصيني فقد يضيف ما بين 300 و400 منصة أخرى.
ولا يعيد ذلك بناء منظومة دفاع جوي إيرانية متكاملة وكاملة، لكنه قد ينشئ مئات النقاط النارية المتحركة الإضافية.
وبالنسبة للطيران الأميركي، يعني ذلك قبل كل شيء ارتفاع مخاطر العمليات على ارتفاعات منخفضة، واستخدام المروحيات وبعض فئات الطائرات المسيرة.
إس-400 وإتش كيو-9 سي وإتش كيو-16 بي: لماذا يظل الدفاع الجوي الثقيل ثانويا حتى الآن
تسعى طهران بالتوازي إلى الحصول على منظومات من فئات أعلى بكثير.
ووفقا لمصادر جوستوتسي، ناقشت إيران إمكانية شراء منظومات إس-400 الروسية، وإتش كيو-9 سي الصينية، ومنظومات إتش كيو-16 بي متوسطة المدى.
لكن ثمة قيود جوهرية فيما يتعلق بمنظومة إس-400.
فقد أفادت صحيفة فايننشال تايمز، نقلا عن مسؤولين غربيين حاليين وسابقين، بأن روسيا رفضت حتى الآن تلبية طلب إيران الحصول على إس-400.
ولا تكمن المشكلة الأساسية في البعد السياسي وحده.
فالمنظومة المعقدة بعيدة المدى المضادة للطائرات تتطلب فترة طويلة لتدريب الأطقم ودمجها في منظومة القيادة. وإذا شارك خبراء روس في تشغيلها أثناء الحرب، فقد تنشأ حالة يصبح فيها العسكريون الروس، فعليا، مشاركين بصورة مباشرة في توجيه الأسلحة نحو الطائرات الأميركية.
وبالنسبة لموسكو، يمثل ذلك مستوى مختلفا نوعيا من التصعيد.
ولهذا يبدو اختيار منظومات الدفاع الجوي المحمولة ومكونات الحرب الإلكترونية وتقنيات الطائرات المسيرة منطقيا. فهي تمنح إيران قدرات إضافية، لكنها تقلل بدرجة كبيرة احتمال حدوث احتكاك قتالي روسي أميركي مباشر.
ولا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تؤكد تسليم منظومات إتش كيو-9 سي وإتش كيو-16 بي الصينية.
وتشير المادة الأصلية صراحة إلى عدم وجود تأكيد لعمليات التسليم.
سو-35: القيمة العسكرية تصطدم بعقبة البنية التحتية
يمثل سو-35 مشروعا آخر من مشاريع التعاون الروسي الإيراني.
وفي يناير 2025، أكد المسؤول الرفيع في الحرس الثوري الإيراني علي شادماني رسميا شراء مقاتلات سو-35 الروسية، لكنه لم يحدد عدد الطائرات ولم يوضح ما إذا كانت قد سلمت بالفعل.
وتورد المادة الأصلية لجوستوتسي رقما أكثر تحديدا، هو 20 طائرة جرى طلبها منذ عام 2023.
ووفقا لبياناته، كانت روسيا مستعدة لتسليمها في النصف الثاني من يوليو 2026، إلا أن إيران قررت تأجيل استلامها بسبب استمرار الحرب.
وتكشف هذه المعلومات عن مشكلة جوهرية تواجه شراء الأسلحة المعقدة أثناء حملة جوية مكثفة.
إذ لا يكفي مجرد إيصال الطائرة.
فهناك حاجة إلى مطار محمي، وطواقم فنية، ومحركات ووحدات احتياطية، وصواريخ، ووسائل اتصال، ومعدات أرضية، وطيارين مدربين، ومنظومة قيادة.
وإذا كان الخصم يتمتع بتفوق جوي مستقر وقدرات استطلاع فضائي مستمرة، فإن الطائرات الجديدة تتحول إلى أهداف باهظة الثمن حتى قبل بلوغها الجاهزية القتالية الكاملة.
