في منتصف أغسطس 2026، دخل الصراع الأمريكي الإيراني مرحلة بات من الممكن فيها مقارنة التقديرات الأولية للطرفين بالنتائج الفعلية على الأرض. الحرب مستمرة منذ 28 فبراير. وخلال هذه الفترة، ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل أضرارا واسعة بإيران، وخفضتا بصورة كبيرة وتيرة هجماتها الصاروخية، ودمرتا جزءا من بنيتها التحتية الإنتاجية والنقلية، وشددتا الحصار البحري. لكنهما لم تنجحا حتى الآن في تحقيق النتيجة السياسية الرئيسية، وهي إرغام طهران على قبول اتفاق بالشروط الأمريكية.
لذلك يبقى السؤال الأساسي مطروحا، لكنه يحتاج إلى صياغة أكثر دقة. المسألة ليست ما إذا كانت إيران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة في حرب تقليدية، فالإمكانات العسكرية للطرفين غير قابلة للمقارنة. السؤال هو ما إذا كانت طهران قادرة، لمدة كافية، على الحفاظ على الحد الأدنى الضروري من القدرة الضاربة، وعلى قابلية جهاز الدولة للإدارة، وعلى السيطرة على المجتمع، بالتوازي مع رفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية للصراع بالنسبة إلى واشنطن. وهذه تحديدا هي آلية الضغط الكامنة في الاستراتيجية الإيرانية موضع البحث.
وحتى أغسطس، تبدو الإجابة على النحو التالي: عسكريا، تستطيع إيران مواصلة الصراع لفترة طويلة أخرى، ولكن بكثافة أقل بكثير. اقتصاديا، ترتفع كلفة كل شهر إضافي عليها بسرعة. أما سياسيا، فلم يعد المتغير الحاسم هو مخزون الصواريخ، بل قدرة النظام الداخلي على الصمود.
15 ألف هدف تمت إصابته: الولايات المتحدة حسمت الحملة الجوية لكنها لم تنه الحرب
يتضح حجم التفوق الناري الأمريكي والإسرائيلي بجلاء من خلال الأسابيع الأولى للعملية.
وفقا لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أصابت القوات الأمريكية خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى وحدها أكثر من ألف هدف. وفي الفترة نفسها، ضرب سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من 750 هدفا إضافيا. وبحلول اليوم الرابع عشر، كان البنتاغون يتحدث عن أكثر من 15 ألف هدف أصابتها الولايات المتحدة وإسرائيل معا. وبعد المرحلة الأولى، استقرت وتيرة الضربات الأمريكية عند نحو 300 إلى 500 هدف يوميا.
كما تغيرت طبيعة وسائل التدمير المستخدمة. ففي بداية الحملة، استخدمت الولايات المتحدة على نطاق واسع منظومات بعيدة المدى وعالية الدقة، بما في ذلك صواريخ توماهوك وصواريخ المواجهة المشتركة جو أرض بعيدة المدى، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها نحو 3.5 مليون دولار. وبعد تحييد جزء كبير من الدفاع الجوي الإيراني، أصبحت القوات الجوية قادرة على استخدام ذخائر الهجوم المباشر المشترك بصورة أكثر كثافة، وهي ذخائر تقل تكلفتها كثيرا بحسب تجهيزها وقد تهبط إلى أقل من 100 ألف دولار. وكان ذلك مسألة جوهرية بالنسبة إلى البنتاغون، إذ بدأت تكلفة إصابة الهدف الواحد تنخفض، وأصبحت وتيرة الضربات أكثر استدامة.
من الناحية العسكرية، أنجزت الولايات المتحدة بذلك إحدى المهام الرئيسية، إذ حصلت على القدرة على ضرب المنشآت الإيرانية بصورة منتظمة من دون الاضطرار إلى استهلاك أكثر أسلحتها بعيدة المدى ندرة ضد كل هدف.
لكن الأثر الاستراتيجي ظل محدودا.
لم يختف نظام الإدارة الإيراني. وأعيد بناء هياكل القيادة بعد خسارة جزء من الكوادر القيادية. واحتفظت القوات الصاروخية بالقدرة على تنفيذ الضربات. كما استمر استخدام الأنظمة غير المأهولة. والأهم أن واشنطن لم تحصل تلقائيا على نتيجة سياسية مقابل تفوقها الجوي.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين تدمير القدرة العسكرية وإجبار دولة على الاستسلام.
الأولى تنفذها الولايات المتحدة بكفاءة عالية. أما الثانية فلم تتحقق حتى الآن.
أكثر من ألفي طائرة مسيرة و500 صاروخ باليستي: ماذا بقي من القدرة الصاروخية الإيرانية؟
في الأيام الأولى من الحرب، كان حجم الرد الإيراني كبيرا.
