في السياسة العالمية ثمة موضوعات لا تعيش في الأرشيف بل في دهاليز السلطة. وهي لا تطفو على السطح عندما يعثر المؤرخون على وثيقة جديدة، بل عندما تحتاج الدول إلى أدوات ضغط. إنها لا تشرح الماضي بقدر ما تخدم الحاضر. لقد تجاوز تاريخ أحداث عام 1915 وحملة الاعتراف الدولي بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" حدود النقاش الأكاديمي منذ زمن طويل. ولم يعد الأمر يقتصر على مجرد مسألة ذاكرة أو ألم أو وثائق أو إحصائيات أو مصطلحات، بل تحول إلى تكنولوجيا سياسية.
بالنسبة لتركيا، أصبح هذا الموضوع بمثابة لغم دبلوماسي موقوت. إنه لا ينفجر كل يوم، بل يمكن أن يظل لسنوات تحت سطح علاقات أنقرة مع واشنطن، وباريس، وبرلين، وبروكسل، وتل أبيب، وإيريفان. ولكن في لحظات الأزمات، يتذكر شخص ما حتماً أين يقع المفجر. برلمان واحد، أو قرار واحد، أو تصريح رئاسي واحد، أو حملة انتخابية واحدة، أو صراع واحد في شرق البحر الأبيض المتوسط، أو سوريا، أو غزة، أو القوقاز، أو داخل حلف شمال الأطلسي، كفيل بأن يحول الحدث التاريخي القديم مجدداً إلى أداة للضغط.
إن صيغة الاعتراف في حد ذاتها لا تجر تركيا إلى محكمة دولية، ولا تطلق عقوبات تلقائية، ولا تفتح طريقاً فورياً للتعويضات، وبالتأكيد لا تغير الحدود. من المهم استيعاب ذلك بواقعية. ولكن هنا تحديداً يكمن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام. فالخطر الرئيسي الذي يهدد أنقرة لا يتمثل في قرار قانوني واحد، بل يكمن في الأثر التراكمي: عندما تقوم عشرات الدول، والبرلمانات، والبلديات، والجامعات، والمؤسسات، ووسائل الإعلام، وهياكل الضغط بخلق غلاف أخلاقي وسياسي مكثف من الاتهام حول تركيا.
في ظل هذا الغلاف، تجد تركيا نفسها مضطرة للدفاع عن نفسها باستمرار؛ لتثبت وتوضح وتجادل، وتستدعي السفراء، وتدين القرارات، وتضغط على الحلفاء، وتحذر الشركاء، وتستنزف رأس مالها الدبلوماسي. وفي لحظة ما، يتوقف الماضي عن كون تاريخاً مضى، ويصبح عملة متداولة في سياسة اليوم. هذا المنطق تحديداً هو ما يرتكز عليه الطرح المقدم: التهديد القانوني لتركيا محدود، لكن التهديد السياسي والدبلوماسي والمتعلق بالسمعة أعمق بكثير.
ليس محاكمة بل فخ: لماذا يعد التهديد القانوني أضعف مما يبدو
الأسطورة الأكثر شيوعاً تبدو بسيطة: إذا اعترفت دول كافية بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن"، فستجد تركيا نفسها تلقائياً أمام محكمة دولية، وتجبر على دفع المليارات، وتواجه مطالب إقليمية. هذه الصيغة مؤثرة من الناحية السياسية، لكنها هشة للغاية من الناحية القانونية.
إن المفهوم الحديث للإبادة الجماعية مكرس في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وقد وقعت أحداث عام 1915 قبل اعتماد هذه الاتفاقية. وهذا وحده يثير سؤالاً جوهرياً: هل يمكن تطبيق قاعدة قانونية بأثر رجعي على أحداث وقعت قبل توثيقها في معاهدة؟ في القانون الدولي، لا يعد هذا الأثر الرجعي إجراءً بسيطاً، بل يتطلب على العكس من ذلك حججاً معقدة للغاية.
العائق الثاني هو طرف المسؤولية. فالجمهورية التركية الحديثة ليست الدولة العثمانية بالمعنى المؤسسي الحرفي. نعم، يمكن استخدام مسألة الخلافة القانونية في السجالات السياسية والقانونية. ونعم، سيزعم خصوم أنقرة أن الجمهورية ورثت جزءاً من التزامات الدولة العثمانية وأرشيفها وأراضيها وممتلكاتها وشخصيتها الدولية. ولكن تفصل بين هذه الحجج والقرار القضائي مسافة شاسعة.
