كان من المفترض أن تصبح الحرب ضد إيران بالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب دليلا على القوة. فقد صممت العملية على أساس أن تستعيد الولايات المتحدة الصيغة القديمة لهيبتها: معلومات استخباراتية دقيقة، ضربة خاطفة، تدمير أهداف العدو، ثم فرض اتفاق بالشروط الأمريكية. أراد البيت الأبيض صورة انتصار من دون حرب طويلة، وتأثير استسلام من دون احتلال، ونتيجة استراتيجية من دون دفع ثمن استراتيجي.
لكن النتيجة جاءت مختلفة. فقد وجهت واشنطن بالفعل ضربات مؤلمة لإيران، وأصابت عناصر عسكرية ونووية وصاروخية وبنى تحتية رئيسية ضمن المنظومة الإيرانية. وأظهرت الحرب أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قوة عسكرية هائلة. لكنها كشفت في الوقت نفسه حقيقة أخرى، وهي أن حتى القوة العظمى القادرة على تدمير أهداف محصنة خلال ساعات يمكن أن تصبح عرضة لدولة لا تجيد الانتصار بالمعنى التقليدي، بل تتقن البقاء والابتزاز وإطالة أمد الصراع وتحويل الجغرافيا إلى سلاح.
لم تنتصر إيران في الحرب، لكنها لم تنكسر. وهذه هي النتيجة السياسية الأهم.
لقد أظهرت أزمة مضيق هرمز، والاتفاق الذي أعقبها، والخلافات حول الأموال، ومسألة إزالة الألغام، ومحاولات طهران الحفاظ على حقها في التحكم بمسارات الملاحة، ورفضها اللقاء المباشر مع المبعوثين الأمريكيين، أن إيران بعد الضربات لا تتصرف كطرف مهزوم، بل كلاعب تمكن من تجاوز العاصفة الأولى، وحافظ على جوهر نظامه، ويسعى الآن إلى تحويل قدرته على صناعة الفوضى إلى مكسب سياسي واقتصادي.
ومن هذا المنطلق، لم تكن حرب ترامب مجرد أزمة شرق أوسطية، بل أصبحت اختبارا عالميا للإرادة الأمريكية. وقد راقبت بكين وموسكو وبيونغ يانغ هذا الاختبار بدقة. فهي لم تر فقط قوة الصواريخ الأمريكية، بل رأت أيضا حدود قدرة الولايات المتحدة على الصمود السياسي والنفسي.
وجهت أمريكا ضربة قوية. لكن السؤال الأهم هو: لماذا؟
في الثامن والعشرين من فبراير عام ٢٠٢٦ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة من الضربات ضد إيران. وكان الهدف المعلن بالغ الطموح، ويتمثل في ممارسة الضغط على النظام، وتدمير عناصر البرنامجين النووي والصاروخي، وإضعاف القدرات العسكرية، وتهيئة الظروف، بمعناها السياسي الأوسع، لتغيير النظام. وقد سجل مجلس العموم البريطاني في مراجعته أن العملية بدأت بالفعل في الثامن والعشرين من فبراير، بينما أعلن وقف إطلاق نار مشروط في الثامن من أبريل.
وكان منطق العملية واضحا. فقد حول النظام الإيراني منذ زمن طويل برنامجه النووي إلى أداة للابتزاز الاستراتيجي. كما شكلت القوة الصاروخية، والحرس الثوري الإسلامي، وشبكات الوكلاء الممتدة من لبنان إلى العراق واليمن، والضغوط على دول الخليج، والتهديدات للملاحة البحرية، منظومة متكاملة تعلمت طهران من خلالها كيف ترفع تكلفة أي ضغط يمارس ضدها.
وصل ترامب إلى السلطة وهو يحمل سمعة السياسي الذي لا يريد تكرار السيناريو العراقي للرئيس جورج بوش الابن، ولا الدبلوماسية الحذرة التي انتهجها باراك أوباما. لقد كان يبحث عن طريق ثالث يقوم على ضربة قاسية، وإجبار الخصم بصورة استعراضية، ثم عقد صفقة. وقد نجح هذا النموذج في بعض الحالات السابقة. فاغتيال قاسم سليماني كان مثالا واضحا على ذلك، إذ تحقق من خلاله تأثير سياسي كبير بضربة قصيرة ومن دون اندلاع حرب واسعة. لكن إيران عام ٢٠٢٦ لم تكن مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت منظومة كاملة. والمنظومات لا يمكن القضاء عليها بغارة ليلية واحدة، حتى لو كانت ناجحة من الناحية التكتيكية.
يعشق الرئيس الأمريكي ترامب مفهوم الانتصار المطلق، وهو مفهوم يجد رواجا كبيرا داخل الثقافة السياسية الأمريكية. غير أن المسافة بين كلمة "السحق" في الخطاب التلفزيوني، وبين الواقع الفعلي لحال الخصم، مسافة شاسعة. وبعد الضربات التي استهدفت المنشآت الإيرانية، احتدم الجدل داخل الأوساط الأمريكية المتخصصة بشأن حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بالبنية التحتية النووية. فقد أشارت تقديرات إعلامية وخبراء إلى أن تصريحات ترامب حول "تدمير" منشآت فوردو ونطنز وأصفهان لا تنسجم مع تقييمات أكثر تحفظا تحدثت عن إضعاف كبير لقدرات البرنامج، وليس عن القضاء الكامل عليه.
وهذا الفارق ليس لغويا، بل استراتيجي. فمصطلح "التدمير" يعني إغلاق الملف، بينما يعني "الإضعاف" كسب الوقت فقط. ويبدو أن الولايات المتحدة ربحت الوقت، لكنها لم تحل المشكلة.
أدركت طهران أن البقاء أهم من الانتصار
ليس النظام الإيراني مضطرا إلى هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة. فهو لا يبني استراتيجيته على التماثل في القوة. ومهمته مختلفة تماما، إذ تتمثل في تجاوز الضربة، والحفاظ على هرم السلطة، وإقناع الداخل بأن النظام لم ينهر، وإقناع الخارج بأن الضغط على إيران مكلف إلى درجة لا تطاق.
وهذه هي المدرسة الإيرانية القديمة في فن البقاء السياسي. فمنذ انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، استوعبت طهران أن الطرف الضعيف في الجو والبحر يستطيع تعويض ذلك بالعمق الجغرافي، والصواريخ، وشبكات الوكلاء، والتعبئة العقائدية، والسيطرة على نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. وإيران نادرا ما تلعب على لوحة واحدة، بل تحرك عدة رقع شطرنج في الوقت نفسه.
على الرقعة الأولى يوجد البرنامج النووي. وحتى بعد تعرضه لأضرار، فإنه يظل ورقة تفاوض رئيسية. وقد أفادت تقارير بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن بعد الضربات السابقة من تفتيش ثلاثة مواقع رئيسية هي نطنز وفوردو وأصفهان، رغم استمرار عمليات التفتيش في المواقع المعلنة الأخرى. وهذا يعني أن السؤال الأهم، وهو الحالة الحقيقية للبرنامج النووي، ما زال غامضا من الناحيتين السياسية والفنية.
أما الرقعة الثانية فهي مضيق هرمز. فإيران ليست مضطرة إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تحقق هدفها. يكفي أن تخلق حالة من الخطر، وأن تدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها، وتجبر شركات الملاحة على تغيير مساراتها، وتدفع المتعاملين في الأسواق إلى إضافة علاوة حرب على الأسعار، وتجعل الحكومات تحسب تكلفة الوقود قبل الانتخابات.
والرقعة الثالثة هي التعبئة الداخلية. فكل ضربة أمريكية تمنح النظام فرصة للقول لشعبه إن البلاد محاصرة، وإن انتقاد السلطة يعني مساعدة العدو، وإن القمع ليس إلا دفاعا عن الوطن. وحتى الهزيمة يمكن تسويقها بوصفها تضحية بطولية إذا كانت ماكينة الدعاية تعمل بكفاءة كافية.
أما الرقعة الرابعة فهي الانقسام داخل الغرب. فكلما طال أمد الأزمة، اتسعت الفجوة بين مصالح الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ودول الخليج والدول الآسيوية المستوردة للطاقة. بالنسبة لواشنطن، المسألة تتعلق بإظهار القوة. أما بالنسبة لأوروبا فهي قضية أسعار وركود اقتصادي. وبالنسبة للصين والهند فهي قضية أمن الإمدادات. أما بالنسبة لملوك الخليج فهي قضية البقاء إلى جانب إيران بعد أن تغادر الطائرات الأمريكية المنطقة.
ولهذا السبب تحديدا استطاعت طهران أن تتجاوز روح التفاهمات بعد فترة قصيرة جدا من وقف إطلاق النار. فهي لم تكن تختبر نص الاتفاق بقدر ما كانت تختبر أعصاب واشنطن.
اتفاق قرأه كل طرف بطريقته الخاصة
لم يكن أخطر عناصر مرحلة ما بعد الحرب هو إطلاق النار نفسه، بل الضباب الذي أحاط بالاتفاق. فالوثيقة التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام الاستقرار تحولت منذ اللحظة الأولى إلى ساحة حرب للتفسيرات المتناقضة.
ووفقا لما نقلته وسائل إعلام غربية، فإن المذكرة الموقعة في السابع عشر من يونيو تضمنت مهلة مدتها ستون يوما لإجراء مفاوضات حول البرنامج النووي والأمن الإقليمي، مع اتخاذ خطوات لإعادة الحركة الطبيعية عبر مضيق هرمز. لكن في الثلاثين من يونيو أفادت تقارير بأن إيران رفضت عقد لقاء مباشر مع المبعوثين الأمريكيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الدوحة، وأصرت على تسوية شروط وقف إطلاق النار أولا، مع استمرار تمسكها بدور في إدارة حركة السفن عبر مضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عمان.
وهكذا، كانت واشنطن تعرض الاتفاق باعتباره طريقا نحو فرض السيطرة، بينما كانت طهران تقدمه باعتباره فترة هدنة تحتفظ خلالها بمساحة لمواصلة الضغط. أما دول الخليج فرأت فيه محاولة أمريكية لتخفيف كلفة الصراع على حسابها، في حين رأت إسرائيل فيه خطرا يتمثل في منح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس والحصول على الأموال وكسب الوقت.
وكانت قضية الحزمة المالية الأكثر إثارة للجدل. ففي النقاش السياسي الأمريكي، بدأ ينظر إليها بسرعة باعتبارها "دفعا لإيران". وأشارت تقارير إلى أن الحديث كان يدور حول آلية استثمار خاصة قد تصل قيمتها إلى ثلاثمائة مليار دولار، وليس عن برنامج حكومي للتعويضات أو المنح. لكن في السياسة لا تكفي الصيغة القانونية وحدها، بل إن الرسالة السياسية هي التي تحدد الانطباع.
وكانت هذه الرسالة مدمرة. فالدولة التي بنت طوال سنوات استراتيجية قائمة على الضغط، وهددت الملاحة الدولية، وطورت برنامجها الصاروخي، ودعمت شبكات مسلحة في أنحاء المنطقة، أصبحت بعد الحرب أمام احتمال الحصول على حزمة استثمارية ضخمة. وحتى لو لم تكن هذه الأموال تعويضات بالمعنى القانوني، فإن حلفاء الولايات المتحدة ينظرون إليها باعتبارها مكافأة على قدرة إيران على الإمساك بعنق الاقتصاد العالمي.
وهذا بالضبط ما تحاول إيران ترسيخه في خطابها، فهي لا تقدم الأمر بوصفه تنازلا من جانبها، بل اعترافا بقيمتها الاستراتيجية. وبالنسبة للنظام، فإن هذا الاعتراف أهم من الأموال نفسها، لأنه يمثل استعادة رمزية للمكانة بعد الضربات العسكرية.
مضيق هرمز: عنق الزجاجة الذي علقت فيه الاستراتيجية الأمريكية
ليس مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية تفصل بين إيران وسلطنة عمان، بل هو المكان الذي يصبح فيه الاقتصاد العالمي عرضة للخطر بصورة ملموسة. ووفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر المضيق خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٥ ما متوسطه عشرون مليونا وتسعمائة ألف برميل من النفط والسوائل الهيدروكربونية يوميا، وهو ما يعادل نحو عشرين في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وربع تجارة النفط المنقولة بحرا.
وهذه ليست أرقاما مجردة، بل هي أسعار الوقود، ومستويات التضخم، وتكاليف تذاكر الطيران، وأسعار الأسمدة، ونفقات النقل، وأسعار المواد الغذائية، والاستقرار السياسي للحكومات. ففي العالم الحديث أصبحت المضائق البحرية لا تقل أهمية عن القواعد الجوية وصوامع الصواريخ. ومن يمتلك القدرة على تهديد المضيق يستطيع التأثير في الأسواق أكثر مما تستطيع دول كثيرة تمتلك جيوشا كاملة.
وتدرك إيران هذه الحقيقة أكثر من غيرها. فهي ليست بحاجة إلى حاملات طائرات، بل يكفيها الألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والزوارق السريعة، والمنظومات الساحلية، والقواعد غير الواضحة لعبور السفن، وحالة الغموض الدائمة. وكانت تقارير قد أشارت منذ أبريل إلى أن الزوارق الإيرانية السريعة تكمل التهديد الذي تمثله الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام، بينما لم تصمم السفن التجارية للتصدي لهذا النوع من الهجمات.
وهنا بالتحديد ظهرت نقطة الضعف الحقيقية لدى الغرب. فالجيوش المتطورة قادرة على تدمير الأهداف، لكن الاقتصاد العالمي يعتمد على ممرات ضيقة يمكن شلها بوسائل منخفضة الكلفة. طائرة مسيرة واحدة، أو لغم واحد، أو ناقلة نفط متضررة، أو خلاف واحد حول مسار الملاحة، كفيلة بأن تجعل شركات التأمين تتحدث بصوت أعلى من التصريحات الدبلوماسية.
وعندما أعلنت إيران أنها لن تسمح لأي دولة بالمشاركة في إزالة الألغام من مضيق هرمز، وأن طهران وحدها تملك حق تحديد آلية تنفيذ هذه العمليات، لم يكن ذلك اعتراضا فنيا، بل كان مطالبة بالسيطرة السياسية على العصب الرئيسي للطاقة العالمية.
الصين وروسيا وكوريا الشمالية كانت تراقب الصبر لا الصواريخ
قد لا يظهر أكبر ضرر لحق بالولايات المتحدة في الخليج العربي، بل في مناطق أبعد بكثير.
فبكين لا تدرس القوة الأمريكية وحدها، وإنما تدرس أيضا استعداد الولايات المتحدة لدفع ثمن هذه القوة. وسيكون ذلك عاملا حاسما في أي سيناريو يتعلق بتايوان. فالاستراتيجية الصينية تقوم على عامل الزمن، وتركيز القوة، والضغط النفسي، والاقتناع بأن الديمقراطيات الغربية تتعب من الأزمات أسرع من الأنظمة السلطوية. وإذا أظهرت واشنطن أنها مستعدة لتوجيه الضربة، لكنها تسعى في أسرع وقت إلى الخروج من الصراع عبر اتفاق، فإن بكين ستخلص إلى نتيجة واضحة، وهي أن السؤال ليس ما إذا كانت أمريكا قادرة على إطلاق النار، بل ما إذا كانت قادرة على مواصلة المواجهة حتى النهاية.
ويشكل مضيق تايوان نسخة أكثر تعقيدا من مضيق هرمز. فقد قدرت دراسات أن بضائع تبلغ قيمتها نحو تريليونين وأربعمائة وخمسين مليار دولار مرت عبر مضيق تايوان خلال عام ٢٠٢٢، وهو ما يزيد على خمس التجارة البحرية العالمية. ولا يتعلق الأمر هناك بالنفط فقط، بل أيضا بالحاويات، والإلكترونيات، والمكونات الصناعية، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد الخاصة باليابان وكوريا الجنوبية والصين والولايات المتحدة وأوروبا.
وإذا كانت إيران قد نجحت في دفع واشنطن إلى التفاوض حول مضيق هرمز، فقد تطرح الصين على نفسها سؤالا بسيطا: ماذا سيحدث إذا مورس الضغط حول تايوان؟ ليس بالضرورة عبر غزو عسكري، بل من خلال فرض حجر بحري، أو حصار جزئي، أو عمليات تفتيش، أو مناورات صاروخية، أو تهديد السفن، أو شن هجمات إلكترونية على الموانئ، أو إثارة صدمة في قطاع التأمين. ففي العالم الحديث قد لا يكون الحصار حدثا مفاجئا، بل عملية تدريجية، وقد لا يكون إعلان حرب، بل سلسلة من "إجراءات السلامة".
أما موسكو، فسوف تستخلص هي الأخرى دروسها الخاصة. فمنذ سنوات تبني روسيا حساباتها على إرهاق الغرب. وهي لا تسعى في أوكرانيا بالضرورة إلى تحقيق انتصار خاطف، بل إلى إثبات قدرتها على الصمود مدة أطول، وإلحاق أضرار أكبر، وانتظار التحولات السياسية داخل عواصم خصومها. وإذا كانت أمريكا لا تحب الصراعات الطويلة حتى عندما تختار بنفسها توقيت الضربة، فإن الكرملين سيرى في ذلك دليلا إضافيا على أن الزمن ما زال سلاحا فعالا.
أما كوريا الشمالية فسترى درسا ثالثا. فالابتزاز النووي والصاروخي يكون أكثر فعالية عندما يخشى الخصم ليس الضربة الأولى، بل سلسلة النتائج غير المتوقعة التي قد تليها. وقد بنت بيونغ يانغ منذ زمن طويل استراتيجيتها على منطق "الضعيف الخطير"، فكلما ارتفعت كلفة الإكراه، اتسعت مساحة بقاء النظام.
حلفاء الولايات المتحدة تلقوا درسا غير مريح
تحولت هذه الحرب بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة إلى مصدر قلق عميق. فقد أدركت إسرائيل أن القوة الأمريكية ضرورية، لكن الإرادة السياسية الأمريكية لا تتطابق دائما مع المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي. فبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل إيران تهديدا وجوديا، أما بالنسبة إلى ترامب فهي خصم خطير، لكنه قابل للتفاوض. وهاتان زاويتان مختلفتان تماما.
أما دول الخليج فقد رأت مشهدا أكثر تعقيدا. فهي تريد الحماية الأمريكية، لكنها لا تريد أن تتحول إلى خط المواجهة الأول في حرب ليست حربها. فالسعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان تعيش جميعها بجوار إيران. وبالنسبة إليها لا تنتهي الحرب بمؤتمر صحفي في واشنطن. فإذا وجه البيت الأبيض ضربة، ثم عقد اتفاقا، ثم ترك اللاعبين الإقليميين يواجهون نتائج الصراع، فمن الطبيعي أن تشعر هذه الملكيات الخليجية بالقلق من أن تكون الاستراتيجية الأمريكية مؤقتة، بينما يكون الانتقام الإيراني طويل الأمد.
ومن جانبها أدركت أوروبا أن اعتمادها على الممرات البحرية لا يزال هائلا. وقد حذرت دراسات صدرت في يونيو عام ٢٠٢٦ من أن التهديدات التي تستهدف تايوان، وقناة بنما، وقناة السويس، وغيرها من نقاط الاختناق البحرية، قد تؤدي إلى صدمات اقتصادية لا تقل خطورة عن أزمة مضيق هرمز، وربما تتجاوزها في بعض السيناريوهات.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد تقتصر على إيران وحدها، بل أصبحت مرتبطة ببنية التجارة العالمية نفسها. فقد بنى الغرب طوال عقود نظام العولمة على أساس الكفاءة، لا على أساس القدرة على الصمود. مخزونات محدودة، وسلاسل إمداد طويلة، وتأمين منخفض الكلفة، ومضائق يمكن التنبؤ بها، ومسارات مستقرة. لكن اتضح الآن أن الكفاءة نفسها أصبحت نقطة ضعف.
ترامب أراد صفقة وإيران أرادت اعترافا
في سياسة ترامب نقطة قوة واضحة، فهو يجيد كسر الجمود، وقادر على اتخاذ خطوات لم يجرؤ عليها أسلافه، ولا يخشى استخدام القوة، ويفهم تأثير المفاجأة وأهمية الضغط النفسي العلني.
لكن لهذا النموذج نقطة ضعف أيضا، إذ يصعب نجاحه أمام خصم لا يحتاج إلى صفقة سريعة. فالمنظومة الإيرانية بنيت على الصراع الطويل، وهي تعرف كيف تعيش تحت العقوبات، وتقمع المجتمع، وتتفاوض عبر الوسطاء، وتخفي خسائرها الحقيقية، وتحول المفاوضات إلى امتداد للحرب.
كان ترامب يريد اتفاقا يؤكد انتصاره، بينما أرادت إيران مفاوضات تثبت أنها لا يمكن أن تدمر بالقوة. وقد حصل كل طرف على جزء مما أراده، لكن المكسب الاستراتيجي الأكبر كان من نصيب الطرف الذي تمكن، بعد الضربات، من البقاء على طاولة المفاوضات والاستمرار في الجدل حول الثمن.
ولهذا تبدو مرحلة ما بعد الحرب أخطر من الحرب نفسها. أثناء القصف كانت الأدوار واضحة، أما بعد الاتفاق فقد بدأت معركة تفسير المعاني. تقول واشنطن إنها أجبرت إيران على إعادة فتح المضيق، بينما تقول طهران إنها احتفظت بحق مناقشة الشروط. وتقول واشنطن إن البرنامج النووي تراجع سنوات إلى الوراء، بينما تؤكد طهران أن المفتشين لا يسيطرون على جميع العناصر الأساسية. وتصف واشنطن الأموال بأنها استثمارات، بينما يقول النظام الإيراني لشعبه إن العدو سيدفع ثمن الأضرار.
وفي مثل هذه الحروب، يصبح المعنى أحيانا أكثر أهمية من المباني المدمرة.
ثمن الحرب: ليس المال وحده بل الثقة أيضا
كان للحرب ضد إيران ثمن مادي واضح. فقد سقط ضحايا، ودمرت بنى تحتية، وتضررت سفن، وارتفعت الأسعار، وازدادت النفقات العسكرية، وتعطلت سلاسل النقل والإمداد. كما أشارت تقارير إلى أن آلاف الإيرانيين قتلوا منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، فيما قدرت بعض التقييمات عدد القتلى بنحو ثلاثة آلاف وستمائة وستة وثلاثين بحلول أبريل. كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن قيمة المعدات العسكرية الأمريكية المدمرة تراوحت بين مليارين وثلاثمائة مليون دولار ومليارين وثمانمائة مليون دولار.
لكن الثمن الأكبر كان تراجع الثقة في الكلمة الأمريكية. فالقوة العظمى لا تقوم فقط على حاملات الطائرات، بل تقوم أيضا على اقتناع الحلفاء والخصوم بأن وعودها ذات مصداقية. فإذا أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، فماذا يعني ذلك تحديدا؟ هل يعني توجيه ضربة؟ أم تغيير النظام؟ أم عمليات تفتيش؟ أم اتفاقا؟ أم هدنة مؤقتة؟ أم عقوبات؟ أم حزمة استثمارية جديدة؟
وعندما تتغير الصيغة باستمرار، يبدأ الحلفاء في البحث عن بدائل. فإسرائيل تتحرك بصورة أكثر استقلالا، ودول الخليج تبحث عن قنوات اتصال مع طهران وبكين، وأوروبا تتحدث عن الاستقلالية لكنها لا تمتلك القوة الكافية، وآسيا تعيد حساباتها بشأن المخاطر المحيطة بتايوان. أما خصوم الولايات المتحدة فيستخلصون نتيجة مختلفة، وهي أن القوة الأمريكية هائلة، لكن استخدامها السياسي يخضع للدورة الداخلية، واستطلاعات الرأي، وأسعار الوقود، ورغبة الرئيس في إعلان النصر.
وهذا لا يعني نهاية القيادة الأمريكية، لكنه يعني بداية تآكلها.
ثلاثة سيناريوهات بعد الحرب: هدنة أم انهيار أم إعادة بناء كبرى
السيناريو الأول هو الهدنة المدارة. تتمكن الولايات المتحدة وإيران والوسطاء ودول الخليج من الحفاظ على حد أدنى من خفض التصعيد. يعمل مضيق هرمز، وإن ظل تحت ضغط سياسي. تستمر المفاوضات ببطء. تحصل إيران على متنفس اقتصادي محدود، وتعلن واشنطن أنها منعت حربا كبرى. هذا هو السيناريو الأكثر راحة للأسواق، والأكثر إزعاجا لمن كانوا يريدون حلا نهائيا للمشكلة الإيرانية. فهو لا يحل المسألة، بل يجمدها.
السيناريو الثاني هو الانهيار. تفشل المفاوضات، وتعود إيران إلى الضغط على المضيق، وترد الولايات المتحدة بضربات، وتتحرك إسرائيل بصلابة أكبر، وتنشط شبكات الوكلاء في لبنان والعراق وسوريا واليمن. في هذه الحالة تعود الحرب، لكن بصيغة أخطر، لأن الخصوم يكونون قد درسوا نقاط ضعف بعضهم بعضا، بينما تصبح الأسواق أكثر توترا.
السيناريو الثالث هو إعادة بناء كبرى للمعمار الإقليمي. تحاول الولايات المتحدة إنشاء نظام جماعي لحماية الممرات البحرية بمشاركة الناتو، ودول الخليج، وإسرائيل، وربما بعض الشركاء الآسيويين. وهذا يتطلب ليس السفن فقط، بل إرادة سياسية مشتركة، وتخطيطا مسبقا، ومخزونات، ومسارات بديلة، وقدرات لمكافحة الألغام، وآليات تأمين، وتنويعا للطاقة، واستعدادا للرد مسبقا على التهديدات غير المتكافئة.
المشكلة أن السيناريو الثالث هو الأكثر عقلانية، وفي الوقت نفسه الأكثر صعوبة. فهو يتطلب قدرا من الانضباط غالبا ما تفتقر إليه الديمقراطيات الغربية: الاستعداد للأزمة قبل أن تتحول إلى دراما تلفزيونية.
الدرس الأهم: يمكن جرح القوة العظمى في مكان لا تملك فيه درعا
أظهرت الحرب ضد إيران مفارقة القوة الحديثة. تستطيع الولايات المتحدة تدمير المنشآت، واعتراض الصواريخ، وإدارة الاستطلاع الفضائي، وتنفيذ عمليات سيبرانية، والحفاظ على بنية عسكرية هائلة في المنطقة. لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة بسيطة، وهي أن الاقتصاد العالمي يمر عبر ممرات بحرية ضيقة، وأن الإرادة السياسية للديمقراطيات تمر عبر ممرات أضيق داخل السياسة الداخلية.
وقد ضربت إيران هناك تحديدا، ليس بالضرورة عسكريا، بل من خلال إظهار أن المضيق يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض، وأن النفط يمكن أن يرتفع سعره، وأن التأمين يمكن أن يوقف السفن، وأن الحلفاء قد يبدأون في الجدال حول من يدفع، ومن يزيل الألغام، ومن يقود، ومن يتحمل المسؤولية.
أراد ترامب أن يثبت أن أمريكا قادرة من جديد على بث الخوف. وقد أثبت ذلك جزئيا. لكنه أظهر في الوقت نفسه أن الخوف من الضربة الأمريكية لم يعد يعني الثقة في الاستراتيجية الأمريكية. وهذان أمران مختلفان.
القوة من دون صبر تتحول إلى ومضة. والصفقة من دون هدف واضح تتحول إلى هدنة بين أزمتين. والضربة من دون نهاية سياسية تمنح الخصم فرصة لأن يسمي بقاءه انتصارا.
لا تبدو إيران اليوم منتصرة. فبنيتها التحتية تضررت، واقتصادها منهك، ومجتمعها مكبوت، ونظامها مضطر إلى التفاوض تحت الضغط. لكنها حققت أمرا مهما: أجبرت الولايات المتحدة على مناقشة ليس فقط شروط تقييدها، بل أيضا ثمن موافقتها على عودة مؤقتة إلى الوضع الطبيعي.
بالنسبة إلى واشنطن، هذه نتيجة مقلقة. وبالنسبة إلى بكين وموسكو وبيونغ يانغ، فهي مادة للدراسة. وبالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة، فهي سبب لإعادة حساب المخاطر. أما بالنسبة إلى العالم كله، فهي تحذير واضح: قد لا تبدأ الحرب الكبرى المقبلة حيث تقف الجيوش، بل حيث يفصل مضيق ضيق بين النظام العالمي والابتزاز العالمي.
لم تنته حرب ترامب ضد إيران بانتصار حقيقي. لقد انتهت بسؤال لم تقدم له أمريكا حتى الآن جوابا مقنعا: هل هي مستعدة للدفاع عن النظام العالمي ليس فقط بالضربة الأولى، بل أيضا بإرادة طويلة وباردة ومرهقة؟
هذا بالضبط ما سيختبره جميع خصومها الآن.