وبحسب البيانات التي جمعها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية استنادا إلى تقارير البنتاغون ودول الخليج، كانت إيران قد أطلقت بحلول اليوم الرابع أكثر من ألفي طائرة مسيرة وأكثر من 500 صاروخ باليستي. وكانت بيانات البحرين والكويت والسعودية والإمارات وحدها تشمل في ذلك الوقت نحو 930 طائرة مسيرة و269 صاروخا، أي ما يقرب من نصف إجمالي عمليات الإطلاق المسجلة.
ثم انخفضت الوتيرة بسرعة.
وهذا أحد أهم المؤشرات على حالة القوات المسلحة الإيرانية.
هناك عدة أسباب محتملة لذلك.
أولها التدمير المادي لمنصات الإطلاق والمخازن والمنشآت ومكونات البنية التحتية الإنتاجية.
وثانيها تقلص المخزون المتاح من الصواريخ الباليستية.
وثالثها ضرورة الحفاظ على الأنظمة المتبقية لاستخدامها في حرب طويلة.
ورابعها اضطراب منظومة القيادة بعد الضربات التي استهدفت الكوادر القيادية.
كانت إسرائيل قد أعلنت أنها عطلت، بحلول اليوم السادس عشر، نحو 70 في المئة من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية. ولا يمكن التحقق من هذا الرقم بصورة مستقلة، ولذلك يجب التعامل معه بوصفه تقديرا إسرائيليا. لكن تراجع عدد الرشقات الإيرانية بحد ذاته يدل على أن قدرة طهران على الحفاظ على الوتيرة الأولية تعرضت بالفعل لضربة شديدة.
ومع ذلك، فإن انخفاض الوتيرة لا يعني نفاد الترسانة.
لا تحتاج إيران بالضرورة إلى العودة إلى الرشقات الكثيفة التي شهدتها الأيام الأولى. فالحرب الطويلة تفرض منطقا مختلفا لاستهلاك الذخائر. إذ يمكن لعدد قليل من الصواريخ أو الطائرات المسيرة التي تهدد بانتظام القواعد والمنشآت النفطية والموانئ وحركة الملاحة أن يولد أثرا اقتصاديا أكبر بكثير من حجم الهجوم نفسه.
ولهذا السبب تحديدا، يميز التحليل الأصلي بحق بين قدرة إيران على شن حملة صاروخية واسعة النطاق وبين قدرتها على مواصلة الضغط العسكري من حيث المبدأ.
المشكلة الرئيسية للولايات المتحدة لم تكن الصواريخ الإيرانية بل صواريخها الاعتراضية
يظل التفوق الأمريكي في الأسلحة الهجومية هائلا. لكن الوضع يبدو أكثر تعقيدا بكثير في مجال الدفاع المضاد للصواريخ.
قبل اندلاع الحرب الحالية، قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية المخزون الأمريكي من صواريخ باتريوت بنحو ألفي صاروخ، كان نحو 1600 منها من النسخ الحديثة من طراز باك 3 المطور. وبحلول نهاية يوليو، انخفض المخزون التقديري من باتريوت إلى أقل من ألف صاروخ. أما عدد صواريخ ثاد الاعتراضية المتاحة فكان يقدر بنحو 250 صاروخا.
لا يعني ذلك أن الدفاع الجوي الأمريكي على وشك استنفاد مخزونه بالكامل. لكن معدلات الاستهلاك أصبحت ذات أهمية استراتيجية.
وتبدو الحسابات الصناعية أكثر دلالة.
خلال العقد السابق للحرب، بلغ متوسط المشتريات السنوية للقوات المسلحة الأمريكية من صواريخ باتريوت نحو 225 صاروخا. ويبلغ الإنتاج الأساسي الحالي من صواريخ باك 3 المطورة نحو 650 صاروخا سنويا، يخصص نصفها تقريبا للولايات المتحدة بينما يذهب النصف الآخر إلى العملاء الأجانب. ويعتزم المصنع مستقبلا رفع الطاقة الإنتاجية إلى ألفي صاروخ سنويا، لكن بناء القدرات الصناعية وزيادة الإنتاج يحتاجان إلى وقت.
طلب الجيش الأمريكي 3203 صواريخ باتريوت للسنة المالية 2027. لكن تسليم هذه الطلبية الضخمة، وفقا للخطط الحالية، لن يبدأ إلا في مايو 2029.
أما منظومة ثاد فالوضع فيها أكثر تعقيدا.
فحتى قبل حرب 2026 كان مخزون هذه الصواريخ الاعتراضية محدودا. ويقدر معدل الإنتاج الحالي بنحو 96 صاروخا سنويا. وتخطط شركة لوكهيد مارتن لرفع الطاقة الإنتاجية المحتملة إلى 400 صاروخ سنويا. وطلب الجيش 857 صاروخ ثاد إضافيا، لكن بدء تسليمها متوقع في حدود منتصف عام 2029.