ولذلك، قد يكون إبقاء مقاتلات سو-35 التي اكتمل تصنيعها في روسيا أكثر عقلانية لطهران من نقلها فورا إلى إيران.
ووفقا للدراسة الأصلية، بدأت معدات صيانة هذه الطائرات بالفعل في الوصول إلى إيران.
مي-28: عنصر أقل أهمية في عملية التحديث
زودت روسيا إيران أيضا بمروحيات هجومية من طراز مي-28.
وكانت طهران قد أعلنت منذ عام 2023 استكمال الاتفاقات الخاصة بشراء مقاتلات سو-35 ومروحيات مي-28 وطائرات التدريب القتالي ياك-130. وأكدت وكالة رويترز وجود هذه الاتفاقات.
وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن إيران ربما كانت قد تسلمت ما يصل إلى ست مروحيات مي-28 بحلول بداية عام 2026.
كما تشير المادة الأصلية إلى ست مروحيات سلمت في فبراير.
لكن تأثير مي-28 في الحرب الحالية محدود. فالمروحية الهجومية فعالة أساسا في العمليات ضد الأهداف البرية، وتتطلب بيئة جوية آمنة بدرجة كافية. وفي المواجهة مع الولايات المتحدة، لا تحل المشكلة المركزية التي يعاني منها الدفاع الجوي الإيراني.
التقنيات الروسية للطائرات المسيرة أهم من تسليم طائرات جديدة
قد يكون الجانب الأكثر أهمية في المساعدة الروسية موجودا في مجال آخر.
فقد طورت إيران عائلة طائرات شاهد المسيرة، لكن المصنعين الروس أدخلوا تغييرات كبيرة على التصميم الأصلي أثناء توطين هذه التقنيات واستخدامها على نطاق واسع في الحرب ضد أوكرانيا.
وظهرت في طائرات غيران الروسية حلول ملاحية أكثر تطورا، وأنظمة لمقاومة التشويش، ومحركات جديدة، وتعديلات تقنية أخرى.
ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، ناقشت موسكو بعد اندلاع حرب عام 2026 إمكانية نقل طائرات مسيرة مطورة إلى إيران. ولم يكن اهتمام طهران منصبا بقدر كبير على الحصول على هياكل طائرات إضافية، بل على الاستفادة من التحسينات الروسية التي أدخلت على التصاميم الإيرانية الأصلية نفسها.
وتورد المادة الأصلية تفاصيل محددة.
فوفقا لمصادر في الحرس الثوري الإيراني، طلبت إيران من روسيا طوال المرحلة الأولى من الحرب نقل التقنيات المستخدمة في غيران-2 وغيران-3. ويزعم أن موسكو ظلت ترفض ذلك حتى منتصف يونيو.
لكن الوضع تغير بعد استئناف العمليات القتالية المكثفة.
ووفقا لمصادر الباحث، بدأت روسيا في توريد مكونات مطورة للصواريخ والطائرات المسيرة، من بينها منظومة كوميتا-إم لحماية الملاحة بالأقمار الصناعية من التشويش. ويقال إن عملية دمجها استغرقت بضعة أيام فقط.
وتوصلت وكالة رويترز بصورة مستقلة إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تحقق في احتمال وجود دور روسي في زيادة فعالية الضربات الإيرانية.
وبعد الهجمات على منشآت مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، درس الخبراء الأميركيون احتمال أن تكون روسيا قد نقلت تقنيات وبيانات لتحديد الأهداف. وكانت منظومة كوميتا-إم من بين العوامل التي جرى فحصها.
لكن الاستخبارات الأميركية لم تتوصل إلى استنتاجات نهائية.
وهذا التمييز جوهري.
فالتعاون الروسي الإيراني في مجال الطائرات المسيرة موثق جيدا.
أما المشاركة الروسية المباشرة في اختيار أهداف محددة فلم تثبت بصورة نهائية حتى الآن.
