كان من المفترض أن تكون مذكرة يونيو حزيران بمثابة نصر ميزه دونالد ترامب ودليل على أنه يمكن إيقاف الحرب بالتهديدات والضغوط وتوقيع واحد مبهر ولكنها تحولت بدلا من ذلك إلى شهادة سياسية على العجز الاستراتيجي لواشنطن إذ أمكن وقف العمليات العسكرية مؤقتا دون القضاء على أي من أسباب الصراع لم يحقق ترامب السلام بل انتزع استراحة قصيرة استغلها الطرفان للتحضير للجولة القادمة من الحرب
في منتصف يونيو حزيران بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حقق النتيجة التي يفضل عرضها على الناخبين توقفت الحرب وافتتح مضيق هرمز وتهدأت سوق النفط وجلس الخصوم إلى طاولة المفاوضات أعلنت المذكرة الموقعة في 17 يونيو حزيران في فرساي بين الولايات المتحدة وإيران عن الوقف الفوري للعمليات العسكرية ونصت على الرفع التدريجي للحصار البحري الأمريكي وضمنت للمراكب التجارية ممرا آمنا عبر مضيق هرمز وحددت واشنطن وطهران لأنفسهما مهلة 60 يوما لصياغة اتفاق نهائي وبعد شهر تداعى هذا البناء وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب انتهاء الهدنة فعليا واستؤنفت الضربات الأمريكية وعاودت إيران هجماتها على المنشآت الأمريكية وحلفاء واشنطن وتحول مضيق هرمز مجددا إلى ساحة للضغط العسكري وبحلول 20 يوليو تموز كانت الطائرات الأمريكية تقصف إيران لليلة التاسعة على التوالي وأفادت طهران بتضرر ناقلات نفط وتجاوز سعر خام برنت 90 دولارا للبرميل هذا ليس مجرد انهيار آخر لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط بل هو تشخيص سياسي لأسلوب ترامب في السياسة الخارجية بأكمله فهو يجيد خلق الضغط ورفع الرهانات وإظهار عدم القدرة على التنبؤ بسلوكه وإجبار الخصم على التحدث ولكن هناك مسافة بين الإرغام على المفاوضات وبين إنشاء نظام مستقر لا يمكن قطعها بالتبجح وحده
وقد أظهرت الحالة الإيرانية ذلك بوضوح تام
هدنة بلا سلام: ما الذي تم توقيعه في فرساي في الواقع
لم تكن مذكرة 17 يونيو حزيران معاهدة سلام ولا حتى اتفاقا متكاملا لإنهاء الحرب بل كانت صفقة تشغيلية مؤقتة سمحت للطرفين بالتراجع عن الخط الأحمر دون الاعتراف بالهزيمة علنا
التزمت إيران بتأمين مرور مجاني وآمن للستن التجارية عبر مضيق هرمز لمدة 60 يوما وكان على الولايات المتحدة أن تبدأ في رفع الحصار وتستكمل العملية بالكامل خلال 30 يوما وتعهد الطرفان بعدم بدء عمليات عسكرية جديدة ومواصلة المفاوضات للتوصل إلى تسوية نهائية ولعبت پاکستان دور الوسيط والشاهد وقامت بتأجيل القضايا ذاتها التي اندلعت الحرب بسببها إلى المستقبل
لم تسو المسألة المتعلقة بآفاق البرنامج النبوي الإيراني وظلت آلية التفتيش للمنشآت التي تعرضت للضربات غير واضحة ولم يتخذ قرار نهائي بشأن مصير مخزونات اليورانيوم العالي التخصيب وتركت صيغة رفع العقوبات ووصول طهران إلى الأصول المجمدة وآلية استخدام الأموال الموعودة لإعادة إعمار البلاد للمفاوضات اللاحقة بل إن نظام الملاحة في مضيق هرمز فسره الطرفان بشكل مختلف فنظمت المذكرة نتائج الصراع لا أسبابه
أرادت واشنطن ضمان حرية الملاحة ووقف ارتفاع أسعار النفط وتقليل خسائر القوات المسلحة الأمريكية بينما سعت طهران إلى رفع الحصار واستعادة صادرات النفط والوصول إلى العملات الأجنبية والحفاظ على السيطرة على البنية التحتية النووية وقع الطرفان وثيقة واحدة ولكنهما رأيا فيها اتفاقين مختلفين
بالنسبة للبيت الأبيض كانت هذه المرحلة الأولى من استسلام إيران الضعيفة وبالنسبة للقيادة الإيرانية كانت بمثابة اعتراف من الولايات المتحدة بعدم إمكانية إجبار طهران على الاستسلام الكامل بالاعتماد على القوة الجوية وحدها