العائق الثالث هو الولاية القضائية. من الذي يجب أن ينظر في مثل هذا النزاع؟ محكمة العدل الدولية؟ المحاكم الوطنية لدول معينة؟ المحاكم الأوروبية؟ محكمة خاصة؟ كل خيار يصطدم بمشكلة موافقة الأطراف، وحصانة الدولة، والتقادم، وقاعدة الأدلة، والضرر المحدد، والقانون الواجب التطبيق.
كانت قضية بيرينشيك ضد سويسرا واحدة من أهم الإشارات في هذا النقاش. فقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن الإدانة الجنائية للسياسي التركي دوغو بيرينشيك في سويسرا بسبب إنكاره التكييف القانوني لأحداث عام 1915 انتهكت حرية التعبير. لم تعترف المحكمة بالموقف التاريخي التركي على أنه الموقف الصحيح الوحيد، لكنها أظهرت أن القانون الأوروبي ليس مستعداً لتحويل هذه المسألة تلقائياً إلى عقيدة قانونية جنائية مطلقة.
هذا أمر بالغ الأهمية. فالقانون الدولي لا يعمل مثل عناوين الصحف. يمكن للبرلمان أن يتبنى قراراً أخلاقياً وسياسياً، لكن المحكمة يجب أن تجيب على أسئلة أخرى: أين الوثيقة، وأين الولاية القضائية، وأين القاعدة الواجبة التطبيق، وأين الطرف المسؤول، وأين العلاقة السببية، وأين آلية التنفيذ؟
لذلك، لا تخشى تركيا صباح الغد الذي قد تلزمها فيه محكمة دولية افتراضية فجأة بدفع تعويضات. بل تخشى أنقرة أمراً آخر: أن تصبح الصيغة الأخلاقية خطوة أولى في سلم طويل يؤدي إلى مطالب مالية وسياسية.
التاريخ كعصا غليظة: لماذا تستدعي الدول عام 1915 في لحظات الأزمات تحديداً
نادراً ما تتحرك الذاكرة التاريخية من تلقاء نفسها، ففي السياسة تحركها المصالح.
عندما تكون علاقات تركيا مع الغرب مستقرة، غالباً ما يتراجع موضوع أحداث عام 1915 إلى الخلفية، ويتحدث عنه منظمات المغتربين والأكاديميون والناشطون وبعض النواب. ولكن عندما تدخل أنقرة في صراع حاد مع لاعبين كبار، يعود هذا الملف سريعاً إلى صدارة المشهد.
كان هذا هو الحال في علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، وكذلك في علاقاتها مع فرنسا، وفي النقاشات الأوروبية حول حقوق الإنسان وحرية التعبير وعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي وقبرص واليونان وسوريا والقضية الكردية وشراء منظومات إس-400 الروسية والتعاون العسكري ودور أنقرة في حلف شمال الأطلسي. لا يوجد موضوع عام 1915 بمعزل عن غيره تقريباً، بل يصبح شحنة سياسية إضافية تضاف إلى صراع قائم بالفعل.
وأحدث مثال على ذلك هو إسرائيل. ففي 28 يونيو 2026، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي بالإجماع على مقترح للاعتراف رسمياً بالمجازر الجماعية للأرمن في الدولة العثمانية كإبادة جماعية؛ ولا يزال القرار يتطلب موافقة الكنيست لإعطائه الصيغة النهائية. جاءت هذه الخطوة على خلفية تدهور عميق في العلاقات بين إسرائيل وتركيا. هذا السياق تحديداً يجعل القرار دلالة واضحة: لم يتنشط الموضوع في فراغ، بل في لحظة مواجهة سياسية حادة.
لقد تجنبت إسرائيل هذا السؤال بحذر لعدة عقود. وكان السبب واضحاً: العلاقات مع تركيا، والتوازن الاستراتيجي، والمصالح الإقليمية، وذكرى الهولوكوست، وعدم الرغبة في توسيع نطاق القياسات التاريخية. ولكن عندما انهارت العلاقات مع أنقرة، حل الحذر القديم محله إرسال إشارات سياسية. هذه ليست مجرد لفتة تجاه أرمينيا، بل هي ضربة للموقف الأخلاقي لتركيا.
المنطق هنا واضح تماماً. تركيا تنتقد إسرائيل بسبب غزة، وتطمح إلى القيادة الأخلاقية في العالم الإسلامي، وتتحدث عن الجرائم ضد الفلسطينيين. وفي المقابل، تشهر إسرائيل الورقة التاريخية وتقول: قبل أن تعلّمنا الأخلاق، انظر إلى ماضيك. هكذا يتحول الملف التاريخي إلى سلاح دبلوماسي.
حرب السمعة: لماذا تعد الوصمة أخطر على تركيا من الغرامة
لا تحارب الدول الحديثة بالدبابات والطائرات المسيرة والعقوبات والتعريفات الجمركية فحسب، بل تحارب بالسمعة أيضاً.
لقد بنَت تركيا على مدى العقدين الماضيين نظاماً قوياً للنفوذ الخارجي. ولا يقتصر الأمر على الجيش والطائرات المسيرة والقواعد والدبلوماسية والتجارة، بل يشمل أيضاً المسلسلات التلفزيونية والجامعات والمؤسسات الإنسانية والهياكل الدينية والمراكز الثقافية والعالم التركي وذكرى الدولة العثمانية والوساطة بين الأطراف المتنازعة ومساعدة الجاليات المسلمة ودبلوماسية البنية التحتية وممرات الطاقة والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى وإفريقيا.
لا تريد أنقرة أن تبدو مجرد قوة إقليمية، بل تطمح إلى أن تكون مركزاً حضارياً.
لهذا السبب يبدو موضوع "الإبادة الجماعية للأرمن" المزعومة مؤلماً للغاية بالنسبة للسياسة الخارجية التركية. إنه لا يضرب مجرد خلاف أرشيفي، بل يضرب الصورة الأخلاقية لتركيا. فعندما تتحدث أنقرة عن العدالة، يتم تذكيرها بعام 1915. وعندما تتهم تركيا أوروبا بالاستعمار، يتم الرد عليها بالدولة العثمانية. وعندما يتحدث السياسيون الأتراك عن فلسطين، يثير خصومهم القضية الأرمنية. وعندما تبني تركيا صورة المدافع عن المظلومين، يحاول خصومها تصويرها كوارثة لجريمة تاريخية.
هذا ليس حكماً قانونياً، بل هو تآكل للسمعة.
يعمل هذا تآكل ببطء. فهو لا يغلق الموانئ التركية، ولا يتسبب في انهيار الليرة، ولا يلغي الصادرات، ولا يدمر قطاع السياحة. ولكنه يجعل تركيا أكثر سمية في أوساط سياسية معينة: في البرلمانات الغربية، والجامعات، ومنظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات الثقافية، ومراكز الخبراء، والبلديات، ووسائل الإعلام، وشبكات المغتربين.
بالنسبة لدولة تطمح إلى مكانة القطب المستقل، فإن هذا أمر خطير. فالقوة الناعمة تقوم على الثقة والتعاطف والإقناع الأخلاقي. وإذا قام الخصوم بدمج ملف اتهام تاريخي في صورتها باستمرار، فإن هذه القوة الناعمة تبدأ في التعثر.
الجاليات المغتربة كآلة سياسية: من يحول الذاكرة إلى جماعات ضغط
لطالما كانت الجالية الأرمنية في الخارج أحد المحركات الرئيسية للحملة الدولية للاعتراف بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن". ولا تكمن قوتها في عددها فحسب، بل في انضباطها المؤسسي.
في الولايات المتحدة وفرنسا وكندا ولبنان والأرجنتين وروسيا وعدد من الدول الأخرى، تجيد المنظمات الأرمنية العمل مع البرلمانات والأحزاب والجامعات ووسائل الإعلام والبلديات والمحاكم والمتاحف والمؤسسات ومجتمع الخبراء. إنهم لا يحافظون على الذاكرة فحسب، بل يترجمونها إلى عمل سياسي.
الآلية هي نفسها تقريباً في كل مرة. أولاً، يتم إنشاء إطار أخلاقي: الاعتراف كواجب على العالم المتحضر. ثم يتم تشكيل إطار انتخابي: الجالية الأرمنية ككتلة ناخبة مؤثرة. بعد ذلك يظهر الإطار البرلماني: القرارات وجلسات الاستماع والبيانات ومشاريع القوانين. ثم يتم تفعيل الإطار الدبلوماسي: الضغط على تركيا، والطلبات المقدمة للحكومات، والقيود على التعاون العسكري، والمطالب المتعلقة بالمناهج الدراسية، والأنشطة الثقافية، وسياسات إحياء الذكرى.
هنا تحديداً تواجه تركيا مشكلة لا يمكن حلها بمجرد احتجاج من وزارة الخارجية. يمكن لأنقرة أن تستدعي سفيرها، ويمكنها أن تدين القرار، ويمكنها أن تعلن عن الدوافع السياسية للقرار، لكنها لا تستطيع ببساطة إلغاء شبكة نفوذ بُنيت على مدى عقود في المجتمعات الغربية.
يكتسب هذا موضوع حساسية خاصة في الولايات المتحدة. فالسياسة الأمريكية مبنية بطريقة تجعل الجاليات المنظمة جيداً قادرة على التأثير على أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ والحكام والسلطات المحلية والبرامج الحزبية. قد تكون تركيا حليفاً مهماً في حلف شمال الأطلسي، لكن يمكن لسيناتور بمفرده أن يستخدم ملف عام 1915 عند مناقشة إمدادات الأسلحة أو العقوبات أو حقوق الإنسان أو سوريا أو شرق البحر الأبيض المتوسط أو علاقات أنقرة مع موسكو.
في فبراير 2026، حذف مكتب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس منشوراً وُصفت فيه أحداث عام 1915 بالإبادة الجماعية، وصرح بعد ذلك بأن الأمر كان خطأً من الموظفين. أظهر هذا الحدث مدى حساسية وتفجر هذا الملف حتى بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب، التي لا ترغب في استفزاز تركيا دون داعٍ.
هذه هي جوهر المشكلة: حتى عندما تريد السلطة التنفيذية توخي الحذر، فإن البيئة السياسية تولد ضغطاً مستمراً.
العقوبات ممكنة ولكن ليست تلقائية: أين يقع الخط الأحمر الحقيقي
هل يمكن أن يؤدي الاعتراف الجماعي بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" إلى فرض عقوبات على تركيا؟ من الناحية النظرية، نعم. أما من الناحية العملية، فذلك يحدث نادرًا، وبشكل غير مباشر ومحدود.
لا يوجد قرار برلماني واحد يفرض عقوبات بحد ذاته؛ فهو لا يحظر البنوك، ولا يمنع الصادرات، ولا يجمد الأصول، ولا يوقف العقود العسكرية. لكنه يخلق أرضية سياسية لاتخاذ قرارات أخرى.
السيناريو الأكثر احتمالًا هو اتخاذ تدابير رمزية: إلغاء الزيارات، وتوجيه المذكرات الدبلوماسية، واستدعاء السفراء، وإصدار البيانات البرلمانية، وتجميد صيغ معينة من الحوار. هذا أمر مزعج، لكنه ليس قاتلًا.
السيناريو الثاني هو الضغط على صفقات الدفاع، وهنا تبدو المخاطر أكثر واقعية بكثير. تعتمد تركيا على التكنولوجيا الغربية، وتحديث الطيران، والمكونات المنفصلة، والقنوات المالية، وتراخيص التصدير، والمخططات المعقدة للتفاعل العسكري التقني. ومع كل صراع مع أنقرة، يمكن لخصومها في الكونجرس الأمريكي أو البرلمانات الأوروبية استخدام الملف التاريخي كحجة إضافية ضد إمدادات الأسلحة.
السيناريو الثالث هو القيود الشخصية. من الناحية النظرية، يمكن لدول معينة فرض تدابير ضد أفراد أو منظمات أو هياكل تتهمها بالإنكار، أو الضغط على المؤرخين، أو ملاحقة المنظمات الأرمنية، أو القيام بأنشطة دعائية. لكن هذا يتطلب قرارًا سياسيًا مستقلًا.
السيناريو الرابع هو الضغط الأوروبي. ففي تقارير الاتحاد الأوروبي، يمكن ربط هذا الموضوع بحقوق الإنسان، وحرية التعبير، والذاكرة التاريخية، والعلاقات مع الجيران، والمعايير الديمقراطية. بالنسبة لتركيا، هذه ليست ضربة قاضية، بل هي طبقة أخرى من عدم الثقة.
والأهم من ذلك: أن تهديد العقوبات لا يعمل كزر تلقائي، بل كحجة سمية إضافية. فعندما تجادل تركيا الغرب بالفعل بشأن سوريا، أو روسيا، أو حلف شمال الأطلسي، أو قبرص، أو اليونان، أو الهجرة، أو الطاقة، أو السياسة الداخلية، فإن موضوع عام 1915 يتحول بسهولة إلى مضخم للضغط.
التعويضات: حلم صاخب وبنية قانونية ضعيفة
تمثل التعويضات الجزء الأكثر عاطفية في الحملة بأكملها، ولها صدى قوي: تعويضات لأحفاد القتلى والمرحلين، واستعادة الممتلكات، ومدفوعات التأمين، وممتلكات الكنيسة، والمواقع الثقافية، والأرشيفات، والعقارات، والحسابات المصرفية.
ولكن المطالبة السياسية والنصر القانوني شيئان مختلفان.
ولتحقيق تعويضات حقيقية، يتعين على مقدمي الطلبات المرور عبر حقل ألغام كامل؛ إذ يجب إثبات اختصاص المحكمة، وتبرير تطبيق القانون، وربط الجمهورية التركية الحديثة بأفعال الدولة العثمانية، وإظهار أضرار محددة، وتأكيد حقوق ورثة معينين، وتجاوز التقادم وحصانة الدولة والقيود الإجرائية، والتوصل إلى قرار قابل للتنفيذ.
وهذا أمر صعب للغاية.
يمكن لبرلمان فرنسا، أو كندا، أو ألمانيا، أو الولايات المتحدة، أو إسرائيل اتخاذ قرار سياسي، لكن المحكمة لا تصدر حكمًا بناءً على قرار واحد. المحكمة تنظر في الوثائق، والقواعد، والمهل الزمنية، وحقوق الملكية، وخطوط الميراث، والمعاهدات الدولية، وحدود اختصاصها.
ولذلك، فإن الحديث عن التعويضات ليس خطرًا على تركيا لأن الالتزام بدفع المليارات سينشأ غدًا، بل تكمن الخطورة في شيء آخر: أن الموضوع نفسه سيحافظ على الضغط السياسي لعقود من الزمن. وحتى القضايا والحملات والمبادرات الخاسرة يمكن أن تبقي تركيا مدرجة في أجندة الاتهام.
إنها حرب استنزاف طويلة؛ ليست حربًا خاطفة قانونية، بل جبهة مستمرة.
الأراضي: أسطورة صاخبة وممارسة شبه مستحيلة
إن المسألة الأكثر إيلامًا للدولة التركية ليست المال، بل الحدود.
تظهر في الأوساط السياسية وأوساط الجاليات الأرمنية من وقت لآخر إشارات إلى الخرائط التاريخية، وأرمينيا الويلسونية، والأراضي المفقودة، والعدالة الرمزية، وإرث أوائل القرن العشرين. يمكن لهذه الأفكار أن تحشد الجمهور، وتعمل في المسيرات، والمقالات، والخطب، وسياسات الذاكرة. ولكن في القانون الدولي الحقيقي، فإن احتمال مراجعة حدود تركيا على أساس الاعتراف بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" هو أمر ضئيل عمليًا.
حدود تركيا مثبتة بموجب معاهدات دولية، وفي مقدمتها معاهدة لوزان لعام 1923. ويتعامل النظام الدولي الحديث بحذر شديد مع مراجعة الحدود، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة كبيرة، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وقوة إقليمية، ودولة يزيد عدد سكانها عن 85 مليون نسمة، وتسيطر على مضائق ذات أهمية حيوية، ولها أهمية هائلة لأوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز.
ويبقى السيناريو الإقليمي المتعلق بتركيا شعارًا سياسيًا وليس برنامجًا قانونيًا واقعيًا.
ومع ذلك، فهو لا يزال خطيرًا؛ ليس لأنه يمكن تنفيذه، بل لأنه يؤثر على التفكير الاستراتيجي التركي. بالنسبة لأنقرة، تبدو الأحاديث الرمزية عن الأراضي بمثابة تأكيد لأسوأ المخاوف: أن الاعتراف سيكون الخطوة الأولى نحو التعويضات، والتعويضات نحو الممتلكات، والممتلكات نحو الأراضي، والأراضي نحو تفكيك الجمهورية.
ولذلك، تقاوم تركيا بشدة الصيغة الأولى بالذات؛ فهي لا تريد فتح الباب الذي تعتقد أنه قد يطلق رد فعل متسلسلًا.
أرمينيا والجاليات ومأزق التطبيع
يخلق الاعتراف الدولي بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" مفارقة؛ فمن الناحية الرسمية، يعزز الموقف الأرمني، لكنه من الناحية العملية يمكن أن يعقد التطبيع الأرمني التركي.
بالنسبة ليريفان والجاليات، يبدو الاعتراف بمثابة نصر أخلاقي؛ فكلما اعترفت دول أكثر، زاد الشعور بالحق التاريخي، وينشأ توقع مفاده: إذا اعترف العالم، فعلى تركيا أن تتنازل، وإذا لم تتنازل تركيا، فيجب زيادة الضغط.
أما بالنسبة لأنقرة، فالصورة معكوسة؛ فكلما زادت الاعترافات، زادت الشكوك. وتبدأ الدولة التركية في رؤية كل صيغة أسف ليس كبادرة إنسانية، بل كفخ محتمل. وأي تخفيف في الموقف يمكن تفسيره على أنه الخطوة الأولى نحو الالتزامات، وأي تنازل كضعف، وأي لجنة كمحكمة في طور التكوين.
ولذلك، تقترح تركيا تقليديًا نهجًا آخر: فتح الأرشيفات، وتشكيل لجنة تاريخية مشتركة، ورفض التوصيف القانوني أحادي الجانب، والتطبيع دون شروط مسبقة. وغالبًا ما يطالب الجانب الأرمني، خاصة تحت ضغط الجاليات، بالترتيب العكسي: الاعتراف أولًا، ثم التطبيع.
وهكذا ينشأ المأزق.
وثمة عامل آخر وهو أذربيجان. بالنسبة لتركيا، لا تمثل العلاقات مع أذربيجان مجرد توجه في السياسة الخارجية، بل هي محور استراتيجي. وبعد استعادة أذربيجان لسلامة أراضيها وإغلاق صفحة قره باغ بشكلها السابق، تتابع أنقرة بعناية لضمان ألا يتحول التطبيع الأرمني التركي إلى عملية منفصلة تتجاهل مصالح باكو. ولذلك، فإن أي حملة تاريخية ضد تركيا تُقرأ حتمًا من منظور جنوب القوقاز أيضًا.
إن السلام بين باكو ويريفان، وفتح الممرات، والتجارة الإقليمية، ومسار زانجازور، والخدمات اللوجستية بين تركيا وأذربيجان وآسيا الوسطى - كل هذا يمكن أن يصبح أكثر أهمية لمستقبل المنطقة من حرب القرارات التذكارية الأبدية. لكن سياسة الجاليات غالبًا لا تعيش في المستقبل، بل في الماضي.
تركيا الداخل: لماذا يعزز الضغط الخارجي الخط المتشدد
يُعتقد في الغرب غالبًا أن الاعتراف بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" سيجبر المجتمع التركي على مراجعة موقفه. وفي الممارسة العملية، غالبًا ما يحدث العكس تمامًا.
بالنسبة لجزء كبير من المجتمع التركي، لا تبدو القرارات الخارجية كنقاش تاريخي نزيه، بل كهجوم على الشرف الوطني. وحتى العديد من منتقدي السلطة الحالية في تركيا ليسوا مستعدين لدعم الضغط الأجنبي بشأن هذا الموضوع. وتتفعل آلية الدفاع داخل البلاد: لقد اتحدت القوى الخارجية مجددًا ضد تركيا، والغرب يستخدم التاريخ كعصا، والجالية الأرمنية تطالب بالمستحيل، ويجب على الدولة أن تقف ثابتة.
وهكذا، فإن الضغط الخارجي لا يساعد على النقاش الليبرالي، بل يساعد على التعبئة القومية.
وتتزايد المشاعر المناهضة للغرب، وينمو الشك تجاه المنظمات الأرمنية، ويمكن أن يزداد الضغط على المؤرخين الليبراليين الأتراك. وأي محاولة لإجراء حوار أكثر تعقيدًا حول العنف في أواخر العهد العثماني، وعمليات الترحيل، والحرب، والمآسي المتبادلة، وانهيار الإمبراطورية تخاطر بأن تُفهم كخيانة.
هذه إحدى المفارقات الرئيسية للموضوع؛ فالضغط الأخلاقي من الخارج لا يوسع دائمًا مساحة الحقيقة داخل البلاد، بل يضيقها في بعض الأحيان.
وتدرك السلطة التركية هذه الآلية جيدًا وتعرف كيف تستخدمها؛ فالاتهام الخارجي يتحول إلى مورد داخلي للتعبئة. وتقول السلطة للمجتمع: انظروا، يريدون إركاعنا مجددًا. وهكذا يصبح الدفاع التاريخي جزءًا من الشرعية السياسية الحديثة.
حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والصفقة الكبرى
رغم كل سمية هذا الموضوع، لن تصبح تركيا دولة منبوذة؛ فهي مهمة للغاية من أجل ذلك.
تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، وتسيطر على البوسفور والدردنيل، وتحتل موقعًا رئيسيًا بين البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط والمتوسط وأوروبا. وقد أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في عام 2024 صراحة أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في التحالف وتنفق أكثر من 2 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.
لا يمكن ببساطة إلغاء هذا البلد؛ فالغرب بحاجة إليه من أجل البحر الأسود، وأوكرانيا، والهجرة، والطاقة، وسوريا، والعراق، والقوقاز، وكتوازن مضاد لروسيا، والاتصالات مع العالم الإسلامي، والسيطرة على تدفقات اللاجئين، واستقرار الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي. وهي بحاجة لروسيا كشريك معقد ولكنه لا غنى عنه. والصين بحاجة إليها في الطرق اللوجستية. والدول العربية بحاجة إليها كلاعب عسكري وتجاري وسياسي. والدول التركية بحاجة إليها كمركز تاريخي واستراتيجي.
ولذلك، لن يبني أحد في حلف شمال الأطلسي سياسته بالكامل تجاه تركيا حول أحداث عام 1915. لكن هذا لا يعني أن الموضوع غير ضار؛ فهو يعمل كمثير دائم للقلق. وعندما تطالب تركيا بالأسلحة، يتم تذكيرها بالتاريخ، وعندما تجادل أنقرة واشنطن، يحصل الكونجرس على حجة أخلاقية مناسبة، وعندما تتصادم تركيا مع إسرائيل، تطفو مسألة عام 1915، وعندما يُناقش توسيع نفوذ تركيا، يشكل خصومها صورة لدولة ذات "ماضٍ غير معترف به".
هكذا لا تعمل العزلة، بل يعمل تقييد المناورة.
اقتصاد الضغط
غالبًا ما يتم تضخيم العواقب الاقتصادية للاعتراف بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن"؛ فتركيا لن تنهار بسبب قرار برلماني، ولن يغادر المستثمرون لمجرد أن دولة أخرى اتخذت بيانًا تاريخيًا. إن الصادرات التركية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والطيران، والبناء، والصناعات الدفاعية، والطاقة تعتمد على مجموعة أوسع بكثير من العوامل.
ولكن الاقتصاد لا ينفصل عن السمعة.
إن صورة الدولة التي تعيش في صراع دائم ترفع من مستوى المخاطر السياسية. ويمكن لحملات الجاليات الأرمنية أن تضغط على الجامعات، والمتاحف، والشركات، والبلديات، والمراكز الثقافية، والمؤسسات، والمعارض، والمهرجانات، والبرامج الأكاديمية. وقد تواجه الخطوط الجوية التركية، والمؤسسات الثقافية التركية، والهياكل التعليمية، وجمعيات الأعمال احتجاجات، وحملات مقاطعة، ورفضًا، وحملات سلبية.
هذه ليست ضربة مدمرة، بل هي شرخ مستمر في الواجهة.
وتبدو القطاعات الأكاديمية والثقافية حساسة بشكل خاص؛ فتركيا تريد ترويج تاريخها، ولغتها، وثقافتها، ومسلسلاتها، وبرامجها التعليمية، وأرشيفاتها، ومراكز أبحاثها، لكن الخصوم يردون بالقول: قبل أن تروجوا لروايتكم التاريخية، اعترفوا بروايتنا. ونتيجة لذلك، تتحول الدبلوماسية الثقافية إلى ساحة معركة.
أثر التنازل الأول
لماذا تقاوم تركيا الاعتراف بكل هذه الشدة؟ لا يقتصر الأمر على الكبرياء التاريخي، ولا على الأسطورة الوطنية، ولا على الأرشيفات.
السبب الرئيسي هو الخوف من رد الفعل المتسلسل.
وفي التفكير السياسي التركي، تبدو هذه السلسلة على النحو التالي: الاعتراف - الذنب الأخلاقي - المسؤولية القانونية - التعويضات - المطالبات بالممتلكات - الأحاديث عن الأراضي - نزع الشرعية الدولية. وحتى لو كانت هذه السلسلة ضعيفة من وجهة نظر القانون الصارم، فإن الدولة ملزمة بالتفكير في المخاطر، وأنقرة لا تريد اختبار النقطة التي ستنقطع عندها هذه السلسلة.
