...

يفتح الاتفاق الموقَّع أمام الشركات الأمريكية سوقاً بقيمة عشرات الملايين من الدولارات، ويقرّب الرياض من دورة الوقود النووي الخاصة بها، ويضع إسرائيل أمام تهديد لا يمكن إزالته حتى بالاعتراف الدبلوماسي.

تخوض الولايات المتحدة حرباً ضد البنية التحتية النووية الإيرانية، مبررة ذلك بضرورة منع ظهور دولة نووية أخرى في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، توقّع واشنطن اتفاقاً من شأنه أن يقرّب المملكة العربية السعودية من تقنيات تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.

في هذا التناقض تكمن الحبكة الرئيسية للسياسة الأمريكية الجديدة.

تحاول إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إثبات أن البرنامج النووي السعودي سيكون سِلمياً ومُداراً وآمناً. غير أن قضية منع الانتشار النووي لم تقتصر يوماً على نوايا القيادة الحالية، بل تبنى حول الإمكانيات والبنية التحتية والتقنيات التي قد تنتقل يوماً ما إلى سيطرة أشخاص آخرين تماماً.

لا تُعدّ المملكة العربية السعودية اليوم خصماً لإسرائيل، بل إن الرياض وإسرائيل تجمعهما مصلحة مشتركة في ردع إيران. لكن المحطة النووية تُبنى لتعمل من 60 إلى 80 عاماً، والاتفاق يُبرَم لعقود، بينما التحالفات السياسية في الشرق الأوسط قد تنهار أحياناً خلال أشهر معدودة.

لهذا السبب، لا تنظر إسرائيل إلى محمد بن سلمان وحده، بل تنظر إلى السعودية في أربعينيات وخمسينيات هذا القرن؛ دولة قد تمتلك بنية تحتية نووية صناعية، ومتخصصين مدرَّبين، واحتياطيات من اليورانيوم، والحق في اتخاذ قرارات مستقلة بشأن تطوير دورة الوقود.

لهذا السبب تحديداً، فإن الاتفاق الذي قُدّم كصفقة طاقة كبرى، قادر على تغيير الهيكل الاستراتيجي للمنطقة بأكملها.

توقيع الاتفاق.. لكن الصراع الحقيقي بدأ للتو

في 22 يوليو 2026، وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان اتفاقاً للتعاون في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية. وإلى جانبه، تم إبرام وثيقة منفصلة بشأن الضمانات الثنائية وإجراءات الرقابة.

وصفت وزارة الطاقة الأمريكية الاتفاق بأنه اتفاق بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954. وتتحدث واشنطن رسمياً عن شراكة متعددة السنوات بقيمة مليارات الدولارات، وتسهيل وصول الشركات الأمريكية إلى البرنامج النووي السعودي، وخلق فرص عمل، وتعزيز سلاسل التوريد الأمريكية. بينما تؤكد الرياض على تنويع مصادر الطاقة، ونقل التكنولوجيا، والالتزام بالمعايير الدولية للأمن ومنع الانتشار.

هذه ليست مذكرة تفاهم ولا إعلاناً سياسياً، بل تم توقيع أساس قانوني لا يمكن للشركات الأمريكية بدونه تزويد السعودية بمفاعلات كبيرة، أو وقود نووي، أو مكونات حاسمة، أو فئات معينة من التقنيات.

ومع ذلك، لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ بعد.

يتعين على الإدارة إحالة الاتفاق إلى الكونغرس مرفقاً بتقييم لمخاطر الانتشار النووي، واستنتاجات الهيئات المختصة، وتحديد رئاسي بأن التعاون لا يشكل تهديداً غير مقبول للدفاع والأمن الأمريكيين. بعد ذلك، تبدأ فترة مراجعة مدتها 90 يوماً من الجلسات المستمرة للكونغرس.

إذا لم يتضمن الاتفاق استثناءات من المادتين الإلزاميتين في المادة 123، فيمكن أن يدخل حيز التنفيذ بعد انقضاء هذه الفترة، ما لم يصدر الكونغرس قراراً مشتركاً بالرفض. وفي حال استخدام الفيوت الرئاسي، سيحتاج معارضو الاتفاق إلى أغلبية معززة لتجاوزه.

بناءً على ذلك، فإن الصياغة التي تفيد بأنه يجب على الكونغرس "الموافقة" على الاتفاق ليست دقيقة تماماً. في الإجراءات العادية، لا يتعين على المشرعين الموافقة عليه بأغلبية الأصوات، بل عليهم التحرك لإيقافه في الوقت المناسب. وهذا يعزز موقف البيت الأبيض بشكل كبير، خاصة مع سيطرة الجمهوريين على كلا المجلسين.