وكان من الممكن لوثيقة كهذه أن تنجح فقط في حال وجود حد أدنى من الثقة وآلية تنفيذ دقيقة ورؤية مشتركة للهدف النهائي ولم يكن أي من هذه العوامل الثلاثة متوفرا
ترامب خلط بين الصفقة وبنية الأمن
يعتمد النموذج الخاص بالرئيس الأمريكي ترامب على عدة أساليب الرفع الحاد للرهانات وشخصنة المفاوضات والإظهار الاستعراضي للمرونة والتخلي عن التعهدات السابقة وخلق شعور بالاستعجال وعرض فرصة على الخصم لإعلان التنازل كأنه نصر
في النزاع التجاري يمكن لهذا النهج أن يكون فعالا أما في السياسة الدولية فهو لا يعمل إلا عندما يكون موضوع الصفقة محدودا ومصالح الأطراف قابلة للقياس والانتهاك يترتب عليه تكاليف واضحة ولا مفر منها
ولم تكن إيران تلبي أي شرط من هذه الشروط
لم تكن واشنطن تواجه مشكلة واحدة بل عدة صراعات متداخلة في وقت واحد البرنامج النووي وأمن الملاحة والقدرات الصاروخية والشبكة الإقليمية لحلفاء طهران وبقاء النظام السياسي الإيراني والصراع داخل النخبة وموقف السكان من التدخل الخارجي
حاول البيت الأبيض اختزال هذا البناء في مساومة تفتح طهران المضيق وترفع الولايات المتحدة الحصار ثم يناقش الطرفان الباقي
لكن مضيق هرمز بالنسبة لإيران ليس مجرد طريق بحري بل هو أداة الردع الرئيسية غير المتماثلة فطالما تفوقت الولايات المتحدة على إيران في الطيران والأسطول الاستطلاعي والأسلحة البعيدة المدى فإن طهران تعوض الضعف بالقدرة على تهديد نحو خمس تجارة النفط العالمية والتخلي عن هذه الأداة دون تنازلات أمريكية غير قابلة للعكس كان يعني بالنسبة للنظام الحرمان الطوعي من أداة الضغط الرئيسية
لذلك تضمنت المذكرة آلية تدميرها الذاتية إذ اعتبرت الولايات المتحدة فتح المضيق شرطا مسبقا للتنازلات اللاحقة بينما رأت إيران المضيق كرهينة لا يمكن فك احتجازها نهائيا إلا بعد الحصول على مكافأة مالية وسياسية وعسكرية وفي مجالات العقوبات
وعندما بدأت المكاسب الموعودة تبدو لطهران غير كافية واتهمت واشنطن إيران بالانتهاكات عاد كل طرف إلى الأداة الوحيدة التي يثق بها الولايات المتحدة إلى الضربات الجوية والحصار البحري وإيران إلى الصواريخ والطائرات المسيرة وتهديد الملاحة
خطأ واشنطن: النظام بدا ضعيفا ولكنه ليس عاجزا
انطلقت الاستراتيجية الأمريكية من تصور أن النظام الإيراني على وشك الانهيار وكانت هناك أسباب لهذا التقييم
في نهاية ديسمبر كانون الأول 2025 بدأت موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران وبعد 8 يناير كانون الثاني 2026 انتقلت أجهزة الأمن إلى الاستخدام المكثف للأسلحة النارية وأفادت منظمات حقوق الإنسان بمقتل الآلاف والاحتجاز التعسفي وحالات الاختفاء والتأذيب وصعب الانقطاع الشامل للإنتقال التثبت من العدد الدقيق للضحايا لكن حجم العنف كان غير مسبوق حتى بالمعايير الإيرانية كما دفع الوضع الاقتصادي البلاد نحو انفجار الاجتماعي وأدى انهيار الريال وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع فرص العمل وانخفاض الدخل الحقيقي إلى جعل البقاء اليومي المشكلة الرئيسية لملايين العائلات وبعد استئناف الحرب اقترب سعر صرف الريال من 1.95 مليون ريال مقابل الدولار ووصل التضخم السنوي حسب بعض التقديرات إلى ما يقارب 90 بالمئة وأصبح حجم الدمار وفقدان الوظائف يقاس بالملايين إلا أن ضعف النظام لم يكن يعني عدم قدرته على المقاومة