المنطق التركي بسيط: إذا فُتح الباب الأول، فسيتم كسر الباب الذي يليه بقوة أكبر.
ولذلك، تفضل تركيا عدم الاعتراف بالمصطلح، وعدم قبول التوصيف القانوني، وعدم خلق سابقة، وعدم منح الخصوم صيغة يمكنهم استخدامها في المحاكم، والبرلمانات، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمنظمات الدولية.
هذا ليس مجرد جدل تاريخي، بل هي استراتيجية للدفاع القانوني عن النفس.
ثلاثة سيناريوهات: كيف يمكن أن تتطور هذه الحملة في المستقبل
السيناريو الأول هو السمية المدارة. يظل الموضوع مصدر إزعاج دائم، لكنه لا يؤدي إلى عقوبات كبرى أو عواقب قانونية حقيقية؛ فالبرلمانات تبنى القرارات، وتركيا تحتج، والسفراء يعودون، والعلاقات تستمر. هذا هو السيناريو الأكثر احتمالًا.
السيناريو الثاني هو التصعيد السياسي. في حال حدوث صراع كبير جديد لتركيا مع الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو فرنسا، أو الاتحاد الأوروبي، يتحول موضوع أحداث عام 1915 إلى أحد عناصر الضغط؛ حيث يُستخدم لحظر صفقات الدفاع، وتشديد التقارير، والضغط على المنظمات الدولية، وتعزيز حملات الجاليات. هذا لم يعد رمزية، بل أداة للمساومة.
السيناريو الثالث هو الاستنزاف القانوني. تستمر المنظمات الأرمنية والمطالبون الأفراد في رفع الدعاوى القضائية، والمطالبة بالتعويضات، والسعي لانتزاع قرارات بشأن الممتلكات، ومدفوعات التأمين، وأملاك الكنيسة، والأرشيفات. ستواجه معظم هذه المبادرات عقبات قانونية هائلة، ولكن حتى بدون تحقيق نصر نهائي، فإنها ستحافظ على الضغط الإعلامي ضد تركيا.
بالنسبة لأنقرة، فإن الخيار الأكثر خطورة هو المزج بين السيناريوهين الثاني والثالث: ضغط سياسي من الأعلى وحملة قانونية من الأسفل.
الخاتمة: سيتم استنزاف تركيا لسنوات
إن الاعتراف الجماعي بما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" ليس زرًا قانونيًا يفعل العقوبات، أو التعويضات، أو مراجعة الحدود تلقائيًا؛ فهو ليس حكمًا صادرًا عن محكمة العدل الدولية، وليس أمرًا تنفيذيًا، وليس مصادرة، وليس معاهدة حدودية جديدة، وليس آلية للعقاب الفوري لتركيا.
ولكن سيكون من الخطأ اعتبار هذا الموضوع غير ضار.
إن قوته تكمن في شيء آخر؛ فهو يحول الجدل التاريخي إلى عامل دائم في السياسة الدولية، ويمنح خصوم تركيا لغة أخلاقية مريحة، ويعزز نفوذ الجاليات، ويعقد العلاقات مع أرمينيا، ويضيق مساحة المناورة الدبلوماسية، ويضرب القوة الناعمة التركية. كما يمكن استخدامه في لحظات الأزمات ضد صفقات الدفاع، والمشاريع الثقافية، والمبادرات الأكاديمية، والطموحات السياسية الخارجية لأنقرة.
لن تتعرض تركيا لعزلة كاملة لأنها مهمة للغاية، ولكن سيتم استنزافها؛ ليس بضربة واحدة، بل بألف وخزة صغيرة. ليس بمحكمة غدًا، بل بقرارات، وحملات، وتقارير، وجلسات استماع، وبيانات، وتواريخ تذكارية، ومقاطعات جامعية، وتعديلات برلمانية، وخطوات دبلوماسية مضادة.
هذا هو السبب في أن أنقرة تتفاعل بكل هذه الصرامة؛ فهي تدرك أن الخلاف ليس حول الماضي فحسب، بل هو خلاف حول حق تركيا في التحدث باسم المستقبل دون ذيل اتهامي أبدي يجر خلف ظهرها.
لقد أصبح التاريخ هنا سلاحًا لا ذاكرة.
والأرشيف ساحة معركة لا أرشيفًا.
والقرار رافعة ضغط لا رمزًا.
وما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" أداة للسياسة الكبرى ضد تركيا، لا مجرد صيغة تاريخية.