نقل وسائل الحرب الإلكترونية لا يغير عدد الصواريخ بل احتمال اختراقها للدفاعات
تتضمن المادة الأصلية ادعاء مهما آخر، مفاده أن روسيا ربما نقلت إلى إيران وسائل للحرب الإلكترونية مخصصة للصواريخ الباليستية، بهدف تعقيد عمل منظومات الدفاع المضاد للصواريخ الأميركية والحليفة.
ولا يوجد تأكيد مستقل على التكوين المحدد لهذه الأنظمة.
لكن هذا النوع من المساعدة، من الناحية العسكرية، قد يكون أكثر أهمية بكثير من تسليم دفعات منفردة من الصواريخ.
ففي أي حملة تعتمد على الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة، لا يكمن العامل الحاسم في عدد وسائل الهجوم المطلقة في حد ذاته، بل في نسبة الوسائط التي تحتفظ بقدرتها على الملاحة، وتتجاوز الحرب الإلكترونية، وتتجنب الاعتراض، وتصل إلى النقطة المحددة.
وحتى الزيادة الطفيفة في احتمال اختراق الدفاعات، عند الاستخدام المكثف، يمكن أن تغير بصورة كبيرة حجم الضغط الواقع على منظومة الدفاع المضاد للصواريخ.
وهذا يرتبط مباشرة بمشكلة أخرى تواجه الولايات المتحدة، وهي استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية.
استهلاك 65 في المئة من المخزون الأميركي من صواريخ باتريوت خلال خمسة أشهر
ووفقا لوكالة رويترز، استخدمت الولايات المتحدة في الفترة من فبراير إلى يوليو 2026 ما يقرب من 65 في المئة من مخزونها من بعض أنواع صواريخ باتريوت الاعتراضية.
وبحلول بداية أغسطس، كان المخزون الأميركي يضم أقل من 850 صاروخا.
وتقدر تكلفة الصاروخ الاعتراضي باك-3 إم إس إي الواحد بنحو أربعة إلى خمسة ملايين دولار.
وفي الوقت نفسه، حصلت شركة لوكهيد مارتن على عقد من الجيش الأميركي يمكن أن تصل قيمته القصوى إلى 58.6 مليار دولار، بهدف توسيع إنتاج هذه المنظومات.
ويطالب البنتاغون شركات الصناعات الدفاعية في الوقت ذاته بتسريع إنتاج أنواع أخرى من الذخائر. وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن مخزونات منظومات ثاد تراجعت هي الأخرى بنحو 38 في المئة منذ بداية النزاع.
ولذلك، لا ينبغي تقييم المساعدة الروسية للطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية فقط من خلال عدد المنشآت الأميركية التي أصيبت.
فهذه المساعدة تؤثر أيضا في اقتصاديات الدفاع المضاد للصواريخ.
تستخدم إيران صواريخ وطائرات مسيرة رخيصة نسبيا في مواجهة منظومات قد تكلف كل عملية اعتراض فيها ملايين الدولارات.
وحتى الهجوم الذي يتم صده بنجاح يستهلك موردا محدودا.
وبالنسبة للولايات المتحدة، ترتبط هذه المشكلة في الوقت نفسه بالشرق الأوسط وأوكرانيا، وبالحاجة إلى الاحتفاظ بمخزونات كبيرة تحسبا لأزمة محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الدعم الصيني يتركز على الاستخبارات وتحديد الأهداف
إذا كان التخصص الروسي في المنظومة الموصوفة يتركز أساسا على الحرب الإلكترونية والملاحة وتحديث الطائرات المسيرة، فإن المساعدة الصينية، وفقا للدراسة الأصلية، تتركز في المجال الاستخباراتي.
ويشير الباحث إلى اتفاق بين بكين وطهران لتوسيع الوصول إلى منظومة بيدو الصينية للملاحة وتبادل بيانات الاستطلاع الفضائي.
وادعت مصادر في القيادة العسكرية الإيرانية أن الصين كانت تزود إيران بمعلومات عن مواقع المنشآت الأميركية في الخليج.
أما الادعاء الأكثر إثارة للجدل في المادة فيتعلق بوضع قمر صناعي عسكري صيني تحت تصرف إيران بصورة مؤقتة.