لا تسقط الأنظمة السياسية لمجرد أن السكان يزدادون فقرا أو يكرهون السلطة بل تنهار عندما تنقسم التحالفات الحاكمة وتتوقف الأجهزة الأمنية عن تنفيذ الأوامر وتبدأ النخب في البحث عن ضمانات لدى الفائزين وتفقد أجهزة الدولة القدرة على السيطرة على الأراضي والمجال الإعلامي
وفي إيران لم يحدث هذا
فقد حافظ الحرس الثوري الإيراني والشرطة وتشكيلات البسيج والسلطة القضائية وأجهزة الاستخبارات على قدرتها على إدارة الأمور واستمرت الدولة في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة والسيطرة على المدن الكبرى وتنفيذ الاعتقالات وتقييد الاتصالات وتحشيد المؤيدين
دمرت واشنطن جزءا من البنية التحتية وأضعفت القدرات العسكرية لطهران لكنها لم تهدم آلة السلطة بل أكثر من ذلك سمحت الضربات الخارجية لهذه الآلة بالحصول على شرعية جديدة
المنح الهجومية قدمت للنظام ما حرم منه طويلا
قبل الحرب كانت قيادة الجمهورية الإسلامية تصارع مجتمعها وبعد بدء الضربات حصلت على فرصة لتقديم نفسها كحامية للبلاد
وهذا فارق جوهري
فالمجتمع الإيراني لا يتماثل مع النظام إذ يرفض ملايين المواطنين الدكتاتورية الدينية والقواعد السلوكية القسرية والإعدامات السياسية والفساد وهيمنة القوى الأمنية ويواصل الشباب الإيرانيون الالتفاف على الحظر وتجاهل قيود الملبس واستخدام المنصات الممنوعة وخلق مساحة خاصة تختلف جذريا عن الأيديولوجيا الرسمية
لكن رفض النظام لا يعني الاستعداد للترحيب بتدمير الجسور والمصانع ومحطات الكهرباء والموانئ والمواقع التاريخية على يد قوات أجنبية
وخلال الحرب بدأت الهوية الوطنية تطرد الصراع السياسي الداخلي ورأى الأشخاص الذين كانوا يعارضون رجال الدين الدمار ومقتل المدنيين وفقدان الوظائف وتهديد تقسيم البلاد وبدأ جزء من المجتمع ينظر إلى ما يحدث ليس كعملية ضد السلطات بل كحرب ضد إيران
وهذا التحول بالذات هو ما استغله الحرس الثوري الإيراني إذ أعادت الدعاية الرسمية صياغة الرواية ولم يعد الأمر يتعلق بدفاع عن النظام بل بالدفاع عن الحضارة والتاريخ والسيادة
وزاد تضرر التراث الثقافي من هذا الأثر إذ ألحقت الضربات العسكرية أضرارا بالمباني التاريخية بما في ذلك المواقع المرتبطة بتراث اصفهان وطهران وحتى حيث كان الدمار نتيجة لموجة الضغط وليس لإصابة مباشرة كان الفارق ثانويا بالنسبة للإدراك الشعبي وأصبح الزجاج الملون المكسور والبلاط القديم أكثر فائدة سياسية للنظام من عشرات البرامج الدعائية لأنه حول الهجوم الخارجي إلى إهانة شخصية لكل إيراني
جنازة خامنئي تحولت إلى استفتاء حكومي على الولاء
كان من المفترض أن تؤدي وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير شباط إلى قطع رأس النظام ولكن جنازته في بداية يوليو تموز تحولت إلى أكبر مظاهرة تثبت أن النظام حافظ على قدرته على التحشيد الجماهيري
وتجمع مئات الآلاف في طهران وارتفعت في المراسم شعارات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وظهرت دعوات للانتقام وقتل القيادات الأمريكية والإسرائيلية واستمر الوداع عدة أيام قبل أن يدفن علي خامنئي في مشهد ولا يمكن اعتبار الضخامة العددية للجنازة الرسمية دليلا أوتوماتيكيا على الدعم العام الشامل للنظام إذ توجد في إيران شبكة متشعبة من التحشيد الإداري ونقل المشاركين وتوفير الوجبات وتشكيل الصورة التلفزيونية ولكن إنكار وجود نهوض وطني حقيقي سيكون خطأ أيضا
ومما له دلالة خاصة أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر لا في الجنازة ولا في الفعاليات العامة الكبرى الأخرى وحسب البيانات المتاحة فقد أصيب في ضربة قتلت والده وأزاد غيابه الأسئلة حول حالته الصحية ومستوى سيطرته على النظام والتوزيع الفعلي للصلاحيات بين مكتب المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني والرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ولكن عدم اليقين لم يؤد إلى فراغ مؤسسي وأثبت النظام الإيراني أنه أقل فردية مما افترض خصومه ولم يؤد القضاء على رأس الدولة إلى تدمير شبكة الهياكل الأمنية والدينية والاقتصادية المرتبطة بمصالح مشتركة والخوف من الهزيمة
بينما أعلن ترامب السلام كانت طهران تبني دولة السيطرة العسكرية
لم تكن الاستراحة في العمليات العسكرية بالنسبة للإيرانيين فترة تخفيف سياسي بل على العكس استغلت السلطات الحرب كذريعة لتوسيع القمع
وبعد بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير شباط احتجزت الأجهزة الأمنية الإيرانية أكثر من 6000 شخص كان من بينهم مشاركون في الاحتجاجات وصحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان وممثلون عن الأقليات العرقية والدينية وسرعت الجهات القضائية النظر في القضايا السياسية بما في ذلك المحاكمات التي يواجه فيها المتهمون عقوبة الإعدام وكانت منظمة العفو الدولية تمتلك بيانات عن إعدام 36 شخصا على الأقل بتهم ذات دوافع سياسية بعد بدء الحرب وكان هناك ما لا يقل عن 78 شخصا يواجهون خطر تنفيذ حكم الإعدام بمن فيهم 41 مشاركا في احتجاجات يناير كانون الثاني وكان بعض المتهمين قاصرين وقت ارتكاب الجرم المفترض وأفاد الحقوقيون بزيادة لاحقة في عدد الإعدامات السياسية وقدمت الحرب للسلطات صيغة اتهام شاملة إذ يمكن إعلان أي معارض للنظام عميلا لإسرائيل أو الولايات المتحدة أو انفصاليا أو مخربا أو مشاركا في حرب معلوماتية
وهذا واحد من أخطر آثار التدخل الخارجي فعندما تكون الدولة تحت الضربات يمحى الحد الفاصل بين المعارضة والخيانة العظمى بقرار إداري ويحصل النظام على فرصة قمع المعارضة ليس كخصوم سياسيين بل كشركاء مفترضين للعدو
ولم يحرم وقف إطلاق النار طهران من هذه الأداة بل على العكس خفضت المذكرة الضغط الخارجي المباشر تاركة الجهاز أمنيا وجها لوجه مع المجتمع
الإنترنت تحول من وسيلة اتصالات إلى نظام لتوزيع الولاء
أصبحت السيطرة على المعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على الشوارع
في يناير كانون الثاني وأثناء القمع الجماعي للاحتجاجات قطعت السلطات الإنترنت في جميع أنحاء البلاد وبعد بدء الحرب في 28 فبراير شباط انخفض حجم حركة المرور عبر الإنترنت بنسبة 98 بالمئة تقريبا وحصل معظم المواطنين فقط على وصول المحدود لعدد من الموارد داخل الشبكة الوطنية في حين حافظت الهياكل الحكومية والمؤسسات ذات امتيازات والجهات المعنية على فرص اتصال أوسع وهو ما مثل فعليا نظاما رقميا متعدّد المستويات
كف الإنترنت عن كون بنية تحتية عامة وتحول إلى امتياز سياسي وحصل على الوصول الكامل أولئك الذين تطمئن لهم الدولة بينما قدمت للبقية شبكة مقصوصة مريحة للمراقبة والتصفية وتحديد هوية المستخدمين
وبحثت الأجهزة الأمنية عن معدات ستارلينك وتتبعت نقل المواد إلى وسائل الإعلام الأجنبية وحاولت تحديد مصادر تسجيلات الفيديو الخاصة بالاحتجاجات ومواقع الضربات وعرقلت القيود في الوقت نفسه توثيق الانتهاكات ودمرت الأعمال التجارية الصغيرة وحرمت المتخصصين العاملين عبر الإنترنت من الدخل وزادت من عزلة المناطق
ولم تكن هذه السيطرة تدبيرا مؤقتا للأحكام العرفية بل نمطا أوليا لنموذج الحكم المستقبلي وتسعى طهران لإنشاء حدود رقمية داخل بلدها شبكة للدولة والمؤسسات الموالية وأخرى لبقية السكان
اقتصاد البقاء: الحياة الطبيعية كأنه وهم بصري