وبالتالي تخضع حرب الدفاع المضاد للصواريخ لمعادلة بسيطة: لا تحتاج إيران إلى تدمير منظومة الدفاع الجوي الأمريكية. يكفي أن تجبرها على استهلاك صواريخها الاعتراضية بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة الأمريكية على تعويض المخزون.
هذا لا يمنح طهران نصرا عسكريا، لكنه يخلق مشكلة في توزيع مورد محدود بين الشرق الأوسط وأوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صراحة أن إعادة مخزونات باتريوت وثاد وتوماهوك إلى مستويات ما قبل الحرب ستستغرق سنوات. وبالنسبة إلى باتريوت وثاد تحديدا، فإن الأمر يتطلب عدة سنوات على الأقل، حتى مع زيادة الإنتاج.
أكثر من ألف صاروخ توماهوك: المشكلة الأمريكية اسمها دورة الإنتاج
الوضع المتعلق بصواريخ توماهوك أكثر دلالة.
بحسب حسابات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استهلكت الحرب ضد إيران أكثر من ألف صاروخ كروز من هذا النوع. في المقابل، لم يتجاوز متوسط المشتريات السنوية من توماهوك خلال السنوات المالية العشر السابقة نحو 86 صاروخا فقط، بينما ظل معدل الإنتاج الفعلي في السنوات الأخيرة دون 200 صاروخ سنويا.
وطلبت البحرية الأمريكية 785 صاروخ توماهوك للسنة المالية 2027. وهذه زيادة جذرية في حجم الطلب، لكن الصاروخ الذي يطلب اليوم لا يصل إلى المخازن غدا. إذ تقدر دورة الإنتاج المخططة بنحو 34 شهرا. ومن المتوقع أن يبدأ تسليم الدفعة الكبيرة الجديدة في مارس 2030، فيما يرجح ألا يكتمل تعويض الكمية المستهلكة في الحملة الإيرانية إلا قرب نهاية عام 2030.
وهذه الفجوة بين القدرة المالية على شراء السلاح والقدرة المادية على إنتاجه هي التي تحمل أهمية استراتيجية.
الولايات المتحدة تمتلك المال.
المشكلة تكمن في الآلات وخطوط الإنتاج والمحركات والإلكترونيات والكوادر المؤهلة وفترات التجميع.
ولهذا لم تعد الحرب مع إيران مجرد صراع في الشرق الأوسط. فهي تمس بصورة مباشرة التخطيط الأمريكي لأزمة محتملة حول تايوان، ودعم أوكرانيا، وتنفيذ الالتزامات التصديرية تجاه الحلفاء.
وفي السنة المالية 2027، تعتزم إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تخصيص نفقات استثنائية الحجم للذخائر. ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى طلب بقيمة 95 مليار دولار للأسلحة ضمن الموازنة الدفاعية، إضافة إلى نحو 21 مليار دولار من التمويل العسكري الإضافي.
وهذا المؤشر غير المباشر يكشف حجم المشكلة بصورة أكثر إقناعا من أي تصريحات سياسية.
الأيام الستة الأولى كلفت مليارات الدولارات: كم تدفع الولايات المتحدة مقابل التفوق؟
للحرب أيضا جانب مالي مباشر.
وفقا لتقديرات البنتاغون التي أوردها تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بلغت النفقات غير المخطط لها خلال الأيام الستة الأولى من العملية نحو 11.3 مليار دولار. وقدر المركز تكلفة الأيام الاثني عشر الأولى بنحو 16.5 مليار دولار. كما أن المبلغ الأولي لم يشمل بعض تكاليف الانتشار المسبق للقوات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، واستبدال جزء من المعدات المفقودة.
وقد قدر المركز وحده أضرار المعدات والبنية التحتية خلال الأيام الستة الأولى بنحو 1.4 مليار دولار.
وبعد تحقيق التفوق الجوي، انخفض متوسط تكلفة اليوم الواحد من الحرب، إذ استعيض جزئيا عن الصواريخ بعيدة المدى بذخائر جوية أرخص ثمنا.
لكن الحرب لم تعد حربا جوية حصرا.
فهي تشمل الإبقاء على تجمع عسكري إقليمي كبير، والدفاع المضاد للصواريخ، وحماية القواعد، والعمليات البحرية، والاستخبارات، وتأمين الملاحة، وفرض الحصار.
ولهذا تحاول طهران تغيير معيار الفاعلية: ليس إلحاق أضرار مادية بالولايات المتحدة تعادل ما تتعرض له إيران، بل رفع نسبة الإنفاق الأمريكي إلى تكلفة الهجوم الإيراني إلى أقصى حد ممكن.
وهنا تحديدا تكتسب الطائرات المسيرة الرخيصة أهمية استراتيجية.
إيران تخسر في الجو لكنها تعوض ذلك بالجغرافيا
لا يزال المورد الإيراني الرئيسي ليس الصاروخ.
إنه مضيق هرمز.