لكن الثمن السياسي لمثل هذا التصويت سيكون باهظاً. سيتحتم على المشرعين التقرير في ما هو أشد خطراً: منح الرياض الوصول إلى تقنيات حساسة تحت الرقابة الأمريكية، أم دفع السعودية نحو الصين وروسيا وموردين آخرين قادرين على تقديم شروط أقل قسوة.

هذا الخيار بالذات هو ما تنوي إدارة ترامب فرضه على الكونغرس.

النص الرئيسي محجوب والبيت الأبيض يناقض نفسه بالفعل

الميزة الأكثر إثارة للقلق في الاتفاق هي غياب النص المنشور.

تتضمن البيانات الرسمية الصادرة عن الولايات المتحدة والسعودية صياغات عامة حول الطابع السلمي للبرنامج، والمعايير العالية للأمان، وتعزيز نظام منع الانتشار. لكنها لا توضح ما إذا كان للرياض الحق في تخصيب اليورانيوم، أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، أو بناء منشآت ذات صلة، أو السعي للحصول على هذا الحق في المستقبل.

وفقاً لرويترز والأسوشيتد برس والصحافة الأمريكية، فإن الاتفاق ممتد لنحو 30 عاماً، ويمهّد الطريق لبناء مفاعلات ذات تصميم أمريكي، وينص على دراسة تستغرق عامين لإمكانية إنشاء قدرات لتخصيب اليورانيوم في السعودية. وتشير بعض التقارير إلى أن الاتفاق لا يتضمن أيضاً التزاماً من الرياض بتوقيع البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في اليوم التالي للتوقيع، صرح الرئيس الأمريكي ترامب بعكس ذلك تماماً: لن يكون هناك تخصيب، والتعاون يقتصر حصرياً على المنشآت النووية السلمية و"غير المخصبة"، وإن دخول الاتفاق حيز التنفيذ يعتمد كلياً على انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهيم والاعتراف بإسرائيل.

وعزز البيت الأبيض هذا الموقف. إذ صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بأن الصفقة لن تتم بدون تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. ولم تؤكد الرياض علناً قبولها بهذا الشرط.

وهنا تبرز ثلاثة تفسيرات محتملة.

الأول: التسريبات غير صحيحة، والنص الموقّع يحظر بالفعل أي تخصيب.

الثاني: المعاهدة لا تسمح بالتخصيب فوراً، لكنها تنشئ إجراءات تسمح للطرفين، بعد دراسة تستغرق عامين، بإبرام اتفاق إضافي أو إجراء تعديلات. في هذه الحالة، تصف كلمات ترامب المرحلة الأولية، لكنها لا تستبعد دورة الوقود السعودية في المستقبل.

الثالث: الرئيس، بعد مواجهته رد فعل حاد من إسرائيل والمؤيدين الأمريكيين لسياسة منع الانتشار الصارمة، حاول إعادة تعريف الوثيقة الموقعة بالفعل من الناحية السياسية.

لا يمكن استبعاد السيناريو الأخير. في البيان الأولي لوزارة الطاقة الأمريكية، لم يُذكر شرط الاعتراف بإسرائيل. كما لم تذكر وكالة الأنباء السعودية الرسمية أن تنفيذ المعاهدة يعتمد على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. ظهرت المسألة في الفضاء العام فقط بعد المنشورات الناقدة التحذيرات من سباق تسلح نووي إقليمي.

وينتج عن ذلك بناء قانوني غير عادي للغاية: يوقع وزيران اتفاقاً دولياً، وبعد ذلك يعلن رئيس أحد الطرفين شرطاً سياسياً إضافياً غير موجود في البلاغ الرسمي للتوقيع.

وحتى نشر النص الكامل، من المستحيل تحديد ما إذا كان تطبيع العلاقات مع إسرائيل التزاماً قانونياً، أو شرطاً لتوجيه الرئيس للوثيقة إلى الكونغرس، أو أداة ضغط يمكن لترامب تخفيفها لاحقاً.

هذا التباين بالذات بين المعاهدة والتسريبات والتصريحات الرئاسية هو الأكثر خطورة اليوم من أي تطمينات علنية.