ووفقا لمصادر الباحث، أتاح ذلك متابعة الوضع في المنطقة في وقت قريب جدا من الزمن الفعلي، وتقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف الهدف وتوجيه الضربة إليه.
ولا يوجد حتى الآن تأكيد مستقل على أن الصين وضعت قمرا صناعيا عسكريا بالفعل تحت تصرف إيران.
غير أن حقيقة مهمة أخرى ثبتت بالفعل.
فقد أفادت صحيفة فايننشال تايمز، استنادا إلى وثائق إيرانية مسربة، بأن القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني حصلت في أواخر عام 2024 على القمر الصناعي الصيني تي إي إي-01 بي، التابع لشركة إيرث آي.
ووفقا للتحقيق، استخدمت إيران هذا القمر لمراقبة المنشآت الأميركية في السعودية والأردن والبحرين والعراق. وفي مارس 2026، التقط القمر صورا لقاعدة الأمير سلطان الجوية قبل الضربات الإيرانية وبعدها.
كما حصلت إيران على إمكانية الوصول إلى البنية التحتية الأرضية التابعة لشركة إمبوسات الصينية، التي أتاحت التحكم بالقمر الصناعي. ولم تتحقق وكالة رويترز بصورة مستقلة من وثائق فايننشال تايمز. ورفضت الصين ما ورد في التقرير.
وتكمن الأهمية الأساسية لذلك في تقليص دورة الاستطلاع والضرب لدى إيران.
فلا يكفي، من أجل الاستخدام الدقيق للصواريخ الباليستية، معرفة إحداثيات قاعدة ثابتة. بل لا بد من امتلاك معلومات حديثة عن مواقع الطائرات والسفن والوحدات العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي.
ويؤدي الوصول إلى المعلومات المستمدة من الأقمار الصناعية إلى رفع جودة تحديد الأهداف بدرجة كبيرة، حتى من دون تسليم إيران صواريخ جديدة.
سي إم-302 تشكل تهديدا مستقلا للأسطول الأميركي
قبل اندلاع الحرب، كثفت إيران أيضا مفاوضاتها مع الصين لشراء صواريخ سي إم-302 الأسرع من الصوت والمضادة للسفن.
وأفادت وكالة رويترز في 24 فبراير، نقلا عن ستة مصادر، بأن الصفقة كانت في مراحلها النهائية.
ويبلغ المدى المعلن لصاروخ سي إم-302 نحو 290 كيلومترا. وقد صمم الصاروخ للتحليق بسرعة عالية وعلى ارتفاع منخفض بهدف تعقيد عملية اعتراضه بواسطة السفن.
وتؤكد المادة الأصلية أن الدفعة الأولى من صواريخ سي إم-302 سلمت إلى إيران في منتصف أبريل، قبل توسيع الحصار الأميركي ليشمل الموانئ الواقعة على المحيط الهندي.
ولا يوجد تأكيد مستقل على أن عملية التسليم هذه جرت بالفعل في أبريل.
لكن منطق هذه الصفقة واضح في حد ذاته.
فمنظومات الدفاع الجوي المحمولة تزيد مخاطر العمليات الجوية فوق إيران.
أما صواريخ سي إم-302 فهي مخصصة لمسرح عمليات مختلف، هو الخليج وبحر عمان.
وإذا نشرت هذه المنظومات ضمن وحدات ساحلية متحركة، فسيتعين على الأسطول الأميركي أخذ طبقة إضافية من الدفاع المضاد للسفن في الحسبان عند تنفيذ الحصار.
وفي 13 أغسطس، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الأسطول الأميركي قادر على مواصلة حصار الموانئ الإيرانية لفترة غير محدودة من خلال تدوير السفن.
لكن الحصار المفتوح زمنيا يتطلب بدوره وجودا دائما لعدد كبير من السفن والطائرات ووسائل الاستطلاع ومنظومات الدفاع المضاد للصواريخ.
مضيق هرمز حول الصين من مراقب إلى طرف ذي مصلحة اقتصادية مباشرة
لا يمكن تفسير دوافع الصين بمجرد التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة.
فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وهي شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات القادمة من الخليج.
وفي عام 2025، كانت الصين تشتري في المتوسط نحو 1.38 مليون برميل من النفط الإيراني يوميا، وكانت تستقبل أكثر من 80 في المئة من صادرات إيران النفطية المنقولة بحرا.
وفي الوقت نفسه، كان نحو نصف إجمالي واردات الصين النفطية يأتي من الشرق الأوسط.
لكن الحرب غيرت الوضع بصورة حادة.
ففي مارس 2026، كانت الصين لا تزال تستورد 11.77 مليون برميل من النفط يوميا، لأن قسما كبيرا من الشحنات كان قد حمل قبل اندلاع النزاع.
وفي يونيو، تراجعت الواردات إلى 7.12 ملايين برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ ما يقرب من عشر سنوات. كما انخفضت واردات النفط الإيراني بأكثر من 40 في المئة خلال شهر واحد، لتتراجع إلى أقل من 800 ألف برميل يوميا.
وبلغ متوسط الواردات الصينية في يونيو ويوليو 7.78 ملايين برميل يوميا، مقارنة بمستوى ما قبل الحرب البالغ نحو 11.99 مليون برميل.
وبالتالي، فإن الصين مهتمة في الوقت نفسه بالحفاظ على الدولة الإيرانية وبإنهاء الحرب.
فالهزيمة العسكرية الكاملة لإيران ستعزز مواقع الولايات المتحدة.
أما استمرار حصار مضيق هرمز لفترة طويلة فيلحق الضرر بالاقتصاد الصيني.
ولهذا فإن الخيار الأمثل لبكين ليس انتصارا عسكريا إيرانيا، ولا استمرار الحرب، بل بقاء طهران قوية بما يكفي، ثم التوصل إلى تسوية سياسية.
حجم اضطراب التجارة عبر هرمز يكشف كلفة النزاع بالنسبة إلى بكين
قبل الحرب، كان نحو 130 إلى 140 سفينة تعبر هرمز يوميا.
وفي 11 أغسطس، سجلت وكالة رويترز عبور ست سفن فقط خلال يوم كامل.
ووفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، أدى النزاع إلى خفض توقعات إنتاج النفط العالمي لعام 2026 بمقدار 4.3 ملايين برميل يوميا.
وكان من المتوقع أن يبلغ الإنتاج نحو 102.02 مليون برميل يوميا، مع عجز يقدر بنحو 1.27 مليون برميل يوميا مقارنة بالطلب.
وظل إنتاج دول الخليج أقل بنحو 8.3 ملايين برميل يوميا من مستويات ما قبل الحرب.
وبحلول 14 أغسطس، كان خام برنت يتداول عند نحو 87.97 دولارا للبرميل، فيما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط نحو 82.16 دولارا.
ولهذا تواجه السياسة الصينية قيدا اقتصاديا واضحا: فبكين لا تستفيد من حرب لا نهاية لها.
روسيا تنظر إلى إيران من خلال الصراع في أوكرانيا
تختلف دوافع روسيا.
ففي يناير 2025، وقعت روسيا وإيران معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وتنص الوثيقة على التعاون الدفاعي، وإجراء التدريبات المشتركة، والتشاور بشأن التهديدات العسكرية، وتطوير التعاون العسكري التقني.
لكن المعاهدة لا تتضمن التزاما بالدخول تلقائيا في الحرب إلى جانب الطرف الآخر.
وهذه مسألة أساسية بالنسبة إلى موسكو.
فبإمكان روسيا توريد الأسلحة والبيانات الاستخباراتية والتقنيات والمعدات من دون أن تتحمل التزاما قانونيا بالدفاع عن إيران بالقوة المسلحة.
وفي الوقت نفسه، اكتسبت العلاقات الروسية الإيرانية بعد عام 2022 طابعا ثنائيا في المجال العسكري الصناعي.
