...

تحدثت أوروبا لعقود عن الاستقلالية الاستراتيجية بالطريقة نفسها تقريبا التي يتحدث بها الناس عن اللياقة البدنية الجيدة: كان الجميع يعترفون بفوائدها، لكن قلة فقط كانوا مستعدين لتغيير نمط حياتهم المعتاد.

كانت المقاتلات الأمريكية متاحة. وكانت الصواريخ الأمريكية مجربة. وكانت الاستخبارات الأمريكية تعمل. وكانت الأقمار الصناعية الأمريكية ترى أبعد. وكانت المنظومة اللوجستية الأمريكية تتيح نقل الجيوش. أما الردع النووي الأمريكي فكان يحسم السؤال الأخير والأكثر رعبا في منظومة الأمن الأوروبي.

كان من الممكن الاختلاف مع واشنطن بشأن التجارة والمناخ والصين والشرق الأوسط والضرائب الرقمية، لكن الافتراض ظل قائما في اللحظات الحرجة بأن الولايات المتحدة ستبقى في الموقع الذي شغلته طوال عقود: خلف أوروبا.

أما الآن، فقد بدأت هذه الثقة تتلاشى.

تشهد القارة بداية ثورة دفاعية صامتة. ولا يسعى الاتحاد الأوروبي إلى مجرد زيادة إنتاج الأسلحة. فالمهمة أوسع بكثير: تخليص المنظومات التسليحية الأوروبية إلى أقصى حد ممكن من التقنيات الأمريكية، وإنشاء سلاسل إنتاج خاصة، ومنظومات أقمار صناعية، وبرمجيات، وتقنيات ذكاء اصطناعي، وصواريخ، وطائرات مسيرة، وأنظمة دفاع جوي ووسائل للضربات الدقيقة، ثم امتلاك القدرة على تصديرها وتحديثها واستخدامها من دون الحاجة إلى موافقة سياسية من واشنطن.

وقد جاءت الدفعة من عدة تطورات متزامنة: الخلافات مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، والرسوم الجمركية التجارية، والتهديدات بتقليص المشاركة الأمريكية في حلف شمال الأطلسي، والتحول العام في توجه واشنطن نحو المواجهة مع الصين.

لكن الجزء الأكثر إثارة يبدأ بعد ذلك.

فقد اكتشفت أوروبا فجأة أن شراء الاستقلال أسهل بكثير من بنائه.

واشنطن لا تسيطر على السلاح فقط. بل تسيطر أيضا على حق التصرف فيه

لم تعد المشكلة الرئيسية التي يراها أنصار الاستقلالية الأوروبية في السلاح الأمريكي تتعلق بسعره.

المشكلة تتمثل في لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة.

وُضعت هذه اللوائح الأمريكية لحماية التقنيات العسكرية الأمريكية. لكن النظرة إليها داخل أوروبا تتغير على نحو متزايد، إذ باتت تُعتبر آلية تتيح لواشنطن الاحتفاظ بسيطرة سياسية وتكنولوجية تمتد بعيدا خارج الأراضي الأمريكية.

وتكتسب قاعدة ما يعرف بالتحكم المتسلسل حساسية خاصة.

فإذا احتوت منظومة ما على مكون أمريكي، حتى إن كان محدود الأهمية نسبيا، فقد يصبح تصدير المنظومة بأكملها مرهونا بالحصول على موافقة أمريكية. وفي حالات معينة، يتطلب الأمر موافقة على التصدير والتحديث وحتى نقل المعدات من مكان إلى آخر.

وهذه ليست مشكلة نظرية.

سبق للولايات المتحدة أن عرقلت توريد أقمار «فالكون آي» الفرنسية إلى الإمارات العربية المتحدة، كما عرقلت توريد صواريخ «سكالب» المخصصة لمقاتلات «رافال» المصرية.

وهناك آلية أخرى للتبعية تتمثل في نظام المبيعات العسكرية الخارجية.

فعندما تشتري دولة مقاتلات «إف ٣٥» أو منظومات «باتريوت»، فهي لا تحصل على طائرة أو نظام دفاع جوي فحسب. بل تدخل معها في سلسلة طويلة من خدمات الصيانة التقنية، والتحديثات البرمجية، والذخائر، وقطع الغيار، والتراخيص والإجراءات الإدارية الأمريكية.

وبهذا يتحول شراء السلاح في الوقت نفسه إلى علاقة سياسية.

وهناك مسألة مستقلة أخرى هي البيانات.

فالقانون الأمريكي الخاص بالوصول المشروع إلى البيانات المخزنة خارج الولايات المتحدة، الذي أُقر عام ٢٠١٨، يتيح للسلطات الأمريكية في ظروف معينة مطالبة الشركات الأمريكية بتقديم البيانات حتى عندما تكون الخوادم موجودة فعليا خارج الأراضي الأمريكية.

ومثل هذا النوع من التبعية بالغ الحساسية بالنسبة إلى قطاع الدفاع.

ترتبط برمجيات مقاتلة «إف ٣٥»، بما في ذلك منظومة «أودين»، بالبنية التحتية الأمريكية الخاصة بالتحديث والدعم. ومن الناحية النظرية، تعني التبعية للبرمجيات وقطع الغيار أن استقلالية تشغيل السلاح لا يمكن أبدا أن تعادل استقلالية تشغيل آلة عادية يمكن شراؤها ثم إخضاعها لسيطرة كاملة.

ولهذا تحديدا بدأت ألمانيا ودول أوروبية أخرى في إنشاء نماذجها الخاصة للرقابة، كما باتت تدقق بصورة متزايدة في المكونات الخاضعة للوائح الأمريكية الخاصة بالاتجار الدولي بالأسلحة.

والسبب لا يقتصر على احتمال فرض قيود على التصدير.

فمن أجل الحصول على التراخيص، يضطر المتعاقدون الأوروبيون إلى تقديم معلومات تقنية تفصيلية إلى الجهات التنظيمية الأمريكية. وبالنسبة إلى شركة دفاعية، يعني ذلك احتمال وصول دولة أجنبية إلى معلومات حساسة تتعلق بالمنتجات والتقنيات والعمليات الإنتاجية.

برلين طلبت ٤٠٠ صاروخ توماهوك. ثم اكتشفت أن الأمريكيين أنفسهم يحتاجون إلى الصواريخ الأمريكية

للتبعية جانب آخر أكثر بساطة وواقعية.

فأحيانا لا تمنع الولايات المتحدة أوروبا من شراء السلاح.

بل تكون الولايات المتحدة نفسها بحاجة إليه.

وكانت الأزمة المحيطة بصواريخ «توماهوك» مثالا واضحا. فبعد الاستهلاك المكثف للذخائر الأمريكية في الشرق الأوسط، والذي تجاوز وفقا للتقديرات الأصلية ألف وحدة، ظهر خطر تأخير تنفيذ الطلب الألماني لشراء ٤٠٠ صاروخ.

وبعد المفاوضات، وعد الجانب الأمريكي باستئناف تنفيذ الطلب في أغسطس.

لكن الموقف نفسه كان مزعجا للغاية بالنسبة إلى برلين.

كانت ألمانيا تراهن على الحصول على أداة مهمة للردع بعيد المدى، ثم وجدت نفسها فجأة أمام حقيقة بسيطة: عندما تظهر أولوية أمريكية في الوقت نفسه، يتوقف الطلب الأوروبي عن كونه أولوية.

ولا يُتوقع ظهور بديل أوروبي من الفئة المماثلة قبل عام ٢٠٣٠.

لكن الحرب أو الأزمة أو الحاجة إلى الردع لن تنتظر الجدول الزمني للصناعة الأوروبية.

وهذه هي المعضلة الأساسية لأوروبا: لكي تصبح مستقلة بعد عشر سنوات، يتعين عليها الاستثمار اليوم في صناعتها الخاصة. ولكن لكي تضمن أمنها اليوم، تضطر إلى شراء السلاح الأمريكي.

وكل صفقة شراء عاجلة من الولايات المتحدة تسد عجزا عسكريا آنيا، لكنها تقلص في الوقت نفسه الحيز الاقتصادي المتاح لبناء البديل الأوروبي مستقبلا.

تبعية بنسبة ٥٨ في المئة: أوروبا تدفع لأمريكا ثمن هشاشتها الاستراتيجية

يتضح حجم المشكلة من خلال الأرقام.

تشكل الأسلحة الأمريكية نحو ٥٨ في المئة من المشتريات الدفاعية الخارجية للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ووفقا لحساب آخر، تحصل الولايات المتحدة على نحو ٦٣ في المئة من واردات أوروبا الدفاعية القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي.

لكن حتى هذه الأرقام لا تكشف الصورة كاملة.

تخصص دول الاتحاد الأوروبي ما يصل إلى ٧٨ في المئة من الإنفاق الدفاعي المعني لشراء المنتجات من الموردين الخارجيين. وإلى جانب الولايات المتحدة، تتدفق الأموال إلى منتجي السلاح في كوريا الجنوبية وإسرائيل وبريطانيا.

وعلى خلفية إعادة التسلح الأوروبية العاجلة، تراجعت حصة المشتريات من داخل الاتحاد الأوروبي من نحو ٦٢ في المئة إلى ٤٤ في المئة، بل هبطت في بعض فترات الذروة إلى نحو ٢٢ في المئة.

وفوق ذلك، حتى الأموال الأوروبية تظل محكومة إلى حد بعيد بالاعتبارات الوطنية.

فتوجه الدول ما بين ٧٥ و٨٠ في المئة من العقود المحلية إلى شركاتها الوطنية بدلا من شركات الدول المجاورة داخل الاتحاد الأوروبي.

وهنا تظهر المفارقة.

تمتلك أوروبا قاعدة صناعية ومالية وعلمية هائلة، لكنها لا تزال تتصرف لا باعتبارها سوقا موحدة للسلاح، بل باعتبارها مجموعة من الأنظمة الوطنية المتنافسة.

وتحاول بروكسل تغيير ذلك.

والهدف هو رفع حصة المشتريات الدفاعية من داخل الاتحاد إلى ما لا يقل عن ٥٠ في المئة بحلول عام ٢٠٣٠.

عبارة جديدة على السلاح الأوروبي: خال من القيود الأمريكية

قبل بضع سنوات فقط، كانت الإشارة إلى خلو المنتج من القيود الأمريكية الخاصة بالاتجار الدولي بالأسلحة تمثل في الأساس ميزة تجارية.

أما الآن فقد أصبحت حجة سياسية.

والمنطق بسيط: إذا لم تتضمن المنظومة مكونات أمريكية، فإن قدرة واشنطن على التأثير في تصديرها وتحديثها تتراجع بدرجة كبيرة.

وقد بدأ صندوق الدفاع الأوروبي وبرامج إعادة التسلح التابعة للاتحاد الأوروبي بالفعل في أخذ الاستقلالية التكنولوجية في الاعتبار عند تقييم المشروعات.

وخلال المناقصة الخاصة باستبدال بندقية «جي ٣٦»، اشترطت ألمانيا صراحة ألا يحتوي المنتج النهائي على مكونات تخضع للقيود الأمريكية الخاصة بالاتجار الدولي بالأسلحة.

وكان قرار الدنمارك اختيار منظومة الدفاع الجوي الأوروبية «سامب تي» بدلا من منظومة «باتريوت» الأمريكية أكثر دلالة. ومن بين العوامل السياسية التي أُخذت في الاعتبار مخاطر الرقابة الأمريكية على الصادرات، والتوتر المرتبط بتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بشأن غرينلاند.

وتنتج شركة «إم بي دي إيه» الفرنسية بالفعل صواريخ «ميكا» من دون مكونات أمريكية.

أما شركة «تاكتيكال فوتونيكس» الليتوانية فقد طورت محدد أهداف ليزريا فائق الخفة للطائرات المسيرة يقل وزنه عن كيلوغرامين. وفي المواصفات الأصلية، يُقارن هذا الجهاز بمنظومة «إل ٣ هاريس ويسكام» التي يبلغ وزنها نحو ١٥ كيلوغراما، في حين أن سعره أقل بنحو النصف ولا يحتاج إلى موافقة وزارة الخارجية الأمريكية.

والمنطق نفسه مدمج في منظومة «ثاندارت»، وهي منظومة صاروخية أرضية بعيدة المدى طورتها شركتا «إم بي دي إيه» و«سافران»، وعُرضت في أبريل ٢٠٢٦.

وجرى أول إطلاق، بهدف اختبار تصميم الصاروخ ومنظومة دفعه، في ١٤ أبريل.

ويطبق الأوروبيون المبدأ نفسه على «يورودرون»، وهي طائرة مسيرة كبيرة تطورها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

واكتسب محرك «كاتاليست» الذي تنتجه شركة «أفيو أيرو» أهمية خاصة، إذ صُمم منذ البداية بطريقة تتيح تجنب القيود الأمريكية الخاصة بالاتجار الدولي بالأسلحة.

وفي الوقت نفسه، حصلت شركة «أغيت سنسرز» الفنلندية على عقد من هيئة الدفاع السويدية لتوريد رقائق طيفية قابلة للتحكم برمجيا. وهنا تحاول أوروبا حل مشكلة مزدوجة تتمثل في تقليص اعتمادها في الوقت نفسه على الولايات المتحدة وتايوان في مجال الإلكترونيات الدقيقة المتقدمة والمستشعرات البصرية.

وفي قطاع الطيران تتشكل معادلة أخرى.

حصل مشروع «إدجوينغ» المشترك، الذي يجمع شركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية و«ليوناردو» الإيطالية و«ميتسوبيشي» اليابانية، على عقد بقيمة ٦٫١٤ مليار دولار لتطوير مقاتلة من الجيل الجديد، على أن يكون عام ٢٠٣٥ موعدا مستهدفا.

ويغطي التمويل الأشهر الثمانية عشر الأولى، التي يفترض خلالها استكمال مرحلة تقييم مفهوم البرنامج العالمي للقتال الجوي، قبل الانتقال إلى مرحلة التصميم التفصيلي.

ويحدث ذلك في الوقت الذي يواجه فيه المشروع الفرنسي الألماني لتطوير مقاتلة أوروبية من الجيل السادس مشكلات خطيرة، إذ اصطدم التعاون بخلافات عميقة إلى درجة جعلت التصور الأصلي للمشروع المشترك مهددا فعليا.

أوروبا تنفق أكثر من ٣٠٠ مليار يورو. فلماذا لا يزال السلاح غير كاف؟

الخصم الرئيسي للاستقلالية الدفاعية الأوروبية ليس موجودا في واشنطن.

بل داخل أوروبا نفسها.

تمتلك الولايات المتحدة سوقا دفاعية شبه موحدة.

وتعمل وزارة الدفاع الأمريكية بوصفها المشتري المركزي، وتضع المعايير، وتركز الإنتاج حول عدد محدود من المنصات.

وفي صناعة الدبابات، تشكل عائلة «إم ١ أبرامز»، بما في ذلك «إم ١ إيه ١» و«إم ١ إيه ٢» وتعديلاتهما، مثالا واضحا. فالمنظومة الإنتاجية متمركزة حول الشركة الوحيدة المتبقية لصناعة الدبابات في الولايات المتحدة.

أما النموذج الأوروبي فهو العكس تماما.

فالاتحاد الأوروبي يضم ٢٧ سوقا دفاعية، و٢٧ منظومة موازنات، ودورات تخطيط مختلفة، ومتطلبات وطنية مستقلة، ومصنعين محليين تحميهم الحكومات من أجل الوظائف والضرائب والكفاءات التكنولوجية.

تراهن ألمانيا على دبابة «ليوبارد ٢» وعلى القاعدة الصناعية لشركتي «كي إن دي إس» و«راينميتال».

أما فرنسا فقد دعمت دبابة «لوكلير» لعقود.

وفي الوقت نفسه، لا تزال بولندا ودول أخرى في أوروبا الشرقية تحتفظ بتعديلات مختلفة لمنصات تعود أصولها إلى الحقبة السوفيتية.

ومحاولة إنشاء دبابة أوروبية موحدة تصطدم مرة أخرى بالسياسة.

فمشروع منظومة القتال الأرضية الرئيسية، الذي يفترض أن يحل مستقبلا محل «ليوبارد» و«لوكلير»، يتعثر بسبب المنافسة بين الشركات الفرنسية والألمانية، والخلافات بشأن توزيع الأعمال والتقنيات والملكية الفكرية.

وإذا تغير الوضع السياسي في فرنسا ووصل حزب «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان إلى السلطة، فقد يصبح مستقبل المشروع أكثر غموضا. فقد أظهرت لوبان نفسها موقفا شديد الانتقاد تجاه نقل السيادة الدفاعية إلى مؤسسات أوروبية فوق وطنية.

وهكذا تظهر «مجموعة البوتيكات» الأوروبية.

أسلحة جيدة كثيرة.

منتجون وطنيون كثيرون.

نماذج كثيرة.

سلاسل إنتاج صغيرة.

أسعار مرتفعة.

وفورات حجم ضعيفة.

ينفق الاتحاد الأوروبي سنويا أكثر من ٣٠٠ مليار يورو على الدفاع، وهو مبلغ يقارب حجم الإنفاق الصيني ولا يتجاوزه سوى الإنفاق الأمريكي.

لكن الدراسات المتعلقة بالصناعة الدفاعية الأوروبية تصل إلى استنتاج بالغ الإزعاج: بسبب التجزؤ، تحصل أوروبا مقابل كل يورو تستثمره على قدرات دفاعية تقل بنحو ٣٠ إلى ٤٠ في المئة عما كان يمكن أن تحصل عليه لو امتلكت سوقا موحدة حقيقية.

ست سنوات من الطلبيات مسبقا وحرب يتوقعونها في عام ٢٠٢٩

حتى لو اتفقت الحكومات الأوروبية غدا، فلن يكون من الممكن مضاعفة القدرات الصناعية عدة مرات بين ليلة وضحاها.

تمتلك شركات «راينميتال» و«كي إن دي إس» و«بي إيه إي سيستمز» و«إم بي دي إيه» بالفعل دفاتر طلبيات تمتد لنحو ست سنوات مقبلة.

وفي الوقت نفسه، هناك نقص في الكفاءات المتخصصة.

كما تظل الطاقة مرتفعة التكلفة.

وغالبا ما تنجح الشركات التكنولوجية الصغيرة والمتوسطة في تطوير نموذج أولي جيد، لكنها تعجز بعد ذلك عن تمويل الانتقال إلى الإنتاج الكمي.

وهناك أيضا مشكلة مالية.

رأس المال الاستثماري الأوروبي غير كاف لتوسيع أعمال عدد من شركات التكنولوجيا العميقة الواعدة. ولذلك تضطر هذه الشركات إلى التوجه نحو المستثمرين الأمريكيين، ومع تدفق رأس المال يظهر تدريجيا خطر فقدان السيطرة على التقنيات الاستراتيجية.

كما أن النزعة المحافظة لدى صناديق التقاعد والمستثمرين المؤسسيين، إلى جانب القيود التنظيمية الصارمة، تحد من قدرة المطورين على الوصول إلى رأس المال.

ويحدث كل ذلك على خلفية تقديرات تشير إلى ضرورة استعداد الدول الأوروبية لاحتمال وقوع أزمة عسكرية كبرى في حدود عام ٢٠٢٩. وقد ظهر هذا الإطار الزمني علنا في تصريحات قيادات الدفاع الألمانية وفي تقديرات أجهزة استخبارات أوروبية.

ولا تملك أوروبا عمليا وقتا للدورة التقليدية التي تتطلب عشر سنوات للتصميم، وخمس سنوات للاختبارات، ثم انتقالا بطيئا إلى الإنتاج التسلسلي.

عشر ثغرات في الدفاع الأوروبي وفاتورة تبلغ ٥٠٠ مليار يورو

تحدد التقديرات المتخصصة عشرة مجالات حاسمة ستظل الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية من دونها مجرد شعار.

وتشمل هذه المجالات أنظمة القيادة والسيطرة، والمنصات الآلية، والوسائل البرية بعيدة المدى للضربات الدقيقة وطيران الجيل السادس، والدفاع الجوي متعدد الطبقات، والاستطلاع والاتصالات بالأقمار الصناعية، والوصول المستقل إلى الفضاء، والاستطلاع والمراقبة الجوية المستمرة، والمنصات السحابية العسكرية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية الجوية الاستراتيجية والدعم العملياتي، والحرب الإلكترونية ووسائل قمع دفاعات العدو الجوية.

وتقدر التكلفة التقريبية لسد هذه الثغرات بنحو ٥٠٠ مليار يورو خلال العقد المقبل.

لكن المال يحل نصف المشكلة فقط.

أما النصف الثاني فهو إنهاء التجزؤ.

إجراء الأمن من أجل أوروبا: بروكسل وجدت وسيلة لدفع أوروبا إلى شراء المنتج الأوروبي

تقوم البنية الجديدة على الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية وعلى البرنامج الأوروبي للصناعة الدفاعية.

وقد حُدد الهدف الرئيسي بالفعل: بحلول عام ٢٠٣٠ يجب أن تأتي نسبة لا تقل عن ٥٠ في المئة من المشتريات من منتجات دول الاتحاد الأوروبي.

وأصبح برنامج «إجراء الأمن من أجل أوروبا» أحد الأدوات المالية الرئيسية.

وقد أُنشئ صندوق بقيمة ١٥٠ مليار يورو في مايو ٢٠٢٥، ويوفر للدول تمويلا تفضيليا طويل الأجل من أجل إعادة التسلح على نطاق واسع وتوسيع الإنتاج الدفاعي.

لكن القواعد تتضمن حاجزا مبدئيا.

فلا يجوز أن تتجاوز حصة المكونات والإمدادات القادمة من دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي ٣٥ في المئة في المشروعات المعنية.

وهذا لم يعد مجرد إعلان عن الاستقلالية الاستراتيجية.

بل أصبح آلية مالية لتغيير السوق.

ويظهر أيضا نموذج جديد يتمثل في عقود القدرات الإنتاجية.

فالدولة تدفع للمؤسسة فعليا ليس فقط مقابل الصواريخ أو القذائف التي أُنتجت بالفعل، وإنما أيضا مقابل إبقاء خط الإنتاج في حالة تسمح بزيادة الإنتاج بسرعة وعلى نطاق واسع عند اندلاع أزمة.

وهكذا ينتقل اقتصاد الدفاع الأوروبي من مبدأ «الإنتاج في الوقت المحدد» إلى مبدأ «الاحتياط تحسبا للطوارئ».

وتتيح خطة «الجاهزية ٢٠٣٠»، التي كانت تعرف سابقا باسم «إعادة تسليح أوروبا»، إمكانية تعبئة موارد إضافية تقارب ٨٠٠ مليار يورو بحلول عام ٢٠٣٠.

ومن الصعب تمويل مثل هذا التحول اعتمادا على الموازنات الحكومية وحدها.

ولذلك تتغير النظرة إلى المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة.

حتى وقت قريب، كانت صناديق استثمار كثيرة تنظر إلى إنتاج السلاح باعتباره أصلا غير مرغوب فيه.

أما الآن، فأصبح الأمن يُفسر بصورة متزايدة باعتباره عنصرا ضروريا في التنمية المستدامة.

وفي الوقت نفسه، يريد الأوروبيون تسريع إدخال التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، بما فيها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والروبوتات، وتقليص دورات الاعتماد التقليدية التي تستغرق سنوات طويلة.

ليست جيشا للاتحاد الأوروبي، بل أوروبا بسرعات مختلفة

لا تزال المركزية الكاملة للدفاع في بروكسل مستحيلة سياسيا.

ولذلك يظهر نموذج أكثر واقعية.

يواصل حلف شمال الأطلسي تحديد المتطلبات العسكرية ومعايير التوافق التشغيلي.

أما الاتحاد الأوروبي فيتحول إلى منظم مالي وصناعي يتولى مجالات الإنتاج والبنية التحتية وحركة القوات وأمن الطاقة.

في حين يمكن تنفيذ البرامج المحددة عبر «ائتلافات الراغبين».

فقد تتولى فرنسا، على سبيل المثال، قيادة مجال الضربات بعيدة المدى.

بينما تتولى ألمانيا تطوير الدفاع الجوي.

وليس من الضروري انتظار موافقة الدول السبع والعشرين كلها على كل مشروع.

وقد بدأ هذا المبدأ يترسخ بالفعل ضمن خطة «الجاهزية ٢٠٣٠».

وتنطلق دراسات مركز «بي هورايزن» بشأن «أوروبا ذات السرعتين» من أن قاعدة الإجماع قد تتحول إلى تهديد للكفاءة. إذ تستطيع عدة دول الاتفاق بسرعة أكبر بكثير على عقد دفاعي بمليارات اليوروهات، وبدء الإنتاج، ثم توسيع البرنامج لاحقا ليشمل بقية المشاركين.

وإلا فإن إعادة تسليح أوروبا قد تخسر الحرب لا أمام روسيا ولا أمام الولايات المتحدة، بل أمام إجراءاتها الخاصة لاتخاذ القرار.

منظومة أوروبية شبيهة بستارلينك ومئة قمر صناعي ألماني وفاتورة فضائية تتجاوز ٥٠ مليار يورو

أعمق أشكال تبعية أوروبا اليوم موجود فوق رؤوس الأوروبيين.

نظام تحديد المواقع العالمي.

ستارلينك.

الاستطلاع الأمريكي بالأقمار الصناعية.

من دون بنية تحتية فضائية، يصبح الجيش الحديث أعمى فعليا.

ولهذا يبني الاتحاد الأوروبي درعه الفضائي الخاص.

ويصبح مشروع «آيريس» الذي تزيد تكلفته على ١٠٫٦ مليار يورو المشروع المركزي لتأمين الاتصالات الحكومية والعسكرية المحمية.

كما يفترض أن تحصل منظومة «غاليليو» على وظائف عسكرية أكثر وضوحا وعلى الاعتماد اللازم لذلك.

ويُنظر إلى برنامج «كوبرنيكوس» باعتباره قاعدة مهمة لمراقبة الأرض أوروبيا.

وتستثمر ألمانيا بصورة منفصلة نحو ١٠ مليارات يورو في مجموعة تضم مئة قمر صناعي في مدار أرضي منخفض ضمن مشروع الاتصالات الفضائية من المرحلة الرابعة، الذي يوصف كثيرا بأنه النظير العسكري الألماني لمنظومة «ستارلينك».

وبالتوازي مع ذلك، يجري إنشاء منظومات لاكتشاف التهديدات والتصدي لها.

ويهدف مشروع «عين أودين الثانية» إلى توفير إنذار مبكر بإطلاق الصواريخ.

أما مشروع «تويستر» فيفترض أن يستخدم المراقبة الفضائية لمواجهة التهديدات الصاروخية.

وينضم القطاع الخاص أيضا إلى هذه المنظومة. إذ تطور شركة «ديغنتارا» بنية تحتية مستقلة للمراقبة والاستطلاع الفضائي.

لكن شبكة الأقمار الصناعية الحديثة لا تحتاج فقط إلى المراقبة والحماية.

بل تحتاج أيضا إلى الإصلاح.

ويطور مشروع «أوربت إيد» تقنيات لصيانة الأقمار الصناعية وإعادة تزويدها بالوقود مباشرة في المدار، بما يسمح بإطالة مدة تشغيلها وإجراء مناورات عند الضرورة للابتعاد عن التهديدات.

ثم يأتي السؤال التالي: بأي وسيلة يمكن إطلاق بديل عن قمر صناعي دُمر؟

تعول أوروبا على صاروخ «أريان ٦»، وفي الوقت نفسه تريد إنشاء أسطول تجاري من مركبات الإطلاق الصغيرة والمتناهية الصغر.

ومن المخطط أن يبدأ التوسع الواسع لمثل هذه البنية التحتية خلال الفترة من ٢٠٢٨ إلى ٢٠٣٠.

كما يجري بحث التعاون مع جهات تشغيل ابتكارية مثل شركة «أغنيكول كوزموس» الهندية. فالتكنولوجيا ليست أوروبية، لكنها في الوقت نفسه ليست أمريكية من حيث المبدأ.

وتقدر الاستثمارات الإجمالية في الدرع الفضائي الأوروبي والاتصالات والاستطلاع والبنية التحتية المرتبطة بها بأكثر من ٥٠ مليار يورو خلال عقد واحد.

أوكرانيا تعيد تشكيل المجمع الصناعي العسكري الأوروبي بوتيرة أسرع من أي توجيهات تصدرها بروكسل

الجزء الأكثر إثارة للدهشة في التحول الدفاعي الأوروبي لا يوجد في باريس ولا في برلين.

إنه موجود على الجبهة الأوكرانية.

وضعت الالتزامات الأمنية المشتركة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، التي أُقرت في يونيو ٢٠٢٤، الأساس الرسمي للتعاون الصناعي، بما في ذلك حماية الملكية الفكرية وإنشاء سلاسل إنتاج متكاملة ومتكاملة الوظائف.

وتحصل أوكرانيا فعليا على وضع الشريك الخاص للصناعة الدفاعية الأوروبية حتى قبل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وقد جرى تثبيت دمج المجمع الصناعي العسكري الأوكراني في كل من الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي والاستراتيجية الأوروبية للصناعة الدفاعية.

ومن المفترض أن تعمل المجموعة الأوروبية الأوكرانية الخاصة التابعة للمفوضية الأوروبية على تحويل الاحتياجات القصيرة الأجل للجبهة إلى برامج طويلة الأجل للإنتاج الصناعي.

والسبب بسيط.

لقد علمت أوكرانيا أوروبا ما لم تكن البيروقراطية الدفاعية في زمن السلم قادرة على تعلمه بمفردها قط: السلاح الحديث قد يصبح متقادما أحيانا لا خلال عقود، ولا حتى خلال سنوات.

بل خلال أسابيع.

خوارزمية الطائرة المسيرة.

ترددات الاتصال.

وسيلة الحرب الإلكترونية.

البرمجيات.

طريقة التوجيه.

يتكيف الخصم، فتفقد التكنولوجيا تفوقها.

وبالتالي، يصبح تحديث البرمجيات مرة كل بضع سنوات بلا معنى.

المطلوب دورات تحديث أسبوعية.

تحولت أوكرانيا إلى ميدان اختبار حقيقي للتقنيات الغربية، حيث تتقلص الفترة من النموذج الأولي إلى اكتساب الخبرة القتالية أحيانا من عدة سنوات إلى بضعة أشهر.

وتكتسب منظومة إدارة القتال «دلتا» أهمية خاصة، إذ دمجت بيانات الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والرادارات ومصادر أخرى في بيئة رقمية موحدة ومحمية. ويُنظر إلى بنيتها باعتبارها أحد النماذج المرجعية للمعايير الأوروبية الجديدة للقيادة والسيطرة.

لكن الانقلاب الحقيقي حدث في مجال الطائرات المسيرة.

تنتج أوكرانيا ما يصل إلى ٢٠٠ ألف طائرة مسيرة بمنظور الشخص الأول شهريا.

أما الأوروبيون فأصبحوا يفكرون ليس في آلاف الوحدات، بل في إنشاء قدرات تسمح بإنتاج ملايين الطائرات المسيرة والذخائر سنويا.

وتنظم شركة «كوانتوم سيستمز» الألمانية ومطورون هولنديون الإنتاج مباشرة داخل الأراضي الأوكرانية، أو ينشئون منظومات تعاون وثيقة مع الشركات الأوكرانية.

وتنتج مجموعة «تشيكوسلوفاك غروب» التشيكية صواعق وعبوات لذخائر عيار ١٥٥ مليمترا، ثم يجري التجميع النهائي داخل أوكرانيا.

وهناك جبهة أخرى أقل وضوحا، لكنها بالغة الأهمية: البطاريات.

بدأت الشركات الأوكرانية باستبدال المكونات الصينية بخلايا ليثيوم من شركة «سامسونغ» الكورية الجنوبية، وتجميع حزم البطاريات، بما في ذلك تكوينات تتألف من ست خلايا موصولة على التوالي ومجموعتين موصولتين على التوازي، لاستخدامها في الطائرات المسيرة ومنظومات الحرب الإلكترونية وإمدادات الطاقة للمواقع والخنادق.

وكانت الصين تؤمن سابقا ما يصل إلى ٩٠ في المئة من سوق هذه المكونات.

وبعد فرض بكين قيودا صارمة على تصدير مكونات الطائرات المسيرة، تحولت هذه التبعية إلى نقطة ضعف مباشرة.

وهكذا تلاقى الاختبار الأوكراني، بصورة غير متوقعة، مع الاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى تقليص الاعتماد ليس على الولايات المتحدة فقط، بل على الصين أيضا.

هل يكفي انتظار رحيل ترامب؟ لا

هذا واحد من أخطر الإغراءات في السياسة الأوروبية.

يمكن افتراض أن التوتر الحالي مرتبط في المقام الأول بالرئيس الأمريكي ترامب، وأن العلاقات عبر الأطلسي ستعود بعد تغير الإدارة إلى نموذجها التقليدي.

لكن الاستراتيجيين الأوروبيين ينظرون بصورة متزايدة إلى هذا الافتراض باعتباره خاطئا.

وقد صاغت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس المشكلة بوضوح شديد: أوروبا لم تعد مركز الثقل الرئيسي في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا التحول بنيوي وليس مؤقتا.

واشنطن تنظر نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

والصين تتحول إلى المنافس الرئيسي طويل الأمد للولايات المتحدة.

وتكتسب منطقة المحيط الهادئ، والحرب عالية التكنولوجيا، والفضاء، والقوات تحت سطح البحر، والصواريخ بعيدة المدى، والأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة في التخطيط العسكري الأمريكي.

وحتى الموازنات الدفاعية القياسية لا تعني استعدادا تلقائيا لمواصلة تمويل البنية العالمية القديمة إلى ما لا نهاية.

تدير الولايات المتحدة شبكة تضم نحو ٧٥٠ قاعدة ومنشأة عسكرية في قرابة ٨٠ دولة.

وتقدر كلفة الحفاظ على هذه البنية التحتية العالمية بنحو ٥٥ إلى ٨٠ مليار دولار سنويا.

وعلى خلفية عجز الموازنة والدين العام القياسي، لن تتراجع الضغوط الرامية إلى تقليص هذه النفقات، بل ستزداد.

ولذلك من غير المرجح أن تختفي مطالب واشنطن للأوروبيين بزيادة مساهمتهم في أمنهم بمجرد رحيل رئيس بعينه.

مقاتلات إف ٣٥ تُشترى اليوم. لكن التبعية قد تستمر حتى ثمانينيات هذا القرن

هناك سبب آخر يجعل العودة ببساطة إلى النظام القديم أمرا مستحيلا.

فالأسلحة الحديثة تبقى في الخدمة لعقود.

ومقاتلة «إف ٣٥» التي تُشترى اليوم ستخضع للتحديثات، وتحصل على تحديثات برمجية وذخائر جديدة وقطع غيار طوال فترة تشغيل شديدة الطول.

وتشير بعض التقديرات إلى أن التبعية للبنية التحتية المرتبطة بها قد تستمر حتى ثمانينيات القرن الحالي.

لم يعد هذا عقد تصدير عاديا.

إنه زواج تكنولوجي يمتد نصف قرن.

ومن الصعب تصور أن تتخلى أي إدارة أمريكية طوعا عن الميزة السياسية التي يوفرها موقع المورد لأكثر من ٥٨ في المئة من المشتريات الخارجية للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

فالتبعية العسكرية تتحول بصورة شبه حتمية إلى ورقة تفاوض في النزاعات التجارية والدبلوماسية على حد سواء.

لكن بولندا لا تريد توديع أمريكا

هنا تحديدا ينقسم المشروع الأوروبي.

تظل فرنسا أحد أهم المراكز الفكرية والسياسية لفكرة الاستقلالية الاستراتيجية.

ويواصل الرئيس إيمانويل ماكرون الدفع باتجاه الاستقلال الدفاعي الأوروبي.

لكن حتى المؤسسة العسكرية الفرنسية تقاوم محاولات المفوضية الأوروبية تحديد الاحتياجات العسكرية الوطنية، معتبرة ذلك مجالا من مجالات سيادة الدولة.

أما ألمانيا فتتبنى موقفا أكثر حذرا.

وفي عهد المستشار فريدريش ميرتس انتقلت برلين إلى واقعية أكثر صرامة في السياسة الخارجية، لكن حلف شمال الأطلسي لا يزال يمثل أساس الأمن الألماني. وتريد ألمانيا تعزيز المجمع الصناعي العسكري الأوروبي، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالمظلة الأمريكية.

ويتجلى هذا المنطق بصورة أقوى في بولندا ودول البلطيق ورومانيا وتشيكيا.

فبالنسبة إليها، روسيا ليست مشكلة استراتيجية مجردة، بل تهديد مباشر.

أما الولايات المتحدة فتُعتبر الحليف الوحيد القادر على توفير الطيران الاستراتيجي، والاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي، والأسلحة الصاروخية، والردع النووي، والقوات البرية الكبيرة بسرعة.

وتعد بولندا المثال الأبرز.

تشتري وارسو دبابات «أبرامز»، ومنظومات «هايمارس»، ومقاتلات «إف ٣٥»، وفي الوقت نفسه تشتري كميات كبيرة من الأسلحة من كوريا الجنوبية.

والنهج البولندي شديد البراغماتية: إذا كانت هناك حاجة إلى السلاح الآن، فلن تنتظر وارسو عشر سنوات حتى تتفق فرنسا وألمانيا على كيفية توزيع حقوق الملكية الفكرية.

ولهذا تؤثر سياسة الرئيس ترامب في أوروبا في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه.

فهي تدفع أوروبا الغربية نحو مزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة.

أما أوروبا الشرقية فتدفعها نحو ارتباط عسكري أوثق بواشنطن.

وكلما ازدادت الأحاديث عن احتمال الانسحاب الأمريكي، أصبحت بعض الدول أكثر استعدادا لشراء الأسلحة الأمريكية، من أجل جعل هذا الانسحاب أقل جاذبية سياسيا واقتصاديا للولايات المتحدة نفسها.

أوروبا تريد تحويل الخوف من الحرب إلى ثورة صناعية جديدة

هناك جانب آخر يضيع عادة وسط النقاشات عن الدبابات والصواريخ.

فالاستقلالية الدفاعية لا تُعتبر في بروكسل مشروعا عسكريا فقط.

إنها مشروع لإعادة التصنيع.

وتشكل الاستثمارات المتوقعة البالغة ٥٠٠ مليار يورو خلال عقد نحو ٠٫٢٥ في المئة من إجمالي الناتج المحلي المتوقع للاتحاد الأوروبي خلال تلك الفترة.

وتبدو هذه الأموال للوهلة الأولى مجرد نفقات.

لكن التكنولوجيا الدفاعية نادرا ما تبقى عسكرية حصرا.

فالذكاء الاصطناعي السيادي الذي تطوره شركات مثل «ميسترال للذكاء الاصطناعي» و«هيلسينغ»، وأجهزة الاستشعار الكمية، والمواد الجديدة، والاتصالات بالأقمار الصناعية، والروبوتات، وصواريخ الإطلاق «أريان ٦»، كلها تمتلك إمكانات مدنية هائلة.

وتأمل أوروبا أن تخلق الطلبيات الدفاعية سوقا مضمونة لشركات التكنولوجيا العميقة، بما يسمح لها بالتوسع داخل الاتحاد الأوروبي، ثم المنافسة عالميا من دون القيود الأمريكية الخاصة بتجارة الأسلحة الدولية.

ويبدو قطاع الفضاء المثال الأكثر وضوحا.

ففي عام ٢٠٢٥ نفذت شركة «سبيس إكس» ١٧٠ عملية إطلاق.

وبالنسبة إلى أوروبا، يمثل هذا الرقم تذكيرا بالفجوة الهائلة.

ولهذا يجري إلى جانب «أريان ٦» تطوير مركبات إطلاق صغيرة ومتوسطة.

وبالتوازي مع ذلك، تظهر تصورات لمصانع صغيرة معيارية لإنتاج الذخائر، من بينها حلول تعمل عليها منظمة «تي إن أو» الهولندية.

والمنطق بسيط: بدلا من عدد محدود من المصانع العملاقة المعرضة للهجوم والمعتمدة على سلاسل توريد دولية معقدة، تريد أوروبا إنشاء بنية صناعية أكثر توزيعا ومرونة.

وإذا تحقق ذلك، فقد تتحول إعادة التسلح العسكري إلى أكبر مشروع صناعي أوروبي منذ عدة عقود.

الخصم الرئيسي لأوروبا ليس أمريكا. بل أوروبا نفسها

لدى الاتحاد الأوروبي رأس المال.

ولديه الجامعات.

ولديه صناعة جوية وفضائية.

ولديه صناعة السيارات والهندسة الميكانيكية.

ولديه «إيرباص» و«إم بي دي إيه» و«راينميتال» و«ليوناردو» و«بي إيه إي سيستمز» و«كي إن دي إس» و«سافران»، وعشرات الشركات التكنولوجية من الجيل الجديد.

ولديه منظومات فضائية.

ولديه نظام ملاحة خاص به.

ولديه سوق ضخمة.

ولديه الخبرة الأوكرانية في الحرب الحديثة.

ولديه فهم سياسي للمشكلة.

ووفقا للتقديرات، يمكن تحقيق السيادة التكنولوجية في المنصات الرئيسية والذخائر والأنظمة المحددة بالبرمجيات خلال فترة تتراوح تقريبا بين خمس وسبع سنوات.

لكن هناك عنصرا لا يمكن إنتاجه في مصنع.

الإرادة السياسية.

تستطيع أوروبا بناء محرك صاروخي خاص بها.

لكن جعل فرنسا وألمانيا تتفقان على من سيحصل على العقد الرئيسي أصعب بكثير.

يمكن تصميم دبابة ممتازة.

لكن لا يمكن تحقيق وفورات الحجم إذا أصرت كل دولة على الحصول على نسختها الخاصة.

يمكن استثمار ١٥٠ مليار يورو من خلال برنامج العمل الأمني من أجل أوروبا، وتعبئة ما يصل إلى ٨٠٠ مليار من خلال خطة الجاهزية ٢٠٣٠، واستثمار ٥٠٠ مليار خلال عقد لسد الفجوات التكنولوجية، وأكثر من ٥٠ مليار في الاستقلال الفضائي.

لكن لا توجد أي أموال قادرة على تعويض نظام تستطيع فيه ٢٧ دولة تعطيل بعضها بعضا.

ولهذا فإن التحول الدفاعي الأوروبي الحالي أعمق بكثير من مجرد دورة جديدة لإعادة التسلح.

إنه اختبار للنموذج الأوروبي نفسه.

على مدى عقود، أثبت الاتحاد الأوروبي أن الدول قادرة على التخلي عن جزء من سيادتها الاقتصادية من أجل السوق المشتركة.

ثم ظهرت العملة الموحدة.

وبعد ذلك ظهرت الهيئات التنظيمية المشتركة.

أما الآن فيبرز السؤال الأصعب: هل يستطيع الأوروبيون توحيد جزء من المجال الذي كانت الدول دائما أكثر حرصا على حمايته من أي مجال آخر، أي القدرة على خوض الحرب وضمان أمنها؟

والجواب سيحدد ما هو أكبر بكثير من مصير عقود «راينميتال» أو «إم بي دي إيه» أو «لوكهيد مارتن».

إذا نجح المشروع، فستتمكن أوروبا للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة من التحول من منطقة تعيش تحت المظلة الاستراتيجية الأمريكية إلى مركز مستقل للقوة العسكرية والتكنولوجية.

أما إذا فشل، فستمنحها مئات المليارات من اليوروهات مزيدا من الدبابات، ومزيدا من الصواريخ، ومزيدا من الطائرات المسيرة، ومزيدا من الأقمار الصناعية، لكنها لن تمنحها بالضرورة مزيدا من الحرية الاستراتيجية.

لأن امتلاك السلاح وحده لا يجعل الدولة ذات سيادة.

فالسيادة تبدأ عندما لا يعود أي طرف خارجي قادرا على أن يقرر ما إذا كان يحق لك إنتاج هذا السلاح، أو تحديثه، أو تصديره، أو إطلاقه، أو تحديث برمجياته، أو استخدامه.

وهذا هو الحق الذي تستعد أوروبا الآن لدفع مئات المليارات من أجله.