قبل الحرب، كان يمر عبره نحو خمس التدفقات النفطية العالمية. ووفقا للبيانات المحدثة لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط ما كان ينقل عبر هرمز في الربع الرابع من عام 2025 نحو 21.6 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية. وفي الربع الثاني من عام 2026، انهار هذا الرقم إلى 4.9 ملايين برميل.
أي أن الانخفاض بلغ نحو 77 في المئة.
وهذا أثر اقتصادي يمكن مقارنته من حيث أهميته بعملية عسكرية كبرى.
وكانت التداعيات فورية.
ففي مارس، اضطرت السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر والبحرين مجتمعة إلى وقف إنتاج نحو 7.5 ملايين برميل يوميا. وفي أبريل، توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع حجم الطاقة الإنتاجية المتوقفة إلى 9.1 ملايين برميل يوميا.
وفي يوليو، ورغم تكيف السوق جزئيا وإعادة توجيه التدفقات، ظل حجم الإنتاج المتوقف يقدر بنحو 5.5 ملايين برميل يوميا.
وللمقارنة، تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إجمالي الاستهلاك العالمي من الهيدروكربونات السائلة في عام 2026 بنحو 102.7 مليون برميل يوميا. وهذا يعني أن توقفات يوليو الناجمة حصرا عن القيود المحيطة بمضيق هرمز كانت تعادل أكثر من 5 في المئة من الطلب العالمي.
وهذا هو ذراع الضغط الاقتصادي الرئيسي لإيران.
فالاقتصاد الإيراني نفسه لا يمثل سوى نسبة صغيرة من الاقتصاد العالمي. لكن الموقع الجغرافي يتيح لطهران التأثير في سعر مورد تعتمد عليه نسبة كبيرة من التجارة الدولية.
من 21.6 إلى 4.9 ملايين برميل: لماذا لا يمكن إيجاد بديل سريع لهرمز؟
أمكن إعادة توجيه جزء من التدفقات.
فقد رفعت السعودية كميات النفط التي تضخها عبر خط أنابيب الشرق والغرب باتجاه ينبع على البحر الأحمر. ونتيجة لذلك، ارتفعت التدفقات النفطية عبر باب المندب من نحو 5.4 ملايين برميل يوميا في الربع الرابع من عام 2025 إلى 8.1 ملايين برميل في الربع الثاني من عام 2026.
لكن الطرق البديلة محدودة القدرة الاستيعابية.
وهي أطول.
وأكثر تكلفة.
وتخلق نقاط ضعف جديدة.
ولذلك توسعت الاستراتيجية الإيرانية تدريجيا من الضغط على هرمز إلى التهديد بممرات بحرية أخرى. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى باب المندب، الذي تمر عبره الإمدادات السعودية التي أعيد توجيهها.
وهكذا ينشأ نوع من المضاعف الجغرافي للحرب: فمحاولة تجاوز مضيق خطر تنقل جزءا من التدفقات إلى مضيق آخر يحتمل أن يكون خطرا بدوره.
وتسعى طهران بذلك إلى رفع كلفة أمن منظومة التجارة البحرية بأكملها، لا كلفة شحنة نفط بعينها.
خام برنت من 69 إلى 105 دولارات: السوق يكشف ثمن مجرد شائعة عن السلام
يظهر تأثير هرمز بوضوح في تقلبات أسعار النفط.
بعد توقيع المذكرة الأمريكية الإيرانية في يونيو وظهور توقعات بخفض التصعيد، انخفض سعر خام برنت في 2 يوليو إلى نحو 69 دولارا للبرميل.
وعندما استؤنفت الهجمات على ناقلات النفط في أواخر يوليو وتجددت المخاوف بشأن هرمز، ارتفع خام برنت في 23 يوليو إلى 105 دولارات للبرميل.
أي أن الفارق تجاوز 50 في المئة خلال أقل من ثلاثة أسابيع.
وفي 4 أغسطس، أدت الأنباء الإيجابية عن احتمال التوصل إلى اتفاق إلى هبوط خام برنت بنسبة 5.3 في المئة دفعة واحدة خلال جلسة تداول واحدة، ليصل إلى 79.36 دولارا.
وفي 12 أغسطس، عاد السعر إلى نحو 89.5 دولارا.
وتوضح هذه التقلبات أن طهران أصبحت قادرة على التأثير ليس فقط في الإمدادات المادية للنفط، بل أيضا في علاوة المخاطر.
وهذا مهم بالنسبة إلى إيران لأن الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة لا ينشأ فقط من النفقات العسكرية المباشرة.
ارتفاع أسعار النفط يعني وقودا أغلى.
والوقود الأغلى يرفع تكاليف النقل.
وتنتقل تكاليف الطاقة إلى كلفة المنتجات الصناعية.
ويرتفع التضخم.
وتضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وتتباطأ الاستثمارات والاستهلاك.
وهكذا تنشأ سلسلة تبدأ فيها منطقة جغرافية محدودة بالتأثير في سياسات الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.