بعد اتفاق يونيو حزيران بدأت المدن الإيرانية تبدو بالفعل أكثر هدوءا وعملت المحلات التجارية والمقاهي والمراكز التجارية وعاد الناس إلى الحدائق والتقى الشباب بالأصدقاء وامتلأت الشوارع بالسيارات من جديد
لكن هذه الحياة الطبيعية الظاهرية كانت مضللة
فقد استمرت الحياة الاقتصادية ليس لأن الأزمة انتهت بل لأن السكان تعلموا التعايش داخل الأزمة وتقلص العائلات الاستهلاك وتبيع الممتلكات وتنتقل إلى القطاع غير الرسمي وترسل المراهقين للعمل وتتخلى عن المصاريف الطبية وتؤجل التعليم
وبعد استئناف الضربات تضاعفت أسعار السلع الأساسية في بعض المناطق تقريبا وضربت البطالة بشدة المناطق التي تعتمد على خدمات الإنترنت والمشاريع الصغيرة وحرم تدمير المنشآت الصناعية مئات الآلاف من العمال من الدخل وخلق الحصار المستمر للموانئ تهديدا لواردات الغذاء والدواء والمعدات والمكونات وتكمن المفارقة الاقتصادية لإيران في أن الدولة تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز ولكنها غير قادرة على تحويلها إلى رفاه مستدام وتحد العقوبات من الاستثمارات والحسابات ويقلل الفساد من الكفاءة ويسيطر الحرس الثوري الإيراني على جزء كبير من الاقتصاد وتطرد النفقات العسكرية النفقات الاجتماعية
في الوقت نفسه لا يؤدي أي تخفيف للعقوبات بالضرورة إلى تحسين وضع السكان فالإيرادات النفطية الإضافية تعزز أولا ميزانية الدولة والجهاز الأمني والهياكل التي تسيطر عليها النخب ويصل الأثر إلى الأسر بنمو بطيء وغير متكافئ
لذلك كان بإمكان مذكرة يونيو حزيران أن تثبت مؤقتا سوق العملات والصادرات ولكن دون أن تزيل مصدر الاستياء الاجتماعي وكان هذا يتطلب إصلاحات هيكلية والحد من السلطة الاقتصادية للقوى الأمنية واستعادة الثقة والوصول إلى الاستثمارات وتغيير السياسة الخارجية
ولم يكن النظام ينوي القيام بأي شيء من هذا القبيل
لماذا كان الرهان على القنابل الأمريكية محكوما عليه بالفشل
عقد جزء من المعارضة الإيرانية أمله بالفعل على أن يؤدي الضغط الخارجي إلى سقوط الجمهورية الإسلامية وبعد مجزرة يناير كانون الثاني يبدو هذا الأمل مفهوما فعندما يقمع الاحتجاج الداخلي بالرشاشات والسجون والمشانق تبدأ القوة الأجنبية وكأنها الآلية الوحيدة للتغيير
غير أن الرهان على التدخل العسكري الخارجي ينطوي على تناقض أساسي
فلكي تساعد المجتمع على إسقاط النظام من الضروري إضعاف الجهاز الأمني دون تدمير الدولة نفسها ويجب إزالة قدرة السلطة على القمع مع الحفاظ على البنية التحتية والاتصالات والتموين والاقتصاد والشعور بالوحدة الوطنية
وتنتج الحرب الجوية في الغالب نتيجة عكسية إذ لا تدمر مراكز القيادة فحسب بل الطرق والطاقة والمؤسسات وفرص العمل وتسمح للنظام بإعلان المعارضة حليفا للعدو وتجبر حتى خصوم السلطة على الخوف من الفوضى والانفصال والاحتلال الأجنبي وتفكك البلاد
كان بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق ضرر مادي هائل بإيران لكن إلحاق الضرر بالدولة لا يساوي تحرير المجتمع
وقد حصل النظام على فرصة ليقول للإيرانيين يمكنك كراهيتنا ولكن من دوننا ستصبح البلاد ليبيا أو سوريا أو عراقا أخرى
وطالما أن المركز البديل للسلطة غير قادر على ضمان السلامة الإقليمية والأمن وقابلية الإدارة فإن هذه الحجة ستظل قائمة
المشكلة النووية لم تختف بل أصبحت أكثر تعقيدا
قدم البيت الأبيض اتفاق يونيو حزيران كخطوة ونحو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية غير أن المذكرة لم تنشئ نظام سيطرة متكاملا
كان بإمكان الضربات أن تدمر منشآت منفردة ومعدات ومراكز علمية ولكنها عززت في الوقت نفسه الدافع الاستراتيجي لدى طهران لامتلاك القدرة النووية فبالنسبة للنخبة الإيرانية أصبحت الحرب دليلا على أن الأسلحة التقليدية والصواريخ والسيطرة على المضيق لا تضمن حصانة القيادة
وبعد وفاة علي خامنئي والدمار ومحاولات الضغط الخارجي لم تعد المسألة النووية مجرد قضية أيديولوجية بل تحولت إلى مسألة بقاء فيزيائي للنظام
ولهذا السبب بالذات أصبح التوصل إلى اتفاق نهائي الآن أشد صعوبة مما كان عليه قبل الحرب إذ تطالب واشنطن بفيود أكثر قسوة باعتبار إيران مضعفة بينما تحتاج طهران على العكس من ذلك إلى ضمانات أمنية أقوى بعد أن تأكدت من جاهزية الولايات المتحدة وإسرائيل لشن ضربات وتصفية القيادة العليا
خرج الطرفان من الحرب باستنتاجات متناقضة
قررت الولايات المتحدة أن الضغط يؤدي أُكله ويجب تصعيده وقررت إيران أن غياب أداة الردع المطلقة يجعل البلاد عرضة للخطر
وهذه صيغة شبه مثالية لتصعيد جديد
مضيق هرمز: السلاح الذي يستحيل قصفه
تتيح القوة العسكرية للولايات المتحدة تدمير الرادارات ومواقع الصواريخ والمطارات ومراكز القيادة لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا
يبقى مضيق هرمز ممر بحريا ضيقا بين إيران وعُمان ولا تحتاج طهران لتحقيق التفوق المطلق من أجل زعزعة استقراره إذ تكفي الألغام والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق الصغيرة والأعمال التخريبية والتهديدات التي ترفع أسطول التأمين
وحتى الحوادث المحدودة تجبر مالكي السفن على تغيير المسارات وتأخير إرسال الناقلات والمطالبة بضمانات إضافية وتستجيب السوق ليس فقط للتوقف الفعلي للإمدادات بل ولإمكانية حدوث أزمة مستقبلية
في يونيو حزيران أزالت المذكرة مؤقتا علاوة المخاطر لكنها عادت في يوليو تموز فبعد الهجمات الجديدة ارتفع سعر برنت إلى ما فوق 90 دولارا وبدأ عبور السفن عبر المضيق في الانخفاض ويثبت هذا الأمر حساسية بالغة بالنسبة لولايات ترامب المتحدة إذ يحول ارتفاع أسعار النفط الفشل في السياسة الخارجية إلى مشكلة داخلية أمريكية وتزداد تكلفة البنزين والنقل والمواد الغذائية والإنتاج ولهذا تجد واشنطن نفسها مضطرة لتهديد إيران وفي الوقت نفسه البحث عن اتفاق جديد
وتدرك طهران هذا الاعتماد فكلما ساء وضعها الخاص زاد الإغراء بتصدير التكاليف الاقتصادية للحرب إلى العالم أجمع
جرينلاند وأوكرانيا وحلف الناتو: أين ينفع أسلوب ترامب وأين ينكسر
ليست إيران المثال الوحيد على تقلب النموذج السياسي الخارجي للرئيس الأمريكي ترامب
ففي قضية جرينلاند كان الضغط عكسي النتيجة بالكامل تقريبا إذ كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل إمكانيات واسعة للتواجد العسكري في الجزيرة بناء على اتفاقية عام 1951 مع الدنمارك ولم تكن التهديدات بفرض السيطرة الأمريكية تحل المشكلة الأمنية الحقيقية بل كانت تخلق صراعا مع حليف في الناتو وتعزز مقاومة كوبنهاجن وسكان جرينلاند
وهنا غاب رضا الأطراف عن موضوع المفاوضات وغابت أدوات الضغط الحقيقية للتوصل إلى صفقة طوعية ولم يفتح الضغط مساحة للتسوية بل دمرها
أما فيما يتعلق بأوكرانيا فقد كان المسار مختلفا إذ إن الخطة الأمريكية الأولية المكونة من 28 بندا كانت تعكس في كثير من جوانبها المطالب الروسية بما في ذلك التنازلات عن الأراضي والقيود على الجيش الأوكراني وحسب معطيات رويترز فقد استندت الخطة جزئيا إلى وثيقة سلمها الجانب الروسي سابقا للإدارة الأمريكية لكن صمود أوكرانيا وموقف أوروبا وعدم قدرة روسيا على تحقيق نجاح عسكري حاسم أجبرت واشنطن على تعديل نهجها وفي قمة الناتو في أنقرة أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن الجاهزية لمنح أوكرانيا ترخيصا لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية ولم يكن ذلك يعني تغيرا كاملا في الاستراتيجية ولكنه أظهر أن البيت الأبيض قادر على إعادة النظر في التقييمات الأولية عندما تتغير موازين القوى
وحقق ترامب نجاحا معينا داخل الناتو ولكن لا يمكن إرجاع النتيجة هنا أيضا إلى ضغطه وحده
ففي القمة المنعقدة يومي 7 و8 يوليو تموز أكد الحلفاء التزاماتهم بموجب المادة الخامسة وثبتوا التوجه نحو زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 ووعدوا بتقديم مساعدات عسكرية ومعدات وتدريب لأوكرانيا في عام 2026 بقيمة 70 مليار يورو وزاد الحلفاء الأوروبيون وكندا الاستثمارات في الاحتياجات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار ولقد سرع الضغط الأمريكي بالفعل النقاش حول توزيع التكاليف ولكن المحرك الرئيسي لإعادة تسليح أوروبا كان روسيا فبولندا وألمانيا وفنلندا ودول البلطيق والدول الاسكندنافية تزيد من قدراتها العسكرية ليس رغبة في إرضاء البيت الأبيض بل لأنها تستوعب التهديد الروسي كأمر طويل الأجل
لقد نجح أسلوب ترامب حيث تصادفت مطالبه مع المصالح الموضوعية للحلفاء وفشل حيث حاول استبدال الواقع بقوة التصريحات
للصفقة ثمن وللاستراتيجية اتجاه
يحب الرئيس الأمريكي ترامب النتائج القابلة للقياس الوثيقة الموقعة والهدنة المعلنة والرقم الجديد للإنفاق الدفاعي وصفقات السلاح المتفق عليها والتنازل العلني من الشريك
لكن النجاح الاستراتيجي يقاس بشكل مختلف
فهو يتحدد بما إذا كان النظام قد أصبح أكثر استقرارا بعد الصفقة وهل تغيرت دوافع الأطراف وهل ظهرت مؤسسات رقابة وهل انخفضت احتمالية نشوب حرب جديدة وهل حصل الحلفاء على الثقة والخصوم على فهم لثمن خرق الاتفاقات
لم تجتز مذكرة يونيو حزيران مع إيران أي اختبار من هذه الاختبارات
فهي لم توقف المواجهة النووية ولم تنشئ نظام ملاحة دائم ولم تؤمن التفتيش ولم تحم السكان الإيرانيين من القمع ولم تحل مسألة العقوبات ولم تحدد مستقبل التشكيلات المسلحة لطهران ولم تثبت آلية للعقاب على خرق الشروط
وكان إنجازها الرئيسي هو الاستراحة
لكن الاستراحة لا تكتسب قيمة سياسية إلا عندما تستغل لبناء السلام وقد استغلتها إيران لاستعادة القدرة على إدارة الأمور وتحشيد المؤيدين وملاحقة الخصوم واستغلتها الولايات المتحدة لإعلان نصر لم يكن له وجود بعد
طهران نجت لكنها لم تخرج منتصرة
لا يعني فشل الاستراتيجية الأمريكية انتصارا لإيران
فقد تكبدت الجمهورية الإسلامية خسائر فادحة إذ تضررت بنيتها التحتية العسكرية ويتدمر اقتصادها وتنخفض قيمة عملتها ويخضع نظامها السياسي لعملية نقل سلطة غير واضحة ويختفي المرشد الأعلى الجديد عن الأنظار بينما تزداد أهمية الحرس الثوري الإيراني داخل النخبة
كما أظهرت الحرب حدود النموذج الإقليمي لطهران فالجمات على الدول المجاورة والمنشآت الأمريكية لا تثير التضامن بل الخوف ورغبة دول الخليج في تعزيز الدفاع الجوي والروابط مع واشنطن
وتمنح السيطرة على مضيق هرمز إيران أداة ضغط ولكنها تجعلها في الوقت نفسه مسؤولة عن أزمة الطاقة العالمية وكلما استخدمت طهران هذه الأداة بنشاط أوسع تحالف دولي مهتم بتحييدها
لقد حافظ النظام على بقائه لكنه دفع ثمن هذا البقاء بتدمير البلاد وتعزيز العزلة وزيادة تضييق قاعدته الاجتماعية
الإيرانيون وجدوا أنفسهم بين نوعين من العنف
في هذه القصة من السهل غض النظر عن أولئك الذين يتحدث الجميع باسمهم المواطنون العاديون في إيران
تعلن الإدارة الأمريكية أنها تحارب التهديد النووي والسياسة العدوانية للنظام وتؤكد السلطات الإيرانية أنها تدافع عن البلاد ضد التدخل الخارجي
لكن النتيجة بالنسبة للمواطن تبدو مختلفة
من جهة هناك الضربات والدمار والبطالة والتضخم وانقطاع الاتصالات والخوف من حرب جديدة ومن جهة أخرى هناك الاعتقالات والتأذيب وأحكام الإعدام والسيطرة الرقمية والقمع القسري لأي احتجاج
لقد وجد الإيرانيون أنفسهم محصورين بين حرب خارجية ودكتاتورية داخلية علما بأن كل نوع من العنف يعزز الآخر
فالقصف الأمريكي يعطي للنظام مبررا للممارسات القمعية والقمع يقنع جزءا من المعارضة بانتظار ضربات أمريكية جديدة والضربات الجديدة تعزز القومية والقومية توسع مؤقتا مساحة السلطة وتستغلها السلطة لإعدامات جديدة
وهكذا تتشكل دورة سياسية مغلقة لا يقرب فيها الضغط العسكري ولا الاتفاق المؤقت البلاد من الحرية والاستقرار
التقييم الأخير لترامب
بعد انهيار مذكرة يونيو حزيران تبقى أمام الرئيس الأمريكي ترامب ثلاثة خيارات
الأول هو مواصلة الحملة العسكرية مع الرهان على أن الضرر الإضافي سيجبر طهران على قبول شروط أشد قسوة ويمكن لهذا الطريق أن يضعف القوات المسلحة الإيرانية ولكنه سيرفع في الوقت نفسه من مخاطر الضربات على دول الخليج والقواعد الأمريكية والملاحة
والثاني هو العودة إلى صفقة مؤقتة جديدة والمبادلة مجددا لفتح المضيق مقابل تخفيف جزئي للحصار والعقوبات وسيعطي هذا الأسواق استراحة ولكنه سينقل الأزمة القادمة فقط إلى المستقبل
والثالث هو التخلي عن دبلوماسية المساومة اللحظية وبناء استراتيجية متعدّدة المستويات تنظيم البرنامج النووي ونظام الملاحة والتشكيلات المسلحة الإقليمية والعقوبات وإعادة إعمار البنية التحتية وحماية السكان المدنيين بشكل منفصل لكل منها
والطريق الثالث أكثر صعوبة فهو لا يعطي صورة جميلة على الفور ويتطلب مشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ودول الخليج والدول الأوروبية وباكستان وعُمان وغيرها من الوسطاء وستتطلب العملية مراحل وتفتيشات وضمانات وتبعات أوتوماتيكية لخرق الشروط وفهما دقيقا للتنازلات القابلة للعكس وتلك غير القابلة له
ولكن مثل هذه العملية فقط هي ما يمكنه تحويل وقف إطلاق النار إلى نظام سياسي
التوقيع لا يحل محل النصر
أثبت الرئيس الأمريكي ترامب أنه يجيد إجبار العالم على متابعة المفاوضات فهو قادر على تغيير الأجواء وتدمير الجمود الدبلوماسي وإجبار الحلفاء على دفع المزيد وإرغام الخصوم على مناقشة ما كانوا يرفضون مناقشته سابقا
لكن الاهتمام ليس استراتيجية والضغط ليس بنية والمذكرة ليست سلاما
لقد صمد النظام الإيراني أمام الضربات لأن واشنطن هاجمت قدراته ولم تفهم آلية بقائه وحافظت طهران على السلطة لأن الحرب الخارجية سمحت لها بتقديم العنف الداخلي كدفاع عن الدولة وأوقفت صفقة يونيو حزيران إطلاق النار مؤقتا لكنها تركت دون إجابات جميع الأسئلة التي جعلت نشوب حرب جديدة أمرا لا مفر منه
أراد ترامب عقد اتفاق يؤكد سمعته كصانع صفقات ونتج عن ذلك وثيقة لم تؤكد قوة أسلوبه بل حدوده
في السياسة الدولية لا يصبح الفائز من يعلن عن الاتفاق أولا بل يفوز من يخلق ظروفاً تصبح فيها العودة إلى الحرب غير مربحة والقمع الداخلي ساما سياسيا وخرق الالتزامات باهظ الثمن للغاية
لم تنشئ مذكرة فرساي مثل هذه الظروف
بل إنها اشترت مجرد بضعة أسابيع
وعندما انتهت الاستراحة المدفوعة الأجر عادت الحرب مع إيران أضعف ونظام أشد قسوة ونفط أغلى وفرص أقل بكثير للتوصل إلى سلام مستقر