المادة 123: رقابة قوية ولكنها ليست حظراً على العتبة النووية

الاتفاق بموجب المادة 123 لا ينقل قنبلة نووية إلى السعودية ولا يسمح ببرنامج عسكري، بل ينشئ إطاراً قانونياً للتعاون المدني.

يتطلب قانون الطاقة الذرية الأمريكي من مثل هذه الاتفاقيات الامتثال لتسعة معايير أساسية لمنع الانتشار. المواد والمعدات المنقولة يجب أن تظل تحت الضمانات، ولا يمكن استخدامها لجهاز تفجير نووي أو أي غرض عسكري آخر، ولا يمكن نقلها إلى أطراف ثالثة دون موافقة الولايات المتحدة. وتحتفظ واشنطن بحقوق الرقابة على استخدام التقنيات الأمريكية، وفي ظروف معينة يمكنها المطالبة بإعادة المواد والمعدات.

ومع ذلك، فإن المادة 123 في حد ذاتها لا تلزم الشريك بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك إلى الأبد.

مثل هذا التخلي ينتمي إلى معيار سياسي أشد يُعرف باسم "المعيار الذهبي". وكان نموذجه الاتفاق الأمريكي الإماراتي لعام 2009. إذ تخلي الإمارات العربية المتحدة طوعاً عن التخصيب وإعادة المعالجة الوطنيين. وحصلت الولايات المتحدة على حق إنهاء التعاون إذا أنشأت أبوظبي بنية تحتية نووية حساسة. كما وقّعت الإمارات البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي دخل حيز التنفيذ في ديسمبر 2010.

لم توافق السعودية على مثل هذه القيود.

الرياض طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولديها اتفاق ضمانات شاملة ساري المفعول مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في عام 2024، ألغت المملكة بروتوكول الكميات الصغيرة المُبسط وانتقلت إلى نظام الضمانات الكامل للمنشآت المعلنة. كانت هذه خطوة ضرورية قبل تطوير طاقة نووية كبيرة.

لكن نظام الضمانات الكامل ليس كافياً لاكتشاف جميع الأنشطة غير المعلنة.

يوسع البروتوكول الإضافي قائمة المعلومات التي يتعين على الدولة تقديمها للوكالة الدولية، ويمنح المفتشين فرص وصول أوسع إلى المنشآت المرتبطة بدورة الوقود النووي. إن وجود الضمانات الشاملة والبروتوكول الإضافي معاً هو ما يتيح للوكالة التوصل إلى استنتاج أكثر إقناعاً ليس فقط بشأن عدم تحريف المواد المعلنة، بل وأيضاً بشأن عدم وجود مواد وأنشطة نووية غير معلنة.

لم تطبق السعودية البروتوكول الإضافي.

يأخذ التشريع الأمريكي هذه المشكلة في الاعتبار. ووفقاً لدراسة محدثة لخدمة أبحاث الكونغرس، فإن غياب البروتوكول الإضافي يعقد إرسال تقييم مخاطر الانتشار إلى الكونغرس، على الرغم من أنه يمكن للإدارة تجاوز هذا القيد من خلال تقرير خاص عن الأمن القومي. بعبارة أخرى، هذا عائق سياسي وإجرائي، ولكنه ليس حظراً قانونياً لا يمكن تجاوز.

لذلك، فإن الخلاف ليس حول ما إذا كان البرنامج السعودي سيكون تحت شكل من أشكال الرقابة؛ إذ ستكون هناك رقابة.

السؤال هو ما إذا كانت ستكون عميقة بما فيه الكفاية لدولة ربطت قيادتها علناً قراراتها النووية بسلوك إيران.

الرياض لا تحتاج إلى الميجاوات فحسب

توجد لدى السعودية أسباب اقتصادية مقنعة لتطوير الطاقة النووية.

في عام 2023، أنتجت البلاد نحو 453 تيرابايت-ساعة من الكهرباء. وفر الغاز الطبيعي نحو 62 في المائة منها، والنفط والمنتجات النفطية 38 في المائة، والأشكال المتجددة أقل من واحد في المائة. واصل الاستهلاك النمو، وفي يونيو 2024، بلغ الاستخدام المحلي للنفط الخام والفيول للتوليد نحو 1.419 مليون برميل يومياً.

بالنسبة لأكبر مصدر للنفط، فإن حرق هذه الكمية من الهيدروكربونات داخل البلاد يعني خسارة إيرادات التصدير. والمحطات النووية قادرة على توفير حمل القاعدة، مما يحرر الغاز والنفط للتصدير والبتروكيماويات والصناعة.