فقد زودت إيران روسيا بمنظومات مسيرة، ثم قامت الصناعة الروسية لاحقا بتوطين التصاميم الإيرانية وتحديثها بصورة كبيرة.
وفي فبراير 2024، أفادت وكالة رويترز أيضا بأن إيران نقلت إلى روسيا نحو 400 صاروخ باليستي من تعديلات مختلفة تنتمي إلى عائلة فاتح-110.
وبالتالي، فإن المساعدة الروسية الحالية لإيران تمثل جزئيا حركة عكسية للتقنيات داخل منظومة تبادل عسكري صناعي تشكلت بالفعل.
موسكو حاولت ربط إيران وأوكرانيا في حزمة تفاوضية واحدة
يعد التعاون الاستخباراتي المثال الأكثر دلالة.
ففي مارس 2026، ظهرت تقارير تفيد بأن موسكو عرضت وقف تزويد إيران بمعلومات استخباراتية عن المواقع العسكرية الأميركية مقابل أن توقف الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا ببيانات استخباراتية.
ووفقا لما نشرته وسائل الإعلام، ناقش الممثل الروسي كيريل دميترييف هذا الاقتراح مع ممثلي إدارة الرئيس الأميركي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ونفت روسيا هذه المعلومات.
وفي 25 مارس، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوكالة رويترز إن الاستخبارات الأوكرانية تمتلك معلومات عن استمرار الدعم الاستخباراتي الروسي لإيران.
وتعتبر المادة الأصلية لجوستوتسي هذا العامل أيضا أحد الدوافع المحتملة الرئيسية لموسكو: إذ يمكن استخدام دعم إيران لرفع الكلفة التفاوضية للدعم الأميركي المقدم لأوكرانيا.
وهذا يسمح باستخلاص نتيجة أكثر دقة بشأن الاستراتيجية الروسية.
فبالنسبة إلى موسكو، لا تمثل إيران مسرحا مستقلا منفصلا تماما عن أوكرانيا، بل أداة إضافية للضغط على كيفية توزيع الموارد العسكرية الأميركية.
حدود المساعدة الروسية والصينية تحددها مخاطر المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة
وسعت روسيا والصين تدريجيا دعمهما لطهران.
لكن طبيعة هذه المساعدة تكشف عن وجود حدود واضحة.
فموسكو مستعدة لتقديم منظومات الدفاع الجوي المحمولة، وتقنيات الطائرات المسيرة، ومكونات الحرب الإلكترونية، والمعلومات الاستخباراتية.
لكنها تتعامل بحذر أكبر بكثير مع منظومات إس-400 وغيرها من الأنظمة التي قد يتطلب تشغيلها وجود خبراء روس مباشرة داخل منطقة العمليات القتالية.
أما الصين فتسمح بتطوير التعاون في مجال الأقمار الصناعية والملاحة، وتشير تقارير المصادر إلى بيع منظومات دفاع جوي محمولة وصواريخ مضادة للسفن.
لكن بكين لا تنشر قواتها المسلحة في إيران، وتنفي رسميا أكثر التقارير حساسية المتعلقة بتوريد الأسلحة.
وهذا يعني أن تحالفا عسكريا روسيا صينيا إيرانيا متكاملا لم يتشكل حتى الآن.
والتوصيف الأكثر دقة هو وجود شراكة عسكرية تقنية منسقة، مع تفاوت في درجات الانخراط.
ما الذي غيرته روسيا والصين فعليا
بحلول أغسطس 2026، يمكن تحديد أربعة مجالات يحتمل أن يكون للدعم الروسي والصيني فيها تأثير قابل للقياس.
المجال الأول هو الدفاع الجوي الموزع.
فمنظومات فيربا الروسية، وإف إن-6 وإف إن-16 وكيو دبليو-12 الصينية، لا تستطيع إغلاق المجال الجوي الإيراني، لكنها تزيد عدد التهديدات المتحركة التي تواجه الأهداف التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
المجال الثاني هو قدرة الطائرات المسيرة على مقاومة التشويش الإلكتروني.