الاقتصاد العالمي دفع بالفعل ثمن هرمز
تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع المخزونات النفطية العالمية في الربع الثاني بنحو 4.2 ملايين برميل يوميا. وفي الربع الثالث، يتوقع انخفاض إضافي بنحو 3.8 ملايين برميل يوميا.
ولهذا رفعت الإدارة تقديرها لمتوسط سعر خام برنت في الربع الثالث إلى نحو 85 دولارا، ولمتوسط السعر خلال عام 2026 إلى 87 دولارا.
كما تقدر الإدارة إنتاج العالم من الوقود السائل في عام 2026 بنحو 100.8 مليون برميل يوميا، مقابل 106.1 ملايين برميل في عام 2025. أي أن الانخفاض قد يبلغ نحو 5.3 ملايين برميل يوميا.
وفي الولايات المتحدة، أصبح أثر الطاقة ملموسا أيضا.
فقد افترضت توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الصادرة في أبريل أن يصل متوسط سعر التجزئة للبنزين في ذروته إلى نحو 4.30 دولارات للغالون، وأن يتجاوز سعر وقود الديزل 5.80 دولارات. وكان متوقعا أن يزيد متوسط سعر البنزين خلال العام على 3.70 دولارات، وأن يبلغ متوسط سعر الديزل نحو 4.80 دولارات.
وهكذا تتحول الحرب إلى عامل مؤثر في الاقتصاد الداخلي الأمريكي.
لكن هنا تحديدا تظهر اللامتماثلية: الولايات المتحدة تواجه ارتفاع تكلفة الحرب والضغوط التضخمية، بينما تواجه إيران خطر أزمة عميقة في الاقتصاد الكلي.
ولا يمكن اعتبار حجم المشكلتين متساويا.
انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.4 في المئة وتضخم يقترب من 69 في المئة: الحسابات الاقتصادية تعمل ضد طهران
وفقا لأحدث توقعات صندوق النقد الدولي، سينكمش الاقتصاد الإيراني في عام 2026 بنسبة 5.4 في المئة. ومن المتوقع أن يبلغ التضخم 68.9 في المئة. ويقدر الصندوق عدد سكان البلاد بنحو 87.9 مليون نسمة.
وبالنسبة إلى اقتصاد بهذا الحجم، فإن انكماشا يتجاوز 5 في المئة خلال عام واحد لا يعني ركودا عاديا، بل صدمة إنتاجية كبرى.
كما أن الحرب بدأت أصلا فوق قاعدة اقتصادية غير مواتية.
فقبل فبراير، كانت إيران تعاني العقوبات، ونقص الاستثمار الأجنبي المباشر، ومحدودية الوصول إلى التمويل الدولي، والعجز المزمن في الموازنة، ومشكلات العملة، والتضخم الهيكلي.
وأضافت الحرب إلى ذلك التدمير المباشر للمصانع والطرق والسكك الحديدية ومنشآت الطاقة والمطارات وغيرها من عناصر البنية التحتية. وكانت وكالة رويترز قد سجلت منذ أبريل أضرارا كبيرة لحقت بالمصانع ومحطات الكهرباء ومنشآت النقل والقدرات الصناعية.
ويشير التحليل الأصلي إلى تضخم سنوي يبلغ نحو 62 في المئة، كما يلفت إلى وضع بالغ الصعوبة في عدد من المناطق الجنوبية.
وتشير أحدث البيانات الإيرانية أيضا إلى تضخم عند مستوى 62 في المئة، بالتوازي مع تدهور خفي واسع في سوق العمل. ووفقا لبيانات تستند إلى إحصاءات المركز الإحصائي الإيراني، فقد قطاع الصناعة وحده نحو 630 ألف وظيفة خلال الربع الأول من السنة المالية الإيرانية. كما اختفى نحو مليون شخص من قوائم دافعي اشتراكات التأمينات الاجتماعية خلال عام واحد.
وتبدو تركيبة التضخم أكثر دلالة.
فبحسب بيانات المركز الإحصائي الإيراني التي تنقلها مصادر محلية، كانت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في يونيو أعلى بنحو 134 في المئة مقارنة بالعام السابق. وارتفعت أسعار الزيوت والدهون بنحو 278 في المئة، بينما ارتفعت أسعار اللحوم بنحو 172 في المئة.
ومن منظور الاستقرار السياسي، تعد هذه المؤشرات أهم من أي رقم تجريدي لمؤشر أسعار المستهلك.
فالسكان لا يشعرون بمتوسط التضخم، بل يشعرون بكلفة الغذاء والإيجار والنقل والأدوية.
ماذا يعطي معدل البطالة الرسمي صورة مضللة
هناك مشكلة أخرى تتمثل في بنية سوق العمل الإيرانية.
يبدو معدل البطالة الرسمي معتدلا نسبيا، لكن هذا المؤشر لا يشمل ملايين الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل وخرجوا رسميا من قوة العمل.
ووفقا للبيانات الإيرانية المتاحة، يعمل نحو 24 مليون شخص من أصل قرابة 66 مليون مواطن في سن العمل. ويصنف نحو مليوني شخص رسميا ضمن العاطلين عن العمل، بينما يصنف قرابة 40 مليونا على أنهم غير نشطين اقتصاديا، ولذلك لا يدخلون في حساب معدل البطالة.
كما تراجع النشاط الاقتصادي للنساء بصورة حادة. وتشير التقديرات التي تنقلها المصادر الإيرانية إلى انخفاضه من نحو 16 في المئة خلال عامي 2024 و2025 إلى قرابة 11 في المئة في بداية السنة المالية الحالية.
وبالتالي، لا تقتصر المشكلة على عدد الوظائف المفقودة.
بل تتغير أيضا نوعية التوظيف.
فالعمال الصناعيون ينتقلون إلى قطاع الخدمات غير الرسمي.
والعمالة القانونية مدفوعة الأجر تحل محلها مصادر دخل مؤقتة.
كما تضيق القاعدة الضريبية وقاعدة التأمينات الاجتماعية.
وبالنسبة إلى الدولة، يعني ذلك مشكلات إضافية في الموازنة حتى في وضع لا يبدو فيه معدل البطالة الرسمي كارثيا.
النفط هو في الوقت نفسه السلاح الرئيسي لإيران ونقطة ضعفها الرئيسية
قبل الحرب، كانت إيران تنتج أكثر من ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميا وتصدر أكثر من مليوني برميل.
وهذا مصدر بالغ الأهمية لعائدات النقد الأجنبي.
عندما تعرقل الولايات المتحدة الصادرات، تفقد طهران إمكانية الحصول على العملة الأجنبية.
وعندما تقيد إيران الملاحة عبر هرمز، فإنها تلحق الضرر بخصومها، لكنها في الوقت نفسه تحد من قدرتها هي أيضا على بيع النفط.
وهنا تظهر مفارقة اقتصادية.
فكلما زادت فاعلية استخدام طهران لمضيق هرمز كسلاح جيوسياسي، ازداد حجم الضرر الذي تلحقه بنموذجها النفطي الخاص.
وهذا يجعل الإغلاق الكامل والطويل الأمد للمضيق خيارا غير عقلاني اقتصاديا بالنسبة إلى إيران نفسها.
ومن هنا تنشأ منطقية المفاوضات.
فطهران لا تهتم بأن يبقى هرمز مغلقا إلى ما لا نهاية، بل تسعى إلى الحصول على أعلى ثمن ممكن مقابل إعادة فتحه.
وبحسب وكالة رويترز، سعت إيران خلال المفاوضات إلى الحصول على مليارات الدولارات من عائداتها النفطية، وتخفيف القيود على صادرات النفط، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ، والاحتفاظ بدرجة معينة من التأثير في نظام الملاحة عبر المضيق. وفي المقابل، حاولت طهران تأجيل أكثر القضايا تعقيدا، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم ومخزونات المواد المخصبة بنسبة 60 في المئة.
وهذا يوضح أن العامل الاقتصادي أصبح يؤثر بصورة مباشرة في الموقف الدبلوماسي الإيراني.
ما الذي تحاول طهران كسبه تحديدا؟
تتكون الاستراتيجية الإيرانية الحالية من أربعة عناصر مترابطة.
العنصر الأول هو الحفاظ على قدر كاف من الإمكانات الصاروخية والطائرات المسيرة بحيث لا يمكن اعتبار الحرب منتهية بهزيمة عسكرية لإيران.
والثاني هو استخدام مضيق هرمز والتهديد المحتمل بعقد النقل الأخرى لزيادة الكلفة العالمية للصراع.
والثالث هو إرغام الولايات المتحدة على استهلاك الأسلحة النادرة بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاج بدائل لها.
والرابع هو تحويل كل ما سبق إلى تنازلات اقتصادية.
أي أن الهدف الاستراتيجي لم يعد يتمثل في الانتصار على الولايات المتحدة.
بل في إنشاء هيكل من التكاليف يجعل التوصل إلى اتفاق أقل كلفة بالنسبة إلى واشنطن من مواصلة الضغط.
وهنا تحديدا يظهر السؤال الرئيسي.
حتى الآن، تنجح طهران بالفعل في فرض تكاليف على خصومها. لكن الثمن الذي تدفعه إيران مقابل كل دولار إضافي من التكاليف التي تفرضها على الولايات المتحدة يبدو، على الأرجح، أعلى بكثير.
ولهذا لا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تظل فعالة إلا لفترة محدودة.
حدود قدرة إيران لا يحددها عدد الصواريخ بل قدرة الدولة على الصمود
نادرا ما تؤدي العقوبات الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة، في حد ذاتهما، إلى انهيار تلقائي لنظام سلطوي.
فإيران تعيش منذ عقود تحت ضغط العقوبات.
والدولة تمتلك جهازا متطورا للأمن الداخلي.
كما يمتلك الحرس الثوري أصولا اقتصادية خاصة به.
وهناك آليات لدعم السلع ذات الأهمية الحيوية.
وتخضع تدفقات العملات الأجنبية لرقابة صارمة.
كما تمتلك إيران خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات وفي التجارة غير الرسمية.
ولذلك، فإن التنبؤ بانهيار النظام اعتمادا على مستوى التضخم وحده سيكون خطأ.
لكن الحرب تخلق مجموعة من العوامل أكثر خطورة بكثير من العقوبات التقليدية، وهي التضخم المرتفع، والتدمير المادي للبنية التحتية، وتراجع الإيرادات النفطية، وفقدان الوظائف، ومشكلات الطاقة، والخسائر العسكرية.
وتصبح اللحظة الحرجة هي تلك التي تبدأ فيها الدولة بفقدان قدرتها على تمويل الحرب والجهاز الأمني والمدفوعات الاجتماعية وواردات الغذاء وإعادة إعمار البنية التحتية في وقت واحد.
ولهذا تحديدا يحدد التحليل الأصلي الجبهة الداخلية باعتبارها الجبهة التي قد تصبح الأخطر بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية.
مشكلة الوقت بالنسبة إلى الولايات المتحدة سياسية، وبالنسبة إلى إيران اقتصادية
هذه هي اللامتماثلية الأساسية في الحرب.
فالولايات المتحدة تمتلك اقتصادا أكبر بكثير، وسوقا مالية أعمق، وقدرات صناعية تتفوق على نظيرتها الإيرانية بأضعاف كثيرة.
ولا تستطيع إيران استنزاف الولايات المتحدة اقتصاديا بالمعنى الحرفي.
لكنها تستطيع جعل الحرب مزعجة سياسيا.
ارتفاع أسعار البنزين.
زيادة الإنفاق في الموازنة.
المشكلات المتعلقة بمخزونات الذخائر.
الاضطرار إلى الاختيار بين الشرق الأوسط وساحات أخرى.
ضغط الحلفاء.
واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
كل ذلك يقلص الهامش الزمني السياسي المتاح للبيت الأبيض.
وفي 11 أغسطس، عرض الرئيس الأمريكي ترامب فعليا خيارين محتملين للاستراتيجية المقبلة: إما مواصلة الضغط الاقتصادي وانتظار المزيد من إضعاف إيران، وإما رفع حدة العمليات العسكرية مرة أخرى بصورة حادة.
وهذه لحظة دالة.
فالإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى المشكلة حصرا باعتبارها مسألة توجيه ضربات إضافية.
بل أصبحت تختار بين كلفة تصعيد جديد وبين الوقت اللازم لخنق الخصم اقتصاديا.
من يفوز في حرب الاستنزاف؟
إذا قارنا الموارد المطلقة، فإن الإجابة واضحة، إذ تتمتع الولايات المتحدة بتفوق ساحق.
وإذا قارنا الأضرار العسكرية المباشرة، فإن إيران أيضا في وضع أسوأ.
أما إذا حللنا القدرة على الصمود في الاقتصاد الكلي، فإن التفوق الأمريكي يصبح أكبر.
لكن حرب الاستنزاف لا تحددها الكمية المطلقة للموارد، بل العلاقة بين الموارد والأهداف السياسية والزمن.
بالنسبة إلى واشنطن، يجب أن تكون النتيجة الدنيا المقبولة كافية لتبرير النفقات العسكرية وإثبات أن استخدام القوة أدى إلى تغيير سلوك إيران.
أما بالنسبة إلى طهران، فإن الحد الأدنى المقبول أقل بكثير، ويتمثل في الحفاظ على النظام، وعدم تفكيك العناصر الرئيسية للبرنامج الدفاعي، والحصول على قدر من التخفيف الاقتصادي ولو كان جزئيا.
ولهذا فإن عتبة إعلان النصر رسميا أقل بالنسبة إلى إيران.
فإذا بقي نظام الدولة قائما بعد الحرب، وخفف الحصار، وأفرج عن جزء من الأصول المجمدة، واستؤنفت صادرات النفط، وأجلت القضايا الحساسة إلى مفاوضات لاحقة، فسيكون بمقدور القيادة تقديم النتيجة على أنها دليل على أن الضغط العسكري الأمريكي لم يؤد إلى استسلام إيران.
ولهذا تحديدا تحمل إطالة أمد الحرب قيمة سياسية بالنسبة إلى طهران.
ولكن حتى حد معين فقط.
المعادلة الأساسية للحرب تتدهور تدريجيا بالنسبة إلى إيران
يمكن الآن صياغة الاستنتاج التحليلي الرئيسي.
في الأسابيع الأولى، حققت طهران عائدا مرتفعا من التصعيد الأفقي، من خلال الضربات الصاروخية والهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة، والتعطيل الفعلي لحركة هرمز، والصدمة في أسواق الطاقة، والارتفاع الحاد في استهلاك الولايات المتحدة للصواريخ الاعتراضية.
لكن العائد يتراجع مع كل شهر إضافي.
فعدد عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية انخفض.
ودمر جزء من منصات الإطلاق.
وتضررت البنية التحتية للصناعات العسكرية.
وقيدت العائدات النفطية.
ويتقلص الناتج المحلي الإجمالي.
ويقترب التضخم من 70 في المئة.
ويفقد القطاع الصناعي الوظائف.
وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة على زيادة إنتاج الذخائر، وتكيف تكتيكات ضرباتها، وتنتقل من وسائل التدمير مرتفعة التكلفة إلى ذخائر أكثر توافرا حيثما تسمح الظروف العملياتية بذلك.
وبالتالي، ترتفع الكلفة النسبية لمواصلة الحرب بالنسبة إلى الطرفين، لكنها ترتفع هيكليا بوتيرة أسرع بالنسبة إلى إيران.
ومن هنا يمكن تحديد الحد الأكثر ترجيحا للاستراتيجية الإيرانية.
تستطيع طهران مواصلة المقاومة العسكرية لفترة طويلة أخرى. ولا توجد بيانات موثوقة تسمح بتحديد الشهر الذي ستنفد فيه صواريخها أو طائراتها المسيرة. ومحاولات احتساب تاريخ كهذا غير سليمة منهجيا.
لكن يمكن بالفعل تحديد حد آخر.
سيأتي عندما يتوقف كل شهر إضافي من تعطيل هرمز والضغط الصاروخي المحدود عن منح إيران مزايا تفاوضية جديدة، بينما تستمر خسائرها الداخلية في التراكم، في صورة تضخم مرتفع، وتراجع الإنتاج، وانخفاض الدخل، وتدمير البنية التحتية.
وهذه اللحظة تحديدا ستصبح نقطة الاختيار الاستراتيجي.
ليس بين النصر والهزيمة.
بل بين اتفاق يتضمن تنازلات جزئية وبين مواصلة الاستنزاف من دون ضمان الحصول في المقابل على شروط أفضل.
أثبتت إيران أن الولايات المتحدة لا تستطيع القضاء بسرعة على قدرتها على المقاومة. وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة أنها قادرة على تقليص الإمكانات العسكرية والاقتصادية الإيرانية بصورة منتظمة.
وباتت نتيجة الحرب الآن تعتمد على عامل ثالث، وهو القدرة على تحويل الضرر إلى نتيجة سياسية.
فإذا تمكنت طهران في الوقت المناسب من مبادلة السيطرة على هرمز، ووقف الهجمات، وخفض التصعيد الإقليمي، بالإفراج عن الأصول المجمدة، واستعادة صادرات النفط، وتخفيف الحصار، والحصول على ضمانات مقبولة، فإن استراتيجية الاستنزاف ستكون قد أثبتت جدواها جزئيا.
أما إذا لم تسفر المفاوضات عن هذه النتيجة، فستعمل الأرقام بصورة متزايدة ضد إيران.
انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.4 في المئة.
تضخم متوقع يقترب من 69 في المئة.
مئات الآلاف من الوظائف الصناعية المفقودة.
تراجع حركة النفط عبر هرمز من 21.6 مليون برميل يوميا إلى 4.9 ملايين برميل.
وفي الوقت نفسه، تراجع المخزون الأمريكي من صواريخ باتريوت إلى أقل من ألف صاروخ، مع وجود نحو 250 صاروخا من منظومة ثاد، واستهلاك أكثر من ألف صاروخ توماهوك، والحاجة إلى عدة سنوات لاستعادة جزء من المخزونات العسكرية.
وهذا هو التوازن الحقيقي للحرب حتى أغسطس 2026.
لا تزال إيران قادرة على مواصلتها.
ولا تزال الولايات المتحدة قادرة على دفع تكلفتها.
لكن الحسابات الاقتصادية تكشف فارقا جوهريا. فبالنسبة إلى واشنطن، تؤدي الحرب الطويلة قبل كل شيء إلى زيادة تكلفة التزاماتها العالمية وخلق مخاطر سياسية. أما بالنسبة إلى طهران، فإنها تقلص تدريجيا القاعدة المادية للدولة نفسها.
ولهذا لا يعمل الزمن بصورة أحادية لمصلحة إيران، كما يأمل أنصار النهج المتشدد في طهران. فهو يرفع في الوقت نفسه تكلفة الحرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ويخفض كمية الموارد التي ستتمكن إيران من الاحتفاظ بها بعد انتهائها.
وهذه العلاقة، لا عدد الصواريخ الباليستية المتبقية، هي التي ستحدد المدة التي لا تزال الجمهورية الإسلامية قادرة خلالها على مواصلة المواجهة الحالية.