يضاف إلى ذلك الاحتياجات المتزايدة للمشاريع الضخمة، والصناعات المعدنية، والتعدين، وتحلية المياه، والبنية التحتية الرقمية، ومراكز معالجة البيانات المستقبلية. يتطلب نموذج التنمية السعودي كميات هائلة من الكهرباء المستقرة، والتي لا يمكن ضمانها بوساطة المحطات الشمسية وحدها دون تخزين طاقة واسع النطاق وقدرات احتياطية.

لكن الطاقة لا تفسر سوى جزء من الإصرار السعودي.

لو كانت الرياض بحاجة إلى الكهرباء فقط، لكان بإمكانها الموافقة على النموذج الإماراتي: استيراد الوقود الجاهز، وتشغيل المفاعلات، والتخلي عن التخصيب. هكذا تعمل الوحدات الأربع لمحطة "براكة" النووية في الإمارات بقدرة إجمالية صافية تبلغ نحو 5.35 غيغاوات.

تريد السعودية ما هو أكثر: السيادة الصناعية الكاملة.

في عام 2019، تحدث الأمير عبد العزيز بن سلمان عن النية لتطوير الدورة النووية كاملة، بما في ذلك تعدين اليورانيوم وتخصيبه. وفي عام 2023، أعلن مجدداً عن خطط لاستخدام موارد اليورانيوم المحلية لإنتاج وقود منخفض التخصيب.

هذا الموقف له ثلاثة مستويات.

الأول: اقتصادي. إذ يتيح التعدين والمعالجة والتخصيب المحلي إنشاء صناعات جديدة وفرص عمل وكفاءات تكنولوجية.

الثاني: سياسي. إذ لا ترغب المملكة في قبول قيود أشد من المشاركين الآخرين في معاهدة عدم الانتشار. وتعتبر الرياض أنها لا ينبغي أن تتخلى إلى الأبد عن الحقوق التي تمتلكها اليابان وألمانيا وهولندا والبرازيل وعدد من الدول غير النووية الأخرى.

الثالث: استراتيجي. تخلُق دورة الوقود الوطنية ما يُسمى بالقدرة العتبية: الدولة لا تمتلك سلاحاً نووياً، لكنها تمتلك الكوادر والمعدات والمواد التي تتيح لها تقليص الوقت اللازم لإنشائه بشكل حاد بعد اتخاذ قرار سياسي.

في عام 2018، صرح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن السعودية لا تسعى للحصول على قنبلة نووية، لكنها ستحصل عليها في أسرع وقت ممكن إذا حازت إيران على سلاح نووي. هذه المعادلة ليست دليلاً على وجود برنامج عسكري، لكنها تظهر أن القيادة السعودية لا تنظر إلى الخيار النووي كمسألة طاقة فحسب.

لماذا وافقت واشنطن على ما رفضته لسنوات

تبنى المنطق الأمريكي على مبدأ المشاركة المدارة.

تعتزم السعودية تطوير الطاقة النووية بغض النظر عن قرار واشنطن. إذا رفضت الولايات المتحدة، فستتمكن الرياض من التوجه إلى الصين أو روسيا أو كوريا الجنوبية أو فرنسا. الغياب الأمريكي لن يوقف البرنامج، ولكنه سيحرم واشنطن من التواجد التجاري والوصول إلى المعلومات والروافع السياسية.

من هذا المنطلق، فإن الاتفاق بموجب المادة 123 ليس هدية للسعودية، بل محاولة لربط بنيتها التحتية النووية بالتقنيات والوقود والتراخيص والمعايير الأمريكية.

تذكر وزارة الطاقة الأمريكية صراحة بين أهداف الاتفاق توسيع الصادرات النووية الأمريكية، ودعم الصناعة، وخلق فرص عمل عالية الأجر، واستعادة المواقف التنافسية للولايات المتحدة في السوق العالمية لتقنيات المفاعلات.

وفقاً لرويترز، قد يتعلق الأمر بمفاعلات AP1000 التابعة لشركة وستنجهاوس ومشروعات بمليارات الدولارات. وتعود ملكية وستنجهاوس لشركة كاميكو الكندية وشركة بروكفيلد الاستثمارية، لكنها تظل الناقل الرئيسي للتكنولوجيا الأمريكية لمفاعلات الماء المضغوط الكبيرة.

بالنسبة لواشنطن، هذا جزء من صراع أوسع.