فنقل تقنيات روسية من نوع كوميتا-إم يمكن أن يزيد احتمالات احتفاظ الطائرات المسيرة بقدرتها على الملاحة في ظروف الحرب الإلكترونية المكثفة.
المجال الثالث هو الاستطلاع وتحديد الأهداف.
فالموارد الفضائية الصينية، ومنظومة بيدو، وإمكانية الوصول إلى بيانات استخباراتية إضافية تقلل الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف واستخدام السلاح ضده.
أما المجال الرابع فهو القدرات المضادة للسفن.
فالإمدادات المحتملة من صواريخ سي إم-302 تزيد المخاطر التي تواجه السفن الأميركية المشاركة في الحصار والعمليات في منطقة الخليج وبحر عمان.
ولا يستطيع أي من هذه المجالات، إذا أخذ منفردا، تغيير ميزان القوى العام.
لكنها مجتمعة تزيد قدرة إيران على الاحتفاظ بجزء من إمكاناتها العسكرية حتى بعد التدمير المتتابع للمنشآت الثابتة الكبرى.
النتيجة الأساسية هي تغيير كلفة استمرار الحرب
يتمثل الخطأ التحليلي الرئيسي عند تقييم المساعدة الروسية والصينية في محاولة الإجابة عن سؤال ما إذا كانت هذه المساعدة قادرة على ضمان انتصار عسكري لإيران.
ولا تؤكد البيانات المتاحة وجود مثل هذه الإمكانية.
فالتفوق الأميركي في الطيران والضربات بعيدة المدى والاستطلاع وإدارة العمليات لا يزال قائما.
لكن تحقيق نتيجة استراتيجية لا يتطلب تدمير المنشآت فقط، بل يتطلب أيضا بلوغ الأهداف السياسية للحرب.
وبحلول أغسطس، كانت الولايات المتحدة قد أنفقت بالفعل عشرات المليارات من الدولارات، واستهلكت جزءا كبيرا من مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية المتطورة، وتكبدت مئات الخسائر البشرية، ولا تزال تواصل الحصار البحري.
وفي الوقت نفسه، احتفظت إيران بقدراتها الصاروخية وقدرات الطائرات المسيرة، وتواصل الحصول على أنواع محددة من الأسلحة والتقنيات، ولا تزال قادرة على التأثير في الملاحة عبر هرمز.
روسيا والصين لا تلغيان الاختلال العسكري القائم بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن تأثيرهما يقع على معادلة مختلفة: العلاقة بين كلفة الضغط الأميركي وقدرة إيران على مواصلة المقاومة.
وبالنسبة إلى الصين، يرجح أن تكون الغاية النهائية هي منع انهيار إيران، ثم تثبيت استقرار طرق إمدادات الطاقة.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن استمرار الدعم المحدود يعزز علاقاتها مع طهران، وفي الوقت نفسه يوفر أداة ضغط إضافية على واشنطن في ملف أوكرانيا.
وبالنسبة إلى إيران، تمنحها الإمدادات الروسية والصينية وقتا للانتقال من منظومات مركزية معرضة للاستهداف إلى بنية دفاعية وهجومية أكثر انتشارا وتوزعا.
ولهذا فإن التطور اللاحق للنزاع لن يعتمد بقدر كبير على ظهور نوع واحد جديد من الأسلحة الروسية أو الصينية، بقدر ما سيعتمد على ثلاثة مؤشرات: وتيرة استعادة إيران لقدراتها الصاروخية وقدرات الطائرات المسيرة، وسرعة استهلاك الصواريخ الاعتراضية الأميركية وتعويضها، ومدى استعداد موسكو وبكين لتوسيع دعمهما الاستخباراتي والتكنولوجي من دون الانتقال إلى المشاركة المباشرة في الحرب.
وحتى الآن، يعكس السلوك الفعلي للقوتين هذا النموذج تحديدا: تحصل إيران على موارد كافية لتعزيز قدرتها على الصمود، لكنها لا تحصل على مظلة عسكرية من شأنها أن تحول تلقائيا النزاع بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين.