...

في جنوب لبنان، لا تزال صور القادة الإيرانيين معلقة عند مداخل القرى الشيعية، كأيقونات سياسية للشرق الأوسط القديم: طهران في الأعلى، وحزب الله في الخطوط الأمامية، وإسرائيل في المرمى، وأمريكا مجبرة على إحصاء الصواريخ والمسارات وناقلات النفط والجنازات المحتملة. بدت هذه الصورة شبه ثابتة طوال أربعة عقود. ولكن بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وحرب غزة، وتدمير المسار السوري لإيران، واغتيال حسن نصر الله، وانهيار نظام بشار الأسد، والحرب الأمريكية الإيرانية المباشرة الجديدة، بدأت هذه الصورة تتشقق من الداخل.

لم يعد السؤال الرئيسي يدور حول ما إذا كان حزب الله لا يزال قوياً؛ فهو لا يزال كذلك. ولا حول ما إذا كان يشكل خطراً على إسرائيل؛ فهو خطير. ولا حتى حول ما إذا كانت إيران ستستمر في ضخ الأموال والصواريخ والمستشارين واللوجستيات والحماية السياسية فيه؛ فهي ستستمر. إن السؤال الحقيقي يكمن في مكان آخر: هل يمثل حزب الله اليوم أصلاً استراتيجياً لإيران، أم أنه يتحول بالفعل إلى عبء جيوسياسي يتعين إنقاذه بثمن يتجسد في المفاوضات مع الولايات المتحدة، والمخاطر في مضيق هرمز، والضربات الجديدة للاستقرار الإقليمي؟ هذا المنطق بالذات يقع في قلب المادة الأصلية لدانيال بايمان: شبكة الوكلاء الإيرانية لم تختفِ، لكن وظيفتها تغيرت بشكل جذري. لم تعد الدرع الرئيسي لطهران، بل أصبحت جزءاً من نظام ضغط أوسع، حيث لم يعد الرافعة الرئيسية جنوب لبنان، بل شريان الطاقة العالمي - مضيق هرمز.

وحتى وقت قريب، كانت الاستراتيجية الإيرانية مبنية على معادلة أنيقة وقاسية: ألا تحارب بنفسها، بل تحيط خصمها بحلقة من الوكلاء المسلحين. حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في الساحة الفلسطينية، والفصائل الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن، والأراضي السورية كممر للإمداد - كل هذا كان يُسمى "محور المقاومة"، ولكنه كان في الجوهر نظاماً موزعاً للابتزاز الاستراتيجي. كان بإمكان إسرائيل ضرب إيران، لكن كان عليها أن تتوقع أمطاراً من الصواريخ من لبنان. وكان بإمكان الولايات المتحدة الضغط بالعقوبات، لكن كان عليها أن تتذكر القواعد في الخليج، والملاحة البحرية، والبنية التحتية النفطية، وهشاشة حلفائها. بالنسبة لبلد ذي اقتصاد ضعيف، وسلاح جو محدود، وأسلحة تقليدية عتيقة تكنولوجياً، كانت هذه نموذجاً مثالياً تقريباً للقوة غير المتكافئة.

الآن، لم يَنهر هذا النموذج تماماً، ولكنه تدهور. وهذا الأمر أكثر خطورة من مجرد انهيار بسيط.

المعادلة القديمة: منخفضة التكلفة، بعيدة المدى، وقابلة للإنكار المقنع

لم تولد بنية الوكلاء الإيرانية كأيديولوجيا رومانسية، بل كرد فعل بارد على الضعف الاستراتيجي. فبعد ثورة عام ١٩٧٩، وجدت طهران نفسها في عزلة، ثم خاضت حرباً مدمرة مع العراق، ثم وقعت تحت العقوبات، ثم واجهت الوجود العسكري الأمريكي الممتد من الخليج العربي إلى أفغانستان. كان جيشها محدوداً، واقتصادها يعتمد على النفط، في حين تطلبت أيديولوجية الدولة تصدير النفوذ. ولم يكن الحل يكمن في حاملات الطائرات أو الفيالق العسكرية، بل في الشبكات المسلحة.

وقد أصبح حزب الله الجوهرة الثمينة في هذا النظام. لم يكن مجرد تنظيم لبناني، بل كان المشروع الخارجي الأكثر نجاحاً للحرس الثوري الإيراني. تمتع الحزب بقاعدة اجتماعية محلية، وتمثيل سياسي، وخبرة قتالية، وجهاز استخبارات خاص، ووسائل إعلام، وبنية تحتية مالية، وترسانة ضمت، وفقاً لتقديرات مختلفة سبقت الحرب الكبرى الأخيرة، ما بين ١٠٠ ألف و١٥٠ ألف صاروخ وذخيرة موجهة. وعنى هذا لإيران عمقاً استراتيجياً دون الدخول في حرب رسمية، وشكل بالنسبة لإسرائيل تهديداً باستهداف بنيتها التحتية المدنية في حال توجيه ضربة للأراضي الإيرانية.

وفقاً لهذا المنطق، لم يكن حزب الله أداة مساعدة، بل ركيزة أساسية للردع؛ كان بمثابة جيش لبناني لإيران ولكن دون رفع علمها. وإذا هاجمت إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية، كان بإمكان حزب الله الرد باستهداف حيفا وتل أبيب والقواعد العسكرية والمنشآت الصناعية. وإذا شددت الولايات المتحدة الضغط، كان بإمكان الفصائل العراقية ضرب الأهداف الأمريكية. وإذا تحدث الغرب عن حصار بحري، كان بإمكان الحوثيين رفع تكلفة الملاحة في البحر الأحمر. أتاح كل هذا لطهران ممارسة التهديد دون الاعتراف دائماً بمسؤوليتها المباشرة.

عمل هذا النموذج لعدة عقود، وتظهر آثاره الدامية منذ ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام ١٩٨٣، ارتبطت سلسلة من الهجمات في الكويت بالهياكل الشيعية الموالية لإيران، واعتُبرت عقاباً على دعم العراق في الحرب العراقية الإيرانية. وفي عام ١٩٩٦، أدى تفجير مجمع أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية إلى مقتل ١٩ عسكرياً أمريكياً وإصابة المئات؛ وربطت واشنطن تلك القضية بمسلحين شيعة سعوديين موالين لإيران. هكذا تعلمت طهران الفن الأسمى للقوى الضعيفة: إلحاق الألم بالأعداء الأقوياء بأيدي الآخرين.

السابع من أكتوبر لم يكسر إسرائيل بل كسر الحذر القديم

كان من فرضيات هجوم حماس في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، بحسب منطق "محور المقاومة"، أن يغير التوازن لصالح إيران وحلفائها. وفي الأسابيع الأولى، بدا أن إسرائيل قد استُدرجت إلى جبهات متعددة، وأن الولايات المتحدة مجبرة مجدداً على إخماد حريق إقليمي. غير أن الأثر الاستراتيجي جاء عكسياً؛ إذ خلصت إسرائيل إلى استنتاج كارثي لطهران: إذا كان الوكلاء يهاجمون بالفعل، وإذا كان الردع لا يجدي نفعاً، وإذا كانت تكلفة السلبية أعلى من تكلفة التصعيد، فإن الضرب لا يجب أن يقتصر على المنفذين بل يجب أن يطال المهندسين أيضاً.

هنا تحديداً حدث التحول النفسي الرئيسي. فقبل عام ٢٠٢٣، كان وكلاء إيران يجبرون إسرائيل على توخي الحذر، أما بعد عام ٢٠٢٣، فقد تحولوا إلى ذريعة لتوسيع نطاق الحرب. وما كان يمثل في السابق تأميناً لإيران، أصبح صك اتهام ضدها.

وفي عام ٢٠٢٤، وجهت إسرائيل لحزب الله سلسلة من الضربات التي غيرت الهيكل الداخلي للتنظيم؛ حيث اغتيل حسن نصر الله وعدة قادة بارزين ومسؤولين سياسيين وعسكريين، وفقد التنظيم نفسه جزءاً كبيراً من نخبته القيادية الخبيرة. وذكر محللو معهد دراسات الأمن القومي أن الزعيم الجديد، نعيم قاسم، لا يملك هيبة نصر الله أو صفاته، كما أن غياب الحرس القديم عقّد عملية اتخاذ القرار داخل التنظيم.

وحتى لو تم تبني التقديرات الأكثر حذراً، فإن القدرة العسكرية لحزب الله لم تعد كما كانت. فقبل الحرب، كانت ترسانته تُقدر غالباً بـ ١٢٠ إلى ٢٠٠ ألف صاروخ وقذيفة. وفي عام ٢٠٢٦، تحدثت بعض التقديرات عن تراجعها إلى حوالي ٢٥ ألف صاروخ، معظمها قصير ومتوسط المدى. وحتى لو كانت هذه الأرقام محل جدل، فإن اتجاه التغيير يبدو واضحاً: لقد احتفظ حزب الله بالقدرة على إلحاق الضرر، لكنه فقد صورة الوحش الصاروخي الذي لا ينضب والذي كان بمقدوره شل حركة إسرائيل لشهور.

ولا يعني هذا أن إسرائيل قد هزمت حزب الله بشكل نهائي؛ ففي الشرق الأوسط، نادراً ما تختفي مثل هذه التنظيمات بعد الهزيمة، بل تتواري عن الأنظار، وتعيد بناء قنواتها، وتغير قادتها، وتخفي ترساناتها، وترمم شبكتها الاجتماعية، بانتظار أن ينهك العدو. ولكن من وجهة نظر إيران، فإن الأهم هو أمر آخر: لقد كف حزب الله عن كونه ضمانة موثوقة لحصانة طهران.

الكارثة السورية: إيران لم تخسر حليفاً بل خسرت ممرّاً عسكرياً

وشكل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤ ضربة لإيران، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على صعيد البنية التحتية أيضاً. لم تكن سوريا مجرد شريك، بل كانت مستودعاً، ومنطقة ترانزيت، وعمقاً استراتيجياً، وجسراً مؤدياً إلى لبنان، ومنصة للضغط على إسرائيل. وعبر الأراضي السورية، استمر إمداد حزب الله لعقود، وتمركز المستشارون الإيرانيون، ونشطت شبكات الحرس الثوري الإيراني. وبعد وصول السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تم تمزيق هذه البنية التحتية. ووصف مجلس العلاقات الخارجية سقوط الأسد بأنه تغير حاد في التوازن السوري بعد السابع من أكتوبر، بينما أشارت إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية مباشرة إلى أن إيران فقدت قاعدة رئيسية على البحر الأبيض المتوسط ومسار إمداد حيوي لحزب الله.

لقد غير هذا الأمر الحسابات برمتها. في السابق، كان بإمكان إيران إعادة بناء حزب الله عبر الشريان السوري، أما الآن، فإن أي تدفق كبير للأسلحة أصبح أكثر تعقيداً وتكلفة ووضوحاً. والسلطة السورية الجديدة، المعادية للإرث الإيراني بسبب دعم الأسد، ليست مهتمة بإحياء الممر القديم. ويعني هذا لحزب الله انكماشاً استراتيجياً، ولإيران ارتفاعاً في تكلفة كل مستودع صواريخ في لبنان. وهنا تكمن معضلة طهران الجديدة؛ ففي السابق كان حزب الله يمثل أصلاً استثمارياً: تمنحه الصواريخ فتحصل على الردع، أما الآن، فإنه يبدو أشبه بالتزام مالي يتطلب الضخ مراراً وتكراراً مع تراجع العوائد.

المعادلة الجديدة للضغط: ليست صواريخ على إسرائيل بل الخوف عند محطة الوقود

إن الاستنتاج الأكثر أهمية في الأشهر الأخيرة هو أن إيران وجدت أداة تأثير أسرع على الولايات المتحدة من الصواريخ اللبنانية، وتلك الأداة هي مضيق هرمز.

ويمر عبر هرمز جزء حيوي من تدفقات النفط والغاز العالمية. وأي خلل في هذا المضيق البحري الضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، ومعدلات التأمين، وأجور الشحن، وسلوك الأسواق، والضغط السياسي على واشنطن. وإذا ضرب حزب الله إسرائيل، فقد يرى الناخب الأمريكي ذلك كحرب بعيدة، أما إذا رفعت إيران أسعار الوقود، فإن الحرب تدخل حياة المواطن الأمريكي عبر فاتورة محطة التزود بالوقود. وبالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب، لم يعد هذا الأمر مجرد فكرة مجردة في الشرق الأوسط، بل مشكلة سياسية داخلية.

ولهذا السبب بالذات، لم يكن السماح الأمريكي المؤقت لمدة ٦٠ يوماً بإجراء معاملات في النفط الإيراني مجرد تسهيل تقني، بل كان اعترافاً بالواقع الجديد. وذكرت وكالة رويترز أنه في ٢٢ يونيو ٢٠٢٦، أصدرت واشنطن رخصة عامة مؤقتة تسمح ببيع وشحن واستيراد النفط الإيراني والمنتجات النفطية والمشتقات، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمينية والنقل المرتبطة بها، فضلاً عن العمليات بالدولار. وارتبط ذلك بالمفاوضات والالتزامات المتعلقة بالمرور عبر هرمز وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبعبارة أخرى، حصلت إيران على ما كانت تسعى إليه لعقود من خلال صراع العقوبات: متنفس مالي دون استسلام فوري فيما يتعلق ببرنامجيها النووي والصاروخي. ليس لأن حزب الله كان مستعداً لفتح جبهة شمالية، بل لأن هرمز أثبت أنه أقوى من لبنان.

المضيق بدلاً من الوكلاء: كيف غيّرت طهران لغة الابتزاز

أظهرت أحداث الفترة الممتدة من ٢٠ إلى ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ مدى السرعة التي تعلمت بها إيران تحويل الحرب الإقليمية إلى قلق اقتصادي عالمي. ففي ٢٠ يونيو، أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، واضعةً ذلك في سياق الهجمات الإسرائيلية على لبنان والتقاعس الأمريكي. وبحلول ٢٥ يونيو، رفضت إيران خطة مدعومة من الأمم المتحدة لسحب السفن من المنطقة الخطرة، وأصرت فعلياً على فرض سيطرتها الخاصة على حركة العبور. وفي ٢٦ يونيو، شنت الولايات المتحدة ضربات على منشآت إيرانية عقب هجوم استهدف سفينة تجارية بالقرب من المضيق.

ولا تكمن الأهمية هنا في المواجهة ذاتها فحسب، بل في آليتها السياسية؛ إذ أثبتت إيران أن مصير حزب الله في لبنان يمكن ربطه بسلامة الملاحة البحرية العالمية. فإذا استمرت إسرائيل في الضغط على حزب الله، تخلق إيران أزمة في هرمز. وإذا أرادت الولايات المتحدة الهدوء في سوق الطاقة، فعليها الضغط على إسرائيل وليس على طهران وحدها. وإذا كانت دول الخليج لا تريد ضربات تستهدف الموانئ والمطارات والفنادق والمنشآت النفطية والقواعد، فعليها إقناع واشنطن بعدم دفع الأمور نحو حرب جديدة.

لم تعد هذه حرب وكلاء كلاسيكية، بل هي إجبار عبر نقاط الضعف الهيكلية للاقتصاد العالمي.

ولهذا السبب بالذات، لم يعد حزب الله مجرد أداة لإيران، بل صار ذريعة؛ إذ لم تعد طهران تختبئ خلف حليفها اللبناني بقدر ما تستخدمه كأرضية سياسية للضغط على الولايات المتحدة: أوقفوا إسرائيل، وإلا سيعود هرمز مشكلة تؤرق الجميع.

لماذا لم يذهب حزب الله إلى خيار المواجهة الشاملة

تمثل المشهد الأكثر إحراجاً لطهران في هذه الحرب الجديدة في أنه عندما وجدت إيران نفسها تحت هجوم مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعمل شبكة الوكلاء ككابوس استراتيجي كما كان يُفترض؛ إذ أطلق حزب الله الصواريخ والطائرات المسيرة، لكنه لم ينتقل إلى الحرب الشاملة، ولم يستخدم ما تبقى من ترسانته كاملة، ولم يبدأ غزوًا واسع النطاق، ولم يحاول شل حركة إسرائيل بأي ثمن. واقتصر الحوثيون على ضربات رمزية، بينما تصرفت الفصائل العراقية بحذر فاق توقعات الكثير من مؤيدي نظرية "جهاز التحكم الإيراني".

ولا يعني هذا بالضرورة خيانة، بل يظهر استقلالية وعقلانية اللاعبين الوكلاء. فحزب الله محكوم ببيئة لبنانية، وبنية تحتية مدمرة، وقاعدة شيعية مكشوفة، وخصوم سياسيين داخل لبنان، وخوف من خسارة ما تبقى نهائياً بعد عام ٢٠٢٤. وللفصائل العراقية مصالح تجارية، وعلاقات وزارية، ومواقع في مؤسسات الدولة، وليس لها مصلحة في تحويل العراق إلى ساحة لحرب مباشرة بين أمريكا وإيران. وللحوثيين منطقهم اليمني الخاص؛ فهم يعتمدون على إيران لكنهم ليسوا أزراراً تعمل تلقائياً.

لطالما كانت هذه الاستقلالية قائمة، لكنها أصبحت اليوم مؤلمة استراتيجياً لطهران. يمكن للوكلاء رفع تكلفة الحرب، لكنهم غير ملزمين بالموت من أجل إنقاذ النظام الإيراني. هم يحصلون من إيران على المال والسلاح والشرعية السياسية، لكنهم في لحظة الخطر المباشر يحسبون فرص بقائهم الخاصة.

ولذلك، أصبح التعبير القديم "الوكلاء الإيرانيون" بسيطاً ومسطحاً للغاية؛ فهم ليسوا دمى، بل عملاء، وحلفاء، وشركاء، وأحياناً تابعون، وفي أحيان أخرى لاعبون مستقلون. يمكن توجيههم، لكن لا يمكن برمجتهم بالكامل.

إيران بعد علي خامنئي: سلطة جديدة وإمبراطورية شبكات قديمة

يتضاعف تعقيد الموقف بالنظر إلى أن إيران لا تمر بأزمة سياسة خارجية فحسب، بل بمرحلة انتقال داخلي للسلطة. فبعد وفاة علي خامنئي وانتقال السلطة العليا إلى مجتبى خامنئي، وجدت المنظومة الإيرانية نفسها في وضع غير معتاد: تم الحفاظ على الاستمرارية الشكلية، لكن الشرعية والتوازن بين السلطة الدينية، والرئيس، والمحافظين في البرلمان، والحرس الثوري الإيراني، أصبحت أكثر هشاشة. وأفادت الجزيرة وصحيفة الغارديان بأنه تم تسمية مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً في مارس ٢٠٢٦ بعد وفاة والده.

بالنسبة للقيادة الجديدة، فإن التخلي عن حزب الله يمثل انتحاراً أيديولوجياً شبه كامل. فقد دأب النظام الثوري الإيراني لعقود على إقناع مجتمعه وحلفائه بأنه لا يتخلى عن "محور المقاومة". وإذا سمحت طهران الآن لإسرائيل بالقضاء على حزب الله، فلن يتردد صدى ذلك في بيروت وحدها، بل سيُسمع في صنعاء وبغداد وغزة ودمشق وداخل الحرس الثوري الإيراني نفسه. إن ولاء الشبكات لا يقوم على المال وحده، بل على اليقين بأن الراعي لن يختفي في اللحظة الحرجة.

لذلك، تجد إيران نفسها مجبرة على حماية حزب الله حتى عندما يكون ذلك غير مجدٍ اقتصادياً ودبلوماسياً. قد تكون بحاجة إلى تخفيف العقوبات، وتدفق الأموال، واستعادة الصادرات النفطية، والاستقرار الداخلي، ولكن إذا كان ثمن هذه المكاسب هو ترك حزب الله علناً تحت الضربات الإسرائيلية، فإن طهران تخاطر بخسارة ما هو أكثر من مجرد حليف؛ تخاطر بخسارة سمعتها كمركز للشبكة الإقليمية بأكملها.

هكذا يتحول الأصل إلى عبء: لا يمكن التخلي عنه، حتى لو توقف عن تحقيق أرباحه الاستراتيجية السابقة.

المعضلة الإسرائيلية: القضاء عليه مستحيل والتوقف متعذر

بالنسبة لإسرائيل، لا يمثل الوضع الجديد انتصاراً بسيطاً أيضاً. فمن ناحية، يبدو حزب الله ضعيفاً، وبنيته القيادية متضررة، والممر السوري لإيران مدمر، والخوف السابق من الجبهة الشمالية قد تم تجاوزه جزئياً. ولكن من ناحية أخرى، يمكن لكل هجوم إسرائيلي جديد على لبنان أن يتحول الآن من مجرد عملية محلية إلى شرارة تفجر أزمة أمريكية إيرانية.

تريد إسرائيل تثبيت النتيجة العسكرية: منع حزب الله من التعافي، وعدم السماح لإيران باستعادة لوجستياتها، ومنع أي تراكم صاروخي جديد قرب الحدود الشمالية. لكن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تنظر إلى مشهد أوسع: هي بحاجة إلى إطار إقليمي للتهدئة، والسيطرة على هرمز، وخفض مخاطر الأسعار، وإطلاق عملية تفاوضية مع إيران، والتحكم في حلفائها. وأشارت رويترز إلى أن الاتفاق المؤقت بين أمريكا وإيران ضرب موقف بنيامين نتنياهو، نظراً لأن واشنطن بدأت في الدفع نحو تسوية في الشرق الأوسط دون الأخذ في الاعتبار الاعتراضات الإسرائيلية بالكامل.

وفي هذا التضارب في المصالح، تواجه إسرائيل خطر التحول من حليف رئيسي للولايات المتحدة إلى مصدر لعدم الاستقرار يهدد الاتفاق الأمريكي. هذا تحول دراماتيكي؛ فلطالما أقنع نتنياهو واشنطن لسنوات بأن إيران هي التهديد المركزي، والآن ترى واشنطن أن استمرار إسرائيل في الحرب ضد حزب الله قد يفسد المفاوضات، ويفجر هرمز مجدداً، ويرفع أسعار النفط.

ويمثل هذا الوضع فرصة لإيران؛ إذ يمكنها تقديم نفسها ليس كطرف معتدٍ، بل كطرف أُجبر على الرد من أجل لبنان والتوازن و"العدالة". إنه منطق براغماتي، لكنه فعال.

اقتصاد الحرب الجديدة: الصاروخ أرخص، لكن المضيق أكثر ربحاً

كانت حرب الوكالة جاذبة لإيران لأنها كلفة إدارتها رخيصة نسبياً؛ إذ إن دعم شبكة مسلحة أقل كلفة من بناء سلاح جو حديث، أو مجموعات حاملات طائرات، أو نظام كامل لفرض القوة عالمياً. لكن هذا الرخص كان ذا جدوى طالما أن الوكلاء يشكلون قوة ردع، أما إذا أصبحوا بحاجة إلى ترميم مستمر، وتعويض للخسائر، وتغطية سياسية، ومساومات دبلوماسية، فإن كلفتهم ترتفع.

أما مضيق هرمز فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ لا يتطلب الأمر إطلاق آلاف الصواريخ، بل يكفي مجرد التهديد، وبضع حوادث، وضبابية الألغام، وهجمات بالطائرات المسيرة، ونزاع حول المسارات، ومخاطر التأمين، ليتولى السوق العالمي الباقي. إن أسعار النفط، وكلفة التأمين، وتأخر الناقلات، والقلق في دول الخليج، والضغط على واشنطن، كلها تخلق أثراً لم يعد بمقدور حزب الله ضمانه بسرعة وبشكل موثوق.

لكن هذه الاستراتيجية خطيرة على إيران نفسها؛ فهرمز سلاح يضرب الجميع، بما في ذلك الشركاء والمشترون والجيران. فالصين، والهند، ودول الخليج، وحتى الوسطاء المحتملون، ليسوا مهتمين بعسكرة دائمة للمضيق. وإذا تمسكت طهران بهذه الرافعة بكثرة، فقد تحول الميزة المؤقتة إلى تحالف طويل الأمد ضدها.

ومع ذلك، تلمس إيران النتيجة على المدى القصير: الولايات المتحدة تتفاوض، وضغط العقوبات يتراجع جزئياً، ودول الخليج تشعر بالقلق، وإسرائيل تواجه قيوداً، بينما يحصل حزب الله على فرصة لالتقاط الأنفاس.

ثلاثة سيناريوهات: الترميم، التجميد، أو انفجار جديد

السيناريو الأول هو "الترميم الموجه"؛ وفي هذا المسار تستمر الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل، ويحصل لبنان على وقف إطلاق نار هش، ولا ينزع حزب الله سلاحه لكنه يخفض أنشطته، وتستعيد إيران تدريجياً جزءاً من قدراته عبر قنوات أكثر سرية وكلفة. وهذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا استمرت الصفقة الأمريكية الإيرانية.

السيناريو الثاني هو "التجميد الاستراتيجي"؛ حيث يظل حزب الله قوياً داخل لبنان، لكنه لا يعود إلى مستواه السابق في الردع الإقليمي. ويتحول إلى قوة دفاعية للمجال الشيعي، وليس السيف الخارجي الرئيسي لإيران. وتنقل طهران روافع الضغط الأساسية إلى هرمز والخليج والفضاء السيبراني والبرنامج الصاروخي والدبلوماسية المباشرة مع واشنطن. هذا هو السيناريو الأكثر عقلانية لإيران، لكنه يتطلب انضباطاً تفتقر إليه الأنظمة الثورية غالباً.

السيناريو الثالث هو "التصعيد الجديد"؛ حيث تقرر إسرائيل أن نافذة الفرص ضد حزب الله فريدة ولا يمكن تفويتها. وتستمر الضربات، وتستخدم طهران هرمز مجدداً، وترد الولايات المتحدة، وتنجر دول الخليج إلى الأزمة، ويحاول "محور المقاومة" إثبات أنه لا يزال حياً. وفي هذه الحالة، يدخل الشرق الأوسط حرباً من نوع جديد: ليست حرب جيوش كلاسيكية كبرى، بل سلسلة أزمات مترابطة، تصبح فيها أجزاء المنظومة الواحدة متمثلة في لبنان، وهرمز، والعراق، واليمن، والنفط، العقوبات، والانتخابات الداخلية الأمريكية.

مفارقة المنتصر: إيران أصبحت أقوى لأن شبكتها ضعفت

إن النتيجة الأكثر غرابة في السنوات الأخيرة هي أن إضعاف الوكلاء لم يضعف إيران بالضرورة على المدى القصير، بل أجبر طهران على البحث عن روافع أخرى، ووجد طريقة أكثر مباشرة للتحدث مع واشنطن. في السابق، كانت إيران تتحدث عبر حزب الله، والآن تتحدث عبر هرمز. في السابق، كانت تهدد إسرائيل بالجبهة الشمالية، والآن تهدد الاقتصاد العالمي بانهيار عصبي.

لكن على المدى الطويل، يعد هذا انتصاراً خطيراً. فقد كانت شبكة الوكلاء قيمة لأنها توزع المخاطر، بينما يركز هرمز المخاطر على إيران نفسها. فإذا أخطأ حزب الله، كان بإمكان طهران النأي بنفسها، أما إذا أغلقت إيران المضيق أو هاجمت الملاحة، فلا توجد مسافة فاصلة؛ بل أثر مباشر، وعنوان مباشر، وخطر رد مباشر.

ولهذا السبب، لا يعد حزب الله اليوم أصلاً ميتاً، بل أصلاً متغيراً؛ فهو لا يزال مطلوباً لإيران من أجل لبنان، وللضغط على إسرائيل، ولصورة "محور المقاومة"، وللربط مع المنطقة الشيعية، لكنه لم يعد يؤدي الوظيفة الرئيسية التي بُني لأجلها لعقود: لم يعد يضمن أمن إيران نفسها.

نهاية "محور المقاومة" القديم

دخل الشرق الأوسط مرحلة تُحفظ فيها المسميات القديمة لكن مضمونها يتغير؛ فـ"محور المقاومة" قائم، لكن ليس كجبهة حديدية موحدة. وحزب الله قائم، لكن ليس كالسيف الاستراتيجي المصون لطهران. والقوة الإيرانية قائمة، لكنها تظهر الآن بكثرة ليس عبر الصواريخ اللبنانية، بل عبر القدرة على تعطيل الدورة الدموية للطاقة العالمية.

ولا يجعل هذا الأمر المنطقة أكثر أماناً؛ بل على العكس، كان النظام القديم وحشياً لكنه مفهوم، أما النظام الجديد فأكثر توتراً وهجاناً وغير قابل للتنبؤ. وفيه يمكن لضربة واحدة في جنوب لبنان أن يتردد صداها في هرمز، ويمكن لناقلة نفط واحدة أن تصبح حجة في المفاوضات النووية، ويمكن لقائد لبناني واحد أن يكلف مليارات الدولارات في سوق النفط، ويمكن لتقدير خاطئ واحد من إسرائيل أو إيران أن يفسد صفقة تحاول واشنطن تسويقها كنهاية للحرب.

الخلاصة الرئيسية بسيطة ومقلقة: إيران لم تعد تعتمد على حزب الله كما في السابق، لكنها لا تستطيع التخلي عنه أيضاً، وهنا تكمن مصيدة طهران؛ إذ تجاوزت آلية الوكلاء الخاصة بها، لكنها تظل أسيرة لرمزيتها وديونها ووعودها القديمة.

في السابق، كان حزب الله يحمي إيران من الحرب، والآن تحمي إيران حزب الله من الهزيمة. وفي هذا التحول تحديداً، يُسمع الدوي الحقيقي للشرق الأوسط الجديد.