تستخدم روسيا بناء المحطات النووية كأداة نفوذ طويل الأجل: المفاعل يربط العميل بالمورد لعقود من خلال الوقود والصيانة وتدريب الكوادر والتعامل مع النفايات. و his تسعى الصين لنقل النموذج نفسه إلى الشرق الأوسط، متقدمة بالتمويل والبنية التحتية وشروط سياسية أقل.

إذا حصلت الشركات الأمريكية على السوق السعودي، فستكسب الولايات المتحدة تواجداً داخل أحد أكثر القطاعات التكنولوجية حساسية في المملكة. وإذا استولى عليه المنافسون، فستراقب واشنطن تطوير البرنامج من الخارج.

في هذا يكمن الحجة الأقوى لمؤيدي الصفقة.

لكنها تظهر أيضاً نقطة ضعفها: تهديد ذهاب السعودية إلى الصين أو روسيا يصبح أداة ضغط على نظام منع الانتشار. كلما طالب العميل المحتمل بالحق في التخصيب بصرامة أكبر، زاد خوف الإدارة الأمريكية من فقدان العقد.

المنافسة التجارية تبدأ في تحديد حدود المخاطر النووية المقبولة.

إسرائيل لا تخشى القنبلة السعودية اليوم، بل التكنولوجيا غير الرجعية غداً

لا ترتبط الخشية الإسرائيلية بافتراض أن السعودية ستشرع فوراً في إنتاج سلاح نووي، فهذا سيناريو غير مرجح.

فالمفاعلات ليست قنابل، واليورانيوم منخفض التخصيب لا يعادل اليورانيوم المستخدم في الأسلحة. ولإنشاء شحنة قتالية، يلزم إجراء مزيد من التخصيب، وتطوير نظام تفجير، وتصغير الحجم، واختبار المكونات، وتكييف وسائل التسليم.

لكن الحدود السياسية الأكثر تعقيداً يتم تجاوزها في وقت أسبق، وتحديداً في اللحظة التي تمتلك فيها الدولة بنية تحتية وطنية للتخصيب.

فأجهزة الطرد المركزي ذاتها قادرة على إنتاج الوقود لمحطة طاقة ومواد ذات تخصيب أعلى بكثير. والفرق يكمن في تكوين المجموعات، وزمن التشغيل، والقرار السياسي.

وبعد تجميع كمية كافية من اليورانيوم منخفض التخصيب، يتقاطع المسار الفني للوصول إلى المواد المستخدمة في الأسلحة. ولهذا السبب تحديداً، عارضت إسرائيل على مدى عقود ظهور قدرات التخصيب لدى دول المنطقة بغض النظر عن علاقاتها الحالية مع أورشليم.

تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي ومنع ظهور بنية تحتية نووية معادية في المنطقة. ولا تؤكد إسرائيل ولا تنفي رسمياً امتلاكها لأسلحة ذرية، لكن يُعتقد على نطاق واسع أنها الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.

هذا الغموض يوفر الردع دون إجبار الدول العربية على الرد رسمياً على الوضع النووي الإسرائيلي المعلن.

والتخصيب السعودي قادر على تدمير هذا الهيكل.

فقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت المعاهدة بأنها فشل استراتيجي خطير وحذر من فقدان السيطرة على الديناميكيات النووية الإقليمية. وصرح وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان بأن البرنامج المدني قد ينتهي بإنشاء سلاح. وأكد وزير الدفاع السابق بيني غانتس أن القدرات النووية السعودية دون تشكيل تحالف إقليمي مستدام لا تخدم المصالح الأمنية لإسرائيل.

واختارت حكومة بنيامين نتنياهو خطاً أكثر حذراً، حيث رحبت بمطلب ترامب بانضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهيم، متقدمةً بالتطبيع كخطوة تاريخية نحو السلام.

لكن الاعتراف الدبلوماسي لا يحل المشكلة التكنولوجية.

فيمكن لاتفاقيات إبراهيم إنشاء سفارات، وفتح خطوط جوية، وتوسيع التجارة، ومأسسة التعاون. لكنها غير قادرة على ضمان بقاء العلاقات كما هي بعد 20 أو 40 عاماً.

وتاريخ إيران نفسه يُعد تحذيراً لإسرائيل. ففي عهد الشاه، كانت إيران شريكاً استراتيجياً للغرب وحافظت على روابط غير رسمية مع إسرائيل. وتطور برنامجها النووي المدني بدعم أمريكي. وبعد ثورة عام 1979، انتقلت البنية التحتية التي أنشأها النظام الحليف إلى دولة أعلنت إسرائيل خصماً لها.

ولا يمكن لأي معاهدة تطبيع أن تستبعد أزمة سلالة حاطة، أو انقلاباً داخلياً، أو تغيراً أيديولوجياً، أو ظهور قيادة جديدة للسعودية.

يمكن وضع المفاعل تحت الضمانات، لكن التاريخ السياسي المستقبلي لا يمكن وضعه تحتها.

ترامب يطالب باعتراف بإسرائيل لا تستطيع الرياض تقديمه حالياً

يبدو ربط الاتفاق الذري باتفاقيات إبراهيم تبادلاً دبلوماسياً منطقياً: السعودية تحصل على التكنولوجيا الأمريكية، وإسرائيل تحصل على اعتراف تاريخي من أكبر دولة عربية، والولايات المتحدة تحقق نجاحاً استراتيجياً.

هذه هي الصفقة الكبرى بالذات التي حاولت إدارة جو بايدن إعدادها. وكان من المفترض أن تتضمن تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، وضمانات أمنية أمريكية، وتعاوناً دفاعياً، ودعماً للبرنامج النووي المدني للمملكة.

لكن بعد الحرب في غزة، ارتفع الثمن السياسي للاعتراف بإسرائيل بالنسبة للرياض بشكل حاد.

والموقف السعودي يتمثل في أن التطبيع ممكن فقط في حال وجود مسار موثوق ولا رجعة فيه نحو إنشاء دولة فلسطينية. وترفض حكومة نتنياهو هذا الآفاق.

وربط ترامب فعلياً بين عمليتين تسيران في اتجاهين معاكسين.

فكلما عارضت إسرائيل قيام الدولة الفلسطينية بصلابة أكبر، أصبح من الصعب على السعودية الاعتراف بإسرائيل. وكلما طال رفض الرياض للتطبيع، ضعف المبرر السياسي للاتفاق النووي في واشنطن وأورشليم.

ونتيجة لذلك، تتحول الصفقة النووية إلى أداة ضغط على كلا الطرفين في وقت واحد.

يمكن لترامب أن يطالب محمد بن سلمان باعتراف دبلوماسي بإسرائيل. وفي الوقت نفسه، فإن آفاق المشروع الذري السعودي تتيح لواشنطن الضغط على نتنياهو: فبدون أدنى تقديم تنازلات بشأن القضية الفلسطينية، سيظل التطبيع التاريخي مستحيلاً.

ومع ذلك، فإن هذا المقبض خطير. فإذا قررت الرياض أن الولايات المتحدة غير قادرة على الوفاء بالوعود، فقد تنشط المفاوضات مع موردين بدائل. وعندها ستفقد الولايات المتحدة الصفقة السياسية، والعقد التجاري، وفرصة التأثير على نظام الرقابة.

تأثير الدومينو: تركيا ومصر وإيران سيطالبون بحقوق مساوية

الخطر الرئيسي للاتفاق السعودي يتجاوز حدود العلاقات بين الرياض وإسرائيل بكثير.

فإذا حصلت إحدى الدول العربية الرائدة على الحق في تطوير التخصيب، فسيكون من الصعب إقناع الدول الأخرى بالسبب الذي يدعوها للتخلي إلى الأبد عن الفرص ذاتها.

وقد تطالب الإمارات العربية المتحدة بإعادة النظر في اتفاق عام 2009. فقد قبلت أبوظبي طوعاً أكثر القيود صارمة، على أمل أن يصبح "المعيار الذهبي" نموذجاً للمنطقة. وستبدو الشروط الأيسر للسعودية وكأنها عقاب على المرونة الإماراتية.

وتقوم مصر بالفعل ببناء أربع وحدات طاقة في محطة الضبعة النووية بقدرة إجمالية صافية تبلغ نحو 4.4 غيغاوات. وتبني تركيا أربع وحدات طاقة في محطة آق قيو. وتمتلك كلا الدولتين اقتصادين كبيرين، وطموحات إقليمية، وقاعدة علمية وفنية متطورة.

وستتمكن أنقرة من التصريح بأن حليف الولايات المتحدة في الناتو لا ينبغي أن يمتلك حقوقاً أقل من السعودية. والقاهرة ستصرح بأن أكبر دولة عربية لا يمكن أن تعتمد على استيراد الوقود إذا أُتيح للرياض بنية تحتية وطنية.

والرد الأكثر خطورة سيأتي من طهران.

طالما أكدت واشنطن لعقود أن التخصيب الإيراني يشكل تهديداً لأنه يتيح الانتقال السريع إلى المواد المستخدمة في الأسلحة. وإذا وافقت الولايات المتحدة على بنية تحتية مماثلة في السعودية دون البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية، فستحصل إيران على حجة سياسية قوية: المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الوضع التحالفي للدولة.

هذا لا يبرر برنامجاً عسكرياً إيرانياً محتملاً، لكنه يضر بالشمولية للموقف الأمريكي.

وستتمكن طهران من تقديم الصفقة السعودية كدليل على المعايير المزدوجة: يُسمح لحلفاء واشنطن بما يُفرض على الخصوم من أجله عقوبات وضريات.

والرد الاستراتيجي أشد خطراً. فإذا آمنت القيادة الإيرانية بأن السعودية تتحرك نحو الوضع العتبي، فستحصل على حافز إضافي لتسريع برنامجها الخاص. والرياض، أثناء مراقبتها لإيران، سترد بتوسيع بنيتها التحتية. وستبدأ تركيا ومصر في التحوط ضد المخاطر.

وهكذا ينشأ سباق تسلح نووي من نوع جديد.

قد لا تنتج الدول شحنات قتالية وتلتزم رسمياً بمعاهدة عدم الانتشار. وبدلاً من ذلك، ستراكم القدرات العتبية: أجهزة الطرد المركزي، واحتياطيات اليورانيوم منخفض التخصيب، والكوادر، ومراكز البحوث، ووسائل التسليم.

وستصبح المنطقة مليئة بدول قادرة كل منها على تغيير وضعها بسرعة نسبية بعد وقوع أزمة.

وهذا النظام أشد خطورة من الردع النووي المستقر. ففيه ستُتخذ القرارات تحت ضغط الشائعات، والتقييمات الاستخباراتية، والخوف من التأخر.

العامل الباكستاني يعزز الشكوك لكنه لا يثبت وجود قنبلة جاهزة

في سبتمبر 2025، وقّعت السعودية وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك، ينص على أن الاعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على كلتيهما.

وتمتلك باكستان أسلحة نووية، ويعود تعاونها العسكري مع الرياض إلى عقود. وقد أثار هذا بالضرورة تكهنات بأن الأمن السعودي قد يكون مرتبطاً بالقدرة النووية الباكستانية.

ومع ذلك، لا توجد أدلة علنية على أن إسلام آباد التزمت بنقل رؤوس حربية إلى السعودية أو نشرها على أرض المملكة. ولم يُنشر نص الاتفاق الدفاعي بالكامل، وتصريحات المسؤولين لا تثبت آلية الردع النووي الموسع.

ومع ذلك، فإن العامل الباكستاني يغير الحسابات.

فهو يظهر أن الرياض تنوع بالفعل ضمانات أمنها ولا تنوي الاعتماد كلياً على الولايات المتحدة. والبنية التحتية النووية الخاصة المقترنة بتحالف وثيق مع باكستان تزيد من الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة حتى دون إنشاء قنبلة وطنية.

وبالنسبة لإسرائيل، هذا سبب آخر للمطالبة بأشد القيود صارمة: فالأزمة المستقبلية قد تجمع بين الإمكانيات المالية والصناعية السعودية والخبرة العسكرية الباكستانية.

أربعة سيناريوهات: من الصفقة التاريخية إلى التفكك الذري للمنطقة

السيناريو الأول: "الصفقة الكبرى".

تتوافق السعودية على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم بعد الحصول على ضمانات معينة بشأن القضية الفلسطينية. ولا يعطل الكونغرس الاتفاق. وتقبل الرياض بالبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية، وتتخلى عن الإدارة المستقلة لمنشأة التخصيب، أو توافق على نموذج "الصندوق الأسود" الأمريكي الذي يُدار فيه التقنيات الحساسة بوساطة موظفين أمريكيين.

هذا هو الخيار الأكثر أماناً. حيث تبقي واشنطن السعودية داخل النظام التكنولوجي الأمريكي، وتحصل إسرائيل على الاعتراف، ويقتصر خطر الانتشار عبر عمليات تفتيش معززة.

لكن لتحقيقه، يلزم حل تسوية سياسية غير موجودة حالياً.

السيناريو الثاني: "مفاعلات دون اعتراف".

يخفف ترامب مطلب اتفاقيات إبراهيم، معلناً أن الخطوات التدريجية كافية: فتح ممثليات، والسماح برحلات مباشرة، وروابط تجارية، أو المشاركة في آلية أمنية إقليمية.

ويدخل الاتفاق حيز التنفيذ، لكن التطبيع يظل غير مكتمل. ولا تحصل إسرائيل على إنجاز دبلوماسي، بل على دولة ذات بنية تحتية نووية متطورة وحقوق مستقبليّة غير محددة للتخصيب.

هذا السيناريو بالذات سيكون الأكثر إيلاماً لنتنياهو.

السيناريو الثالث: "الكونغرس يضع كوابح".

لا يرفض المشرعون الاتفاق بالكامل، لكنهم يطالبون بشروط إضافية: حظر التخصيب وإعادة المعالجة، والبروتوكول الإضافي الإلزامي للوكالة الدولية، والمراقبة المستمرة عن بُعد، والسيطرة الأمريكية على الوقود، والإنهاء التلقائي للتعاون عند الانتهاك.

وهذا الهيكل سيقرب المعاهدة من "المعيار الذهبي" الإماراتي، لكنه قد يكون غير مقبول للرياض. فالقيادة السعودية دافعت لسنوات عن الحق في الدورة الكاملة ومن غير المرجح أن تتخلى عنه بسهولة بعد توقيع وثيقة أكثر فائدة.

السيناريو الرابع: "القطع الذري".

يُحظر الاتفاق أو يُجمد بسبب رفض السعودية الاعتراف بإسرائيل. وتتوجه الرياض إلى موردين بدائل وتحصل على مفاعلات دون شروط سياسية أمريكية. وتفقد واشنطن السوق والسيطرة، وتواجه إسرائيل برنامجاً أقل شفافية.

هذا الخيار يوضح المفارقة الرئيسية للصفقة: الشروط الأيسر تزيد من خطر الانتشار، والشروط الأشد قسوة تطرد السعودية من النظام الأمريكي.

الثمن الحقيقي للاتفاق سيتضح ليس عند تشغيل المفاعل

تحاول إدارة ترامب حل أربع مهام في وقت واحد: بيع المفاعلات الأمريكية، ومنع السعودية من التقارب مع الصين وروسيا، وإجبار الرياض على الاعتراف بإسرائيل، وإثبات أن واشنطن قادرة على السيطرة على انتشار التقنيات الحساسة.

وكل مهمة من هذه المهام عقلانية بشكل منفصل. لكنها معاً تنشئ هيكلاً غير مستقر للغاية.

فالمصلحة التجارية تتطلب تنازلات للسعودية. ومنع الانتشار يتطلب قيوداً. وإسرائيل تطالب بالتطبيع. والرياض تطالب بدولة فلسطينية وسيادة تكنولوجية. وترامب يريد الحصول على جميع النتائج في وقت واحد دون دفع الثمن السياسي الكامل في أي اتجاه.

وهذا نادر حدوثه في الدبلوماسية النووية.

والسؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت السعودية ستصنع قنبلة ذرية، فلا توجد أدلة على مثل هذا القرار.

السؤال الرئيسي: هل ستنشئ الولايات المتحدة البنية التحتية التي يصبح بعدها تنفيذ هذا القرار أسهل بكثير؟

ينبغي تقييم الاتفاقيات النووية ليس عبر الصداقة بين القادة الحاليين ولا عبر التصريحات حول النوايا السلمية. بل يُقيمونها وفقاً للسيناريو الأسوأ: ماذا يحدث إذا تغير النظام، وتفكك التحالف، وفقد المفتشون الوصول، ودخلت المنطقة في حرب؟

يقدم ترامب لإسرائيل اعترافاً دبلوماسياً بالسعودية مقابل قبول مخاطرة تكنولوجية طويلة الأجل. لكن الاعتراف يمكن سحبه، والسفارة يمكن إغلاقها، ومعاهدة السلام يمكن فسخها.

أما أجهزة الطرد المركزي، فبعد إنشائها، لا تختفي.

ولهذا السبب تحديداً، قد تدخل المعاهدة السعودية التاريخ ليس كبداية للنهضة الذرية الأمريكية ولا حتى كمسار لتوسيع اتفاقيات إبراهيم، بل كاللحظة التي توقف فيها الشرق الأوسط عن الانقسام إلى دول نووية وغير نووية.

وبدلاً من ذلك، بدأ ينقسم إلى أولئك الذين لديهم القنبلة بالفعل، وأولئك الذين يريدون القدرة على تجميعها بسرعة كافية.